فداء عيتاني يكتب عن ملاك الثورة السورية وشياطينها: تشبه كل الانتفاضات بعذاباتها وأحلامها ولصوصها

360

“فداء عيتاني” يكتب عن ملاك الثورة السورية وشياطينها: تشبه كل الانتفاضات بعذاباتها وأحلامها ولصوصها
فارس الرفاعي – زمان الوصل   |  2014-12-20

عيتاني: استقبال القافلة الأولى من المقاتلين الداخلين إلى حلب يشبه استقبال أبطال الأساطير اليونانية

“ملاك الثورة وشياطينها–عامان في شمال سوريا”..عنوان الكتاب الذي صدر عن “دار الريس” منذ أيام للصحفي والكاتب اللبناني “فداء عيتاني”، وفيه يروي سيرة الثورة السورية، منذ بداياتها، كما عايشها الكاتب وسمع عنها ممن شاركوا فيها منذ أيامها الأولى، وكيف تطورت حتى استولت تنظيمات إسلامية “متطرفة” على الأرض مبعدةً القوى التي شاركت في بدايات الثورة والعمل المسلح عن تقرير مصيرها بنفسها.

ويكشف الكاتب عيتاني في كتابه جوانب من عملية اعتقاله إثر مشاركته في المفاوضات لإطلاق عدد من المخطوفين اللبنانيين في الشمال السوري. ويختم الكتاب بالمرحلة التي بدأت فيها عملية مواجهة التنظيمات الإسلامية الجهادية تأخذ منحى تناحرياً في سوريا.

حافظ الكاتب على الاستمرار في التردد على مناطق سوريا المحررة من قوات النظام منذ منتصف العام 2012 متابعاً قضايا الثورة والحرب هناك. وقدم رؤيته في تطور النزاع هناك في عدد من العواصم الغربية.

حول فكرة الكتاب وظروف تأليفه قال الكاتب والصحفي “فداء عيتاني” في حديث خاص لـ”زمان الوصل”:

كنت أزور سوريا بداية بحثاً عن المخطوفين اللبنانيين بإعزاز، وكانت الفكرة حول سوريا غير واضحة، على الرغم من قرب المسافة الجغرافية، وعلى ضفتي الحدث، كان الإعلام ينقل ما يرغب وليس ما يرى، واكتشفت عالماً جديد اسمه عالم سوريا بعد التحرر”.

ويضيف عيتاني: “مع تكرار الرحلات حتى شهر آب 2012 وجدت من اللازم أن أكتب مادة كبيرة حول سوريا، كنت أسجل ما أعيشه وما أراه على مدونتي، وأحضّر للكتاب، وأجلت نشره عدة مرات حتى استكمل مراحل في الثورة، حتى تحولت “حرباً أهلية”، ثم ظهرت داعش وأخيراً ومع منتصف العام الحالي قررت أن أتوقف وأنشر ما كتبتُ”.

ويستطرد عيتاني كاشفاً ملامح الواقع كما عايشه آنذاك:”في البداية وحتى معركة حلب في صيف 2012 كان حلم من أحلام اليقظة على رغم سوء أداء المعارضة في الخارج، إلا أن التعاطف الشعبي مع الثوار وتأييد الناس للثورة والتحرر كان يفوق الوصف”.

ويتذكر عيتاني أن استقبال القافلة الأولى من المقاتلين الداخلين إلى مدينة حلب، التي كان من ضمنها- يشبه استقبال أبطال الأساطير اليونانية، ثم تفشّت-كما يقول- أمراض الحروب والموت والدمار والنزاعات الصغيرة، وجرائم التسيب والنزاعات المذهبية وانتشرت (داعش والنصرة)”.

فيما بعد تعرض الكاتب “فداء عيتاني” لعمليتي أسر من بعض القوى الثورية التي كانت مسيطرة على الأرض في حلب وريفها، وحول ذلك يروي قائلاً:”تم أسري للمرة الأولى على أيدي مجموعة تابعة للجيش الحر، هي “لواء عاصفة الشمال” ويضيف: “وقعت لاحقاً بين يدي تنظيم الدولة الإسلامية ولكن لنهار واحد”.

ويؤكد عيتاني أن عملية أسره من قبل “عاصفة الشمال” جاءت كنتيجة لـ”استسهال نسخ تجربة النظام السوري وانفلات بعض أمراء الحرب من الحالة الثورية، وتحولهم إلى أدوات طيعة بيد الممولين الخارجيين”.

*الخطف المسيس
وحول اختياره لعنوان “ملاك الثورة وشياطينها” اسماً لكتابه، وهل يوحي هذا العنوان بكشف ما هو مخبوء في الثورة السورية قال عيتاني: “لا أعرف إن كنا نتحدث عن التجاوزات، أو غيرها، أعلم أنني اكتشفت الثورة في وسوريا، وهي الثورة الوحيدة التي عاصرناها مباشرة”.

وأضاف: “هذه الثورة تشبه كل الثورات التي كنا نقرأ عنها بكل عذاباتها وآلامها وأحلامها ولصوصها، والملاك فيها هو التحرر الإنساني من الاستعباد والظلم، أما الشياطين فهي كل شيء آخر”.

واستدرك عيتاني قائلاً: “منذ اللحظة الأولى لتأليف الكتاب تعمدت ألا أراعي أحداً، وان أكتب ما عشت ورأيت وحتى عن اضطراري لحمل السلاح وهو خطيئة في مهنتي، ولكني قررت أن أسجل كل ما رأيت، أو على الأقل أكثر ما لفتني في هذه الثورة، حتى لو لم يتبق لي محب في سوريا”.

وحول دوافع حمله للسلاح وهو الذي لم يعتدْ سوى حمل القلم قال الكاتب فداء عيتاني: “حملت السلاح دفاعاً عن النفس، في ظل فوضى السلاح” وأردف: “أعتقد أن للصحافي الحق في حماية نفسه، السبب الرئيسي لعدم حملنا السلاح كصحافيين هو حتى لا نُحسب على طرف، وحتى لا نتحول إلى أهداف في المعارك، حملت السلاح ولكني كنت أعلم أنني لن أفقد موضوعيتي، بغض النظر عما يعتقده الآخرون، وحملت السلاح لأن الصحافي مستهدف في سوريا من قبل قوات النظام أكثر من المقاتلين”.

ولدى سؤاله إن كان قد ندم على هذه الخطوة نفى عيتاني ذلك قائلاً” لم أندم على ما فعلت، بل على العكس، ربما إذا عدت في زيارة لاحقة إلى المناطق الساخنة سأعود لحمل بندقيتي القصيرة”.

يتوقف كتاب “ملاك الثورة وشياطينها” عند ظاهرة الخطف متناولاً ما يسميه المؤلف بـ “الخطف المسيس” وحول توصيفه لهذه الظاهرة التي كان أحد ضحاياها وما هي دوافعها ومحركيها في الثورة السورية يقول المؤلف عيتاني:”الخطف ظاهرة شائعة في الحروب والنزاعات المسلحة، إلا أنها أصبحت لافتة في سوريا، تحولت من خطف لأسباب سياسية، إلى خطف من أجل تمويل المقاتلين”.

ويوضح عيتاني: “هي كانت لافتة في البداية لأنها حملت كل أمراض النظام، فالخطف يتم على الشبهة، وينكر الفصيل وجود المخطوف لديه”، ويضيف: “تطورت هذه الظاهرة لاحقاً مع انفلات الأمور إلى استخدام أساليب في التعذيب، إما لاستخلاص معلومات وأما للاقتصاص.

ويروي عيتاني إنه كان شاهداً على إطلاق سراح عناصر من الجيش السوري يخدمون في قطاعات لوجستية في البداية”، مشيراً إلى أن :” التسامح كان في البداية سمة من سمات الثورة، ثم راح التشنج المذهبي وردات الفعل الغرائزية تتجذران في القوى المسلحة، التي فقدت الاتجاه السياسي وأصبحت أسيرة الأمراض زرعها هذا النظام في المجتمع السوري”.

*أموات على قيد الحياة!
وحول تفسيره لوفرة الكتب الغربية التي أرّخت للثورة السورية وندرتها بالنسبة للعرب، وما أسباب هذا التقصير من وجهة نظره ألمح عيتاني إلى أن “هذا الأمر محيّر فعلاً ولكن هناك جانب غطاه بعض الكتاب العرب حول الثورة، وهناك جوانب متعددة لم تتم معالجتها”.

واستدرك عيتاني موضّحاً:” أعتقد أن الاهتمام الغربي سمح للكتاب والصحافيين الغربيين بتمويل رحلاتهم وأعمالهم وأبحاثهم في سوريا، وخاصة في العامين الأولين، بينما تعلم أن الاهتمام بالاستثمار في الكتابة أمر نادر في عالمنا العربي”.

وفيما يتعلق بثنائية الحيادية والتحيز بالنسبة لكتب الغربيين حول الثورة السورية أوضح عيتاني: “في البداية نقل الإعلام الغربي صورة الثورة السلمية كما هي، ثم تسلحت الثورة، وبدأت التجاوزات”.

وأردف قائلاً: “على الرغم من ذلك كان الإعلاميون الغربيون يرون في هؤلاء الشبان مقاتلين من أجل حريتهم ووطنهم، ثم ما لبثت أن بدأت المظاهر القاعدية بالانتشار، وبدأت عمليات التعدي على الصحافيين، وتحولت المسألة برمتها، فأصبح هناك من يطالب بدولة إسلامية، ويدين العلمانية” وهذا بالنسبة للإعلام الغربي-كما يقول عيتاني- “تجاوز لكل الخطوط الحمر”.

ويتابع محدثنا: “لقد تحولت القاعدة إلى شيطان في الرأي الغربي، ولم يكن من السهل أن يتحرك الصحافي الغربي وهو يعلم أن في الجبهة وعلى مبعدة بضعة خطوات عنه هناك شخص من الجزيرة العربية أو من الشيشان يعتنق الفكر القاعدي، وللأسف فإن المعارضة السورية لم تفهم أهمية نبذ التطرف حتى اللحظة”.

وحول انتقادات البعض له لتعاطفه مع الإسلاميين وتوجهه لتأريخ الحركات الأصولية وإن كان هذا يمثل تحولاً جذرياً في حياته وآلية تفكيره كعلماني رد “فداء عيتاني”قائلاً:”لم أبدِ تعاطفاً مع الإسلاميين بشكل خاص، أحاول دائما أن أفهم مصادر تفكيرهم ومحفزات حراكهم، أما تعاطفي فهو مع البشر، ثمة 22 مليون سوري يعيشون أمواتاً على قيد الحياة”.

وروى عيتاني: “حين زرت سوريا قبل الثورة عدة مرات أخبرت أصدقائي إن الإنسان السوري هو من يسير عابساً في الشارع وسيجارته في يده، ولكن حين زرت المناطق الثائرة اكتشفت أن الإنسان السوري هو الذي يكثر من المزاح والسخرية. تغيرت حال البشر مع التحرر، هذا ما يبحث عنه كل إنسان، الحرية”.

ويستطرد مؤلف كتاب “ملاك الثورة وشياطينها”: “لا علاقة لكوني شيوعيا بمهنتي وهذه مسألة تتعلق بالعدالة بين البشر، وليس بالايديولوجيا بالمعنى الجامد أو المتحجر”.

ويختم عيتاني حديثه لـ”زمان الوصل” قائلاً :”إذا كانت الثورة السورية تحقق عدالة أفضل بين المواطنين السوريين على اختلاف مذاهبهم، فلن نقف ضدها، ولو ربح الإسلاميون أو العلويون أو المسيحيون في الانتخابات اللاحقة. هذا خيار الإنسان السوري الحر”.

و”فداء عيتاني” صحافي محقق وكاتب لبناني ولد في بيروت العام 1968، عمل في عدد من الصحف والمواقع الإلكترونية كـ “النداء” و”السفير” و”الأخبار” واختص بالحركات الإسلامية الجهادية، شارك في تغطية الحروب الإسرائيلية على لبنان منذ العام 1993، وغطى حروبا وعمل في العراق وليبيا وغزة وسوريا.

وصدرت له مجموعة قصصية “نهاية الروح الحزينة”، ورواية “عن حياة لا تغادرنا”، وكتاب “الجهاديون في لبنان” أو “التاريخ المكتوم للجهاديين في لبنان”.