خينا المخرج والكاتب يوسف ي. الخوري العائد من معركة انتصاره على الكوفيد اللعين بإيمانه وعناده، وبمساعدة وصلوات الأهل والأوفياء، وجهد الطاقمين الطبي والتمريضي، يحكي تفاصيل رحلة المعاناة في الذهاب والعودة بمقالة نشرها اليوم تحت عنوان: صَبَّحناكُم

538

صَبَّحناكُم…

خينا المخرج والكاتب يوسف ي. الخوري، العائد من معركة انتصاره على الكوفيد اللعين بإيمانه وعناده، وبمساعدة وصلوات الأهل والأوفياء وجهد الطاقمين الطبي والتمريضي، يحكي تفاصيل رحلة المعاناة في الذهاب والعودة بمقالة نشرها اليوم تحت عنوان: صَبَّحناكُم…

الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري/27 كانون الثاني/2022

في يكون قَدَرَك إنّك بلحظة تروح وما ترجع. وفيك انت تكتب قَدَرك وتقرِّر مصيرك بإيدك. فيك تخاف وتستسلم، بيقلبو عليك كمشة تراب والله يرحمك. وفيك تشوف روعة الحياة اللّي ربنا وَهَبَك اِيّاها وترجع كِل مرّة توقَف وتكمّل دَوْرَك.

لَعبَة القدر هَيدي، قدَرَك تتعامل معها، قدَرَك تعرِف كيف تسيطر عليها، وضروري ما تنسى إنّو قدّ ما تِكبَر وتِقوى، لِعبِة القدر بلحظة بتِغدرَك وبِتْوقّعَك.

كل هَـالمقدمي تَ قول شَغلي وِحدي تجلّت قدّام عيوني لمّا كنت بين هَـالدني وهَيديك الدني بالعشرين يوم لْ مَرَقوا. تحديدًا بَدّي قول: ما في شي بيغلُب لِعبِة القدر غير “الحب”. حبّك لَـعَيلتك. حب عَيلتك إلك. حب الآخر إلك. حبّك لَصحابك. حبّك لَشغلك. حبّك للحياة الروعة اللي ربنا قدّملك اِيّاها هديّي، وكل المطلوب منّك هوّي إنّك تعرف كيف تحافظ عليها وكيف تحبّها.

أنا كنت رايح. خفت؟ اِيه. استسلمت؟ لأ. لَيش خفت وعَ مين خفت، ما بعرف، بس الأكيد إنّي ما كنت خايف عَ حالي. ليش رحت ورجعت؟ لأن في كتار كانوا خايفين عليّي وبيحبّوني. اِيه، حبّكم رجع شدني لَهَون ورجّعني، وأنا بشكر حبّكم اللي خلّصلي حياتي وخلّاني أوقف من جديد، واعذروني بعد ما عندي الإمكانيي إتشكّركم واحد واحد وانحني قدّام كل واحد منكم، فبتمنى تقبلوا شكري ومحبتي متل ما طلعوا معي بهالصبحيّي.

بحبّكم.

بدّي إتشكّر بعض الأشخاص بشكل خاص، وهني ناس خلّوني بعزّ محنتي اتأمّل بلبنان جديد جايي! بس بالأوّل بدّي إلفت نظركم إنّو هالكم حدا اللي رح احكي عنن هلّأ، ما عملوا اللي عملوه كرمالي أنا شخصيًّا، وإنّما عملوه، وعَـالسَكْت، لأن هَيْدي من شيمهم ومن أخلاقهم.

بالبدايي، بلّشت مع طبيب صديق بالكاد بعرفو من كَم شهر، كنت أنا صرت بِ تاني PCR Negative وشي خامس يوم حرارة أربعين (˚40)، جزم من صوتي عَـالتلفون، ومن كَم سؤال سألني اِيّاهم، إنّو في شي خطير عم يصير. ما انتظر. بعت ممرضة ومساعد عالبيت يبَلْشولي بالعلاج. ما لحَّقت اسألو قدّيش الكلفي وإذا بدّي اِدفع Fresh Dollars ولّا لبناني. ما لحّقت ناقشو تَ أعرف إذا معي اِدفع او ما معي. وكل ما كنت حاول إحكي كنت إسمع جواب واحد: “مش شغلك”!

وصلنا عَـالمستشفى. شو بدّو يصير!؟ ماشيي بوليصة التأمين؟ المستشفى لْ جابوني عليه بعدو عم يتعامل مع شركة التأمين؟ رح يدخّلوني ولّا رح انشلح عَـالباب متل ما عم منسمع عم يصير مع كتار من الناس.

لأ!! دخّلوني. ما طلبوا شي. ما سألوا إذا معي اِدفع وبلّشوا يعملوا رسالتهم الطبّيي. بَعدين طلّ راهب لبناني عَـالسكت، مِن هَو الرهبان اللي ما بتعرف شمالهم شو عِملت يَمينهم، وقلّن مؤسستنا التعاضدية جاهزي تتحمّل أيّ شي، وسلامة المريض أوّلًا.

هَون وصلنا عَـالخدمي الطبّيي. بهاللحظة عم اتذكّر الفريق الطبّي وفريق التمريض ودموعي عم تكرّ عَ خدودي! أحمد، ابن عكّار العتيقة، في ليلي كنت متضايق اضطر يفوت عَ مكان عزلي 22 مرّة، ما رح خبّر شو كان عم يفوت يعمل، بس بيكفي تعرفوا إنو كل مرّة بيفُوت وبيطلَع فيها، هوّي مجبور يغيّر تيابو ويكبّن بالزبالي. تخيّلوا واحد لِبِس وشلَح 44 مرّة بِ شي 3 ساعات، والله قدّ 3 ايّام Ski de Fond. ميرنا، وابن العبس يلّي مخلّص تاني مرّة من الكورونا (ما بعرف مين ممرّض ومين طبيب بيناتن)، الضحكي ما بتفارق وجُوهُن وبتشوفها من تحت الكمّامات، وحكيُهم مع المريض بيشيل الموتى من القبور. مدام … (يا ريت بتذكّر اِسمها واِسم كلّ واحد بالجهاز الطبّي) شفت فيها وجه إمّي، تفوت تَ تطمّني إنّو هنّي قْرَاب ما أعطل هم شي، بس في مرضى متضايقين لازم يعتنوا فيهن شوي…

رائع ومحترف ومتفاني الفريق الطبّي والأقسام الطبّيي!!! هيدي بعد ما حكينا عن الصليب الأحمر اللبناني والدفاع المدني، هَودي الشباب الطيبين اللّي بيشتغلوا تطوّع وتفاني في سبيل الآخرين.

شو عم يصير؟

يا شباب اللي عم يخبّرونا اِياه عالتلفزيونات ووسائل التواصل الاجتماعي مش هوّي الحقيقة!! هَودي النُقَبا لْ مِحتلّين الشاشات وبيصيروا يحسبولنا فرق سعر الدولار للأدوية، وإنّو المستشفيات رح تأفلس، والممرضات والأطباء عم يهاجروا…الخ…الخ!!! هاو شحّادين وورقة نعوي. مش حقيقي اللي عم يصورولنا اِيّاه!! مش مزبوط!!! وليييه بعدو لبنان مستشفى الشرق والعرب ورح يبقى، متل ما رح يبقى جامعة الشرق وقبلة العلم والمعرفة والثقافة والفنون بهالشرق. سألوا حالكن يا شعبي الطيّب، كيف ماشي البلد؟ مين عمّر بيروت بعد الانفجار والزعما ملهيين بشقفة كرسي ومفلّسين. كيف بعدها ماشيي الجامعات عَ دولار 1500 أو أكتر شوي؟ كيف ماشي النظام الطبّي بأروع ما يكون وبأقسى ظرف ممكن يمرق في بلد بالتاريخ!!؟ كيف؟؟ اسألوا حالكم كيف.

في أيادي خيّرة عم تحافظ على ثروة لبنان الفكريّي والحضاريّي. في لبنانيّي متفانيين متل يلّي ذكرتن قبل شوي عم يشتغلوا بهدوء وبصمت. قال شو منقعد منصير ننظّر: “الشعب نفَّس”، “ضاعت الثورة”، “شعب مش خرج يعيش”، ومدري ايش حكي بلا طعمي تَ نقرط حكي للحكي، ونحنا مش منتبهين عَ هاو الـ Invisibles متل ما بيوصفهم صاحبي غابي الديك، هَودي يلّي اليوم ملهيين كيف يحافظوا عَ لبنان، وبكرا رح يتحوّلوا لمارد جبّار يدحرج كل متخاذل ما همّوا إلّا الكراسي والوجاهات والنهب. بكرا جايي، والمارد جايي، ومنذكّر بعضنا.

وتَ إختم، وبما إنّو يا شعبي صار لازم تعرف تميّز بين الأبواق المفتوحَة إلها الميديا، والـ Invisibles اللي  بيشتغلوا بصمت واللي هنّي رح يكونوا التغيير الجايي، شوف الفرق بين الزاحفين عَ المراكز وشعبهم بأزمي، وبين قايد حقيقي.

بعد نص ساعة من لمّا اتّاخد القرار بإخضاعي للعنايي الفايقة، وأنا وعم يدخّلوني عَـالعنايي بين الواعي ومش واعي، بلاقي قدّامي… ما عرفت مين، إذا مرا أو رجّال، بس سمعت صوت عم يقلّي: “بيسلّم عليك المعلّم وما تعطل هم شي…” أوف! أوف! المعلّم!!؟ المعلّم صَرلو 22 سني بمنفاه الاختياري.. يمكن عَيْلتو ما عم يشوفها.. كيف لحّق وانتبَه؟!! ما رح قول شو التدابير اللي كان آخدها بهالنص الساعة من برّات لبنان تَ ما يزعل لأنّي خبّرت.

بالمقابل، بيِجوك زلم المرشحين والمستقيلين، بيروحوا عالْـلَس عند قرايبي وبيصيروا يستفسروا عن وضعي الصحّي. بعدين بيتصلوا بمرتي وبيخبروها اللي سمعوهم من قرايبي، يلّي عمليًّا مرتي هيّي اللي مخبرتُن لقرايبي! تعتير. وقال شو بيطمنوها إنّو سعادة المرشح عم يتابع وضعي عن كثَب، وبيقولولها، كلّن متل بعضن، “إذا عزتي شي ما توفرينا”.

قوم ولاه، القصّة مش قصّة تسأل عنّي أو لأ، القصّة هيّي الفرق بين واحد قايد كبير يقلّك “ما بتعطل هم شي”، وواحد زاحف ورا الكرسي وعم يقلّك “إذا عزتو شي اتصلوا فينا”. ليش بدّي اتصل فيك!!؟ تَ تسجّل المخابرة وتربّح جميلي إنّي طلبت منّك وترجع تطلب حقّها صوتي. فَشَرت ولاه إنت وشقفة المرشح تَبَعك، أشرف لي موت متل الكلب عَـالطريق ولا دِق رقم تلفونك من موبايلي.

جايين الـ Invisibles يمحوكُم يا تافهين ويرجّعوا لبنان. ومن اليوم وطالع، كل واحد منكم، يا تبع “إذا عزتو شي”، بدّو يرفع إصبعو ويحمّلنا مسؤولية انتخابو أو لأ، أصبعو بدنا نقطشو ونطعميه للكلاب، تَ نحفظ كرامة الصامتين لْ جايين يخلصونا ويخلصوا لبنان.

أنا مش خايف قول إنّو “بو أرز” هوّي المعلّم، وهوّي القايد اللي بعدو كل ليلي بيسَيْهِر الشهدا لِـطلوع الضو، يا تاري تا تِقدَر تشوف الطَيْبين وتضلّك تقدر توقَف حدُّن، قَدَرك تسيهر الشهدا.

بو أرز وصلتلي من عندك نفحة الحريّي، وسعَفِتلي الروايا منيح. وما في أجمل من إنّو نختم بِ “لبّيك لبنان” الجايي!