الدكتور نبيل فليحان/النهار: لبنان مجزرة حضارية…العلاقة التي تربط لبنان بالخليج العربي علاقة عضوية. وعضوية العلاقة تعني أن مناعة جزء هي من مناعة الجزء الأخر

178

لبنان مجزرة حضارية…
العلاقة التي تربط لبنان بالخليج العربي علاقة عضوية. وعضوية العلاقة تعني أن مناعة جزء هي من مناعة الجزء الأخر.

الدكتور نبيل فليحان/النهار/26 كانون الثاني/2022  

يمر لبنان اليوم بأحلك الظروف التي تهدف إلى تقويض أسس هذا الوطن. فالمنهجية في التدمير الاقتصادي والاجتماعي والثقافي ليست وليدة ظروف طارئة بل ترمي إلى تدمير مداميك لبنان كمحمية حضارية تتفاعل فيه الحضارات والأديان وتنصهر.

تميّز لبنان بالمؤسسات الثقافية والعلمية التي ساهمت ببناء أجيال من نساء ورجال في الطب والاقتصاد والفن والعلم والثقافة والتحرر…. هذه الأجيال اشعلت هذه الشعلة من الحضارة في الشرق مساهمة بصحوته.

تدمع العين ويغص القلب عندما نرى مشاعل الثقافة والعلم من جامعات ومستشفيات ومؤسسات تترنح أمام هذه المجزرة الحضارية جاعلين أبناء هذا الوطن الذين يُعرفون بأنهم من أذكى شعوب العالم يتشتتون ويتسولون من أجل تأمين الحياة النبيلة لعائلاتهم.

السؤال الذي يبادرني كل يوم لماذا لم يبادر أبناء وأشقاء لبنان من حكام وحكماء بالمساعدة على المحافظة على المؤسسات العلمية التي ساهمت إلى حد كبير ببناء لبنان وبنهضة الخليج العربي مع العلم أن هذه المؤسسات كانت ولا تزال بعيدة عن الانتماءات السياسية. هناك استغلال للواقع الأليم من كثير من المؤسسات الخارجية باستقطاب كل أنواع القدرات العلمية الموجودة في لبنان غير آبهين بتأثيراتها وكأننا أمام حرب استنزاف.

إن العلاقة التي تربط لبنان بالخليج العربي علاقة عضوية. وعضوية العلاقة تعني أن مناعة جزء هي من مناعة الجزء الأخر.

المثير للقلق هو الاستسلام لقدر هجرة الأدمغة والطاقات المهمة للاستمرارية الاجتماعية. فلم نشهد أي تحرك مخلص وجريء من قبل ارباب الدولة ومن معظم المؤسسات العلمية للمحافظة على هذه الطاقات الحضارية. هذه المؤسسات التي تحمي مجتمعنا من سرطان الجهل تبقى عصب الحياة والوجود، إذ بالعلم والثقافة والتحضر نستطيع أن نقاوم كل أنواع التطرف والتعصب التي تدمر كل ما شيّد. الدعوة قبل فوات الأوان إلى النظرة للموضوع بموضوعية وإخلاص قبل أن يفتك المحظور بما هو منظور.

المطلوب انشاء هيئة لحماية استمرارية المؤسسات العلمية والاستشفائية في لبنان يكون لها برنامج محدد تحت رعاية ودعم خارجي، من الأمم المتحدة والبلاد التي تربطها بلبنان علاقات ثقافية وتربوية والأشقاء في الخليج العربي، ودعم داخلي من قبل الجامعات المؤهلة والمتمولين اللبنانيين وأبناء الاغتراب الذين يساهمون بجدية في إعادة الحياة إلى لبنان وتثبيت استقراره. إن استرداد الأدمغة المهجرة والمحافظة عليها أمر ضروري وبأهمية استرداد الأموال المنهوبة. ا إذ أن بناء جيل من القدرات يتطلب جيلين من التربية والتعليم.  الأمل أن لا نصل متأخرين إلى محطة الحضارة مرة أخرى بعد أن فاتنا القطار بسبب عدم الرؤيا والإخلاص.