شادي علاء الدين/الصديق اللبناني الماروني سمير جعجع في الميزان السعودي

636

الصديق اللبناني الماروني سمير جعجع في الميزان السعودي

ما يؤسس له جعجع، يكاد يكون المشروع الوحيد الذي من شأنه ليس إنقاذ المسيحيين فحسب، بل إعادة تمكين حضورهم في المنطقة كطرف منسجم مع محيطه.

العرب/ شادي علاء الدين [نُشر في 20/12/2014، العدد: 9774، ص(9)]

بدت جملة “الصديق اللبناني الماروني” التي وصفت فيها القيادة السعودية قائد القوات اللبنانية سمير جعجع الذي يواصل زيارته للسعودية وكأنها محاولة لإعادة إنتاج ملامح علاقتها بالمكون المسيحي في لبنان. بدا وكأن هناك مفاهيم تؤسس لها السعودية وتحاول العثور على مصطلحات تشرحها من خلالها. هذه التعابير موجودة وشائعة، ولكن الجديد السعودي يكمن في محاولة تغيير خارطة معانيها كي تصبح أكثر تلاؤما مع سلوك سياسي جديد، تخلي فيه المراوحة والمهادنة والتروي الممل المكان أمام سياسة أكثر هجومية وشجاعة وسرعة.سمير جعجع بطل هذه المرحلة، والوحيد القادر على إدارتها مسيحيا. التوصيفات التي أطلقت عليه تقول إنه قد بات في موقع يبدو فيه ترشيحه لرئاسة الجمهورية أو عدم ترشيحه أمرا بلا معنى ولا وزن أمام الدور الكبير المناط به، والذي يمكن استشفاف ملامحه من حجم وطبيعة الحفاوة السعودية الفائقة به خلال زيارته.

لا ينحصر هذا الدور في الساحة اللبنانية التي لا تشكل سوى نقطة انطلاق له، بل يبدو أن جعجع قد بات في نظر السعودية القائد المسيحي لمرحلة إعادة تشكيل المنطقة، والشخص الوحيد القادر على حجز دور طبيعي للمسيحيين في ظل كل التطورات المتسارعة التي يهدد فيها سلوك الأطراف المسيحيين في لبنان وفي جل بلاد المنطقة بتحويلهم إلى أقليلات غير مرغوب فيها، يمكن أن تعرضها مواقفها المساندة للأنظمة ضد الشعوب التي تنتمي في غالبيتها إلى المذهب السنّي إلى انتقامات فظيعة قد تصل إلى إبادات.

سلوك الجنرال عون الذي أعطى غطاء مسيحيا لولوغ حزب الله في الدم السوري، والزيارة التاريخية التي قام بها الجميّل إلى الجنوب، والتي أطلق فيها جملة من المواقف تعيد تركيب أفكار ومواقف الحزب الإلهي، هي سلوكات ليس من شأنها سوى الدفع بالدور المسيحي في المنطقة إلى نهايات غير سعيدة لا تبدو الأطراف المسيحية السائرة في ركاب دولة ولاية الفقيه وربيبها الإلهي اللبناني مبالية بها، بل يعمدون إلى استغلال المآسي التي تصيب المسيحيين في محاولة فصل أنفسهم عن واقع المنطقة وتطوراتها ومحاولة بناء أحلاف خارجية تحول المسيحيين إلى نوع من محميات طبيعية، أو تحف يمكن المحافظة عليها بقدر انعدام فاعليتها.

يأتي في هذا السياق الهجوم الذي كان وزير العمل “العبوس” الكتائبي سجعان قزي قد شنه على الإسلام ككل، والذي اعتبر فيه أن جلجلة المسيحيين لم تبدأ الآن مع ظهور داعش ولكن مع ظهور الإسلام نفسه.

الجنرال عون كذلك لم يكن أقل كرما من قزي فهو في حربه الدائمة ضد تيار المستقبل كان يستدعي ويمهد ويؤسس لظهور التيار السنّي الموازي لحليفه الإلهي، والذي لا يرى في المسيحيين سوى كائنات غريبة عن المنطقة التي يجب أن تكون إسلامية بالكامل.

ما يؤسس له جعجع، وتسعى السعودية إلى بنائه من خلاله، يكاد يكون المشروع الوحيد الذي من شأنه ليس إنقاذ المسيحيين فحسب، بل إعادة تمكين حضورهم في المنطقة كطرف أساسي منسجم مع محيطه ومتفاعل معه.

إذا حاولنا تفكيك الأوصاف السعودية التي أطلقت على جعجع لوجدنا أن كلمة “الصديق” تمثل عنوانا لمسيحية متصالحة مع المكوّن الأبرز في المنطقة، و لسلوك سياسي لم يشهر في وجهها سيف الابتزاز ودعوى الخصوصية التي استعملها سواه وسيلة للاستثمار مع القتلة. كلمة “الصديق” تمثل في هذا المقام نوعا من خريطة ممكنة لعالم عربي جديد بلا نظام الأسد، وهو عالم تسعى السعودية إلى بنائه على قاعدة الانسجام الإسلامي المسيحي، وليس على قاعدة الانتقامات والإبادات.

كلمة “اللبناني” تعني أن هناك تكريسا سعوديا لعروبة مسيحية متصالحة مع الخصوصيات الوطنية، وهي تبرز من ناحية أخرى الإصرار على إظهار الاختلاف في التوظيفات بين السعودية وخصومها في هذا الصدد، حيث لم يعد أحد يرى في الجنرال عون من اللبنانية الشيء الكثير، بل صارت صورته ترتبط ارتباطا مباشرا بمشروع الولي الفقيه ونظام الأسد الذي يحالف حليفه الإلهي.

ما تريد السعودية التأكيد عليه في المجال السياسي عامة والمسيحي خاصة هو أنها لا تريد “سَعْوَدَة” جعجع، كما فعلت إيران بعون، بل تستقبله وتدعمه لأنه لبناني، وأكثر من ذلك تحاول السعودية القول إنه “اللبناني” بامتياز. بعد ذلك تأتي صفة الماروني لتطلق رسالة مفادها أن المارونية لا تكون صفة أقلوية إلا عنـدما تلتصق بمشاريع القتلة، ولكنّها عندما تكون منسجمة مع المحيط العربي والإسلامي الأرحب، فإنها تخرج من واقعها الطائفي المحدود لتصبح نوعا من بنية ثقافية وسياسية عابرة للحدود تستطيع مواجهة إرهاب عابر للحدود.