د. فيليب سالم: المهاجرون اللبنانيون… نفط لبنان الحقيقي

158

المهاجرون اللبنانيون… نفط لبنان الحقيقي

د. فيليب سالم/العرب اللندنية/28 كانون الأول/2021

يعدّ اللبنانيون المقيمون في دول المهجر، والذين يحتلون مراكز قيادية في شتى القطاعات، ويسهمون في تنمية دول وتطورها، ثروة مهدورة لا تهتم بها الدولة ولا يهتمون لها، فعلاقتهم بالوطن لم تصل بعد إلى مرحلة الدفاع عنه وافتكاكه من الطامعين فيه، وبالنظر إلى حالة البلد المنهك وما يمكن أن ينجر إليه مستقبلا صار من الضروري أن يتحرك المغتربون من أجل الوطن مشهرين سيف الوحدة والمحبة والحياة في وجه كل من أراد بلبنان سوءا. عندما تتكلم عن لبنان في نيويورك أو في المكسيك أو في بوينس آيرس أو في سيدني، أستراليا، لا يتبادر إلى ذهن السامع أنك تتكلم عن لبنان الدولة؛ فلبنان الدولة ليس له وجود يليق به، له وجود هزيل لا يتعدى صداه الحدود الجغرافية، لكن يتبادر إلى ذهن السامع ذلك “اللبنان” المصلوب في الشرق، لبنان الحضارة المميزة بالحرية والتعددية الحضارية، لبنان الرسالة. كما يتبادر إلى ذهنه لبنان الذي يغوص في التاريخ، ولبنان الذي بنى مدنا كانت منائر الحضارة؛ بنى جبيل وبيروت وصيدا وصور وبعلبك. ويتبادر أيضا إلى ذهنه هذا اللبنان المنتشر على مساحة الأرض كلها. أينما تذهب في العالم ترى اللبنانيين. عيونهم مسمرة إلى قطعة صغيرة من الأرض، مصلوبة في الشرق بين إسرائيل وسوريا والبحر الأبيض المتوسط. وحده البحر يعانقها بحنان ومحبة. تعرفهم من محبتهم لهذه الأرض، محبتهم للقرى المتناثرة هنا وهناك على الهضاب والجبال والساحل. يحنون دوما إلى أهاليهم الذين علموهم الصبر والعمل الدؤوب ومحبة الناس وعزّة النفس. وفيما يقف المتسولون في الولايات المتحدة الأميركية في مفترق الطرق ويملأون ساحات المدن، ليس هناك من بينهم متسول واحد من أصل لبناني. هذا شعب له عنفوانه. هذا شعب عنيد لا ينحني إلا في الصلاة لله.

قوة خارج لبنان
يتميز اللبنانيون عن غيرهم من المهاجرين بأنهم لم يذهبوا إلى منطقة من مناطق العالم إلّا وساهموا في بنائها وصنع حضارتها. لم يذهبوا إلى مكان ليدمروا بل ليبنوا. لم يذهبوا إلى مكان لصنع الحروب والنزاعات بل ذهبوا لصنع السلام والازدهار. لقد وقف يوما جبران خليل جبران على مشارف مدينة نيويورك وصرخ قائلا “أيتها المدينة نحن هنا ليس لنأخذ فقط بل لنعطي أيضاً، نحن هنا لنشارك في صنع مستقبلك ولنغني حضارتك”. وكانت رسالة هؤلاء اللبنانيين دائما رسالة عالمية. لقد تكلم جبران عن قوة المحبة كما تكلم عن عظمة الروح. قال “إن ما تراه في الإنسان بالعين المجردة ليس مهما بقدر ما هو مهم ما لا تراه”.

وتكلم جبران عن الله بصلاة جديدة. كان مؤمنا برسالة المسيح ولكنه لم ينتمِ إلى دين معين. لقد انتمى إلى دين يقدس الإنسان، كل إنسان، أيًّا كان هذا الإنسان. وانتهى جبران إلى اقتناع ثابت “بأن البشرية جمعاء هي عائلته”. ومايكل دبغي جراح القلب الشهير لم تكن إنجازاته الطبية في خدمة الأميركيين أو اللبنانيين من المرضى فقط، بل كانت في خدمة شعوب العالم كلها. قبله كانت مدينة هيوستن مدينة عادية. بعده أصبحت هذه المدينة عاصمة العالم كله في الطب. وداني توماس، هذا الرجل الفقير الذي جاء أهله من لبنان لم يشيد أعظم مستشفى في العالم للأمراض السرطانية عند الأطفال في “ممفيس تينيسي” لمعالجة المرضى من الولايات المتحدة الأميركية فقط، لقد بنى هذا الصرح الطبي هدية لكل الأطفال في العالم. فهو لم يميز بين طفل أبيض وآخر أسود، أو بين طفل غني وآخر فقير. كانت عالمية الرسالة ولا تزال هي قوة الرسالة.

ويتميز هؤلاء اللبنانيون أيضا بأن الشعوب التي حضنتهم أحبتهم. لقد أحبتهم لقلوبهم الطيبة، ولكرمهم. أحبتهم لاحترامهم الآخر ولقدرتهم على الانخراط في مجتمعاتهم ومساهماتهم في إحياء هذه المجتمعات. كما أحبتهم لأنهم جاءوا بثقافة الفرح وثقافة الحياة.عندما هاجروا من لبنان لم يأخذوا معهم إلا الحضارة وحفنة من تراب الأرض، ليشموا رائحتها كلما اشتاقوا إلى وطنهم. وفي خطاب تاريخي قال رئيس جمهورية المكسيك السيد أدولفو لوبيز ماتيوس “إذا لم يكن لديك صديق لبناني، فيجب أن تفتش عن واحد”. هذا الحضور المهيب في العالم هو نفط لبنان الحقيقي. إن نفط لبنان في مياهه ليس شيئا مقارنة بنفطه في العالم. نفطه في البحر سينضب يوما، أما نفطه في العالم فلن ينضب أبداً. النفط في مياهنا قوة اقتصادية فقط، أمّا نفط المغتربين فهو قوى متعددة بالإضافة إلى القوة الاقتصادية.

إنه قوة في العلم والسياسة، قوة في الطب وفي الفن، قوة في الأدب وفي التربية. إنه قوة تجمع حضارات العالم كلها. لكن من المؤسف أنّ لبنان لم يعرف كيف يتعاطى مع هذه القوة، فذهبت هدراً. ونحن لا نزال إلى يومنا هذا نتعاطى مع هذه القوة بشكل بدائي؛ إذ أننا نعتبرها قوة اقتصادية فقط، يدعم بها المهاجرون أهاليهم في لبنان. هذه القوة التي استفاد ويستفيد منها لبنان هي أقل من 1 في المئة من القوة الحقيقية التي يمكن أن يوفّرها اللبناني في المهجر للبنانه. في بناء لبنان الجديد نحن بحاجة إلى كل القوى التي يمتلكها الوجود اللبناني في العالم. وأكثر ما نحتاج إليه هو قوة العلم. فخذ مثلا مؤسسة علاج السرطان للدكتور أندرسون، حيث عملت فيها أستاذا مدة طويلة. هذا المركز هو أهم مركز في العالم للأبحاث السرطانية ومعالجتها. في هذا المركز يوجد أكثر من ثلاثين طبيبا من هذا البلد الصغير الذي اسمه لبنان. ليس هناك دولة واحدة أخرى في العالم تمتلك هذا العدد من الأطباء في هذا المركز. أينما ذهبت في مدن وجامعات الولايات المتحدة ترى المبدعين اللبنانيين هناك.

لبنان يحتاج إلى أبنائه
العلم هو أساس الدولة، وقوة إسرائيل لا تنحصر في قوتها العسكرية بل تتعداها إلى قوة العلم فيها. فهذه الدولة صغيرة تمتد جنوبا من حدودنا الجنوبية، ومساحتها صغيرة كمساحة لبنان وعدد سكانها قليل مثل لبنان، إلا أن جامعاتها تنافس أكبر الجامعات وأعظمها في الولايات المتحدة، لأن العلم في العقل اليهودي هو مصدر القوة. إن لبنان وإسرائيل متشابهان فحدودهما لا تنتهي عند الحدود الجغرافية. وكلاهما يمتلكان انتشاراً واسعا في العالم. لكن المهاجر اليهودي يختلف كثيرا عن المهاجر اللبناني.

علاقة المهاجر اللبناني بالوطن هي علاقة رحبانية، علاقة فيروزية، علاقة روحية، علاقة بالأرض والأهل. لم نتمكن بعد من أن نرتقي بهذه العلاقة إلى العلاقة الوطنية حيث يصبح المهاجر قوة داعمة لوطنه. إن اللبناني المغترب لا يزال ينتمي إلى الأرض أكثر مما ينتمي إلى الوطن. عكس ذلك هو اليهودي؛ فعلاقته بإسرائيل هي علاقة وطنية صرف. كلّ يهودي يعتبر نفسه مسؤولا إلى حد بعيد عن دعم دولة إسرائيل. إن اللبناني لم يرتقِ بعد إلى هذه العلاقة الوطنية ومن أهم أسباب ذلك عدم ثقة المغترب اللبناني بدولته، لكونه يعتبر نفسه هارباً من بلاده، هارباً من الظلم والفساد.

في المقابل، إسرائيل هي محط أنظار كل يهودي في العالم. إنها أرض الميعاد بالنسبة إليهم. كل يهودي يعيش في العالم، يعيش في إسرائيل؛ يعيش فيها إمّا في الحقيقة وإمّا في الافتراض. واللّبناني عكس اليهودي يحتقر دولته ولا يثق بها. وأردت أن أتكلم عن الانتشار اللبناني مقارنة بالانتشار اليهودي، لأن اللبنانية العالمية يجب أن تتعلم من اليهودية العالمية. يجب أن نتعلم الأمور التالية:

أولا: إن العلاقة الفيروزية وحدها لا تبني وطنا ويجب أن نرتقي إلى العلاقة الوطنية. أنا أفهم عدم ثقة المغترب اللبناني بالدولة اللبنانية إلا أنه يجب أن نستثمر في ثقتنا بالشعب اللبناني. إن هذا الشعب الذي ضل الطريق نتيجة الثقافة السياسية الشعبية التقليدية في لبنان التي أفرزت هذه الطبقة الفاسدة بوسعه الانتفاضة على هذه الثقافة والتحرر منها. نحن نثق بهذا الشعب ولا خيار لدينا غير الإيمان به.

ثانيا: أهمّ ما يمكننا عمله في المهجر هو توحيد هذه الجاليات تحت قيادة حكيمة واحدة. فالمغتربون اللبنانيون كما هم اليوم مشرذمون كاللبنانيين المقيمين. كل ذلك يعود إلى عدم وجود قيادة سياسية في لبنان. إلى يومنا هذا لم تأت قيادة حكيمة قادرة على صنع رؤية موحدة لهذا الوطن. فتوحيد المغتربين هو تحدٍّ كبير لنا وإن لم نتمكن من تحقيقه تبقى قدرتهم على إحياء لبنان ضعيفة جداً.

ثالثا: يجب تفعيل هذا الانتشار بحيث يشعر كل لبناني مغترب بمسؤولية صنع مستقبل أهله وأقاربه وشعبه في لبنان. يجب أن يصبح لبنان بالنسبة إلى اللبنانية العالمية كما هي إسرائيل بالنسبة إلى اليهودية العالمية.

رابعا: يجب بناء لوبي لبناني فاعل في دول العالم كله وأن تكون قيادته في الولايات المتحدة حيث تتخذ القرارات الأساسية والكبرى لمستقبل لبنان ومستقبل الشرق الأوسط. وليس لدي أي شك في أننا قادرون على إنشاء لوبي ضاغط وفاعل يعمل مع الإدارة الأميركية ومع الدول الأوروبية للمحافظة على استقلال لبنان وسيادته وحريته، ونحن اليوم بحاجة إلى هذا اللوبي أكثر من أي يوم مضى.

خامسا: ما يجب أن نفعله اليوم هو أن نحول اللبنانية العالمية إلى قوة تغيير في لبنان. إن كل القوى السياسية التي رفعت شعار التغيير والإصلاح في لبنان قد فشلت. وأخطر من ذلك أن هذه القوى كلها كانت ضد التغيير والإصلاح. كانت قوى فاسدة تعمل في سبيل مصالحها الخاصة دون الاهتمام بمصالح لبنان.

وبعكس اللبنانيين المقيمين، المغتربون متحررون من القيود التي تكبّل وطنهم. فالمهاجر قد عاش في دول ومجتمعات تعرف معنى الحرية وتعرف معنى الديمقراطية ومعنى احترام الآخر ومعنى النزاهة في الحكم. نحن نمتلك اليوم فرصة تاريخية للتغيير بالطرق الديمقراطية وهي الانتخابات النيابية المقبلة.

يتميز اللبنانيون عن غيرهم من المهاجرين بأنهم لم يذهبوا إلى منطقة من مناطق العالم إلّا وساهموا في بنائها وصنع حضارتها

وبالرغم من أنني على ثقة بأن السلطة ستعمل كل ما بوسعها لإلغاء هذه الانتخابات، علينا أن نكون مستعدين لها ويجب أن نعي أن مسؤوليتنا في هذه الانتخابات هي فرز طبقة جديدة من السياسيين يكون ولاؤهم أولا وأخيرا للبنان وتكون لهم القدرة على بناء الدولة. إن لبناننا يواجه اليوم أزمة وجودية ومصيرية، فوجوده السياسي والحضاري في الشرق مهدد إذ تتحكم في قراره قوة سياسية تمتلك أيديولوجيا غريبة عنه وعنا؛ أيديولوجيا متجذرة في الدين تؤمن بأن القوة العسكرية هي الخيار الوحيد لتمددها، كما تؤمن أيضا بأن من لا ينتمي إليها بالدين هو عدو لها. هذه القوة هي الثورة الإيرانية الإسلامية التي تعتنق الدين كمرتكز أساسي للسياسة بينما نحن نعمل على فصل الدين عن الدولة وبناء دولة مدنية في لبنان. هذه الثورة الإسلامية لا تريد تغيير الجغرافيا السياسية في الشرق فقط بل تريد أيضا تغيير الجغرافيا الحضارية. إنها حضارة أحادية لا تؤمن باحترام الآخر، حضارة خارج حضارة العالم إذ تؤمن بثقافة الاستشهاد والموت بينما نحن نؤمن بثقافة الحياة والفرح.

من أجل ذلك كله نحن ندعو كل اللبنانيين مقيمين ومغتربين إلى عدم القبول بالواقع وعدم الاستسلام للإحباط، وإلى الرفض الكامل والصلب لهيمنة الثورة الإيرانية على لبنان. لذا يجب إحياء الثورة في الداخل اللبناني وتفعيل الجاليات اللبنانية في العالم وجعلها قوة كبيرة للتغيير ولإحياء لبنان.

لبنان يستحق أن نحبّه، يستحق أن يكون الولاء له وحده، يستحق أن يحيا وتليق به الحياة، وإن لم نعمل على تحقيق ما يستحقه وطننا سنكون نحن مقيمين في لبنان ومهاجرين في العالم شعباً لا نستحقه.