الفصل الثالث والأخير من كتاب الدكتورة رندا ماروني: الدولة في العالم العربي/الدولة العربية والدخول إلى القرن الحادي والعشرين

209

الفصل الثالث من كتاب الدكتورة رندا ماروني: الدولة في العالم العربي/الدولة العربية والدخول إلى القرن الحادي والعشرين

18 كانون الأول/2021

*اضغط هنا لقراءة الفصل الأول من كتاب الدكتورة رندا ماروني/الدولة في العالم العربي من الحداثة إلى العولمة
*اضغط هنا لقراءة الفصل الثاني من كتاب الدكتورة رندا ماروني/الدولة في العالم العربي من الحداثة إلى العولمة

القسم الأول/ثلاثة مشاكل أساسيّة

لقد دخلت الدولة في العالم العربي إلى القرن الحادي والعشرين وهي لا زالت في وضع هش ضعيف بعيد عن عمليّة التحوّل الديمقراطي.
فلماذا يُعتبر العالم العربي هو الأكثر تأخراً على صعيد عمليّة التطوّر الديمقراطي مقارنة بمناطق أخرى من العالم، مثل آسيا وأميركا اللاتينيّة فضلاً عن شرق ووسط أوروبا؟ وكيف نفسّر التفاوت بين الدول العربية من حيث درجة الانفتاح السياسي والهامش الديمقراطي؟ وهل هذا مرده إلى طبيعة النخب الحاكمة، أم طبيعة القوى السياسية والاجتماعية ومدى تطوّرها، أم البنى الإقتصادية والتكوينات الإجتماعية؟ ولماذا تعثرت عملية التحوّل الديمقراطي في الدول التي أخذت بالتعدّدية السياسية، بحيث لم تفض تجربة التعدّدية إلى تحوّل ديمقراطي حقيقي أو تحقيق تراكمات بهذا الخصوص، وذلك خلافاً لما حدث في دول أخرى في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وشرق ووسط أوروبا؟

لقد عانت المنطقة العربية من ثلاثة مشاكل أساسيّة: احتلال، تجزئة، تخلّف، ولما ظهرت الدولة فكانت المؤسّسات هياكل فارغة المضمون الحديث ونموذج الدولة الذي انطلق وتطوّر مع الحداثة، والذي حمل صفة الليبراليّة والماركسيّة والتوتاليتارية، كمسار تاريخي وظرفي، نُقل مع نقل فكرة الدولة وكان أيضاً فارغ المضمون لأنّه يفتقد إلى العنصر المكوّن له ألا وهو عنصر الفردنة. فاتّصفت المؤسّسات السياسيّة والنماذج المعتمدة بالمتخلّفة عن مواكبة العصر الحديث حيث انعكست هذه المشاكل بوضوح على مدى فاعليّة وتطوّر هذه المؤسّسات.

أولاً – مشكلة الإحتلال:

لقد تناولنا مسألة الاحتلال في الفصل الثاني، وانعكساتها السياسيّة على المنطقة العربية، ولكن لا بدّ من توضيح انعكاس هذه المسألة على تطوّر البنى المجتمعية وأوضاعها الإقتصاديّة.

فمع الأمبراطورية العثمانية ومن خلال احتكارها لحقّ التملّك، منعت من نشوء طبقة إقطاعية قابلة للتطوّر على غرار ما حدث في الغرب ثمّ مع انحلال الأمبراطوريّة العثمانية وحتّى قبل ذلك، أُدخلت المنطقة العربية في دائرة الإقتصاد العالمي بوصفها مصدراً للمواد الأوليّة، وسوقاً للتصريف من ناحية أخرى، دون أن يتغيّر هيكلها الإقتصادي والإجتماعي، حيث ظلّت تنتمي لمجتمعات ما قبل عصر الصناعة. فهي مجتمعات تنتمي لمرحلة ما قبل الصناعة في هياكلها الإنتاجيّة ونظمها الإجتماعية، ولكنّها من خلال الإستعمار والتجارة العالمية أدمجت في الإقتصاد العالمي في تبعيّة كاملة أو شبه كاملة. وبعد أن ازداد الإتّصال بين الدول المستعمرة والمنطقة العربية.

ظهرت الفروقات في مستويات المعيشة التي تنعم بها شعوب الدول المتقدّمة، ممّا أدّى إلى إذكاء روح المطالبة بالمساواة والإستقلال وخلق تيّار فكري وثقافي يدعو فيها إلى الحريّة والمساواة وحق الشعوب في الإستقلال. وقد أدّت الحرب العالمية الثانية إلى ضربة قاصمة للدول الإستعمارية القديمة وأفقدتها الكثير من نفوذها السياسي وقدراتها الإقتصادية والعسكرية، فبريطانيا خرجت من الحرب مدينة، وقد فقدت معظم استثماراتها الخارجية، أمّا فرنسا فقد أنهكتها الحرب وخرجت منها كسيحة إقتصادياً، وأمّا ألمانيا وإيطاليا فقد خرجتا من الحرب مهزومتين. وعلى العكس، فإنّ الطرف المنتصر في الحرب، وهي الولايات المتحدة الأميركية، كانت تتغنى بأنّها لم تكن قوّة إستعمارية في أيّ وقت من الأوقات، بل إنّها كانت هي نفسها مستعمرة حتّى نالت استقلالها في حرب مع إنجلترا، وكانت دعوة الرئيس وودرو ولسن (Woodrow Wilson) للنقاط الأربع عشرة خلال الحرب العالمية الأولى تتضمّن حق تقرير المصير، وجاء ميثاق الأمم المتحدة مؤكّداً المبادئ نفسها. لم تكن الولايات المتحدة تمانع – أبداً – بل لعلّها كانت تشجّع – القضاء على النظام الإقتصادي القديم القائم على سيطرة الدولتين الإستعماريّتين التقليديتين، بريطانيا وفرنسا، تمهيداً لنظام جديد تتولّى فيه مركز القيادة.

وعلى الطرف الآخر، كان الإتحاد السوفياتي، وهو الطرف المنتصر الآخر في هذه الحرب، يدعو إلى القضاء على الاستعمار وتحرير المستعمرات سياسيّاً واقتصاديّاً من الخضوع للدول الرأسمالية الإستعمارية. وهكذا لم يلبث الصراع العقادئي بين الغرب والشرق أن وجد تربة صالحة في المنطقة العربية، لتشجيعها على المطالبة بالاستقلال والانفصال عن الدول الإستعمارية وأصبحت مقاومة الإستعمار أحد شعارات ما بعد الحرب، وهكذا تكاثفت عوامل متعدّدة لزيادة الوعي والمطالبة بالإستقلال ولكن هذا الصراع العقائدي بين الغرب والشرق انعكس صراعاً على الدول العربية الحديثة النشأة وعلى الحلول التي اعتمدتها للخروج من وضعها المتردّي.

وبتحقيق الإستقلال السياسي لهذه الدول، سرعان ما اكتشفت أنّ الإستقلال السياسي يظلّ هشّاً وغير فعّال ما لم يصاحبه استقلال اقتصادي، ومن هنا طرحت قضيّة التنمية الإقتصادية نفسها على المجتمع الدولي، وأصبحت أحد هموم الإقتصاد العالمي لما بعد الحرب العالمية الثانية. وقد تأثّرت معالجة قضيّة التنمية الإقتصادية بالأوضاع السائدة، لاسيّما بالصّراع الإيديولوجي السائد بين الغرب والشرق، وأصبحت بالتّالي جزءاً من لعبة التوازن الدولي. فتأثّرت سياسات التنمية الإقتصادية بالإنتماءات السياسيّة للدول النامية، فبعض الدول مالت إلى نماذج أقرب إلى النظم الإشتراكية في الإعتماد على التدخّل المكثّف للدول وأنواع التخطيط المركزي، في حين أنّ البعض الآخر ظلّ أقرب إلى أشكال من الحرية الإقتصادية والإعتماد على السوق. وفي الوقت نفسه زادت المعونات المالية والمساعدات الفنيّة من أجل التنمية. وكثيراً ما كانت هذه المعونات جزءاً من سياسات الصراع الإيديولوجي بين الشرق والغرب، فالإتحاد السوفياتي والصين يقدّمان المعونات للدول الأقرب إليهما، أو الأكثر مناوأة للغرب، والولايات المتحدة والدول الغربيّة من ناحيتهما تقدّم المعونات، بإسم التنمية، لاحتواء التغلغل الشيوعي. وبشكل عام، كان التأثير السياسي للإتحاد السوفياتي والكتلة الإشتراكية أكثر وضوحاً في الدول العربية، التي انطوت في حركة للتحرير والمقاومة ضدّ النظام الغربي الإستعماري. لكن كلا التوجهين لم يؤدّيا إلى تطوير البنى المجتمعية في الدول العربية حيث لا زالت تغالب لكي تدخل المجتمع الصناعي. في حين أنّ الدول الصناعية قد دخلت بالفعل مراحل متقدّمة من الثورة الصناعية، فيما عرف بثورة المعلومات والإتصالات، ممّا زاد الهوّة بين النماذج الغربية والنماذج العربية. لقد مرّت المنطقة العربية خلال فترة الصراع بين الشرق والغرب بفترة من الإحتلال غير المباشر من خلال الإصطفافات السياسيّة، واعتناق الإيديولوجيّات المتضاربة، والتأثير المباشر لقوى النفوذ على المحاور (محاور الدول) التابعة لها والتي تنفذ سياساتها. ومع سقوط الإتحاد السوفياتي عاد الإحتلال المباشر لبعض دول المنطقة العربية وتطويع سياسات البعض الآخر بما يناسب مصلحة المتفوّق التاريخي الأميركي.

ثانياً – مشكلة التجزئة:

كما أنّ مشكلة الإحتلال كانت قد أثّرت في عمليّة تطوّر البنى المجتمعية ممّا انعكس على بنية نموذج الدولة، فإنّ مشكلة التجزئة على صعيد العالم العربي ككلّ والتي نلاحظها من خلال أزمة النظام العربي تؤثّر اليوم وبشكل أقوى من الماضي على فاعليّة وقدرة الدولة في العالم العربي على مواجهة الأخطار المحدقة بها السياسيّة والإقتصاديّة حيث نلاحظ التراخي في المواقف المشتركة إزاء المشاكل والقضايا السياسيّة التي تواجهها المنطقة من ناحية، ومن ناحية أخرى عدم القدرة على مواجهة تحدّيات زمن العولمة والتكتّلات الإقتصادية.

وتاريخيّاً حول مشكلة التجزئة عدا خطوط سايكس بيكو وبغضّ النظر عن الآراء المتضاربة حول أحقيّة نشوء دول مستقلّة أو عدم أحقيّتها فاليوم، جامعة الدول العربية خير مثال على فشل العمل العربي المشترك.

1- واقع جامعة الدول العربية:

إنَّ السياسة الخارجية هي إنعكاس لسياسة المؤسسات الداخلية التي ترسم أهدافها مع المحيط، فلقد أصبح من المستقر في دراسات العلوم السياسة أن هناك علاقة عضوية بين النظم السياسية والسياسات الخارجية لكل دولة من دول العالم، بما ينجرّ عن ذلك من تأثيرات وتفاعلات متبادلة. لكن الفارق بين دول متقدمة، تُرسم سياستها الخارجية من خلال مؤسسات منتخبة وبين دول تُرسم سياستها الخارجية على أهواء اشخاص متربعين على السلطة. فالسياسة الخارجية للدول المتقدمة تعمل على خدمة سياستها الداخلية لانها ستحاسب بالنتيجة من قبل ناخبين أما السياسة الخارجية للدول العربية فهي تصنع على أهواء أشخاص وليس هناك من رقيب  على منافعها أو مردودها  ويُضاف الى ذلك أنه من الطبيعي أن السياسة الخارجية تقوم على خدمة السياسة الداخلية، ومن ثم فهي امتداد طبيعي لها. كما أن السلوك السياسي في توجهاته العامة لا يتغير إلاّ في حدود ضيقة، وخصوصاً عندما تتعاظم الروادع والعقاب أو الحوافز. وهنا يبرز أحد جوانب خصوصية العلاقات العربية – العربية، فالدول العربية تستخدم في علاقاتها بعضها ببعض، وفي محيط الجامعة، أساليب وأدوات غير تلك الأساليب والأدوات التي تستخدمها في إدارة علاقاتها بدول غير عربية. كما أنها في حين تخضع لأحكام القانون الدولي ولقواعد العضوية في المنظمات الدولية التي تشارك فيها عندما تتعامل مع العالم الخارجي، فإنها لا تطبّق أحكام هذا القانون ولا تلتزم ميثاق الجامعة عندما تتعامل فيما بينها، أو في إطار الجامعة ومؤسسات العمل العربي المشترك. هذا الإستثناء في حدّ ذاته يؤكّد مدى الترابط بين السياسات الخارجية ومزاجية النظم العربية، لأن الروادع والحوافز التي يوفّرها القانون الدولي العام وقواعد السلوك في النظام الدولي، لا يوجد مثيل لها في الدساتير – إن وجدت – والقوانين وقواعد السّلوك في النظام السياسي العربي، أو في ميثاق الجامعة وقواعد السّلوك المتعارف عليها في النظام العربي. ( )

وبهذا المعنى يصبح من المقرر أن هناك علاقة عضوية بين النظم السياسية الداخلية لكل بلد عربي من ناحية، والنظام العربي ككل من ناحية أخرى. ومن هذا المنظور ينبغي أن يتحدّد الموقع المركزي الذي يحتله تحليل الطبقات الحاكمة في أي دراسة علمية لمسار النظام العربي، وجامعة الدول العربية في داخله، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً. وأساس ذلك أن دراسة حال النظام العربي، وحال جامعة الدول العربية بالتبعية، فضلاً عن استشراف مستقبل كل منهما، يتوقف على دراسة توجهات الطبقات الحاكمة العربية وما تبنته من سياسات، وما اتخذته من قرارات، في ضوء الخبرة التاريخية المتراكمة، ومن منظور مقارن، لفترة تمتد الى أكثر من نصف قرن، في محاولة لفهم ما يدور في أذهان صانعي السياسة العربية حالياً ومستقبلاً.

وتتضح أهمية هذا المنهج في دراسة حال النظام العربي، وحال الجامعة، واستشراف مستقبل كل منهما، إذا ما وضعت في الإعتبار أنماط ممارسة السلطة في الدول العربية، وتأثير الاعتبارات الشخصية في هذا السياق، والدور المركزي الذي يقوم به ” رئيس الدولة ” أو ” مؤسسة الرئاسة ” بالمعنى العام، في صياغة سياساتها وقراراتها، بل وتحديد مصيرها كله احياناً من ناحية، والدور المركزي الذي تباشره ” مؤسسة القمة ” على رأس النظام العربي وجامعة الدول العربية من ناحية أخرى.

1-1 دولة المؤسسات:

في إطار ما تقدم بشأن الترابط الوثيق بين السياسة الخارجية وأهداف النظم السياسية العربية ومزاجيتها وغياب المحاسبة الشعبية لها يمكن تفسير كثير من ظواهر السياسة العربية، وتحديد عناصر الخصوصية التي تنفرد بها. ( )

1-1-1 أزمة المؤسسات:

من المعروف أن الدول العربية تفتقر عموماً إلى المؤسسات الحديثة، سواء في إطار السياسة الداخلية أو السياسة الخارجية. ومن هذا المنظور يمكن تفسير ظاهرة تعامل الدول العربية مع الجامعة باعتبارها تمثل مؤسسة النظام العربي، وتعامل هذه الدول فيما بينها داخل هذه المؤسسة. فالجامعة كتنظيم إقليمي هي بحكم التعريف مؤسسة، وكمؤسسة لا بدّ أن تخضع لعدد من الشروط التي يجب توافرها في أي مؤسسة، وأن يكون لها نظام وقواعد إجراءات للعمل، وأن تتوافر لها خبرات مارست العمل المؤسسي. ولكن واقع الأمر يشير الى أن معظم الدول العربية تفتقر في نظمها الداخلية إلى مؤسسات. وانعكس ذلك على حال الجامعة. وفي الوقت نفسه لم يكن لدى معظم الدول المؤسسة أجهزة يمكن أن يطلق عليها بالدقة الواجبة وزارات خارجية بالمعنى المتعارف عليه في الدول المتقدّمة، أو حتى بالمعنى المتعارف عليه في الدول الأقدم عهداً بالإستقلال كمصر والعراق. لذلك كانت الجامعة أمراً غير مألوف. وأثار التعامل معها مشكلات لم تكن الدول مؤهّلة لها، كذلك لم تكن الجامعة ذاتها مؤهلة للتعامل مع دول لا توجد فيها مؤسسات. بدا هذا الأمر في غاية الوضوح عندما صاغ المؤسسون ميثاق الجامعة، إذ خلا النص على دور الأمانة العامة ودور الأمين العام تحديداً من أي تفاصيل بشأن هيكل المؤسسة أو مهامها. وحين جاء دور مجلس الجامعة ليضع لائحة داخلية للأمانة العامة، وخصوصاً لدور الأمين العام، تفجّرت الخلافات بين الدول الأعضاء. لقد أصرّ الأمين العام على الحصول على صلاحيات واسعة تمكّنه من تمثيل الجامعة في الخارج، وحقه في لفت انتباه الدول الاعضاء الى مصادر التوتر التي قد تهدد العلاقات بينها، واستند في هذا الإصرار إلى درايته وخبرته بالواقع العربي ومشكلاته، وإلى أن وظيفته تتجاوز المهمة الإدارية التي نصّ عليها الميثاق.

إن غياب المؤسسات أو ضعفها، في الدول الأعضاء في الجامعة، سواء عند مرحلة التأسيس أو في بقية المراحل، أدّى الى مجموعة من النتائج، يأتي في مقدمتها ما يلي:

– عدم التحمّس لإنشاء مؤسّسة إقليميّة، أو لدعمها في مراحل لاحقة، بسب الافتقار إلى الوعي المؤسّسي والتنظيمي.

– حرمان الجامعة من عناصر على درجة من الكفاءة التنظيمية، بخاصة مع عدم توافر مثل هذه العناصر لدى الدول الأعضاء. ولهذا كثيراً ما استندت ترشيحاتها إمّا إلى الرغبة في المجاملة، أو الرغبة في التخلّص من شخصيّات بعينها.

– عدم الثقة في المؤسّسة الإقليمية، ليس فقط لاحتمال أن تقوم بدور فوق قطري، ولكن أيضاً لمجرّد أنّها تنظيم مؤسّسي.

–      نشأة فجوات متّسعة بين المؤسسة الإقليمية والأجهزة القطرية المسؤولة مباشرة عن التعامل مع هذه المؤسّسة، بسبب غياب أو ضعف التنظيم المؤسّسي في هذه الأجهزة. ويتّضح هذا الأمر بجلاء من افتقار معظم وزارات الخارجية العربية لمدد طويلة إلى إدارات معينة بشؤون الجامعة، وانعدام وجود جهة معيّنة داخل القطر تتولّى التنسيق بين مختلف أنشطة الأجهزة – إن وجدت – المهتمّة بقطاعات العمل العربي المشترك. وهذه إحدى أهم المشكلات الراهنة في التعامل بين الدول الأعضاء والجامعة.

1-1-2 مركزية صنع القرار:

ترتبط بقضية المؤسسات قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي قضية المركزية الشديدة في صنع القرار في معظم الدول العربية. القاعدة العامة في العمل السياسي العربي الداخلي والخارجي، هي احتكار فرد، أو فرد مع مجموعة صغيرة جداً، لعملية صنع واتخاذ القرار السياسي. وتزداد هذه المركزية في اتخاذ القرار حين يتعلق الأمر بالسياسات الخارجية تجاه دول أو قضايا عربية. فالملاحظ في أكثرية الدول العربية أن القرار السياسي في شأن عربي هو من اختصاص الحاكم، سواء كان ملكاً أو رئيساً. هذا الوضع كانت له آثار متناقضة في العمل العربي المشترك، وخصوصاً في أداء الجامعة كتنظيم إقليمي. فمن جانب أدّت هذه المركزية الى بطء التقدم في إنجازات الجامعة، وتعطيل تطوير مهامها وشلّ فاعليتها في معالجة قضايا مهمة مثل النزاعات العربية. ففي كثير من الأحوال كان اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب يتعطل بسبب عدم توافر التفويض أو الاختصاص للوزير أو المندوب للموافقة أو الاعتراض على مشروع قرار. ومن جانب آخر أدت هذه المركزية إلى تضارب وتداخل اختصاصات المنظمات العربية المتخصصة بسبب عدم وجود أجهزة داخلية، على مستوى أقل من مستوى القصر الملكي أو قصر الرئاسة، تقوم بالتنسيق بين مختلف قطاعت الدولة المنشغلة أو المهتمة بالعمل العربي المشترك.

ولكن من ناحية أخرى كان لهذه المركزية أثران إيجابيان في مسيرة العمل العربي المشترك: أولهما: إنه على رغم عدم وجود التفويض لمندوبي الدولة العربية في إجتماعات المجالس والّلجان، استطاع المندوب اتخاذ القرار المناسب في الكثير من القضايا، متصوّراً أنها تدخل ضمن اختصاصه وحدود التفويض المخوّل له، كما أن المندوبين بسبب غياب التفويض الشامل سكتوا على ممارسات تحوّلت مع مرور الوقت الى أعراف وقواعد وسلوك داخل الجامعة. وثانيهما: إن هذه المركزية سمحت للأمين العام ولأعضاء الجامعة بالتدخّل لدى الملوك والرؤساء بأشخاصهم لتمرير موضوع أو قرار، أو لتهدئة نزاع، متجاوزين بذلك وزراء خارجيتهم وأجهزتهم البيروقراطية.

1-1-3 قصور الخبرات السياسية:

هذه المركزية، مرفقة بواقع ضآلة حجم النخب السياسية الحاكمة في الدول العربية، تسبّبت في ضيق نطاق الخبرة السياسية في الشؤون العربية، وثبات وتصلّب المواقف والسياسات العربية. فالمعروف عن النخب السياسية العربية أنها تكاد تكون محصورة في مجموعة معينة، يعاد تدويرها من وزارة إلى أخرى، أو من وزارة إلى مناصب غير وزارية، ومن هذه المناصب تُعاد إلى الوزارة. ومن المعروف عنها أيضاً أنها في أغلبية الأحوال تتّسع رأسياً وتتسع أفقياً، فالتجنيد للنخب العربية يجري بأساليب معينة تضيق من وصول عناصر جديدة من خارج دائرة السلطة ونخبتها، مثل القرابة، ينتج عن هذا أن السياسة المتّبعة من المركز، شخص الملك أو الرئيس، تصبح قاعدة للعمل السياسي، يتوارثها الأقرباء والمنضمّون حديثاً إلى النخبة. وبالتالي لا يوجد ما يسمح بأن يستفيد العمل السياسي من أفكار وآراء أطراف جديدة. وقد أدّى هذا إلى أن أي مصالح قومية تحاول أن تضغط من أجل تغيير أو تطوير في السياسات العربية أو في العمل العربي المشترك، لا بدّ أن تصطدم بجدار الثوابت التي يضعها صنع القرار ونخبته غير المتجدّدة. كذلك الأمر فيما يتعلق بمختلف قطاعات المجتمع المدني الأخرى؛ ففي معظم المجتمعات العربية لا توجد مراكز متعددة للتأثير المستقل، ولا توجد أحزاب سياسية، وإذا وجدت فهي بعيدة كل البعد من مجالات التأثير الحقيقي. ولذلك يظل اهتمامها بقضايا معينة في السياسات الخارجية اهتماماً يتّصف بالعمومية، لأنها لا تطمع، بل ولا تفكر، في أنها ستتحمّل يوماً مسؤولية إدارة شؤون السياسة الخارجية. الشيء نفسه ينطبق على نقابات العمّال، فأغلبها يخضع لسيطرة كاملة من الدولة. وعلى رغم وجود شبكة علاقات عربية متّسعة تضم عدداً كبيراً من التجمعات الأهلية والنقابية وتربط بينها، إلاّ أن التجربة تؤكّد أن معظم أطراف هذه الشبكة استخدمتها الحكومات العربية لخدمة توازناتها وخلافاتها العربية، وأقلّها يحاول الضغط على الحكومات في اتجاه عمل عربي مشترك.

هذه السّمات جميعها تكاد تشترك فيها معظم الدول العربية. وكلّها تؤدي بصفة عامة إلى ثبات نسبي في مواقف وأساليب الدول في إدارة علاقاتها العربية. وجميعها تدعمه حقيقة أن هذه النظم السياسية العربية تزعم استنادها إلى مبدأ الرضاء العام، كأساس للحكم. وهو المبدأ نفسه الذي يستند إليه ميثاق جامعة الدول العربية. ولكن بينما يضمن هذا المبدأ حق الدول الأقل حظّاً في النفوذ والقوة في المحافظة على استقلالها وسيادتها في مواجهة الدول الأوفر حظاً، وبينما يمنح هذه الدول الأقل حظاً ما يشبه حق النقض على قرارات مجلس الجامعة وقرارات القمّة، فإنه في الشؤون الداخلية العربية يلغى هذا الحق لفئات الشعب وتنظيماته الإجتماعية وقطاعات مجتمعه المدني، ويؤكّد ويدعم سلطة الطرف الأقوى، وهو الحاكم الفرد أو الفرد أو الحزب الواحد، أو النخبة السياسية الحاكمة.

1-1-4 مأزق القانون:

لا شكّ أنّ من أهم شروط الدولة الحديثة وجود قواعد قانونية يلتزم بها الحاكمون والمحكومون على حدّ سواء. وتبدأ الدولة القانونية أولى خطواتها بوضع دساتير وسن قوانين، بينما تدلّ ممارسات معظم الدول العربية ودول العالم النامي، على أن الدساتير والقوانين معطلة، أو تطبّق بطريقة انتقائية وعشوائية.

إن احترام الدولة لدساتيرها وقوانينها بالنسبة إلى سياساتها الداخلية ينعكس سلباً أو إيجابا على سياساتها الخارجية، فمن ناحية أولى تقوم السياسة الخارجية على أهداف ومبادئ تجد أصولها في التوجّهات الأساسية للدولة، وهي التوجّهات التي تعتمد بدورها على الدستور. ومن ناحية ثانية تعتمد السياسات الخارجية على أساليب وأدوات وقواعد سلوك لا يجوز أن تتناقض مع القواعد التي يتضمنها القانون العام في الدولة.

ومن ناحية ثالثة فإن السياسة الخارجية تترجم نفسها في نهاية المطاف في شكل معاهدات واتفاقات، أي في شكل التزامات قانونية. فإذا لم يكن المجتمع وقيادته مؤهّلاً بالقدر الكافي لتنفيذ الإلتزامات القانونية المترتّبة على دستور الدولة وقوانينها الداخلية، فالمنطقي أن يتسرّب الشكّ إلى قدرة موظّفي هذه الدولة، وإلى نوايا قادتها، على تنفيذ التزاماتها القانونية الخارجية. كذلك فإن النظرة إلى القانون على أنه ملجأ اختياري للسلطة، أو أنه يمكن لفئة أو أفراد من الشعب تجاوزه وتخطّيه، تجعل المشتغلين بالعمل السياسي الدولي أقل إصرارا على التمسّك بنصوص المعاهدات، وتجعلهم يتمسّكون بأجزاء منها تناسب قياداتهم أو دولهم أو تناسب قضية معينة، ولا يتمسّكون ببقية الأجزاء.

في هذه الدول تحل الأعراف والممارسة محل النص الدستوري والقانوني في الأولوية. وإذا تعارض العرف، أو مصلحة السلطة، مع النص الدستوري والقانوني، انحازت السلطة إلى الأعراف أو إلى الإكراه، أي إلى الممارسة المتكررة حتى تصبح عرفاً. ومع تطوّر المشكلات الخارجية والداخلية تبين أنه لا يوجد في القانون أو في الأعراف ما يفيد في التعامل مع هذه المشكلات. حينئذٍ يعود الأمر إلى دور الحاكم وعلاقاته الشخصية بالأطراف الأخرى. وهذا الوضع هو غالباً ما حدث عندما تدارس الحكّام العرب مسألة إنشاء منظمة إقليمية عربية. لم توجد دساتير في عدد من الدول المؤسسة تحدّد أهداف هذه الدول وطموحاتها الخارجية، وخصوصاً في ما يتعلّق بانتماءاتها العربية. ولم توجد قوانين تحدّد أسبقيّة الميثاق على القوانين الداخلية. ولم يوجد عرف يستند إليه الحكام في وضع أسس لتفاعلهم فيما بينهم. فالذاكرة العربية لا تحمل سوابق من هذا النوع، وفي الواقع لم توجد سابقة دولية أخرى مثل قيام منظّمات إقليميّة مشابهة. وحتّى عندما تعدّدت الدساتير، وصاغت دول أكثر عدد قوانين داخلية، ظلّ الاحتكام إلى العرف، أو بناء العرف الجديد بالممارسة، هو الأساس الذي يسبق الاحتكام إلى النص.

وهنا ينبغى أن يوضع في الإعتبار أن النص يعني التزاماً تعاقدياً، يخشاه قادة الدول الحديثة النشأة لأنه يضع قيوداً على السلطة المطلقة التي يتمتّعون بها. وميثاق الجامعة وقرارات مجالسها تدخل ضمن دائرة هذه الإلتزامات التعاقدية. أما الممارسة فتحمل معنى التراضي وصولاً إلى الرضاء العام. وهكذا حدث التكيّف: تكيّف نظم حكم سلطوية مفتقرة إلى خبرة المؤسسات، وإلى الخبرة التنظيمية، وإلى التجربة العميقة في سياسات التظيم الدولي، وتعاني من ضعف الأسس الدستورية والقانونية، مع تنظيم إقليمي له دستور، ويفرض التزامات قانونية. فقط لجأت الدول إلى الممارسة لتتخلّص من قيود النص. والأمثلة عديدة، أهمها قرار تعليق عضوية مصر الذي اتخذته قمة بغداد في 1978، وقرار إعادتها الذي اتخذته قمة الرباط في عام 1989. كلاهما لا سند له في الميثاق. ولكن هناك تطوّرات أخرى شهدتها الجامعة، وضعت ما يشبه الميثاق العرفي من خلال الممارسة، هذه التطوّرات وغيرها – وبعضها من صميم مهام التنظيم الدولي عموماً والإقليمي خصوصاً – جرت خارج إطار الميثاق، واكتسبت شرعيتها بالممارسة بعيداً عن النص، وفي بعض الأحيان تفادياً للنص.

1-1-5 غياب الشفافية السياسية:

كذلك تفتقر النظم العربية إلى الشفافية السياسية، بمعنى أن يتم العمل السياسي في العلن قدر الممكن، بحيث يمكن التنبّؤ بمساره، ومعرفة نواياه وأهدافه. هذا الافتقار إلى الشفافية السياسية يعود إلى عدد كبير من العناصر، أهمها الطبيعة الاستبداديّة غير الديموقراطية والمغلقة لهذه النظم. يدعم هذا الإفتقار إلى الشفافية عدم وجود مؤسسات تشريعية، أو وجود مؤسسات تشريعية ضعيفة، وانعدام حرية الصحافة والقيود المفروضة على الحريات بشكل عام، وعدم وجود أي أحزاب فاعلة. وفي غياب الشفافية لا تتداول المعلومات، ولايوجد تدفّق منتظم لها، ولا يوجد تنظيم وتوثيق عصري للوثائق الرسمية واجتماعات المجالس الحكومية. وإذا غابت هذه الأمور، وحلّ الضباب أو العتمة محل الشفافية السياسية، أصبح من المستحيل وضع نظام للمحاسبة السياسية. هي إذن دائرة مغلقة، في مركزها يوجد شخص الحاكم أو النخبة المحدودة، وتدور الدائرة حول نقاط تنتهي عند نقطة البداية، وهي شخص الحاكم ونخبته المحدودة.

1-2 الاستقلالية والوحدوية:

لقد عبّرت النصوص عن أن إنشاء الجامعة كان محصلة للتفاعل والإلتقاء بين اتجاهين: أولهما الإتجاه الوحدوي، وثانيهما الإتجاه الاستقلالي. وهكذا ينصّ الميثاق في ديباجته على أن إنشاء الجامعة جاء ” تثبيتاً للعلاقات الوثيقة والروابط العديدة التي تربط بين الدول العربية، وحرصاً على دعم هذه الروابط وتوطيدها على أساس احترام استقلال تلك الدول وسيادتها، وتوجيهها لجهودها إلى ما فيه خير للبلاد العربية قاطبة وصلاح أحوالها وتأمين مستقبلها وتحقيق أمانيها وآمالها، واستجابة للرأي العام العربي في جميع البلدان العربية ” ( ) .

فالإتجاه الوحدوي يبدو في النص من خلال تأكيد حقيقة العلاقات والروابط بين الدول العربية، بينما يتأكّد الإتجاه الاستقلالي في النص على أن أساس التعامل مع هذه الحقيقة هو احترام الاستقلال والسيادة.

كما إنطوت نصوص الميثاق على نوع من النظرة المستقبلية فيما يخص حال الدول العربية غير المستقلة التي لم تشترك في تأسيس الجامعة، فجاء في ملحق ضمن الميثاق النص الآتي: ” إن الدول الموقّعة على ميثاق الجامعة يعنيها بوجه خاص أن توصي مجلس الجامعة، عند النظر في إشراك تلك البلاد في اللّجان المشار إليها في الميثاق، بأن يذهب في التعاون معها إلى أبعد مدى مستطاع، وفيما عدا ذلك بألاّ يدّخر جهداً لتعرف حاجتها وتفهم أمانيها وآمالها، وبأن يعمل بعد ذلك على صلاح أحوالها وتأمين مستقبلها بكل ما تهيّئه الوسائل السياسية من أسباب “.

1-2-1 التوجهات المختلفة:

لا شكّ في أن جدلية الوحدوي – الاستقلالي هذه هي المفتاح الأساسي والمتغير الأصيل في فهم ديناميات الجامعة، ومؤسسات النظام العربي الأخرى، وتتبع مسارها وتوقع مستقبلها. وتأخذ هذه الجدلية شكل الالتزام أو التنافس أو التنازع، وأحيانا الصراع بين القطبين: الوحدوية العربية، باعتبارها عقيدة النظام العربي، والاستقلالية لكل دولة، باعتبارها الأطراف الرسمية والفاعلة في ذلك النظام.

أما من حيث الدوافع فقد كان الأمر أكثر تعقيداً، إذ ينبغي إدخال الدور الأجنبي في الاعتبار، بخاصة أن نشأة النظام العربي قد اقترنت بمحاولات التغلغل والاختراق الأجنبي. ومن هذه الناحية المرتبطة بعنصر الدوافع، يُلاحظ أن الجامعة قد نشأت نتيجة تفاعل عقيدة الوحدوية العربية مع البيئة الدولية. فقد كان التيار الوحدوي متصاعداً ودافعاً نحو قيام وحدة عربية، بينما تلاقت مصالح القوى الاستعمارية مع التيار الاستقلالي لكل دولة على حدة فسعى إلى إنشاء شكل من أشكال التنظيم الإقليمي يحتوي على تطلعات هذا التيار دون ان يحقّقها. ولذلك، برزت الجامعة إلى الوجود تحمل معها تناقضات ومتغيرات اثنين: فكر وحدوي، وفكر استقلالي. وهذه المؤثّرات لا تسير في اتجاه واحد، وأساس ذلك أن التيار الوحدوي هدفه الوحدة العربية، والحكومات العربية أرادت أن تستجيب لهذا التيار من دون أن تؤثّر في ” سيادتها واستقلالها “. وتراوحت مواقف الدول الغربية من الفكرة وفقاً لمصالحها ولإعتبارات التوازن الدولي. وحمل الميثاق – والجامعة- آثار هذه النشأة ولذلك، فهي تتعرض منذ نشأتها لتصارع نوعين من الإرادات: ( )

أولاً: إرادة الفكر الوحدوي، مما يجعلها تخضع لمحددات تفرض عليها ألا تصدر عنها قرارات تتناقض مع عقيدة النظام العربي.

ثانياً: إرادة الفكر الاستقلالي، مما يجعلها تخضع لمحددات تفرضها الدول لكي لا تتمادى الجامعة في التعبير عن الفكر الوحدوي أو الحد من صلاحيات الدول الأعضاء.

ثالثاً: إرادة أو إرادات البيئة الدولية، مما يجعلها عرضة لتدخلات متواصلة من البيئة الدولية للتأثير على التوجهات والتوازنات السياسية العربية.

ولقد فرض ذلك على الجامعة أن تخضع لمحددات تفرض عليها ألا تصدر عنها قرارات تتناقض مع عقيدة النظام العربي، ولمحددات تفرضها الدول الأعضاء لكي لا تتمادى الجامعة في التعبير عن الفكر الوحدوي، أو الحد من صلاحيات وسيادة تلك الدول، ولتدخّلات متواصلة من البيئة الدولية للتأثير على التوازنات والتحالفات العربية.

إن هذا التناقض الرئيسي، الذي لصق بالجامعة منذ إنشائها، كان سبباً في أزمة الثقة  بين الأطراف، بخاصة القيادات والتنظيمات. إذ ظلت الجامعة رمزاً لفكرة الوحدة، بينما تجسّد ميثاقها مناقضاً لهذه الفكرة. فالميثاق لم يحقق الأماني الوحدوية للتيار الوحدوي، بل لم يقدم الحد الأدنى لهذه الأماني، ولكنه في الوقت نفسه لم ينجح في تجاهلها كلية. لذلك، ومنذ الأعوام الأولى لنشأة الجامعة، استمرّت المطالبة بتعديل الميثاق، وفي أكثر الأحيان كانت الأمانة العامة هي الجهة الأشد إلحاحاً في إجراء التعديل، شعوراً منها بأنها رمز الحركة الوحدوية. ولم يكن الإلحاح لإجراء التعديل يهدف إلى اكتساب الأمانة العامة لصلاحيات أوفر، بقدر ما كان شعوراً بأن المسؤولية الملقاة على عاتقها  لا تجد ترجمتها في نصوص الميثاق. ويبرز الدور الذي لعبته الأمانة العامة للجامعة في السعي المتواصل لإجراء التعديل من واقع أنه بعد أكثر من 58 عاماً على وضع الميثاق، بعدما استقر – أو كاد يستقر – مفهوم الدولة ذات السيادة على حساب الفكرة الوحدوية، وفي ظل أعنف انتكاسة للحركة الوحدوية في العالم العربي، ظلت الأمانة العامة للجامعة العربية تلحّ على تعديل الميثاق إلى شكل يقترب أكثر ما يمكن إلى أماني التيار الوحدوي.

الوجود التنظيمي للجامعة في حدّ ذاته يتفاعل في النظام العربي بأشكال متنوعة، أهمها تعدّد لقاءات المسؤولين في إطار الجامعة، فضلاً عن أنّ الرمز الذي تمثله الجامعة – على الرغم من ميثاقها – وضع قواعد للسلوك  العربي الجماعي والثنائي والمنفرد، إذ كان الالتزام الذي يصدر عن البلدان العربية من فوق منبر الجامعة قيداً على حركتها أو كان دافعا لمزيد من الحركة الموازية لهذه الاتجاهات. فهكذا تتصارع الممارسات وتتضارب الاهداف منذ نشأة الجامعة.

ولكن المؤكّد في كل حال، أن الجامعة بحكم ميثاقها وبحكم إرادة اعضائها، ليست أداة تلقائية تتحقّق عن طريقها الوحدة العربية بصورة آلية وحتمية، بل إن الميثاق ذاته قد انطوى على نص يشير إلى أن الخطوات الأكثر وحدوية ستتمّ خارج الجامعة، حيث ينص في (المادة 9) منه على الأتي:

” لدول الجامعة العربية الراغبة فيما بينها في تعاون أوثق وروابط أقوى ممّا نصّ عليه هذا الميثاق، أن تعقد بينها من الإتفاقات ما تشاء لتحقيق هذه الأعراض”( ).

وهكذا كرّس الميثاق وضع الجامعة كمؤسسة حد أدنى .

ولقد أدى ذلك إلى نوع من ” الازدواجية ” في ميثاق الجامعة العربية ونشاطها، ما بين اعتبارها من الناحية القانونية منظّمة إقليمية تقوم على مبدأي السيادة والمساواة بين الدول الأعضاء، وكونها من الناحية السياسية تعبّر عن طموحات وحدوية تسعى الى مزيد من الترابط العربي والوحدة العربية. هذه الإزدواجية كانت أحد عناصر التوتّر والخلاف من ناحية، كما كانت أحد عناصر الدينامية والسعي لتجاوز الإطار القانوني من ناحية أخرى. وانعكس ذلك على أغلب أنشطة الجامعة. إن هذه العلاقة بين السعي إلى الوحدة، ومنطق الدولة والتركيز على السيادة والإستقلال هي تعبير عن جدلية عكست نفسها على الميثاق والجامعة.

إن تحليل الميثاق يوصلنا الى اثنتين من النتائج المهمة:

الأولى: أن الجامعة منظمة بين ” دول ذات السيادة “. ومع أن التيار الوحدوي كان أحد دوافع قيام مفاوضات ” الاتحاد العربي “، ومع أن رئيس وزراء مصر أشار في دعوته لهذه المفاوضات إلى ضرورة ” السعي للوحدة العربية بجبهة متحدة بالفعل “، وذلك حتى يتمّ تحقيق الأغراض التي        ” ينشدها الوحدوين “، ومع الدعوة التي وجّهتها الحكومة المصرية لعقد لجنة تحضيرية لبحث     “أسس التعاون العربي في المستقبل ” وبحث ” شكل الوحدة المنشودة بين الدول العربية المختلفة “… على رغم هذا وذاك فإنه مع تقدم المفاوضات ساد منطق الدولة والحفاظ على الإستقلال والسيادة، ففضلت أغلب الدول العربية إقامة تنظيم اختياري ينظّم وينسّق وينشّط التعاون بين البلاد العربية في المجالات المختلفة دون المساس بسيادتها واستقلالها. لذلك، فإنها في مباحثات بروتوكول الإسكندرية فضلت اسم ” جامعة الدول العربية ” بدلاً من ” الجامعة العربية “، وحدّدت مهمّة مجلس الجامعة في تنسيق الخطط السياسية بين الدول الأعضاء ” تحقيقاً للتعاون بينها وصيانة استقلالها وسيادتها “، وأكّدت أن قرارات المجلس ملزمة لمن يقبلها.

ووفقاً للميثاق فإن الجامعة هي منظّمة تقوم على التعاون الاختياري بين الدول العربية الأعضاء فيها على أساس المساواة واحترام استقلال الدول الأعضاء، وسيادتها، فالجامعة لا تملك سلطة إلزامية على الاعضاء، بل هي أداة للتنسيق ورابطة اختيارية لتحقيق التعاون ولمّ الشمل. وهي منظمة بين ” حكومات ” وليست سلطة عليا. فديباجة الميثاق تشير إلى ” احترام استقلال هذه الدول وسيادتها “، و (المادة 2) تشير إلى أنّ الغرض من الجامعة هو ” تحقيق التعاون بين البلاد العربية وصيانة استقلالها وسيادتها ” وهكذا فإنّ البناء القانوني والتنظيمي للجامعة يقوم على مبدأ المساواة بين الأعضاء، وعلى مبدأ احترام سيادة هذه الدول، وينعكس ذلك على مختلف جوانب عمل الجامعة.

والثانية: أنّ الجامعة نشأت على أساس التوافق السياسي والرضاء العام، ولم تنشأ نتيجة وجود قوة إقليمية مسيطرة استطاعت أن تفرض آراءها على الآخرين، وإنما نشأت نتيجة توازنات والرّغبة في إرضاء جميع الأطراف، حتى أن الدول المؤسسة أسقطت النص الوارد في بروتوكول الإسكندرية الذي ينصّ على أنه لا يجوز لأي دولة عضو إتباع سياسة خارجية تضرّ بسياسة جامعة الدول العربية، وذلك بناءً على طلب لبنان.

وانعكس ذلك أيضاً على النظام القانوني للجامعة الذي يستند إلى مبدأ السيادة ومبدأ المساواة، فكل الدول الأعضاء لها صوت واحد في مجلس الجامعة (م3)، وجميع الأصوات متساوية فليس لدولة ما حق الإعتراض، ورئاسة المجلس بالتناوب بين الدول الأعضاء (م15). ووفقاً للنظام الداخلي للأمانة العامة (م3) فلكل دولة الحق في تعيين أمين عام مساعد من مواطنيها. كما ينعكس أيضاً في الأخذ بقاعدة الإجماع في التصويت، وأن الدول لا تلتزم إلاّ بالقرارات التي وافقت عليها، ولا يكون لما وافقت عليه قوة تنفيذية إلا بعد إقراره وفقاً لنظمها التشريعية والدستورية. ورفضت الدول العربية عند إعداد الميثاق قبول مبدأ الأغلبية، حتى في حال مواجهة عدوان خارجي، خشية أن تضطرّ دولة إلى الإلتزام بقرارات لا توافق عليها. وارتبط بمبدأ السيادة ما ورد في (المادة 8)  – بناءً على اقتراح سعودي- من احترام نظم الحكم القائمة في دول الجامعة، واعتباره حقّاً من حقوق تلك الدول، والتعهّد بعدم القيام بأي عمل يرمي إلى تغيير نظم الحكم في الدول الأخرى.( )

كذلك، فإن نظام الأمن المشترك وحل المنازعات بالطرق السلميّة الذي أوجده الميثاق عكس هذا الوضع، فهو نظام اختياري، ولم يحدد مفهوم العدوان، ولا التدابير التي يمكن أن تتخذ في مواجهته. ولا يتدخل مجلس الجامعة إلاّ إذا لجأت اليه الدولة التي وقع عليها العدوان، أو دولة غيرها إذا تعذّر ذلك. وتصدر القرارات المتعلقة بذلك بالإجماع. وإذا ما صدرت فإنها ليست ملزمة إلا برضاء الأطراف المتنازعة. وتسري قاعدة الإجماع أيضاً على القرار الخاص بتقدير نوع القضية التي تدرس، وما إذا كانت تعد عدواناً أم لا.( ) وللدولة العضو أخيراً الحقّ في الانسحاب الإداري من الجامعة قبل تنفيذ ذلك بسنة (م18) ولم يشترط الميثاق أن يكون قرار الإنسحاب مسبباً، كما أن تنفيذه ليس معلقا برأي مجلس الجامعة.

إن الأمثلة السابقة توضح قيام الجامعة على مفهوم الرضاء العام الذي يتطلّب اتفاق كل الأطراف فيه، وقد مثلت هذه السّمة عنصر قوة وعنصر ضعف في الممارسة.

عنصر قوّة لأنّها حافظت على تماسك النظام، ومرونته، وحالت دون سيطرة أي دولة عربية بمفردها، أو مجموعة من الدول، على الجامعة، وفرضت على الدول العربية الكبيرة، التي تسعى للعب دور قيادي، أن تلجأ إلى مزيد من أساليب الإقناع والضغط، والترغيب والتهديد للحصول على الإجماع العربي لتحقيق الأهداف التي تسعى إليها. كما إنه أعطى الدول الصغيرة ضمانة مادية ومعنوية، ووفّر لها شعوراً نسبياً بالأمن في مواجهة الدول الأكثر قوّة وقدرة، بل أعطاها القدرة على المساومة والحصول على مكاسب مقابل تأييد قرار أو سياسة ما، وكان من شأن ذلك في نهاية الأمر الحفاظ على وحدة النظام وتماسكه.

وعنصر ضعف لأنّ الدول الأعضاء عمدت إلى استخدام قاعدة الإجماع لكي تفرض قدراً كبيراً من الجمود والشكلية، فهي في واقع الأمر أعطت حق الإعتراض لكل دولة عربية على حدة، ولم تتمكن الجامعة من العمل إلاّ في المجالات التي يتحقّق فيها الإجماع القانوني أو التوافق السياسي. ( )

ومعنى ذلك، أن المنظمة التي يفترض أنها تهدف إلى توثيق العلاقات بين دول تنتمي إلى نظام قومي جاء ميثاقها استقلالياً خالصاً، إذ لا يلحظ أي وزن للمنطق الوحدوي إلى جانب منطق الدولة، ولو في حيز ضيق، في أي من المجالات التي تناولها الميثاق. فلا توجد أي ضوابط على سلوكيات الدول الأعضاء تقيدها بأولويات أو قواعد معينة، بل تستطيع هذه الدول – حسب نص (المادة 9) من الميثاق – أن تعقد أي نوع من ” المعاهدات أو الاتفاقيات ” بحريّة مطلقة، ما دامت هذه لا تلزم ولا تقيد الأعضاء الآخرين. وهذا تعريف سلبي للقيود، إذ تستطيع أي دولة – مثلا – أن تعقد اتفاقيات تهدّد أمن ومصالح ” بقية الدول العربية ” ككلّ، ولا يوجد نص في الميثاق تستطيع الجامعة أن تستند إليه للضغط على تلك الدولة إذا اتخذت منحى من هذا النوع.

1-2-2 خطوة الحذر:

من هذا المنطلق سلم الموقعون على الميثاق بأنه يمثل الحد الأدنى الممكن. فلقد أشار رئيس وزراء مصر ورئيس المؤتمر العربي العام في جلسة توقيع الميثاق إلى انه على الرغم من أن ” أن مصدر الوحي في فكرة الجامعة هو الرأي العام في العالم العربي كله”، وأنه على الرغم من أن الجامعة هي صدى  ” لصوت مدو” فإن ميثاقها هو ” خطوة الحذر” . ويتابع رئيس المؤتمر قائلاً: إنه ” من الخير لنا أن نبدأ السير في اتئاد “. ويعترف مندوب المملكة العربية السعودية بأن الميثاق       ” بسيط في مبناه “. ويرى ممثل لبنان ” أننا نعلم حق العلم أن هذه الجامعة ليست غاية ما يصبو إليه العرب… ولكنها خطوة مباركة “.( )

وفي إطار ما سبق، لم يكن مستغرباً أن الجولات الأولى من المفاوضات حملت مشروعات وخطابات وحدوية، سرعان ما سقطت بالإجماع عندما تبين أن كل مشروع قصدت به مصلحة الطرف الذي تقدم به. فعندما عارض لبنان إعطاء شخصية قانونية للجامعة مستقلة عن أعضائها، ودعا إلى اعتبارها بمنزلة ” مؤتمر دولي دائم “، لم تأخذ المناقشات وقتاً طويلاً حتى تمّت الموافقة على الرأي اللبناني، وألغيت كل إشارة إلى الجامعة كجهاز إقليمي( ). وكان الأردن أيضا قد أثار موضوع التعاون في مجال الدفاع كأساس لمبدأ الضمان الجماعي في الميثاق، ولم يحظَ هذا الاقتراح بالتأييد، وهو أيضاً حال فكرة إنشاء محكمة عدل عربية التي أُثيرت في اجتماعات اللجنة الفرعية السياسية التحضيرية للميثاق.

وفضلاً عمّا تقدم، لم يحظَ الجانب الاقتصادي في الميثاق بما حظي به الجانب السياسي، بل إن الميثاق ” لم يتجاوز فكرة تعزيز التعاون… دون أن يشير إلى أسلوب هذا التعاون  أو أنماطه أو صيغه…”، ويحيل ذلك الى الإرتباطات الاقتصادية لبعض الدول العربية حينذاك مع بريطانيا وفرنسا، ولوجود بعض ” التجارب التكاملية ” بين الدول العربية( ). فضلاً عن أن الميثاق جاء في خضم مرحلة سياسية كانت تطبعها العلاقات مع القوى المستعمرة، التي كانت تحمل توتراً ومهادنة، كما أن الميثاق جاء أيضاً في مرحلة لم يرسخ فيها استقلال الدول العربية، وهذا يعني أن يبقى كل شيء ثانوياً أمام محاولات حسم تلك المسائل السياسية الحيوية. ( )

لقد تعامل المؤسسون من خلال القاسم المشترك الأعظم، فبالنظر إلى تعدّد أولويات وسياسات وارتباطات الدول العربية، داخلياً وخارجياً، وتباينها، فقد ركزوا على ما يجمع هذه الدول، ويدعم أواصر القربى بينها، وأزالوا من الميثاق ما قد يثير المخاوف. ويمكن تحديد العوامل التي ساهمت في إنشاء ميثاق ” خطوة الحذر ” فيما يأتي( ):

– أن الجامعة هي أقدم منظمة إقليمية، وبالتالي لم تكن هناك أي خبرة أو سابقة دولية مماثلة يستفاد منها في بلورة ميثاق متطور. يدل على ذلك وجود صياغة غير متوازنة في الميثاق كما في  (المادة 2).

– أن الدول المؤسسة كان بعضها مستقلاً بالمعنى القانوني فقط، وكانت تخضع عملياً لدول الانتداب.

– أن النخب السياسية التي حققت الإستقلال السياسي كانت ذات حساسية كبيرة فيما يتعلق بتخلّي الدولة، ولو المحدود، عن جانب من السيادة القانونية. زد على ذلك أن تلك الدول كانت تحمل شكوكاً كبيرة فيما يتعلق بأهداف بعضها تجاه البعض الآخر، إذ لم يخف بعض الحكام نوايا توسيعية ورغبات هيمنة، في وقت لم تترسخ فيه بعد الشرعية القطرية، خصوصاً أن من هذه الأهداف التوسعية ومشروعات الهيمنة ما كان يختلط مع الدعوات الوحدوية. في هذا الإطار جاءت (المادة 2) تتحدث عن ” تنسيق الخطط السياسية للدول العربية تحقيقاً للتعاون بينها وصيانة لاستقلالها وسيادتها “. وكان ذلك لطمأنة بعض الدول في وجه بعض الاتجاهات المراجعة التي تشكك بحقها بالوجود الشرعي كطرف ذي شخصية دولية مستقلة، كما جاءت أيضاً (المادة 8) لتؤكد ” احترام نظام الحكم القائم… “، وتعتبره ” حقّاً من حقوق تلك الدولة وتتعهد بألاّ تقوم إلى تغيير ذلك النظام فيها “. وكان ذلك أيضاً للطمأنة. أكثر من ذلك كان تفاخر رئيس حكومة سوريا التي كانت متخوفة من المشاريع الهاشمية بأن الميثاق ” صينت فيه حرمة الحق في نطاق المباديء الديموقراطية الصحيحة بإقرار المساواة بين الدول السبع الداخلة في هذه الجامعة بلا تفريق بين صغيرها وكبيرها”.( )

– أن الحال الوحدوي في الداخل لم تكن منظمة أو معبأة بشكل ضاغط على الدول العربية أو بعضها، بحيث تستطيع أن تفرض أهدافها على النخب الحاكمة. فهي لم تستطع التأثير في العملية التي أنشأت الميثاق، وكل ما استطاعت القيام به لاحقاً هو انتقاد الميثاق لقصوره. فقد ذهب ساطع الحصري إلى الجامعة التي ” تأسست بموجب ميثاق المعلوم “، ” لا يجوز أن تعتبر ممثلة للأمة العربية. كما أن الفشل الذي منيت به هذه الجامعة إلى الآن لا يجوز أن يعتبر دليلاً على بطلان فكرة القومية العربية بوجه من الوجوه ” ( ). ومنذ الأسابيع الأولى لقيامها، رأى ” حزب البعث العربي الإشتراكي ” أن التعاون الذي حققه ميثاق الجامعة هو تعاون قاصر قد يتحقق مثله بين دول غربية متباينة في اللّغة والعنصر والثقافة … ” فالميثاق في مجموعه إقرار لحال التجزئة الراهنة… ولكنّه بالنظر إلى هذه الشوائب التي تدخله خطوة منحرفة ضالة نخشى أن يزيد المستقبل من خطرها ويوسع أضرارها…”. ودعا حزب البعث إلى إنشاء ” جامعة عربية شعبية تكون سنداً ونصيراً للجامعة الرسمية حينما تسلك هذه طريق الصواب ويعوزها النصير، ومعارضاً ومقوماً لها حين يعوزها الإرشاد والتقويم…( ).

– أن الدول العربية المؤسسة للجامعة العربية، في أغلبيتها ، كانت تفتقر إلى المؤسسات، بمعنى آخر لم تتوافر لدى هذه الدول خبرة في إنشاء المؤسسات. وربما وجدت شكوك تجاه أي أفكار تدعو إلى إضفاء الطابع المؤسسي على أي عمل، وإخضاع العمل السياسي لما تمثله “فكرة المؤسسة”. وقد انعكس هذا الواقع على صياغة الميثاق حيث ركّز المؤسّسون على اللّجان الفرعية ولم يهتموا بالنظام الداخلي للجامعة. بمعنى آخر جاء الميثاق مرآة تعكس حال المؤسسات في الدول الأعضاء.

والخلاصة أننا إزاء جامعة دول عربية دخل فيها كل عضو بشروطه وتحفظاته، وكانت النتيجة أن تحركت الجامعة دوماً في الإطار الذي يمكن أن يتفق عليه كل الأعضاء أو أغلبيتهم على أقل تقدير. وأثر ذلك على أداء الجامعة، وعلى كيفية تعاملها مع حقائق التغيير في البيئة الإقليمية والدولية..

1-2-3 جدلية بين تيارين:

إن التضارب في ميثاق الجامعة بين الفكرالوحدوي والفكر الاستقلالي كان ولا يزال، أحد بواعث القصور والخلاف والتشاحن( ).

إن العلاقة بين الوحدوية والاستقلالية في ميثاق الجامعة، وفي مواثيق عديد من منظماتها المتخصصة، هي تعبير عن جدلية بين تيارين يوجدان ويتفاعلان في محيط العمل العربي: تيار توحيدي يسعى إلى مزيد من التكامل والتنسيق بين الدول العربية وصولاً إلى شكل من أشكال الوحدة، وتيار استقلالي يسعى إلى أن تكون العلاقات بين الدول العربية على أساس من القانون الدولي بين ” دول ذات سيادة “. وهذان التياران يظهران بشكل سافر في بعض الأحيان، وبأشكال مستترة خفيّة في كثير من الأحيان، يتفاعلان ويتصارعان، بحيث أصبحت تلك إحدى سمات النظام العربي.

إن الدول العربية تمثل العناصر الأساسية التي يتألف منها النظام العربي. ولذلك، لا بدّ، لفهم ذلك النظام حق الفهم، ولتقدير موقع الجامعة وتأثرها به وتأثيرها فيه، من البدء أولاً بتحليل طبيعة هذه الدول وأنظمتها السياسية، ومصادر قوّتها وضعفها، ونوع علاقاتها بالقوى العالمية ومداها. فإذا كان من شأن طبيعة هذه الدول أن تعمل على ترسيخ كياناتها، وإذا كانت أنظمتها تسعى، أولاً، إلى المحافظة على مصالحها وإلى تثبيت وجودها واستمرارها، وإذا كانت تتوجّه، ثانياً، إلى هذه أو تلك من القوى العالمية المتصارعة، وتؤثر صلاتها بها على صلاتها بأعضاء النظام الآخرين، فإن هذا كله يسم النظام العربي، وجامعة الدول العربية من ضمنه، بسمات خاصة، وهذا بالتالي جدير بأن يوضع موضع الاعتبار لأنه الأصل الباعث والمحدد( ).

أما بالنسبة إلى الجامعة ذاتها انعكس ذلك الأصل والمحدّد على شكل مفارقة مهمة في صلب بنيان ميثاق الجامعة، ومشروع تعديل ذلك الميثاق أيضاً، وتبدو هذه المفارقة على النحو التالي: على مستوى الأهداف والمبادئ والتوجّهات يبدو التيار الوحدوي واضحاً، ولكن على مستوى النظم والإجراءات التي يفترض أنها تؤدي إلى تحقيق هذه الأهداف والمبادئ والتوجهات يبدو التيار الاستقلالي غالباً.

وإذا كانت هذه الثنائية قد حكمت الميثاق وحركة الجامعة منذ النشأة، فقد كان من الممكن أن يتخذ التطور أحد المسارين: أولهما – اتجاه الدول التي وضعت الميثاق ليحمي استقلالها وسيادتها (وحصنت ذلك بمبدأ الإجماع) إلى تغليب المنطق الاستقلالي؛ وثانيهما، اتجاه تلك الدول إلى التنازل عن جزء من سيادتها لمصلحة ” الكل ” العربي، وبالتالي تغليب المنطق الوحدوي. ومعنى ذلك، انه كان من الممكن أن يتطور الميثاق، والواقع السياسي لحركة الجامعة، في أحد هذين الاتجاهين: إما مزيد من الاستقلالية وإما مزيد من الوحدة.

ولكن هذه التطورات جاءت في الواقع باتجاه تكريس الاستقلال، وبالتالي تضييق الهامش المتاح لحركة الجامعة، خصوصاً لأمانتها العامة، ذلك الهامش الذي تحكمه عوامل المرحلة السياسية السائدة من وقت الى آخر.

ولذلك، لا يمكن الحديث عن التيار الوحدوي والتيار الاستقلالي كطرفي معادلة في بنية مؤسسات النظام العربي دون الإشارة إلى حلقات وسيطة هي أداة الانتقال من ” الوحدوية ” إلى ” الاستقلالية ” وبالعكس. والجدير بالملاحظة ايضاً، أن هذه الحلقات الوسيطة هي متغيرات، ومنها مثلا:

(1) في الخمسينيات والستينيات، كانت الثورة العربية في مواجهة التحدي الصهيوني بخاصة، والإمبريالي عامة، ومن أجل  تحقيق استقلال الدول العربية، هي التي شكلت المحرك الرئيسي في تجاوز ” الاستقلالية ” الى ” الوحدوية ” وكان ” للثورة العربية ” – كحلقة وسيطة – خصائص من أبرزها:

(أ) أن انطلاقتها قد أسفرت عن خريطة للعالم العربي فيها قلب ومحيط. وكان ” القلب ” يمثل تلك الرقعة الممتدة من مصر إلى الهلال الخصيب، التي تفاعلت فيها مفاهيم الوحدة العربية، وهي أيضاً الرقعة المحيطة بإسرائيل، ومركزها ” فلسطين “، وفيها كانت تتحدد مفاهيم ومنطلقات ” الثورة العربية “.

(ب) أن ” الثورة ” قد امتدّت إلى مواقع أخرى، كما حدث في الجزائر واليمن، فاسترشدت هذه الثورات بالمفاهيم الثورية التي حدّدت ملامحها التفاعلات في منطقة ” القلب “.

(ج) وكان لا بدّ من أن تفضي انطلاقة ” الثورة العربية ” الى ردود أفعال وتفاعلات معقدة على الصعيد العربي عموماً، وجدت تعبيراً عن نفسها في شعاري ” وحدة الهدف ” و ” وحدة الصف”.

(2) في السبعينيات، برزت ” الثروة العربية ” كأبرز محرك لإعادة صياغة تركيبة وبنية النظام العربي. وكانت هذه الثورة – أي فوائض النفط – هي نتاج الصفقة النفطية مع الدول الغربية الصناعية المتقدمة، مستهلكة النفط العربي. وكان للثروة ” العربية ” – كحلقة وسيطة – هي الأخرى خصائص، تختلف اختلافاً بيّناً عن خصائص ” الثورة العربية “:

(أ) إن المنطقة العربية الأكثر ثراءً نفطياً (منطقة الخليج) ليست المنطقة العربية الأكثر تقدماً تاريخياً، والأكثر تعرضاً للتحدي الصهيوني. لقد أفضى تعاظم شأن ” الثورة العربية ” إلى عالم عربي، لم يعد له قلب ومحيط، بحسب الإعتبار القومي بل عالم عربي، له ” مركز جديد ” برز في غير موقع مركزه السابق. وأصبح شأن المركز الجديد يتعاظم على المركز السابق بقدر ما أصبحت ” الثروة ” تحل محل ” الثورة ” كقوّة مقررة للسياسات العربية، بل أخذت ” الثروة ” تستوعب ” الثورة ” وتمتصّها.

(ب) ومما يؤكّد هذه السمة ” للثروة النفطية العربية ” انها لم تعد تنظر إلى الغرب معتبرة إياه” عدوّاً امبريالياً ” بل ” زبون نفط “، أي انه طرف يجري التعامل معه، بل التكامل معه، بدلاً من أن يكون ” التناقض ” و ” الصراع ” هما طابع العلاقة معه.

(ج) ونظراً إلى أن إسرائيل مرتبطة ارتباطاً عضوياً بهذا الغرب، الذي لم تعد تجري معاداته كعدو إمبريالي، بل تتدعم العلاقة به بوصفه مستهلكاً للنفط العربي، أصبح شعار ” السلام ” يطرح مع إسرائيل باعتبارها ” حليف الحليف “، وبشرط أن يتوافر للطرف العربي الشروط المقبولة لذلك، ولم يعد التحدي الصهيوني تحدي ” وجود ” بل تحدي ” حدود “.

(3) إلاّ أن تعاظم شأن الفوائض العربية لم يعد مضموناً في العقود التالية كما تعاظم شأنها في السبعينات، بل هناك هبوط حاد في هذه الفوائض، نتيجة استعادة الغرب سيطرته على أسواق النفط بوسائل مختلفة. ومن هنا أصبحت ” الثروة ” معرضة للإختفاء بعدما قضت على ” الثورة “. السؤال في هذا الصدد هو: كيف يجري تجاوز ” الاستقلال ” إلى ” الوحدة ” في بنية عربية لم تعد تتمثل قوتها لا في ” الثورة العربية” ولا في ” الثروة العربية ” ( ).

ويكتسب هذا السؤال أهميته وخطورته في ضوء ما انتهت إليه حروب الخليج الأولى والثانية والثالثة. لتؤدي إلى إحكام السيطرة الغربية على مقدرات ومستقبل المنطقة العربية، عن طريق تحطيم القدرات العسكرية والإقتصادية العربية في العراق – من ناحية، وتبديد الثروات المالية العربية في الخليج، من خلال الأعباء المالية الهائلة المترتبة على نفقات الحروب الباهظة المدمرة – من ناحية ثانية، فضلاً عن رهن الموارد العربية النفطية لآجال طويلة قادمة لتغطية نفقات التعمير وإعادة البناء في الكويت والعراق – من ناحية ثالثة. مما يترتب عليه استنزاف مهم للاحتياطات المالية للبلدان العربية الخليجية، خلال فترة لم تتجاوز العقدين. وبالتالي دخل العرب القرن الجديد بلا ” ثروة ” وبلا ” ثورة “، أي الإفلاس التام على كل الجبهات، نضالياً ومالياً ونفسياً.

ومعنى ذلك، أن الحديث عن العلاقة الجديدة بين ” الاستقلال ” و” الوحدة “، وتحديد الحلقات الوسيطة للانتقال بينهما، ينبغي أن يدخل في اعتباره تطلع الدول العربية لاهداف متناقضة.

1-2-4 دينامية المؤسسات العربية:

إن عرض ديناميات بعض مؤسسات النظام العربي وأساليبها في العمل يساعد على تبيان هذه الثنائية القائمة بين ” الاستقلال ” و” الوحدة “، وحقيقة الازمة. وسنكتفي هنا بمثالين: المجلس الاقتصادي والاجتماعي، ومجلس الوحدة الاقتصادية.

(1) المجلس الإقتصادي والإجتماعي

إن الدراسة التطبيقية لسلوك الدول العربية الأعضاء في المجلس الاقتصادي والإجتماعي (التابع للجامعة)، وفي الشؤون الاقتصادية عامة، توضح مدى تمسك الوفود بعدم المساس بمبدأ سيادة الدولة وقوانينها الداخلية، وعدم إصدار توصيات أو قرارات في مسائل أو مشروعات تمسّ بأي شكل من الأشكال مشروعات الدولة الاقتصادية وخططها وبرامجها.

فقد عمدت دراسة مهمة إلى اختبار عدة فرضيات، باستخدام محاضر جلسات هذا المجلس خلال سبع دورات مهمة (من الدورة 19 الى الدورة 25)، وعلى امتداد خمس سنوات من ديسمبر عام 1974 إلى ديسمبر عام 1978، وهي فترة كانت من أهم فترات التاريخ العربي الحديث وأخطرها بسبب التحديات المصيرية التي فرضت نفسها على العالم العربي فيها بدرجة بالغة القوة والتركيز. والفرضيات التي اختبرتها الدراسة وتأكدت من صحتها، تتمثل فيما يلي:

(أ) إن الحكومات العربية – بشكل عام – لا تبدي حماساً حقيقياً أو فعّالاً تجاه قضايا ومشروعات العمل العربي المشترك.

(ب) إن الدول العربية – فقيرة أو غنية – تفضل بالدرجة الأولى المعونة المباشرة أو برامج عمل على المستوى الثنائي، أو قروضاً غير مرتبطة بمشروعات، على الدخول في مشروعات تكامل جماعي.

(ج) تمسك الوفود بعدم المساس بمبدأ سيادة الدولة وقوانينها الداخلية، وعدم إصدار توصيات أو قرارات في مسائل تمس بأي شكل من الأشكال مبدأ السيادة، أو تمس مشروعات الدولة الاقتصادية وخططها وبرامجها.

 (د) إن الأيدولوجية لا تلعب دوراً مؤثراً في أعمال المجلس، بخاصة في المناقشات التي تدور حول مشروعات التكامل الوظيفي والتنمية بشكل عام.

(ه) إن هناك علاقة قوية بين ضعف مستوى المناقشات في المجلس أو درجة مشاركة وفود الدول من ناحية، وبين مستوى تمثيل الدول لدى المجلس من ناحية أخرى.

(و) إذا كان العامل الأيدولوجي لا يلعب دوراً واضحاً في إتجاهات وأعمال المجلس، وخاصة في موضوعات التكامل، إلاّ أن الخلافات السياسية بين الدول تفرض نفسها على سلوك الوفود، وتؤثر تأثيراً مباشراً في فعالية المجلس ومناقشاته.

(2) مجلس الوحدة الاقتصادية العربية

تشير متابعة المجلس، منذ إنشائه حتى نهاية الستينات تقريباً، إلى أن نشاط المجلس سار في هذه الفترة بشكل مطرد، ولم تبرز خلافات أساسية بين البلدان الأعضاء فيه: وهي مصر وسوريا والعراق والأردن والكويت ثم اليمن والسودان. كما يلاحظ أنه خلال الفترة تم اتخاذ أهم القرارات: مثل تلك المتعلقة بتحرير التجارة، وبإجراءات التنسيق الإقتصادي وتيسير انتقال الأشخاص والمشروعات العربية المشتركة( ).

وجدير بالذكر في هذا الصدد أن انضمام الكويت إلى اتفاقية الوحدة الإقتصادية كان لبواعث سياسية، وهي الرغبة في اتباع سياسة خارجية نشطة، الأمر الذي يثبت استقلالها ويدعم من أركان وجودها، باعتبارها دولة عربية، إزاء مطالب عبد الكريم قاسم ودعواه بأن الكويت جزء من العراق. ولذلك، فقد سارعت بالانضمام دون دراسة كافية إلى الاتفاقية، وحين زال خطر عبد الكريم قاسم تحفظت الكويت على عديد من مقررات المجلس. ويوضح ذلك أن التجارة العربية المشتركة، ضمن نطاق السوق، تستند إلى اعتبارات سياسية اكثر مما تستند إلى العوامل الاقتصادية المحض( ).

وتجدر الإشارة إلى أنه بالمقابلة بين نشاط مجلس الوحدة الاقتصادية خلال هذه الفترة ونشاط المجلس الاقتصادي والاجتماعي – الذي يعمل في نطاق الجامعة، ويضم كل البلدان الأعضاء في الجامعة – يلاحظ أن الخلافات السياسية قد أثرت في عمل المجلس الاقتصادي والاجتماعي بوضوح، الأمر الذي أدّى إلى عدم قيامه بدور فعال، بالمقارنة مع مجلس الوحدة الإقتصادية العربية. وهناك مؤشرات تدل على أن الخلافات السياسية أخذت تؤثر في مجلس الوحدة الاقتصادية العربية منذ بداية عقد السبعينات، غير انه يجدر التنويه بأن هذه الخلافات لم تمارس تأثيراً متساوياً في عمل المجلس، انما تفاوت تأثيرها، وفقا للظروف ولنوع الخلاف ودرجات حدته( ).

وكمثال تطبيقي من محاضر جلسات المجلس الاقتصادي والاجتماعي، وهو مثال يتكرر بصيغ مختلفة. ففي أثناء مناقشة موضوع تيسير استثمار الدول العربية في التنمية الإقتصادية والإجتماعية للدول العربية، افترضت مذكرة الأمانة العامة للجامعة أن يقترن هذا بتبسيط معاملات السفر بين الدول العربية والإقامة فيها، والإستجابة لطلبات المستثمرين الخاصة بالإدخال والإقامة وإجازات العمل لذوي المهارات والكفاءات لاستخدامهم في مشاريعهم. قال رئيس أحد الوفود إنه يجب أن يضاف إلى هذا النص عبارة ” على أن يكون ذلك طبقاً لأنظمة كل دولة “. وقد ثنى على كلامه رئيس وفد آخر. وحين علق رئيس وفد ثالث على ذلك             بأن الهدف هو ” أننا نريد تعديل النظم المعمول بها في الدول العربية لتحقيق الأهداف التي نسعى إليها “، رد عليه قائلاً،  ” نحن لنا ظروف خاصة ” ( ) ومعنى ذلك، أن الواقع السياسي العربي هو الذي ينتج مثل هذه الانماط من التفكير، التي تؤدي بالضرورة إلى فرض قيود تؤدي بدورها إلى إصابة مؤسسات النظام العربي بالشلل، وأحياناً تعريض معظم أعمالها للفشل.

1-3 إخفاق التكامل الاقتصادي:

إن البلاد العربية تقدم نموذجاً واضحاً  لاخفاق العمل المشترك على صعيد تحقيق التكامل الاقتصادي بالرغم من أن العصر الحالي يتطلب مثل هذا التعاون لمواجهة نوعاً ما التكتلات الاقتصادية في عصر العولمة حيث تظهر الدولة العربية مظهر العاجز عن مواجهة ما يدور حولها أن مؤسسات العمل الاقتصادي العربي- كقاعدة عامة – تأخذ بمبدأ الأغلبية في التصويت( ). وثمة العديد من الأسباب الدافعة إلى التكامل، منها الاسباب السياسية حيث في ظل انفراد الدولة في مثل هذا العصر يمارس عليها الكثير من الضغوط التي لديها انعكسات سياسية، كما هناك أسباب الاقتصادية، مثل ضرورة توافر الحجم الإقتصادي اللازم للتنمية، وتكامل عناصر التنمية ومقوماتها بين البلدان العربية.

إن تحليل أسباب القصور في تحقيق التكامل الاقتصادي العربي يثير على الفور جملة الأوضاع السياسية والاجتماعية التي تمرّ بها البلاد العربية والتي تؤثّر في عملية التكامل. وبصفة عامة، يمكن رد الإخفاق في تجارب الوحدة الإقتصادية العربية إلى نوعين من الأسباب: اقتصادية وسياسية. ( )

1-3-1 الأسباب الاقتصادية:

(1) عدم أخذ الامور بالجدية اللازمة وعدم الالتزام بالقوانين في حال تمّ وضعها وعدم التمثل بتجارب التكتلات الإقتصادية الأخرى في العالم، كالسوق الأوروبية المشتركة والجدية في العمل المشترك.

(2) غياب التصور الشامل الذي يحدّد الأهداف والوسائل والبرامج الزمنية للتنفيذ بشكل واضح، الأمر الذي أدى إلى عجز الفنيين عن تقديم توصيات محددة، كما انعكس في عدم وضوح الأهداف المرحلية.

(3) وضع أشكال دستورية ومؤسسية وصور قانونية دون الالتزام بتنفيذها وبجدية العمل المشترك، الأمر الذي أوجد انفصالاً بين الواقع وهذه المؤسسات.

1-3-2 الأسباب السياسية:

(1) اختلاف الأنظمة السياسية وأشكال نظم الحكم فيها، بما يترتب على ذلك من تباين في الأولويات الإجتماعية والفكرية، وفي الإختلاف حول هدف الوحدة الاقتصادية وسبلها، الأمر الذي أدّى الى عدم وضوح الأهداف السياسية وعدم استقرارها عبر مدة معقولة من الزمن.

(2) انعكاس الخلافات السياسية على العلاقات الإقتصادية بين البلدان العربية.

(3) الآثار السياسية المترتبة على ظهور النفط في عدد من الدول العربية (ازدياد اهتمام السياسة الاميركية بالمنطقة – الإنقسام بين الدول الغنية والدول الفقيرة – ظاهرة تراكم الفوائض النفطية – إنتهاج البلدان النفطية سلوكاً متميزاً في علاقاتها الخارجية).

(4) العوامل الخارجية كسياسات الدول الكبرى تجاه المنطقة العربية، ونشاط الشركات متعددة الجنسية، علاوة بالطبع على دور إسرائيل.

(5) عدم وجود المناخ والآليات الضرورية لترشيد القرارات السياسية الخاصة بالعمل العربي المشترك. فعديد  من مؤسسات التنسيق الاقتصادي لا تملك حق إصدار القرار، وانما تصدّر مجرد توصيات، وحتى تلك التي تملك حق اتخاذ القرار لا تملك القدرة على تنفيذه.

واذا كنا قد تناولنا أسباب قصور العمل العربي المشترك بالإشارة الى مؤسسات العمل الاقتصادي العربي، حيث يجري إعمال قاعدة الأغلبية في التصويت، فلعل ذلك يردنا الى قاعدة الإجماع التي يعتبرها البعض العقبة الرئيسية في وجود عمل عربي مشترك.

لقد عمدت لجنة تعديل ميثاق الجامعة الى دراسة أكثر من أربعة آلاف قرار صدرت عن مجلس الجامعة منذ عام 1945 الى عام 1981، فوجدت أنّ أكثر من 80 بالمائة منها اتخذت بالإجماع، وإنّ تحفظات بعض الدول كانت في معظمها على قرارات مالية وادارية. ومع ذلك فإن القرارات التي اتخذت بالإجماع لم ينفذ معظمها. لماذا ؟ تتفق الدراسات هنا على سبب أصيل، وربما وحيد لعرقلة التكامل وهو: غياب الإرادة السياسية وغياب الإختيار الوحدوي. فالقرارات عندما تتخذ في غياب الإرادة السياسية، فإنّها تتخذ بوسيلة من ثلاث: إما بالمجاملة، أو بالمسايرة، أو بالإكراه.( )

وإذا كانت المسألة محل الإجماع هي غياب أو ضعف الإرادة السياسية، فلعلنا نتساءل: ما مظاهر  ذلك في الواقع العربي ؟ ولماذا يكون الأمر على هذه الشاكلة ؟ وللإجابة عن هذين السؤالين المحوريين سنركّز أيضاً على تجارب التكامل والوحدة في المجال الإقتصادي، نظراً إلى دلالته وأهميته، فضلاً عن محوريته بالنسبة الى التجارب المقارنة.

1-4 غياب الإرادة السياسية

خلاصة ما تقدم أن غياب أو ضعف الإرادة السياسية اللازمة كان هو العامل المباشر الأساسي الذي  أدّى الى تواضع ومحدودية النتائج التي حققها العمل الإقتصادي العربي المشترك (اللازم للتكامل)، منذ بدايته في ظل الجامعة وقت انشائها في عام 1945 حتى الآن، والى عدم تحقيق هذا العمل للأهداف المقصودة منه، التي نصّت عليها وتضمنتها إتفاقاته ومواثيقه العديدة، والذي حدّ من فاعليته وعرقل تطويره.

وفي ضوء هذا الفهم، نعرض، فيما يلي، مظاهر غياب الإرادة السياسية في مجال التكامل الإقتصادي العربي وآثاره من ناحية، وأسباب هذا الغياب من ناحية اخرى.( )

1-4-1 مظاهر غياب الإرادة السياسية وآثاره

كان لغياب الإرادة السياسية العربية اللازمة لنجاح العمل الاقتصادي العربي المشترك وتطويره مظاهر وآثار عديدة، يرجع بعضها الى نشأة الجامعة وإلى الفلسفة العامة التي وجهت ميثاقها، كما أن بعضها الآخر أخذ يظهر خلال تطور العمل الاقتصادي العربي المشترك نفسه.

وبصفة عامة، فإن جميع هذه المظاهر والآثار تترجم حقيقة أساسية واحدة تتمثل في ضعف الرغبة الحقيقية الصادقة في الإلتزام بالتجمع الاقتصادي العربي، أو في انتفاء هذه الرغبة وبخاصة بالصور القوية منها، لدى السلطات المختصة في كثير من الدول العربية، مع ما يترتب على ذلك من ضعف الرغبة، أو انتفائها، في وضع تصور التجمع الإقتصادي العربي، الذي قد يتفقون عليه، موضع التنفيذ. والواقع أن جميع المظاهر والآثار ليست، في الحقيقة، سوى وسائل وأساليب فنية يجري الإلتجاء إليها لستر ضعف هذه الرغبة وانتفائها، ولإعطاء الأساس القانوني الشكلي الذي تستند إليه السلطات السياسية في هذه الدول في ما تحرص عليه من منع تنفيذ صور التجمع الإقتصادي التي تكون، تحت ضغط الظروف، قد وقعت من الناحية الشكلية على الإتفاقات المنشئة والمنظمة لها. وبالطبع فإن كثيراً من هذه المظاهر والآثار يقوم مثلها بالكامل، أو على النحو نفسه في المجالات الأخرى للعمل العربي المشترك، سياسية كانت أو عسكرية أو إجتماعية أو ثقافية… إلخ.

وحتى حين تطبق الإتفاقات والقرارات المتعلقة بالتكامل الاقتصادي العربي، فإن استمرار تطبيقها غالبا ما يتأثر بما يحدث من تقلبات طارئة في العلاقات السياسية بين حكومات أو حكام الدول العربية الأعضاء. والواقع أن هذه الحقائق العديدة ليست كلها سوى مظاهر وآثار لغياب الإرادة السياسية – أو ضعفها- اللازمة لتحقيق العمل الاقتصادي العربي المشترك ونجاحه. وهي تشير في مجملها إلى أن البلدان العربية لا يتوافر لديها ما يلزم لعملية التكامل الاقتصادي من إرادة سياسية.

1-4-2 أسباب غياب الإرادة السياسية

يمكن تلخيص أهم أسباب غياب الإرادة السياسية الضرورية للتكامل العربي في ظاهرة أساسية تتمثل في: عمق ” الشعور الوطني الاستقلالي ” في الدول العربية، الذي يرجع في الواقع إلى تطور تاريخي طويل.

وقد ساهمت في تعميق الوطنية الاستقلالية، بخاصة منذ السبعينات عوامل من أهمها أربعة، أولها – هزيمة عام 1967؛ وثانيها – الحقبة النفطية؛ وثالثها – كامب ديفيد… مصرياً وعربياً؛ ورابعها – المفهوم الجزئي المجزأ للأمن.

هزيمة عام 1967:

لعل هزيمة عام 1967 كانت نقطة التحول الكبرى في ذلك العقد، وفي تاريخ مسيرة التكامل الاقتصادي العربي، فقد أعقبها تكريس للفرقة العربية، وقسمت البلدان العربية الى بلدان مواجهة وبلدان مساندة، وظهر الصراع سافراً بين البلدان التي تحمل لواء الوحدة وغيرها من البلدان العربية التي تعادي فكرة الوحدة في حقيقة الأمر، وتعاظمت عمليات الإتهام عن مسؤولية الهزيمة. وقد احتدم الخلاف بين اتجاهين في مؤتمر وزراء النفط العرب، الذي صادف انعقاده أول ايام حرب عام 1967: اتجاه يريد أن يزج بالنفط في المعركة، وآخر (تنادي به البلدان النفطية) يرى أن حظر تصدير النفط إلى الدول المساندة لإسرائيل يضر بمصالح الأقطار النفطية نفسها، ومن ثم بالمنطقة العربية قبل غيرها. ونجح تيار عدم تسييس النفط، وتم عقد صفقة في مؤتمر قمة الخرطوم عام 1967؛ جرى بمقتضاها رفع الحظر عن النفط مقابل منح بلدان المواجهة مبالغ تعوضها عن خسارة مرافق حيوية لها.( )

وتعتبر الهزيمة، ومن بعدها قمة الخرطوم، بداية العمل العربي المشترك بالصورة التي نعرفه عليها اليوم، فقد تراجع تيار الوحدة، وانتزعت الأقطار المنتجة للنفط استقلالها، فبادرت إلى إنشاء          ” منظمة الدول العربية المصدرة للبترول ” كمنظمة مستقلة لها السعودية والكويت وليبيا، يطلق لها الإستقلال بشؤون النفط عن جامعة الدول العربية المترنحة تحت وطأة الهزيمة. ويضاف الى آثار هزيمة 1967 حال الشلل، أو الضعف الشديد على أحسن الفروض، الذي أصاب الفكر الوحدوي، والحركة الوحدوية العربية بشكل عام حيث تحولا من موقع الهجوم الى موقع الدفاع. وهكذا ترك الميدان خالياً تماماً لدعوات الإقليمية التي اكتسبت قوة جديدة، بخاصة بعد اتجاه السادات إلى البحث عن حلّ للمشكلات المصرية خارج النطاق العربي. ( )

الحقبة النفطية

دخل النظامان السوري والمصري حرب 1973 وحقّقا الإنتصارات الأولى، ثم حدثت انتكاسات ودخلا في إتفاقيات لفك الإشتباك على الجبهتين. وهنا تعرض التضامن العربي الذي سبق الحرب إلى صدمة، وبدأت الخلافات تظهر على سطح العلاقات العربية، واتّخذت كل من ليبيا والعراق بالذات مواقف مشددة على التضامن والوحدة العربية، واتهمتا النظامين المصري والسوري بالخروج عنها.  وفي هذا السياق تنبغي متابعة بداية تبلور الحقيقة النفطية وتفاعلاتها ومواريثها. فقد كان الموقف النفطي الذي اتخذته الدول العربية المنتجة للنفط، في الأيام الأخيرة للحرب، مشابهاً لموقف البلدين المتحاربين. فالدول النفطية استجابت لنداء المتحاربين، ولكنها لم تعلن أهداف خطواتها في مجال النفط بالشكل الذي يسمح لها بالتراجع في الوقت المناسب وبالشكل المقبول. وبالفعل حدث التراجع بشكل ووقت غير مناسبين لها ما أدى إلى تسرب بعض الظن لدى الرأي العام العربي في أن الغرض من الفعل النفطي لم يكن التأثير في مسار الحرب بقدر ما كان استغلالاً للحرب بهدف رفع السعر. وسواء أكان هذا الظن مبرراً او مغرضاً، فالذي حدث أن الفعل في حدّ ذاته عوض كثيراً عن الإنتكاسات التي أصابت الجبهتين المحاربتين، فتأجل لبعض الوقت الشعور بخيبة الأمل من حرب ظنها الرأي العام حرباً تحريرية واكتشف أنها كانت محدودة الأهداف، وتصاعد الأمل في أن النفط العربي، بما أثبته من فعالية وما أصابه من إرادة سياسية، يمكن أن يحقق ما لم يحققه الفعل العسكري بالشكل الواجب. وتحول هذا الأمل مع الوقت إلى توقعات بالغت في قدرة النفط وفي قوة الإرادة السياسية العربية، إذ ألقي على النفط العربي بمسؤوليتين: المسؤولية الأولى تجاه العالم الخارجي من أجل فرض الضغوط على إسرائيل للجلاء عن الأراضي التي احتلتها، والمسؤولية الثانية تجاه العالم العربي، وتتفرع إلى ثلاثة إتجاهات: إتجاه إعادة تسليح وتدعيم قوة الأطراف المحاربة، واتجاه التنمية العربية الشاملة، واتجاه تدعيم التضامن العربي في إطار وحدوي مستقل. وبمعنى آخر مواصلة ربط النفط بمقتضيات الشرعية الوحدوية العربية.  ولأسباب متعددة لم ينجح النفط في تحمل هذه المسؤوليات. في مقدمة هذه الأسباب هجمة الولايات المتحدة الدبلوماسية ضد المنطقة، وضد النفط بوجه خاص( ). ومع مرور الوقت أصبحت الأسباب الأخرى لا تقل أهمية عن هذا السبب. فمن ناحية، إنخفض بالتدريج اعتماد الدول الغربية على النفط العربي، وصاحب هذا الإنخفاض زيادة في اعتماد بلدان النفط العربية على الدول الغربية( ). ومن ناحية أخرى، أدى عدم وجود سيطرة من جانب البلدان المنتجة على شبكة التوزيع إلى إضعاف نفوذها على الأسواق، كما أن الوكالة الدولية للطاقة – التي سعى ” هنري كيسنجر ” لإنشائها – حققت نجاحاً، فضلاً عمّا ساهمت به ظروف الكساد في العالم الصناعي في هذا النجاح. ومن المهم الإشارة إلى أن النفط العربي ارتبط في اذهان السياسيين الغربيين بتبلور لحظة وحدوية معينة، فتدعمت ثقتهم في انه مجرد ظاهرة مرتبطة بحدث أو بظرف، وليس متغيراً أساسياً طويل الأمد في التفاعلات الدولية. وكان لا بدّ حينئذ من أن يعود النفط العربي مجرد نفط، أي سلعة بلا مضمون أو وزن سياسي. ولا شكّ أن البلدان العربية المنتجة للنفط قد ساهمت بالقدر الأوفر، ولم تواصل ربط النفط بمقتضيات عربية. لكلّ هذه الأسباب لم يعد ذا وزن سياسي مؤثر. وبعد أقل من أربع سنوات من تفجره كطاقة ومتغير سياسي في النظام العربي( )،أثبت عجزه عن حماية نفسه. وإذا كان النفط قد فقد نفوذه السياسي الدولي في وقت مبكر، فإنه تمكن من أن يفرض على المنطقة سلوكيات سياسية وأنماطاً إجتماعية خاصة به وبطبيعته كمورد قابل للنضوب، إذ فرض الشعور ببشاعة الفقر لدى الدول الفقيرة وشعوبها( ).

أحدثت التطورات النفطية في العالم العربي بعد حرب أكتوبر عام 1973 تغييرات هائلة في توزيع الثروة والدخل بين الدول العربية، مع ما ترتب على ذلك من تغيير في موازين القوى داخل العالم العربي. فقد ترتب على التوزيع الجديد للثروة والدخل خلق شعور بوجود استقلالية خاصة متميزة للدول ذات الثراء المالي والنفطي في منطقة الخليج العربي، في مواجهة بقية الدول العربية التي تعتبر فقيرة بهذا المعيار. ويمكن القول إنه، للمرة الأولى، في التاريخ العربي الحديث، يظهر عامل الثروة والتفاوت في توزيعها بين الدول العربية بوصفه العامل الذي يلعب الدور الأخطر في تبرير التجزئة وفي تعميقها في داخل العالم العربي. وقد انعكس ذلك حتى على ” المصطلحات ” التي تستخدم للتفرقة والتمييز بين الدول العربية؛ حيث ظهرت في اللغة الجارية ألفاظ مثل ” دول اليسر ” و ” دول العسر ” و ” ودول الفائض ” و” ودول العجز”.

كامب ديفيد… مصرياً وعربياً

أن زيارة الرئيس السادات إلى ” إسرائيل ” قد أحدثت تأثيرات هائلة، بأشكال مباشرة وغير مباشرة، في النظام الدولي والنظام الاقليمي والنظام العربي.  أدى القرار ومضاعفاته إلى اختلال جذري في الإمكانات الكلية العربية، فالإنعزال المصري كان معناه فجوة شديدة في الإمكانات العسكرية والسياسية الكلية، لأن القرار ارتبط بالإلتزام بإنهاء حال الحرب مع العدو الإسرائيلي، ولأن الحكومات العربية ظهرت بمظهر المنقسمة فيما بينها حول القرار المصري، ولأنها دخلت مع مجموعات دولية أخرى في صراعات حول عضوية مصر في المؤسّسات الدولية، بعدما أجمع الرأي الغالب في مؤتمر قمة بغداد على مقاطعة مصر. وعلى رغم الجهود الضخمة التي بذلتها أقطار عربية، توقف الحوار العربي – الأوروبي كما توقف التعاون العربي – الأفريقي. وفي مجال التحالفات أنشئت جبهة للصمود والتصدي قاطعت أعمال الجامعة في القاهرة، وتصدّت لخط الرئيس المصري، ولكنها لم تتمكن من تسخير هذا التحالف لمنع تشرذم أعضاء النظام.

كما تسبب الإنعزال المصري في نشأة أو تقوية أنماط معينة في السياسات العربية، تمثلت في محاولة كل من العراق وسورية الإضطلاع بمهام الدور القيادي في النظام، بما ترتب على هذا التنافس من آثار ليس فقط على العلاقات بين البلدين، ولكن أيضاً على علاقات كل منهما بإيران ومنطقة الخليج، كما فرضت التطورات على تونس، التي وقع عليها الإختيار لتكون مقراً مؤقتاً للجامعة، أن تتخلّى عن كثير من قواعد سلوكها السياسي وتتوجّه صوب الشرق ومشكلاته. ومن ناحية أخرى، تنبغي الإشارة إلى أن الموقف الرسمي العربي العام قد تمخض في نهايته عن ” كامب ديفيد عربي ” على الرغم من كل التوجهات والمواقف والسياسات التي بدت على السطح بالغة الحدة، بل الضراوة في معارضتها. وليس أدل على ذلك ما تكشف عنه المقارنة بين خطاب الرئيس السادات أمام ” الكنيست ” بخاصة ” مشروع السلام ” الذي تضمنه، وبين ” مشروع السلام ” الذي أقرّه مؤتمر القمة العربي في فاس عام 1982.

الأمن المنفرد
ينصرف مفهوم الامن المنفرد إلى المفهوم الجديد الذي أخذ يطرح نفسه على الدول العربية بوصفه بديلاً لمفهوم ” الأمن العربي “. يجمع بين الأمن النفطي من وجهة نظر مستهلكيه ومصلحتهم من جهة، وأمن ” السلام ” مع الكيان الصهيوني من جهة أخرى. كما تطرح إلى جانب ذلك دعوة ” نظام الشرق الأوسط ” الذي تهيمن عليه دول التخوم غير العربية والكيانات الأجنبية المحيطة به، كبديل للنظام العربي المشترك في ظل، انحسار المد الوحدوي وتعرض الشرعية الوحدوية للتشكيك.( ) ولا شكّ في أنّه في ظل هذا المفهوم للأمن المنفرد يكون من الطبيعي اهتمام كل بلد عربي بذاته، ونبذ فكرة التكامل العربي، والبحث لنفسه عن مكان تحت المظلة الخارجية، سواء أعلن ذلك صراحة وقاومه في الظاهر. ولا شكّ أنّ التحوّل الذي قام به الرئيس السادات بالنسبة الى حل موضوع الأمن المصري، وقبوله بالبحث عن هذا الأمن تحت المظلة الأميريكية، ومن دون الإعتماد على الإمكانات الذاتية والمتكاملة للعالم العربي في مجموعه، كان من بين العوامل المهمة التي لعبت دوراً في تشجيع دول عربية أخرى على المجاهرة صراحة بالأفكار نفسها، وعلى تشجيع هذه الدول على البحث العملي عن الأمن بهذا المفهوم الجديد. وكان لذلك، كله أثاره في تعميق التجزئة.

2ثلاثة آراء لتفسير أزمة النظام العربي:

إن جامعة الدول العربية تشكّل فكرة ” النظام الإقليمي العربي “. وبتعبير آخر، فعندما تمّ صك مصطلح النظام كانت الإشكالية ” النظاميّة ” تدور حول إمكانية الإستناد على الهويّة والحسّ المشترك بالمهمّة وبالمسؤوليّة بهدف تعميق الروابط وترسيخ تفاعلات تعاونيّة ونهضويّة يمكنها أن تشكّل قاعدة هيكليّة قويّة من الروابط الموضوعيّة لكن مصطلح النظام الإقليمي العربي يواجه تهديداً بفقدان المغزى.  ولد النظام العربي بتعبيراته المؤسّسيّة وتطوّر في بيئة عالميّة وإقليميّة شديدة التطوّر والقسوة. وقد انعكس ذلك في نمط العلاقات داخله، وخاصةً بين الدول العربية الرئيسيّة. إذ اتّسمت هذه العلاقات أغلب الوقت بالتوتّر والتقلّب والصراع المستتر أكثر ممّا اتّسمت بالإنسجام والإستقرار والتحالف. وإذا أخذنا مجموع الخبرة التاريخيّة نجزم بعجز مجموع النظم الحاكمة في الاقتراب من أهدافها بما يتوازن مع حجم الموارد التي وضعت تحت تصرّف النظام العربي ككلّ والنظم العربية الحاكمة المكوّنة له. فما هي العوامل التي قادت إلى التدهور العام في مقاييس الأداء، أي الفترات التي سادها فشل مطلق وتوتّرات.  ومن الممكن ان نلجأ عند تفسير الأزمة العامة للنظام العربي إلى التمييز بين ثلاث آراء رئيسيّة عملت على تفسير أزمة النظام العربي:

2-1الرأي الأول:

ترصد الخلافات العربية المستديمة باعتبارها السبب الرئيسي وراء أزمة النظام. ويبدو النظام العربي من وجهة نظر هذه المدرسة ممزقاً بالإختلافات والمنافسات بصورة شبه دائمة( ). وتتعقب بعض الدراسات الخلافات المستديمة في النظام العربي، وتنسبها الى المصالح الجيوبوليتيكيّة المتعارضة وما ينشأ عنها من منافسات حول الزعامة العربية أو مركز الصدارة في النظام العربي( ). وهناك دراسات أخرى تذهب إلى تفسير هذه بالإحالة إلى التناقضات الإيديولوجيّة بين النظم العربية الحاكمة( ). ويؤكّد إتجاه ثالث على أنّ المصدر البعيد المدى للخلافات بين النظم العربية هو عمالة بعض هذه النظم أو كلّها للإمبرياليّة الغربية أو المراكز الإمبرياليّة عموماً لأنّها تنطلق من المصالح الأساسيّة للأنظمة الحاكمة، حيث إنّ هذه النظم تعطي أولويّة كبيرة لأمنها الخاص على حساب الأمن الوطني( ). وهي بالتالي تنجرف – بحكم المخاوف والشكوك المتبادلة – إلى صراعات مدمرة مع جاراتها العربيّات. وهناك إتجاه رابع يذهب إلى أنّ النظام العربي يتميّز بثنائيّات متضادة بين الدول الفقيرة والدول الغنيّة، دول المواجهة مع إسرائيل ودول الدعم، دول القلب ودول الهامش، الدول الحديثة والدول التقليديّة، الدول التعدّدية والدول الشموليّة، الدول التقدّمية والدول الرجعيّة… إلخ.  وبسبب هذه الخلافات يتّسم النظام العربي بميل دائم للإنقسام إلى محاور وتكتّلات سياسيّة وإقليميّة متواجهة. وكذلك تميل الدول العربية إلى تحويل أي خلاف في أيّ مجال إلى خلاف شامل لكلّ المجالات. كما أنّها تميل إلى استخدام كلّ الأدوات المتاحة لها للإضرار ببعضها البعض والتلاعب بأمن النظم الأخرى. ويفضي ذلك بدوره إلى التحلّل من الإلتزامات التعهّدية وعدم تطبيق القرارات التي يتمّ الإتّفاق عليها حتّى في إطار مؤسّسة القمّة العربية( ).  وينسب بعض الكتاب الخلافات المستديمة بين الدول العربية وعجزها عن التوصّل إلى تراضي أو إجماع فيما بينها إلى التخلّف الحضاري للدول العربية والعرب عموماً، وربّما إلى الميراث القبلي للثقافة العربية. أمّا العاملون في الحقل الدبلوماسي والأكاديمي فهم يرجحون تفسيراً يقوم على فكرة عقل الدولة الذي يدفعها إلى إعطاء أولويّة حاسمة في جميع الحضارات والمناطق سواء كانت متخلّفة أو متقدّمة غير عربية كانت أو عربية، لأمنها الخاص، وإلى الصراع حول القوّة والنفوذ وبالتّالي إلى الصدام وعدم رؤية المجالات الممكنة للتوافق والتعاون ويقترح هذا الإتجاه الأخير المنهج الوظيفي لبناء النظام العربي وتحريره من أزمته على غرار ما حدث من بناء الجماعة الأوروبية على أساس من المدخل الوظيفي للتكامل الإقليمي( ).

2-2 الرأي الثاني

تعزو أزمة النظام العربي ليس إلى حدّة الإختلافات بين الدول العربية، وإنّما إلى عجزها عن تنفيذ ما اتّفقت عليه فعلاً وإذا لم تكن المشكلة كامنة في الإختلافات، بقدر ما هي في تنفيذ التعهّدات التي تمّ الإتّفاق عليها فعلاً، فإنّنا نصبح أمام جذور أخرى للأزمة في النظام العربي. وهنا نجد عدداً من الإتجاهات التحليليّة بشأن طبيعة هذه الجذور:

الإتجاه الأول يعزو الفشل في التنفيذ إلى سطحيّة التوافقات العربية. ويعدّ هذا الإتجاه امتداداً للمدرسة الأولى. فبسبب خصوصية النظام العربي نجد صعوبة لدى أيّ طرف عربي في الإعلان صراحةً عن انشقاقه عن الإجماع العربي عندما يتحقّق هذا الإجماع. ويفضّل عوضاً عن ذلك أن يعلن إتفاقه وتعهّده بالإلتزام بقرار أو قرارات معيّنة دون أن تتوفّر لديه النيّة في التنفيذ.

الإتجاه الثاني، يبحث في أسباب شيوع عدم الإلتزام بتنفيذ القرارات التي حدث عليها توافق وتعهّد مبدئي في مؤسّسات النظام العربي ويرى هذا الإتجاه أنّ هذه الأسباب تعود إلى تخلّف التكوين المؤسّسي للدول العربية( ). فالدول العربية لا زالت ناقصة في تكوينها المؤسّسي، بمعنى أنّ كثيراً منها تنقصه القدرة المؤسّسية على وضع التزام ما موضع التطبيق بما فيها الإلتزامات التي تقطعها حكوماتها على ذاتها في داخل إطارها السياسي المحلّي وليس في الإطار الإقليمي العربي فحسب.  وينسب ذلك أيضاً إلى الطبيعة غير الديمقراطية لنظم الحكم العربية وتحيّز تكوينها المؤسّسي والتنظيمي لصالح مؤسّسات الأمن الداخلي والخارجي ولغير صالح المؤسّسات الوظيفيّة والسياسيّة.

2-3 الرأي الثالث:

لا يهتمّ هذا الرأي بالجانب القانوني أو التشريعي من أداء النظام العربي مثلما تفعل المدرستان السابقتان. ولديها أنّ الخلافات وعدم التنفيذ ليسا غير أعراض لمشكلة واحدة وهي انخفاض مستوى الإلتزام السياسي الحقيقي بالعمل المشترك من قبل الغالبية من الدول العربية ويصدق هذا التحليل بصفة خاصة على قضايا الأمن الإقليمي العربي. إذ يتميّز النظام العربي عن العديد من النظم الإقليمية الأخرى بأنّ التهديدات الكبيرة الواقعة عليه وخاصةً التهديد العسكري الإسرائيلي، هي على قدر كبير من الجسامة والتصميم وما أدّى إلى ازدياد الخلل في التوازن الاستراتيجي العسكري بين العرب وإسرائيل خروج مصر من الصراع العربي الإسرائيلي.  ثمّ انفردت بعقد إتفاق للسلام مع إسرائيل عام 1978 ثمّ تضاعفت الأزمة مع خروج العراق بدوره من الموازين العسكرية – السياسية بالصراع العربي – الإسرائيلي بإشعال الحرب التي أصبحت ممتدّة مع إيران عام 1980. كما إنّه منذ أن انفجرت الحرب اللبنانية عام 1975 قامت سوريا بإهدار قوّتها في الساحة اللبنانية ودفعها ذلك إلى تكرار الصدام العسكري مع القيادة الشرعية لمنظّمة التحرير الفلسطينية وقد سهّل ذلك الواقع نجاح إسرائيل اجتياح لبنان عام 1982 وتمكّنها مؤقّتاً من اقتلاع الوجود العسكري الفلسطيني في لبنان. ومثلت الهزيمة العسكرية للجانب العربي في الحرب اللبنانية طعنة للمعنويّات العربية لا تقلّ خطورة عن هزيمة 1967. وإذا كانت السياسات والتصرّفات المنفردة للدول العربية الأكثر ثقلاً والمحيطة مباشرة بإسرائيل قد مثّلت خروجاً عن العقد السياسي العربي، فإنّ الجانب الأخطر من هذه السياسات قد تجسّد في الصدامات والمنافسات السياسيّة فيما بينها، ويمكننا أن نعزو كافة الأزمات العربية مباشرة إلى هذه الصدامات والمنافسات بين الدول العربية الأكثر ثقلاً، وقد كشفت دراسة علميّة كميّة حول الصراعات العربية – العربية أنّ تلك الصراعات فيما بين الدول العربية الراديكالية – وهي عموماً تلك الأكثر ثقلاً من النواحي الديموغرافية والعسكرية – كانت أكثر تكراريّة عنها فيما بين هذه الدول ومجموعة دول الخليج أو الدول المحافظة والمعتدلة( ).

وطوال عقد الخمسينيّات كان التنافس بين مصر والعراق هو المحور الحاكم للسياسة العربية. وكان هذا الصراع قد بلغ قمّته عندما وقَّعت إتفاقية حلف بغداد في فبراير عام 1955، وإعلان الوحدة بين مصر وسوريا من ناحية، والأردن والعراق (الإتحاد الهاشمي) من ناحية أخرى عام 1958. وكان انفصال سوريا عن مصر عام 1961 بداية لتنافس ثلاثي بين مصر وسوريا والعراق، وهو تنافس لم ينقطع برغم تغيّر الحكومات نتيجة انقلابات عسكريّة في كلّ من الدولتين الأخيرتين. وعلى الرّغم من أنّ تفجّر الصراع المصري – السعودي حول اليمن قد أنهك النظام العربي، فإنّ المنافسة – بين الدول الثلاث : مصر وسوريا والعراق كان هو المسؤول عن انجراف دول الطوق إلى حرب 1967 دون استعدادات دفاعيّة كافية. وظلّ الوضع العربي عند الحدّ الأدنى من التماسك وكان ذلك هو واقع الحال خاصةً طوال فترة الأزمة أي الفترة 1980 – 1987.

إنّ النظام العربي قد اشتمل على تناقض كبير على مستوى الإلتزامات المطلوب بين أطرافه من أجل تحقيق أهدافه، وتحديداً تلك الخاصة بالأمن الإقليمي، من ناحيةً والمستوى الحقيقي للإلتزامات المتبادلة فيما بين هذه الأطراف والواقع أنّ هذه الفجوة قد بصمت تاريخ النظام العربي، ولكنّها لم تكن قائمة في كلّ الأوقات وقد تمّ سدّ هذه الفجوة عندما توصّلت الأطراف الرئيسيّة في النظام العربي إلى تراضي موضوعي وإجرائي حول أهداف النظام. ووضعت أهدافاً محدّدة قابلة للتحقيق وتوفّرت على الإلتزام المتبادل بتعهّدات قاطعة تستطيع القيام بها فعلاً من خلال إبرام عقد سياسي عربي تضمن تقسيماً عقلانياً للعمل فيما بينها. والنموذج المثالي لهذا التراضي الموضوعي يتمثّل في صيغة مؤتمر قمّة الخرطوم عام 1967 ويمكننا أن ننسب أفضل مستويات الأداء التي حقّقها النظام العربي في مجال الأمن الإقليمي وهو ما ظهر في حرب أكتوبر 1973 إلى هذا النموذج.

والواقع أنّ كلا من الآراء الثلاثة السابقة يشير إلى جوانب حقيقيّة من أزمة النظام العربي. فقد كانت هناك فجوة كبيرة في عمليّة بناء الإجماع أو التراضي وخاصةً في مجال الأمن الإقليمي.

كما كانت هناك فجوة إلتزام بمعنى الفشل في التنفيذ الإجرائي لما تمّ الإتفاق بشأنه أصلاً. كما أنّ النظام العربي قد أظهر فجوة ملموسة في الفعاليّة بمعنى نقص الإلتزام الحقيقي من جانب أطراف النظام بالمصالح الجماعيّة وقصور الإستثمار الحقيقي الجماعي عن المطلوب لتحقيق الأهداف.

فإلى جانب الخلافات الإستراتيجيّة حول الموقف من الصراع العربي – الإسرائيلي بين مجموعات ثلاث من الدول العربية: مصر ومعها كلّ من الأردن والسودان في بعض الأوقات، وجبهة الصمود والتصدّي، ودول الخليج، انشقّ النظام العربي حول الموقف من الحرب العراقيّة – الإيرانيّة بين مجموعتين من الدول العربية اتخذ كلّ منها موقف التأييد والدّعم من أحد الطرفين المتحاربين. كذلك انشقّ النظام العربي حول الموقف من الحرب اللبنانيّة ووصلت المنافسة إلى درجة الصراع الدموي الممتدّ بين سوريا ومنظّمة التحرير الفلسطينيّة بعد أن أعادت بنجاح أعداد كبيرة من كوادرها العسكرية إلى لبنان، بدءاً من عام 1985. كما انشقّ النظام العربي أيضاً في الموقف من قضيّة الصحراء الغربيّة بالمغرب الأقصى على أنّ الدم كان يُراق في صراعات عربيّة أو داخل بلاد عربية خلال فترات مختلفة وخاصةً في السودان 1983، واليمن الجنوبي 1986 وفيما بين اليمن الجنوبي والشمالي… ونلاحظ أنّ هذه الخلافات المتفجّرة قد نالت من تماسك كلّ التحالفات العربية التي تشكّلت في النصف الثاني من السبعينيات فانهارت جبهة الصمود والتصدّي بسبب التناقضات الداخلية، وانهار التحالف الذي قرّر تجميد عضويّة مصر في الجامعة بسبب انفجار التنافس    السوري – العراقي. وعلى الرّغم من نشأة وتوطّد مجلس التعاون الخليجي، إلاّ أن خلافات هامة استمرّت حول فلسفته – وهو ما ظهر في العجز عن توقيع الإتفاقية الأمنيّة الموحّدة طوال الثمانينات- وحول الموقف من قضايا السياسة العربيّة. كما كانت مجموعة دول المغرب العربي التي تأمّلت في لحظات مختلفة إمكانية بناء إطار سياسي جامع فيما بينها، في أقصى حالات التفريق وتضارب التحالفات وسرعة تكوينها وانهيارها. والواقع أنّه لم تكن هناك مجموعة واحدة من الدول العربية قادرة على صيانة الإنسجام فيما بينها خلال الفترة 80-87 سوى مجموعة دول الخليج.

ويمكن القول أنّ الدول العربية – منذ مطلع السبعينات – أخذت تصرّ على تجاهل بعضها البعض وتجاهل المنظّمات الإقليمية فكانت ضدّ الوجود الفلسطيني المسلّح عام 1970، فكّ مصر ارتباطها بالصراع العربي الإسرائيلي بعد عام 1975 وهو ما بلغ ذروته بزيارة الرئيس السادات إلى إسرائيل عام 1977 والمواجهة بين سوريا والقوى الفلسطينية في لبنان عام 1979 وتأييدها لإيران ضدّ العراق 1980-1988 وغزو العراق للكويت عام 1990 وتحالف مصر وسوريا مع الولايات المتحدة الأميركية ضدّ العراق عام 1991 وإتفاقية أوسلو الفلسطيّنية – الإسرائيليّة عام 1993، وإتفاقية السلام الأردنيّة – الإسرائيليّة عام 1994. وهذا ما يدلّ بشكل واضح على تقدّم العمل الجزئي منه على وضع الأهداف المشتركة والسّعي إلى تحقيقها.

ثالثاً – مشكلة التخلّف:

لقد عانت دول العالم الثالث ومنها بالطّبع الدول العربية من حالة تخلّف ترافقت معها من الحداثة وحتّى العولمة، لقد تخلّفت الدول العربية عن الحصول على مبدأ السيادة الداخلية بعد معاهدة ويستفاليا عام 1648، كما تخلفت الدول العربية عن الأخذ بمبدأ الديمقراطية بعد عصر التنوير والثورة الفرنسيّة حيث كانت ترزح تحت نير الإحتلال العثماني. وعندما تكونت الدول كانت ذات سيادة منقوصة وديمقراطية مفقودة وكان الفرق واضحاً بين الدول المتقدّمة والدول المتأخّرة على الصعيد السياسي أي على صعيد فاعليّة الدول ومؤسّساتها، أو على الصعيد الإيديولوجي الكامن في النماذج المعتمدة في هذه الدول المبنيّة على فارق بين بنى مجتمعيّة حديثة وبين بنى مجتمعيّة تقليديّة متخلفة، كما كان الفرق واضحاً على الصعيد الإقتصادي ومستوى المعيشة.  ففي سياق حركة التطوّر التاريخيّ، يمكننا إذا ما رصدنا التحوّلات الإقتصادية التي حدثت في العالم منذ القرون الوسطى وصولاً إلى مرحلتنا الراهنة التي ترافقت مع متغيّرات هائلة في المفاهيم والأنظمة الإجتماعية، قد أدّت إلى تكوين واقع معيشي جديد في المجتمعات العالميّة.  إنّ ما يمكن تسجيله في هذا الإطار، هو التباين الصارخ في المستوى المعيشي السائد حالياً في كلّ من دول العالم المتقدّم ودون العالم الثالث.  والمسألة هنا، ولو كانت في مجرى المقارنة، تتبلور في جوهرها ضمن التعبير عمّا حقّقته الدول المتقدّمة من تطوّر هائل على مختلف الصعد الإقتصادية والإجتماعية والسياسيّة، وهو ما انعكس رفاهية على المستوى معيشة سكّانها. أمّا فيما خصّ بلدان العالم الثالث، فإنّها ما زالت متقوقعة داخل حلقة التخلّف بعدما فشلت في أدائها التنموي ولم تنجح في معالجة المصائب البنيويّة لقطاعاتها الأساسيّة، وهذا ما جعل سكّان هذه الدول ينؤون تحت ثقل المعضلات الإقتصادية والإجتماعيّة.  بيد أنّه في العودة إلى الوراء، لا بدّ من التوقّف أمام حقيقة مركزيّة تفيد: أنّ بلدان العالم الثالث لم تكن تعرف في عهودها السابقة ما هو متعارف عليه، بالمعنى الشائع الظاهرة التي تواضعت عليها التسمية بدول العالم الثالث أو النامية واصطلحت عليها الدراسات بمصطلح ” التخلّف” فمعظم هذه البلدان تملك تاريخاً حضارياً عريقاً (الصين، الهند، مصر، تركيا، العراق). وبعضها الآخر يفاخر بالقيم التي كانت تحكم السلوكية الراقية لشعوبها القديمة (الجزيرة العربية وقبائل أفريقيا…ألخ).

لكن عوامل عدّة تمثّلت بالهجمة الإستعمارية على هذه البلدان واستعباد شعوبها والعمل على نهب مواردها والمشكلة الأهمّ أنّها بقيت بعد انسحاب جيوشها تعمل على تنفيذ مخطّطاتها ضدّ شعوب هذه البلدان، بجعل مجتمعاتها أسواقاً استهلاكيّة وإغراقها بالسّلاح والفتن والحروب، وشدّ الطوق حول عنقها بالديون المالية الضخمة التي أوقعتها في عجز هائل متنامٍ وبإحباط كلّ فرص التقدّم والتطوّر ولكي تحافظ الدول المتقدّمة على مصالحها في بلدان العالم الثالث أوجدت في معظم دولها أنظمة سياسيّة تسلطيّة مغايرة لمفاهيم الحريّة والديمقراطية وأنتجت في بعضها الآخر أنظمة ديكتاتورية برزت بواطنها بالسيطرة على السلطة واحتكار وسائل الإنتاج والعمل على تهميش الفرد في المجتمع بإفقاره وتجهيله بهدف شلّ قدراته ليصبح عاجزاً عن أيّة حركة تعبيريّة أو لعب أي دور ريادي ممّا أفقد المجتمع الحالة التحفيزيّة للنهوض، وبذلك سقط معظم المسؤولين في بلدان العالم الثالث في لعبة السيطرة على السلطة المحكومة بالتبعية والإرتهان للدول الخارجية هذا فصلاً عن الإرتجال باتخاذ القرارات المتعلّقة بالتنمية وإنتفاء ذهنية التخطيط لدى غالبية هؤلاء المسؤولين.

لكن أبعاد إشكاليّات كلّ قضايا دول بلدان العالم الثالث قد تغيّرت بشكل حاد في هذه الحقبة من التاريخ، بعدما تضخمت كثيراً واندمجت في سياق القضايا العالمية.

وممّا لا شكّ أنّ الكثيرين من العلماء والمفكّرين والمعنيّين بموضوع العالم الثالث قد صاغ كلٌّ منهم نظريّته إنطلاقاً من موقعه السياسي، فجاءت هذه النظريات متناقضة لجهة تقديم المعالجة رغم إتفاقها في المسائل الوصفية، أو إذا ما تبيّنا ما قدّمته في هذا السياق الطروحات الرأسمالية.

لقد انتهت الطروحات الماركسيّة والرأسمالية إلى جانب معيّن من جوانب قضايا العالم الثالث أو إلى رؤية مرتبطة بإيديولوجية محدّدة  ترسم آفاق الحلول وفق مصالحها ولا بدّ للمعني بدراسة الواقع المعاصر في البلدان المتخلّفة من أن يجسّد القواعد النظريّة لمطلق سياسة، تأخذ في الحساب واقع هذه البلدان.

هذا الواقع الذي يدور في فلكه تمدّد خارجي للتشكيلات الرأسمالية المتطوّرة. حيث تبدو بلدان العالم الثالث متراجعة ومأزومة ومن غير أن تكون قادرة بعد على استيعاب حركتها ونموّها البطيء والاندماج مقابل الحركة الحقيقية والمبرمجة التي تنفذها الدول المركزية للإبقاء على هيمنتها واستغلالها للشعوب الضعيفة.

وفي هذا السياق وفي محاولة لتوحيد نظرة وتطلّعات دول العالم الثالث إلى العلاقات الإقتصادية الدولية تأسّست مجموعة الـ VV عام 1963 وعقد أول مؤتمر للأمم المتحدة للتجارة والتنمية CNUCED عام 1964 الذي اعتبر المنبر المضادّ للـ GAT.

هذا المنبر حيث ستناقش السياسات الإقتصادية بين الشمال والجنوب على أسس متساوية.  فكانت الإجتماعات الأربعة الأولى مكلّلة بالنجاح (جنيف عام 1964 نيودلهي عام 1968، سانتياغو عام 1972، نايروبي عام 1976) فالجنوب في ذلك الوقت كان قد شكّل وحدة متجانسة مقابل شعور دول الشمال بواجب المساعدة على التنمية بالإضافة إلى ما شهدته فترة السبعينات من أحداث، فهزّتي أسعار البترول خلقت نوع من الضغط على بلدان الشمال وتنامى الشعور بقوّة الجنوب كمالك للمواد الأولية إنّما هاتين الهزّتين قد رسّختا الهوّة بين الشمال والجنوب من ناحية كما رسّختا الهوّة أيضاً بين بلدان الجنوب من ناحية أخرى: بلاد مالكة للمواد الأوّلية وبلاد غير مالكة لها، بلاد تتمتّع بشروط تضعها على سكّة التنمية، وبلاد لا تتوفّر فيها الشروط، بلاد انضمّت للمعسكر الغربي وبلاد انضمّت للمعسكر الشرقي. أمّا في الثمانينات فقد أخفقت كلّ الندوات التي كانت تنادي بضرورة الحوار في الوصول إلى تسوية لوضع الجنوب لكن زيادة الهوّة بين بلدان الشمال وبلدان الجنوب لا تعني فشل الـ CNUCED ، فتقارير الأمم المتحدة للتنمية تثبت عكس ذلك وأصبحت الـ CNUCED الهيئة الأساسية التي تحاول تحقيق المساواة وتتكلّم بصوت البلدان النامية.

1- تحديد العالم الثالث ومفهوم التخلف:

1-1 ما هو العالم الثالث من الناحية النظريّة:

تحديد ماهية العالم الثالث ومفهوم التخلف يتطلّب تحديد أسباب هذا التخلّف وبالتالي المؤشّرات التي تدلّ على هذا التخلّف وفي هذا الإطار تتعدّد النظريات Rostow حدّد التخلّف بعدم الإستغلال للطاقات الإقتصادية والإنسانيّة الموجودة في الدولة ضمن حدودها وإلى عدم توفّر وتراكم رؤوس الأموال ! ( )

بالتالي فإنّ الفرق بين البلاد المتخلّفة والبلاد المتقدّمة هو فرق في درجات التقدّم، هذه النظرية أثارت الجدل والإنتقاضات من قبل إقتصاديّين أمثال فرتادو (FURTADO) الذي يرى أنّ الفرق بين التقدّم والتخلّف هو عضوي وهيكلي. فالتخلّف في العالم الثالث هو نتيجة عصرية للثورة الصناعية في البلاد الغربية. إذ أنّ التطوّر في العالم الغربي وحاجته إلى المواد الأوّلية واليد العاملة والتوسّع في الأسواق أدّى إلى تفعيل بعض قطاعات الإقتصاد في البلدان النامية على حساب أخرى وإلى عدم توازن إقتصادي.  أمّا لاكوست (Lacoste) فرأى أنّه من الصعب التكلّم عن بلاد نامية إذ أنّه لكلّ بلد خصوصيّة اقتصاديّة، إجتماعية وديموغرافية. فالنمو الإقتصادي يتأثّر بتلك الخصوصيّات وبالتّالي ينعكس على هيكلية الإقتصاد والمجتمع وكيفيّة التوزيع العادل أو المجحف للنمو، فهل النمو يصيب جميع فئات المجتمع أو أنّه ينحصر بشريحة ضيّقة منه ؟( )

في جميع الحالات لارتباط مفهوم التخلّف والعالم الثالث بمفهوم الحداثة في العالم الغربي، لا يمكننا التكلّم عن العالم الثالث دون الإشارة إلى مراحل التطوّر في أوروبا وكيف أنّ هذا التطوّر في العالم الغربي كان وما يزال يحتاج إلى منافذ حيويّة (Espace Vital) إقتصادية وبشريّة تواكب النمو الداخلي الرأسمالي (Capitaliste) في بلاد أوروبا.  في حين كانت البلاد المستعمرة أو الأطراف تعاني من تبعية اقتصادية، سياسيّة وثقافية وحالة تفكّك عضوي في مجتمعاتها، حقّقت الدول الأوروبية منذ منتصف القرن الثامن عشر عدّة شروط وضعتها على سكّة النمو الإقتصادي الذاتي، القضاء على النظام الإقطاعي في الأرياف وإنّهاء العمل بنظام الحرف  وخلق الشروط اللازمة لوجود سوق عمل حرّة وتحقيق حدّ أدنى من التراكم (Accumulation) لرؤوس الأموال التجارية فضلاً عن نشر حركة واسعة من الإختراعات العلمية التي طوّرت وسائل الإنتاج.( )

كما تغلّبت هذه الدول على ضيق أسواقها عبر تصريف الفائض في الخارج واحتلال مستعمرات وتحويلها لأسواق ولتوفير المواد الأولية الخام لتلبية حاجات الثورة الصناعية.( )

في محاولة لتفسير النمو الذاتي الأوروبي تنطبق نظرية روستو التي تحدّد مراحل النمو بخمسة:

  • القضاء على المجتمع التقليدي.

  • تراكم شروط أساسيّة للتطوّر.

  • البدء في مرحلة النموّ.

  • النضوج في مرحلة النموّ.

  • عصر الإستهلاك والحاجة إلى التوسّع.( )

إنّما هذه النظرية تفشل في تحديد كلي لمفهوم التخلّف حيث تنجح نظريّات الخلل العضوي الإجتماعي والإقتصادي للاكوست، ونظرية التبعيّة وعدم التوازن في النمو لفرتادو.

1-2 الإستقلال وحالة التشرذم

نموذج الدولة الوطنية، في البلاد النامية إجمالاً والبلاد العربية خاصة، لم يكن ترجمة لعصر النهضة، ولم يكن بدوره تعبيراً عن تحوّلات مجتمعيّة مساعدة بقدر ما كان تعبيراً عن بدايات تكوّن نظام التبعيّة للغرب وعن ظهور نخب من الموظّفين والضبّاط تدعو إلى ضرورة الإصلاح عبر تبنّي نماذج التنظيم الموجودة في أوروبا فضلاً عن تأثير نخب مثقفة تلقت علومها في أوروبا وفتنها نموذج الحداثة في الوقت الذي كانت بلادها تشهد بدايات خرق إستعماري وخضوع لعلاقات رأسمالية طرفية تابعة للدولة الحديثة في الغرب، كان على هذه الدول أن تنتظر نهاية الحرب العالمية الأولى والثانية لتشهد أنماط الدولة الحديثة بحسب التوازن الدولي( ) إنّما هذه الدولة لم تكن تعبيراً عن نضوج إجتماعي ثقافي سياسي بل ارتكزت على خلفيّات متعدّدة: قبليّة، طائفيّة، اثنية.  إذا كانت البلاد المتخلفة يربطها قواسم مشتركة وهي الإستعمار والفقر والمديونية والحاجة للتكنولوجيا، فهي أيضاً تختلف في عدّة أوجه على أثر الإستقلال بحيث أن أنظمتها السياسية والإقتصادية، تعدّدت فمنها من تمثّل بالأنظمة الديمقراطية الغربية مثل الهند (The world’s Largest Democracy)، ومنها من تمثّل بالأنظمة الملكية أو الدكتاتورية…  هذه البلاد تختلف أيضاً بأنظمتها الإجتماعية إذ أنّ البعض مثل نظام شاه إيران حاول استيراد القيم الغربية بينما بلاد مثل الصومال أو تنزانيا حاولت حماية قيمها التقليديّة.  وعلى الصعيد الإقتصادي، فالتقدّم ليس متجانساً، إذ أنّ بعض المحلّلين فضّلوا التكلّم عن عالم رابع يضمّ بوليفيا، تايلاند، زائيير، زمبيا، إذا أنّها بلاد تملك القدرة والأرضيّة للتقدّم الإقتصادي وعالم خامس يتضمّن البلاد التي ليس لها أمل في النمو لضعف بنيتها التحتيّة وقلّة مواردها ومهارتها مثل شاد، صومال، بنغلادش.  أمّا العالم الثالث فهو يعبّر عن البلاد التي تمتلك موارد طبيعيّة وبشريّة وبنية تحتيّة متقدّمة تخوّلها دخول العالم الصناعي في المستقبل وهي مثل السعودية، البرازيل، الأرجنتين، نيجيريا، كوريا الجنوبية . أمّا العالم الثاني فيضمّ بلاد الإتحاد السوفياتي السابق وأوروبا الشرقية التي تتمتّع بالأرضية والبنية التي قد تسمح لها بالتقدّم والنموّ الإقتصادي والتكنولوجي للإنضمام لبلاد العالم الأوّل.( )   على صعيد آخر وفي محاولة متطوّرة وعلميّة لقياس التخلّف وتصنيف بلاد العالم الثالث اعتمد برنامج الأمم المتحدة للتنمية مؤشّر التنمية البشرية (IDH) الذي يقارن بين الدخل الوطني ومؤشرين إجتماعين: الأميّة عند الكبار ومؤشّر الحياة (Espérance de vie)، هذه المؤشّرات أظهرت فوارق عديدة بين بلاد العالم النامية كما أظهرت عدم الترابط بين الدخل الوطني والمؤشّرات الإجتماعية: بعض البلدان لها مؤشّرات عالية في التنمية البشرية ومتدنية في الدخل مثل سيرلانكا، الصين، شيلي، كولومبيا، بينما البعض الآخر يتميّز بدخل عال ومؤشّرات إجتماعية متدنية مثل الإمارات العربية، الغابون، غينيا، السينغال.( )     في التسعينات تطوّر مؤشّر التنمية ليشمل المقاييس: الإستهلاكية، الإقتصادية والإنتاجية، الإجتماعية، السياسية، على ضوء هذه المؤشرات تشير دراسات برنامج الأمم المتحدة للتنمية UNDP وتقارير البنك الدولي على تعاظم الفوارق بين الدول المتقدّمة والدول النامية على عدّة صعد: كدرجات نمو الناتج الوطني الإجمالي (PNB)

متوسّط العمر

دخل المواطن

محو الأميّة

ومعدّلات التمدّن (Urbanization) والتضخّم.  

تتضاءل الفوارق فيما يتعلّق ببعض المعايير مثل التعليم ومتوسط العمر( ) بين أعوام 1900  و 1970، نما الناتج الوطني الإجمالي (PNB) في البلاد المتقدّمة بمعدّل 3.82 بينما في الدول النامية لم يتجاوز 1.8.  أمّا التقارير الصادرة عام 1998 عن برنامج الأمم المتحدة للتنمية UNPD فتشير إلى تقدم في بعض الميادين في البلاد النامية مثل المصاريف الإستهلاكية والتعليم ومتوسّط العمر، لكن المؤشّرات التي تدّل على تعاظم الهوّة بين البلاد المختلفة والبلاد المتقدّمة أكثر بكثير على المقياس العالمي 20 % من الأفراد في البلدان المتقدّمة يتشاركون 86 % من الإستهلاك الخاص الإجمالي.

بينما 20 % من سكّان البلدان النامية يتقاسمون 1.3 % من الإستهلاك الخاص الإجمالي (لحمة، سمك، سيارات، خطوط هاتفية، الطاقة العالمية…) يقول الأخصّائيون أنّ 20 % من الأشخاص الذين يسكنون في البلدان المتقدّمة يتمتعن بدخل أعلى ب 30 % من أفقر 20 % من سكان العالم.

هذه الهوّة تزايدت بمعدّل 82 مرّة من عام 1995، كما أنّ أغنى 3 أفراد في العالم يملكون ثروة تتعدّى الناتج الداخلي الإجمالي في 48 دولة نامية. لم يكتفِ التقرير أن يشير إلى الهوّة بين العالم المتقدّم والعالم المتخلّف بل أقرّ هذا التقرير أنّه أصبح من الممكن التكلّم عن انكفاء وتراجع إذ أنّ التنمية آخذة في الإنحسار: بين 1995 و 1998 وبالرّغم من نموّ دخل الفرد في آسيا، فالناتج المحلّي الإجمالي للفرد لم يصل إلى 3 % وذلك هو المعدّل الضروري للبدء في عمليّة الحدّ من الفقر في العالم.( )

هذه الفوارق والتراجع في التنمية يطال بلدان العالم الثاني والثالث وما دون، هذه المؤشّرات تنبئ بتفاقم المشاكل الإجتماعية، الإقتصادية والسياسة في تلك البلدان.

ومن الجدير الإشارة إلى أنّ الإحصاءات التي يتّكل عليها التقرير سابقة للأزمات كأزمة آسيا والبرازيل وحاليّاً الأزمة الاقتصادية العالمية بعد إنهيار أسواق الاسهم، وما أسفرت هذه الأزمات من انهيارات عالميّة.

ففي محاولة لتفسير أسباب هذا التدهور الإقتصادي العالمي الإجمالي والذي يطال البلدان الضعيفة خاصة يتهم أكثر الإقتصاديّون ما يسمّى ” العولمة “، الذي تبلور مع ثورة الإتصال والتواصل والمواصلات.

2- ماذا تعني العولمة ؟

لقد تخلَّفت بلدان العالم الثالث ومنها الدول العربية عن دخول العولمة بفعالية على غرار فعالية وديناميكية الدولة الغربية. فعلى أثر سقوط الإتحاد السوفياتي والنظام الشيوعي ومع تطوّر تقنيّات الإتصال والمواصلات بالإضافة إلى سياسة التوسّع واللامركزية التي اتبعتها الشركات عبر الوطنية بحثاً عن مواد ويد عاملة وأسواق، ومع تزايد سلطة منظمات مثل المنظمة العالمية للتجارة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي والمنظمة الأوروبية للتعاون والتنمية والتي تهدف بالإجمال إلى تسهيل حركة الأموال والإستثمار بدلاً من تنظيمها وتشكيل أسس لعملها وحماية البلاد الضعيفة من مخاطر المضاربة، تبلور مفهوم العولمة وأصبح يعني ديناميكية انفتاح العالم وأسواقه أمام الإستثمار والشركات التي تملك السلطة وغطاء المنظمات المالية والإقتصادية الدولية، وهذه النزعة إلى التقليص من صلاحيّات الدول في حماية اقتصادها وأسواقها تتركز على بلدان العالم الثالث والثاني إذ أنّ أفريقيا تبقى خارج إطار الإستثمار والإهتمام بينما تحاول دول العالم المتقدّم التكتّل في منظمات إقليمية لحماية أسواقها.  إذا كانت الرأسمالية بعد الحرب العالمية الثانية خاضعة لسيطرة الدولة التي تستمدّ شرعيتها من مشاريع إجتماعية فهي عادت اليوم إلى إحلامها القديمة التي تتمثّل بإخضاع المجتمع لديناميكية ومنطق السوق.

إذاً في الأيام الأخيرة للقرن العشرين هبّ علينا اصطلاح جديد هو ” العولمة “. وأصبح العالم مطالباً بتحديد موقفه من هذه ” العولمة ” هل هو معها أم ضدّها ؟ والحق أنّ هذا القرن الذي نعيش فيه قرن غريب وطريف في الوقت نفسه. فهو قرن لا يخلو من ادّعاء، فكلّ شيء فيه عالمي من ناحية كما أنّه من ناحية أخرى شموليّ النزعة، فكلّ مذهب أو رأي يدّعي أنّه الحق المطلق وغيره باطل لا ريب فيه.  عرفت البشرية منذ ولادتها الحروب والصراعات بين الجماعات والشعوب، ومع ذلك فإنّ القرن العشرين وحده عرف الحروب ” العالمية “. ثلاث حروب عالمية، اثنتان ساخنتان والثالثة باردة. بدأ القرن من حيث التطوّرات الكبرى (1914-1918) بالحرب بين إنجلترا وحلفائها وألمانيا وأنصارها، وانحصرت المعارك العسكرية في أوروبا. ومع ذلك فقد أصرّ القرن العشرون ومؤرّخوه على وصف هذه الحرب بأنّها الحرب ” العالمية ” الأولى، على رغم أنّ معظم شعوب الأرض في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية لم يكن لها فيها ناقة ولا جمل. ومع نهاية الحرب العالمية الأولى انتهى عصر السيطرة البريطانية (Pax Britannica)، وتراجعت فترة الأمبراطورية البريطانية. ولم تلبث آثار الحرب ” العالمية ” الأولى وما فرضته من أعباء قاسية على ألمانيا المهزومة أن دفعت ألمانيا النازية للثأر، وقامت الحرب من جديد بين بريطانيا وحلفائها من ناحية وألمانيا ودول المحور من ناحية ثانية، وهي المعروفة بالحرب ” العالمية ” الثانية. وهنا أيضاً أصرّ القرن ومؤرّخوه على وصف هذا الصراع الجديد ” بالعولمة “، على رغم أنّه تصفية حسابات أوروبية ناجمة عن الحرب السابقة (1914-1918). ومع نهاية الحرب العالمية الثانية قبر النظام الإستعماري وانتهت الإمبراطوريّتان البريطانية والفرنسيّة، وتحرّرت معظم المستعمرات، وظهر عصر السيطرة الأمريكية (Pax Americana) مع معارضة من الإتحاد السوفييتي ودول الكتلة الإشتراكية. وتحوّل الصراع إلى مواجهة بين أميركا وحلفائها في الغرب من ناحية، والإتحاد السوفييتي وأنصاره في الشرق من ناحية أخرى. وبدلاً من أن يحسم هذا الصراع الجديد في حرب ساخنة بالأسلحة في ميادين القتال، فقد قامت بين الكتلتين الغربية والشرقية حرب باردة بين الرأسمالية والإشتراكية، أسلحتها أدوات الحرب الإقتصادية والنفسية والعقائدية، والحروب المحلية والثورات المضادّة وسباق التسلّح وغير ذلك من وسائل الصراع غير الصريحة وأحياناً غير الملموسة. وفي بداية التسعينيات، وبلا مقدّمات ظاهرة، أعلن الإتحاد السوفييتي هزيمته وحلّ نفسه إلى عدد من الجمهوريات المستقلة التي تسعى للحصول على المعونات الإقتصادية من الغرب بعد الهرولة إلى النظام الرأسمالي. وبانتهاء هذا الصراع وإعلان الفوز الأميركي ” بالنقاط ” – وليس بالضربة القاضية – لم يعد هناك محل لحرب عالمية جديدة لغياب المنافس، حتّى إشعار آخر، ولم يعد أمامنا إلاّ ” العالمية ” نفسها، فإذا بنا أمام هذه الضجّة حول ” العولمة “.

وإذا كان القرن العشرون قد اصطفى لنفسه ادّعاء العالمية لكلّ حروبه ونزواته، فإنّه لم يخلُ من شمولية في تصنيفه للأمور. فالحرب العالمية الأولى هي مواجهة بين الحريّة والديموقراطية، وبين الأوتوقراطية والسيطرة، والحرب العالمية الثانية هي أيضاً حرب بين الحريّة والديموقراطية من ناحية، والفاشية والنازية، أو بين احترام حقوق الإنسان والعنصرية والتمييز من ناحية أخرى. وجاءت الحرب العالمية الباردة حرباً بين الرأسمالية والشيوعيّة. وكلّ منهما يدّعي أنّه يمثّل الحق والفضيلة والآخر يمثّل الشيطان والرذيلة. ويبدو أنّنا نسير على المنوال نفسه عند تناول الحديث عن هذه ” العولمة “، فهي تقدّم كما لو كانت الخير والتقدّم والرقي، أو هي على العكس الشيطان والقضاء على الهويّة والأصالة والضياع في عالم مجهول تحكمه أشباح من الشركات متعدّدة أو متعدّية الجنسيّة.

ويبدو أنّ الحقيقة أكثر بساطة، وأكثر تعقيداً في الوقت نفسه. أكثر بساطة لأنّه لا يوجد شيء جديد أو مفاجئ قد هبّ على العالم، وإنّما هو تطوّر بدأ بطيئاً وأصبح سريعاً في مجالات عدّة في التكنولوجيا وخصوصاً في المعلومات والإتصالات، وفي الإقتصاد وخصوصاً في أسواق المال، وفي النظام المؤسّسي لعلاقات الدول، وفي الوعي العام. فالأمر ليس بوافد جديد هبّ على العالم في الربع الأخير من القرن العشرين، بل هو تطوّر مستمرّ منذ الثورة الصناعية، بل وقبلها مع الرأسمالية التجارية، وربّما قبل ذلك أيضاً. والجديد هو في سرعة التطوّر ومداه. ومن هنا نرى أنّ العولمة أكثر بساطة ممّا نتصوّر. فإنّنا لم نستيقظ فجأة كأهل الكهف لنكتشف أموراً لم تكن تخطر لنا على بال،  بل إنّ الحقيقة أنّ المقدّمات قائمة وموجودة أمامنا منذ وقت ليس بالقريب. ولكن هذه البساطة (Simplicity) لا تعني التبسيط (Simplism)، ولا تنفي بالتالي التعقيد والتركيب في الظاهرة. فالعولمة ليست مجرّد سيطرة الشركات متعدّدة الجنسيّة، ولا هي أسواق المال أو حتّى الرأسمالية. فالعولمة ليست وافداً جديداً بقدر ما هي تفاعل بين عناصر قديمة لها جذور راسخة من ناحية، وعناصر جديدة تبحث لها عن أرضية مناسبة من ناحية أخرى، وهو تفاعل مستمرّ وذو أبعاد متعدّدة. وهكذا، فإنّ ما يُطلق عليه إسم العولمة هو ظاهرة مركّبة وملتبسة يختلط فيها الجديد بالقديم، وتتفاعل هذه العناصر في تطوّر بطيء أو سريع وتتضمّن عناصر متجانسة مثلما تحمل بين طيّاتها عناصر أخرى متناقضة. فالعولمة ليست نموذجاً نظرياً منطقياً من اختراع مفكّر أو مؤلّف بقدر ما هي وصف للحظة من لحظات التطوّر الإجتماعي والتاريخي.

كذلك ينبغي أن نتذكّر أنّ مناقشة قضيّة العولمة كثيراً ما تختلط بمناقشة نمط الحياة الأمريكي. فنظراً لأنّ الولايات المتحدة الأمريكية تمثّل، حالياً، أكثر الدول توغّلاً في التطورات التكنولوجية، وبالتالي أكثرها اتباعاً لمظاهر العولمة، فكثيراً ما تتحوّل مناقشة قضيّة العولمة إلى مناقشة السيطرة الأمريكية وأسلوب الحياة الأمريكي. وكثيراً ما تذهب معارضة العولمة إلى معارضة الهيمنة الأمريكية. وعلى رغم أنّه من الواجب نظرياً فصل الأمرين، ومناقشة مظاهر العولمة مناقشة مستقلّة عن هذه الصفة الأمريكية، فإنّ المسألة ليست سهلة دائماً. كذلك فإنّنا عندما نتكلّم عن العولمة، فإنّنا لا نتحدّث عن وصفة أو حزمة معرفة نأخذها بالكامل أو نرفضها بالكامل، فهي تختلف في تطبيقاتها من مكان إلى مكان.

وكثيراً ما يُقال إنّ ” العولمة ” هي توسيع للأسواق وإزالة للحواجز بين الدول حتّى نصبح أمام سوق عالميّة. فالعولمة هي قضاء على الإقتصاديّات الوطنية في سبيل إقامة السوق العالمية. ليس هذا فقط، بل إنّ فكرة ” العولمة ” تعني أيضاً تغليب فكرة السوق على ما عداها من المؤسّسات الإجتماعية، فكلّ شيء مع العولمة خاضع لمنطق ” السوق ” وأحكامها.

يمكن القول، إنّ فهم الإقتصاد المعاصر يتحقّق بشكل أوضح إذا نظرنا إلى التاريخ الإقتصادي العام، باعتباره تاريخاً للمبادلة  وقيام الأسواق وتوسيعها، وتغليب منطق السوق وفرضه على مختلف أجزاء الإقتصاد الأخرى واستيعابه لها وإدماجه تدريجياً لها. فالتاريخ الإقتصادي من هذه الزاوية هو تاريخ توسّع ظاهرة المبادلة وفكرة السوق، وتحوّلها من ظاهرة عرضية على هامش الإقتصاد التقليدي والبدائي، إلى ظاهرة عامة شاملة تتّسع باطراد لتستوعب بقيّة أجزاء الإقتصاد، بل والمجتمع. ولم يقتصر الأمر على التوسّع في ظاهرة اقتصاد السوق، بل إنّ هذه الظاهرة قد أدّت بدورها إلى تطوّرات مقابلة في شكل الوحدة السياسية التي تجمع أفراد الجماعة، من القبيلة إلى الدولة المعاصرة مروراً بأشكال الإقطاع والمدن التجارية. وفي مثل هذا التطوّر، تعتبر العالمية أو   ” العولمة ” المرحلة الأخيرة في توسيع الأسواق. فاقتصاد السوق لم يعد يقتصر فقط على التبادل والنشاط الإقتصادي ضمن حدود الدولة السياسية، بل جاوز ذلك ليشمل مختلف أجزاء العالم، وبحيث يعتبر التبادل أو السوق شاملاً لأكبر قدر من المعمورة، دون أن تقف الحواجز السياسية او السيادات الوطنية عقبة أمام توسّع فكرة السوق واقتصاد التبادل. وتتميّز العولمة، كمرحلة من مراحل التطوّر، بخصائص عدّة أو مؤشّرات جديدة تتمثّل في ظهور أسواق جديدة، مثل أسواق العملات والتي تعمل على مدار الساعة على مستوى العالم، وظهور أدوات جديدة للتعامل والإتصال، مثل الإنترنت والتليفون والمحمول وشبكات الإعلام، وظهور لاعبين جدد على الساحة مثل المنظّمات الدولية، منظمة التجارة العالمية ومنظّمات المجتمع المدني، وأخيراً، ظهور قواعد خدمة للتعامل مثل الإتفاقات الدولية لتنظيم مختلف الأنشطة.

ومع ذلك، فإنّ توسيع الأسواق وإزالة أو إلغاء الحدود والحواجز الجغرافية والسياسية لم يتحقّق دائماً بالدرجة نفسها. فعلى حين أنّ انتقال المعلومات لا يكاد يواجه أيّ عقبات، فإنّ حركات الأموال بين مختلف الدول بدأت تتمّ في سهولة ويسر. وبالمثل فإنّ الحواجز أمام انتقال السلع بدأت تتلاشى وتتراجع مع إنشاء منظمة التجارة العالمية. وعلى العكس من ذلك تماماً أوضاع انتقالات البشر، التي بدأت تعرف مزيداً من القيود، فالثورة التكنولوجية أدّت إلى الإنتقال من العلاقات الإقتصادية الدولية إلى نوع من الإقتصاد العالمي وحدود هذا التطوّر.

إنّ العولمة ليست وصفة أو حزمة معرفة بقدر ما هي لحظة من لحظات التطوّر، ارتفع فيها معدّل توسيع الأسواق والترابط في الإقتصاديات على مستوى رقعة متزايدة من العالم، وخصوصاً فيما يتعلّق بتداول المعلومات والأموال وتجارة السلع والخدمات. وليس معنى ذلك أنّ العالم قد أصبح فعلاً ” قرية كونية “، أو أنّ الحدود السياسية قد اختفت وأنّ الدولة تلاشت. كذلك ليس معناه أنّ هذا التطوّر يصيب مختلف أجزاء المعمورة بالدرجة نفسها، فهناك قطاعات كبيرة تعيش العولمة، وقطاعات أخرى لا تكاد تعرف عنها شيئاً. كذلك فإنّه يترتّب على هذا التطوّر، شأنه شأن كلّ تطوّر، ظهور فائزين وخاسرين، غالبين ومغلوبين. وفي الوقت نفسه، فإنّ هذا التطوّر يخلق أسباب مقاومته والقوى المناهضة له.

وكما أنّ لكل عصر أبطاله، فللعولمة أيضاً نجمومها، وهي الشركات الصناعية الكبرى (متعدّدة الجنسيّة) ورجال الإعلام (شبكات التليفزيون والصحافة العالمية) ومراكز المال، ومراكز البحوث وشركات التسويق والإعلان، بل والمخابرات وربّما المافيا، ولكن لا ننسى تزايد أهميّة منظّمات المجتمع المدني أيضاً. فكما كانت لرجال الدين والكهنة دولتهم في المجتمعات البدائية كافة، وكما كانت لرجال الحروب والفروسية دولتهم في العصور الوسطى، فإنّ للعالم الجديد رجاله وروّاده، وهؤلاء هم الذين يتعاملون ويسيطرون على مراكز القوّة الجديدة: البحث العلمي والتكنولوجي، وخصوصاً في الشركات متعددة الجنسية، والمال، والإعلام وبعض المنظمات الدولية مثل صندوق النقد ومنظمة التجارة العالمية، وربّما أيضاً المخابرات وغيرها من الأجهزة غير المرئية.

وإذا كان هؤلاء هم نجوم العولمة وأبطالها، فإنّ الهدف النهائي والجائزة التي يسعون إليها هي المواطن العادي، سواء كمستهلك أو كناخب. ففي هذا العالم الجديد أصبح هذا الفرد العادي هو الحكم، الجميع يسعى إليه بالإقناع حيناً وبالخداع أحياناً. فعلى رغم أنّ توزيع الثروة لا يتّجه دائماً إلى مزيد من العدالة (مع العلم بأنّ التقدّم الإقتصادي يضمن، في الغالب، حدوداً دنيا لمستوى المعيشة)، فإنّ القوة الإقتصادية لا تزال في يد المستهلك العادي الذي يجب الوصول إليه بالوسائل كافة. وكلّ الوسائل مباحة، المشروع منها وغير المشروع، لكن غير المقبول هو تجاهل هذا المستهلك. كذلك فإنّ هذا الفرد العادي هو أساس السلطة السياسية، فرأيه، سواء في صناديق الإنتخاب أو في استطلاعات الرأي العام، هو الذي يحكم التوجّهات السياسية والإقتصادية. وهنا أيضاً، المطلوب هو صوته الشكلي ولا بأس من قليل أو كثير من الخداع والتضليل، فالمهم هو الحصول على موافقته وضمان رضائه. وبطبيعة الأحوال، فإنّ المعضلة الرئيسية تكمن في أنّ هذا الفرد العادي، والذي يمثّل الحكم، يواجه هذه القوى من صناعة ومال وإعلام ومخابرات، يواجهها منعزلاً وحيداً، ومن ثمّ فإنّها تستطيع أن تخضعه لمختلف مظاهر التأثير، بحيث يبدو لعبة في أيدي هذه القوى بدلاً من أن يصبح سيداً لا خادماً لها. فهو بذلك ليس سيّد الموقف والحكم النهائي بقدر ما هو لعبة تسخرها هذه القوى لأهدافها. وهكذا، فنحن إزاء وضع متلبّس، فالفرد العادي أصبح هو المطمع والهدف، وأصبح رضاه هو الجائزة التي يسعى إليها جميع اللاعبين. ولكنّه، من ناحية أخرى، وقد أصبح غنيمة من يفوز بها يملك العالمين، فقد أصبح هدفاً للتضليل والغواية، فالجميع يسلّط عليه أسلحته ومغرياته لإغرائه، وهو، إلى حدّ بعيد، أعزل، محدود الإمكانات، قليل المناعة. وأين الحقيقة من هذا الوضع المتلبّس ؟ ربّما الحقيقة أنّ الأمرين صحيحان في الوقت نفسه. فهو سيّد ولكنّه كثيراً ما يكون مخدوعاً.

وليس معنى ما تقدّم أنّ الفرد العادي يصبح دائماً مع العولمة الهدف والمعيار، فهذا الأمر يصدق بصفة أساسيّة، على الدول الصناعية المتقدّمة التي تأخذ بمبادئ الديموقراطية وحقوق الإنسان. ولكن مظاهر العولمة، خصوصاً فيما يتعلّق بإمكاناتها التكنولوجية، تساعد العديد من نظم الحكم في بعض الدول، وخصوصاً النامية، على إضعاف الفرد واستبعاده. إنّ هذه الإمكانات قد ساعدت على استمرار وتأييد نظم حكم تكاد تلغي وجود الفرد ليصبح صورة باهتة لما تريده له السلطة السياسية. وذلك عن طريق القهر المنظّم والمستند إلى الأساليب العلمية والتكنولوجية. وهي نظم تستند إلى أجهزة شديدة البأس كالمخابرات والأجهزة البوليسية، مع السيطرة على نظم الإعلام وبرامج الدراسة، وغالباً أيضاً على مراكز القوى الإقتصادية. وهنا لا يصبح الفرد سيداً مخدوعاً فحسب، بل إنّه يفقد حتّى وهم هذه السيادة ليصبح عبداً استبدّت به قوى تكنولوجية واقتصادية، وأحياناً مذهبية، لا طاقة له بها.

ولا تقتصر تناقضات العصر على ما تقدّم، بل إنّنا نلحظ تناقضاً أساسياً بين تطوّر الإقتصاد وتطوّر السياسة. فعلى حين تتّجه قوى الإقتصاد لتصبح عالمية لا تأبه بحدود سياسية أو جغرافية، سعياً وراء الربح والثروة، فما زال التنظيم السياسي وطنياً وقومياً. وتكمن المشكلة الأساسية في تلاقي عالمية الإقتصاد من ناحية وقومية السياسة من ناحية أخرى، على مستوى القمّة. فمراكز الإقتصاد تتركّز في الدول الصناعية الكبرى وخصوصاً الولايات المتحدة الأميريكية، وهي تسعى إلى أهدافها الإقتصادية على مستوى العالم، لا تقتصر على حدودها القومية أو السياسية، فهي ذات نزعة عالمية. ومع ذلك فإنّ السلطة السياسية في هذه الدول، وأيضاً بوجه خاص الولايات المتحدة الأمريكية، لا تراعي سوى اعتبارات المواطن الأمريكي، وأحياناً في واحدة من الولايات، أريزونا أو تكساس مثلاً. ومن هنا قول أحد السياسيّين الأمريكيّين ” السياسة الخارجية دائماً محليّة “. ولعلّ هذا هو التناقض الأساسي لظاهرة العولمة، اقتصاد يتّجه إلى العالمية وسلطة سياسية لا تزال وطنية أو قومية. وبذلك تنفصل العلاقة بين السلطة والمسؤولية. سلطة اقتصادية عالمية لا يكاد يفلت منها مكان على المعمورة، ومسؤولية سياسية وطنية أو حتّى محليّة. فالقرارات التي تؤثّر في الإقتصاد العالمي في الكونجرس أو مؤسّسات الإتحاد الأوروبي تحاسب من قبل الناخبين في الولايات المتحدة او في أروقة السياسة في فرنسا أو ألمانيا، على الرغم أنّها تؤثّر في اقتصاد العالم في مجموعه. وليس هذا فحسب، بل إنّنا رأينا أنّ انفتاح الحدود وعالمية الإقتصاد قد أطلقا عنان النزعات القومية والعرقية، سواء في يوغوسلافيا أو بقايا الإتحاد السوفييتي، إن لم يكن في معظم الدول الأفريقية.

3- الليبرالية الجديدة ودور الدولة:

 في كتاب أحلام العولمة لـ بارنت وكافاناغ، يحدّد الباحثان التحوّل من الليبرالية الكلاسيكيّة (منع الإحتكار، كبح مشاريع التوسّع غير المحدودة، منع المضاربة)، إلى الليبرالية الجديدة عندما واجهت الولايات المتحدة تحدّيين:

-تفجر الطاقات الإنتاجية والتنافسيّة للشركات اليابانيّة.

-إتجاه أوروبا إلى الوحدة بعد إنجاز السوق الأوروبية المشتركة التي تضمّ 350 مليون مواطن.

هذه التطوّرات مهّدت للتمركز الإحتكاري وانطلاق ” ثقافة الجشع ” في الثمانينات في عهد الرئيس رونالد ريغن، أمّا على صعيد التشريعات الإقتصادية تجلّت ” ثقافة الجشع ” من قوانين خفض الضرائب على أرباح وعائدات الشركات وخفض الفوائد على القروض الأمر الذي شرع الأبواب أمام التوسّع والربح غير المحدود ودفع الشركات الصغيرة إلى التصفية أو الإنصهار في الشركات الأقوى ظاهرة (Homelessness) وذلك ساعد في ظهور كارتيلات عملاقة ضاعفت دخلها بفضل سياسة ريغن. وبلغت قيمة موجوداتها المالية والعينيّة في مطلع التسعينات ضعفي قيمة موجوداتها ورساميل القطاع الصناعي الأميركي الإجمالي.

وقد تمّ إنجاز هذا المسار التحويلي تحت شعار يقول:  ” أنّ الأسواق العالمية الكبرى تستدعي قيام شركات عالمية كبرى “( ). حتّى على صعيد الدول المتقدّمة، أدَّى هذا التحوّل إلى ضرب الطبقة الفقيرة حيث يشير تقرير UNDP الصادر عام 1998 إلى أنّ الولايات المتحدة حيث الدخل المتوسط (Revenu Moyen) هو الأعلى تتميّز أيضاً بظاهرة الفقر الأوسع.  كذلك الأمر في هولندا والمملكة المتحدة (UK)، اللذان يتمتّعان بدخل متوسّط مرتفع ومتعادل حيث مؤشّر الفقر (IPH2) يدلّ على 8 % في الأولى و 15 % في الثانية.

يشير أيضاً التقرير أن 100 مليون شخص يعيشون في حالة فقر وسوء استهلاك وتغذية في الدول المتقدّمة.

وهناك أكثر من 100 مليون متشرّد و 38 مليون عاطل عن العمل ممّا يؤكّد أنّ العالم أصبح منقسم إلى فقراء وأغنياء.

ينتهي القرن العشرون، وقد بدا أنّ اقتصاد السوق والديمقراطية السياسية والاعتراف بحقوق الإنسان هي النغمة الغالبة في الحديث الأيديولوجي على مختلف دول العالم، وأصبحت هي اللغة المستخدمة في معظم المنظمات الدولية. وقد ظهر هذا التطوّر بوجه خاص خلال العقد الأخير من القرن العشرين. ففي خلال التسعين سنة السابقة، وخصوصاً خلال النصف الأول من القرن، بدا كما لو كانت الليبرالية الإقتصادية والسياسية، قد فقدت الرهان كلياً. ففي العام 1900، ومن بين 43 دولة اعتبرت دولاً مستقلة، كانت هناك ست دول فقط يمكن أن يصدق عليها، بشكل أو بآخر وصف الليبرالية، على رغم أنّ فئات كثيرة من الرجال، وكل النساء، لم يكن لهم صوت في الإنتخابات في هذه الدول. وبعد الحرب العالمية كسبت الليبرالية دولاً كانت تنتمي إلى النظم الشمولية، ألمانيا واليابان، فضلاً عن الهند التي نالت استقلالها وتمسّكت بالنظام الديمقراطي، على رغم تدخّل الدولة الإقتصادي الكبير فيها. وفي 1980 لم يكن بين 121 دولة أعضاء في الأمم المتحدة، غير 37 دولة فقط يصدق عليها وصف ” ديموقراطية ” تمثّل 35 في المئة من السكّان. وفي 1998 بلغ عدد الدول التي تعرف نوعاً من الديمقراطية حوالي 117 دولة من إجمالي 193 دولة، يمثّل سكانها حوالي 54 في المئة من سكّان العالم. ( )

وسنقتصر هنا على الجوانب الإقتصادية المتعلّقة باستعادة دور السوق وتراجع دور الدولة في الإقتصاد، وهي السياسات التي عرفت منذ بداية الثمانينات بالتخصيصية (Privatization). ويرتبط هذا المصطلح برئيسة وزراء بريطانيا في ذلك الوقت مارجريت تاتشر، التي أثارت عاصفة سياسية واقتصادية آنذاك بهجومها الشديد على التوسع في دور الدولة. وكانت إنجلترا بعد الحرب العالمية الثانية، وتحت تأثير حزب العمّال من ناحية وأفكار كينز من ناحية أخرى، قد توسّعت في دور الدولة فأمّمت الكثير من الصناعات الأساسية. وقد أصبح التأميم (Nationalization) في ذلك الوقت، هو السمة الأساسية للإقتصادات الأوروبية. أمّا الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى رغم تزايد دور الدولة فيها عبر زيادة النفقات الحكومية، فلم تؤمّم الصناعات الرئيسية التي ظلت في يد القطاع الخاص.

بعد ربع قرن من الإنجاز في أوروبا، بدأت منذ نهاية الستينيات وبداية السبعينيات مظاهر الترهّل في الإقتصاد، وبدا أنّ دولة الرفاهية (Welfare state) غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها. ومن هنا بدأت الدعوات لإعادة النظر في طبيعة النظام الإقتصادي، وجاءت السيدة تاتشر بالدعوة إلى العودة إلى السوق وتخلّي الدولة عن التدخّل المباشر في الإنتاج، وبيع صناعات القطاع العام إلى الأفراد والمشروعات الخاصة. وبدلاً من أن تستخدم الكلمة العكسية للتأميم وهي تنازل الأمة عن ملكيّتها (Denationalization)، فقد اختارت السيدة تاشتر تعبير ” التخصيصية”، لأنّ كلمة شخصي أو خاص (Private) تشير إلى معنى الخصوصية، وهي أكثر التصاقاً بحقوق الأفراد وحرياتهم. ومن هنا ظهر على الساحة تعبير جديد في السياسة الإقتصادية هو التخصيصية لاستعادة دور اقتصاد السوق. وجاء الرئيس ريجان إلى البيت الأبيض مدافعاً عن فكرة تقليص دور الحكومة والتخفيف من القيود (Deregulation). وعاصر ذلك أزمة المديونية في معظم دول العالم الثالث، وهي مديونية نشأت عن ديون عامة عقدتها حكومات هي في أغلب الأحوال قليلة الكفاءة، إن لم تكن فاسدة. ولذلك فقد تركّزت نصائح البنك الدولي وصندوق النقد الدولي للإصلاح الإقتصادي على ضرورة استعادة دور اقتصاد السوق والقطاع الخاص، وتقليص دور الدولة خاصة في الإنتاج، بحيث تصبح الدولة منظماً (Regulator) وواضعاً للسياسات الإقتصادية، وضامناً لحسن انتظام قواعد السوق، ومؤمناً لسلامة النظام النقدي والمالي، وموفِّراً لنظام قانوني وقضائي مناسب. أمّا قضايا الإنتاج، فإنّها تترك لقوى السوق ومبادرة المشروعات الخاصة. وإذا كانت فترة الثمانينيات قد عمّمت الأخذ بسياسات التخصيصية في معظم الدول المتقدّمة والنامية، فقد جاءت التسعينيات، مع انهاير الكتلة الإشتراكية إلى اقتصاد السوق، ممّا أدّى إلى ظهور ما عرف بالإقتصادات الإنتقالية (Economies in Transitions). وهكذا يختتم القرن باستعادة اقتصاد السوق مكانته التي فقدها منذ الحرب العالمية الأولى. واحتاج الأمر إلى ثلاث حروب عالمية، اثنتان ساخنتان والثالثة باردة، لكي تكتمل الدورة، ونعود من جديد إلى اقتصاد السوق.

على أنّه سوف يكون من السخف والسذاجة الإعتقاد بأنّ اقتصاد السوق، ونحن في نهاية القرن العشرين، هو اقتصاد السوق نفسه عند بداية القرن. كذلك سوف يكون من التبسيط الشديد الإعتقاد بأنّ العودة إلى اقتصاد السوق، مع التخصيصية، هو انزواء لدور الدولة الإقتصادي وتهميش له. فالحقيقة أنّ الدول لم تكن في أيّ وقت من الأوقات أقوى ممّا هي عليه الآن فيما تتمتّع به من أدوات للتأثير في الحياة الإقتصادية. والفارق هو أنّه في ظلّ غلبة القطاع العام قامت الدولة أيضاً بدور الإنتاج، ممّا ترتّب عليه تخليها جزئياً عن دورها الرئيسي في رسم السياسات ووضع القواعد ومراقبتها، ومن ثمّ تدهور أداء الدولة حينما حصرت نفسها في إنتاج السلع والخدمات.

فالدولة ما زالت لاعباً أساسياً في الحياة الإقتصادية بما تملكه من وسائل للتأثير في النشاط الإقتصادي عبر السياسات الإقتصادية ومن خلال دورها التنظيمي وتوفير الخدمات الرئيسيّة. أمّا دور الدولة كمنتج، في ظل القطاع العام، فقد مال إلى الإنحسار.

وعندما نتحدّث عن الدولة والإقتصاد فإنّنا نطرح بعض جوانب المشكلة دون جوانبها الأخرى المتعلّقة باللاعبين الآخرين وبالمجالات الأخرى. فإلى جانب الدولة هناك الأفراد، القطاع الخاص والمجتمع المدني، وإلى جانب الإقتصاد هناك السياسة والأخلاق. ويمكن القول، بنوع من التجاوز وربّما من التبسيط، إنّ سلوك الأفراد والجماعات إنّما يستند إلى مجموعة من الإعتبارات التي ترتبط بكلّ من السياسة والإقتصاد والأخلاق. ونقصد بالسياسة هنا اعتبارات السلطة، وبالإقتصاد اعتبارات المنفعة والمصلحة، والأخلاق اعتبارات القيم ووازع الضمير الفردي والجماعي. وينبغي أن نعترف بأنّ وراء كلّ عنصر من هذه العناصر (السياسة والإقتصاد، والأخلاق) كثيراً من الظروف والمؤثّرات. ولا يمكن أن تستقيم جماعة ويزدهر أفرادها ما لم يتوافر الانسجام والتوازن بين اعتبارات السياسة أو السلطة من ناحية، والإقتصاد أو المصلحة من ناحية ثانية، والأخلاق أو القيم من ناحية ثالثة.

ويمكن بنوع من التبسيط القول إنّ أداة السياسة الرئيسية هي الدول التي يتركّز فيها استخدام السلطة، في حين أنّ المجال الطبيعي للإقتصاد هو السوق حيث تعبر المصالح أو المنافع المختلفة والمتعارضة عن نفسها فيما تظهره هذه السوق من مؤشرات وخاصة الأسعار، وأنّ الأخلاق بمعناها الواسع، تفرض سلطانها فيما جاوز كلا من الدولة والسوق بأشكالهما المنظمة، وتستند بالتالي إلى ما يعتمل في ضمير المجتمع.

وإذا كانت المجتمعات والأفراد يخضعون في سلوكهم لاعتبارات السياسة والإقتصاد والأخلاق، فإنّه من الضروري في أيّ مجتمع سليم أن يتوافر نوع من التوازن بين هذه الإعتبارات دون أن يطغى أحدها على الباقي. فتغليب أحد هذه الجوانب على حساب الجوانب الأخرى لا بدّ أن يؤدّي إلى اختلال جوهري في أمور الجماعة والأفراد معاً. فسيطرة السياسة، أي السلطة، لا تؤدّي فقط إلى تدهور الإقتصاد وتخلّفه، بل غالباً ما يؤدّي تدخّل أجهزة السلطة في الإقتصاد إلى انصرافها لتحقيق مصالح اقتصادية ذاتية وبالتالي شيوع الفساد والانحراف. وهكذا تؤدّي غلبة السياسة إلى إفساد كل من الإقتصاد والأخلاق. وبالمثل، فإنّ ترك الأمور على الغارب للإقتصاد والمصالح الخاصة دون قيود أو رقابة كثيراً ما ينطوي على نوع من التوحش الأناني وفرض سلطة الغني على الفقير، ممّا قد ينعكس سلبياً على الإنجاز الإقتصادي نفسه، فضلاً عن أنّه لن يلبث أن يصبح مظهراً من مظاهر التسلط والقهر يفوق أي قهر سياسي. ومع غياب الروادع الأخلاقية وسيطرة المصالح الإقتصادية الخاصة تختلّ أمور السياسة والأخلاق معاً. وأخيراً فإنّه من العبث الإعتقاد في إمكان حماية المجتمع والأفراد تحت وهم القيم الأخلاقية وحدها، سواء كانت قيماً دينية أو غير دينية. ذلك أنّ غرائز الأفراد من تسلط وأنانية لن تلبث أن تهدر هذه القيم ذاتها، فتصبح الأخلاق الرسمية قناعاً للاستغلال والاستبداد.

وهكذا، فإنّه لا بديل عن الإعتراف بضرورة وجود سلطة سياسية، وبالتالي نوع من الردع المنظم، ولا عن الإعتراف بمشروعية المصالح الذاتية وتوفير الشروط الموضوعية لتحقيقها، ولا عن ضرورة توافر قيم أخلاقية تحدّد المقبول وغير المقبول اجتماعياً. وبذلك تعمل السياسة والإقتصاد والأخلاق معاً في كلّ مجال، فضلاً عمّا يمثّله كلّ عنصر من قيد أو رقابة على العنصرين الآخرين. لكن على رغم الإعتراف بضرورة توافر هذه الإعتبارات كلّها في الوقت نفسه، لا توجد حدود واضحة لكلّ منها، ممّا يفتح الباب لإجتهادات متعدّدة ممكن أن يدور حولها الخلاف. ولعلّ تاريخ الفكر والفلسفة هو إلى حد بعيد مناقشة لأفضل أشكال التوازن بين اعتبارات السلطة والمنفعة والأخلاق.

لا يكفي الحديث عن الإعتبارات والمحددات للنشاط الفردي والإجتماعي، بل لا بدّ أن تصاحب ذلك مناقشة لأدوار الأشخاص الفاعلة أو اللاعبين الأساسيّين في هذه المجالات. ويمكن بصفة عامة التمييز في هذا الصدد بين دور كلّ من الفرد والدولة والمجتمع . وإذا كان من الصحيح أنّ كلا من السياسة والإقتصاد والأخلاق يؤثّر بشكل ما في سلوك الأفراد والدولة والمجتمع، فإنّه من الصحيح أيضاً أنّ كلا من هذه العناصر أكثر قدرة وتأهيلاً لمراعاة بعض هذه الإعتبارات بشكل أقدر من غيرها من الإعتبارات. وكثيراً ما يحدث فيتحوّل الحديث عن دور الفرد والجماعة إلى مجرّد حديث عن علاقة الفرد بالدولة، وبالتالي الخلط بشكل ضمني بين الدولة والمجتمع والمطابقة بينهما. وهذا خلط، فضلاً عن أنّه غير صحيح ، قد تكون له آثار ونتائج فادحة على حقوق الأفراد ومصالح المجتمع. والحقيقة أنّ هنالك أطرافاً ثلاثة هي الأفراد، والمجتمع، والدولة، لكنها أطراف مندمجة في وحدة سياسية تتحدّد ملامحها من خلال هذه العلاقة الثلاثية.

أمّا الأفراد، وهم أكثر أطراف العلاقة وضوحاً لأنّهم حقائق مادية فإنّهم أكثر من مجرّد وجود مادي. فللفرد حقوق وحريّات، ولذلك فلا وجود للفرد دون مجتمع يعترف بحقوقه وحريّاته.

وأمّا المجتمع، وهو ربّما أكثر أطراف العلاقة أهميّة وإلحاحاً، فإنّه يبدو أقل وضوحاً وأكثر هلامية. فالمجتمع ليس فقط مجموع الأفراد المكونين للجماعة، فهو يمتدّ إلى التاريخ وينصرف إلى المستقبل أيضاً. المجتمع حقيقة مادية ولكنه حقيقة تاريخية يعبر عن الأصالة ويفتح باب الأمل، والمجتمع أيضاً رسالة حضارية. وإذا كان هناك تمايز بين الفرد والمجتمع، فإنّه لا معنى لمجتمع دون أفراد أحرار وقادرين، فالمجتمع يجاوز الأفراد، ولكنه لا يستطيع التجاوز عنهم.

على أنّ المجتمع بالمفهوم السابق لا وجود له ولا فاعليّة دون تنظيم قانوني وقهر منظّم، وبعبارة أخرى دون سلطة سياسية. وهنا يجيء دور الدولة أو الطرف الثالث في العلاقة، فالدولة أو السلطة السياسية هي حلقة الوصل بين المجتمع ومصالحه والأفراد وحقوقهم. ولكن الدولة تتضمّن في الوقت نفسه أجهزة ومؤسّسات، ويمكن أن تترتّب عليها مصالح ومزايا فئويّة. ولذلك فإنّه من الخطر عدم التمييز بين الدولة والمجتمع، الدولة وسيلة المجتمع، ولكنّها بأجهزتها ومؤسّساتها تعرف وجوداً مستقلاًّ، وقد يكون معارضاً أو مناقضاً لمصالح المجتمع وحقوق الأفراد.

وإذا كان كلّ من الأفراد والدولة يظهرون في أشكال واضحة محدّدة، فإنّ التعبير عن المجتمع المدني يبدو أقلّ وضوحاً. ومع ذلك فإنّ هذا المجتمع يتمّ التعبير عنه من خلال العديد من الأشكال: الأسرة، والمسجد، والكنيسة، والصحافة، والجمعيّات الخيريّة، وصور التعبير الفنّي، وهكذا.

وهذه العناصر الثلاثة: الأفراد والدولة والمجتمع ضرورة لا غنى عنها، وينبغي تحقيق التوازن فيما بينها. ومن الضروري أيضاً الإعتراف بأنّ لكلّ منها مجالاً يجيد فيه وتبرز فيه قدراته الخلاّقة، فالدولة هي الأقدر في مباشرة السلطة أو القيام بأعمال السياسة بما فيها السياسات الإقتصادية، لكنّها ليست بالكفاءة نفسها في ممارسة الإقتصاد، وخصوصاً الإنتاج أو صيانة الأخلاق. وعلى العكس فإنّ الأفراد أكثر إحساساً بالمصالح المباشرة والخاصّة، وبالتالي بمعالجة أمور الإقتصاد، وبصفة عامّة لا يزدهر السوق دون قطاع خاص قويّ.

ومن ناحية ثالثة نجد أنّ المجتمع المدني بمظاهره كافة، هو الأمين الطبيعي على حماية القيم وصيانة الأخلاق. وهكذا فإنّ التوازن بين اعتبارات السياسة والإقتصاد والأخلاق يقتضي، بالضرورة، توازناً مقابلاً في الأدوار التي يقوم بها كلّ من الدولة والفرد والمجتمع، وبالتالي توازناً بين دولة قويّة، ونظام للسوق الكفوء، ومؤسّسات سليمة للنشاط الإجتماعي.

على أن استبعاد أو تقليص دور الدولة في الإنتاج لم يحل دون أن تظهر فكرة السلع العامّة (Public Goods)، وهي تشير إلى أشكال السلع والخدمات التي لا تصلح السوق لأدائها، إمّا لأنّها شائعة المنافع بحيث يصعب حرمان الآخرين من الإستفادة منها متى قدمت، أو لأنّ الإفادة منها من جانب الآخرين لا ترتّب تكلفة جديدة تُضاف إلى تكلفة إنتاجها. ويطلق على هاتين الخاصيتين على التوالي، عدم الإستئثار (Non-Exclusion Principle) وعدم المنافسة في الإستهلاك  (Non-Rivalry in Consumption). وقد توسّع دور الدولة بشكل كبير في توفير هذه السلع والخدمات في مجالات متعدّدة مثل التعليم والصحّة وشبكات الأمان الإجتماعي والبنية الأساسيّة، ماديّة أو مؤسّسية، فضلاً عن الوظائف التقليديّة في توفير الأمن والإستقرار، وتحقيق العدالة الإجتماعية، والدفاع عن حدود البلد، وتوفير نظام قانوني وقضائي عادل، وتحقيق استقرار نقدي ومالي سليم.

والجديد ليس فقط في التوسّع في فكرة السلع العامّة وإنّما في بزوغ هذه الفكرة على المستوى العالمي. فهناك حديث متزايد عن وجود خدمات ومصالح عامة تهمّ الإنسانية في مجموعها، ينبغي توفيرها لاستقرار النظام العالمي. ( ) مثل توفير السلام والأمن العالميّين وحماية البيئة ومحاربة الجريمة المنظّمة وتطويق الإرهاب الدولي، فضلاً عن ضمان سلامة النظام المالي الدولي واستقرار التجارة العالمية ونموّها. وهكذا لم تتوسّع فقط مسؤوليّات الدولة في الداخل، بل إنّ هناك مجالاً متزايداً للتعاون الدولي في قضايا ” السلع العامة ” الدولية. وبدأ الحديث عن مسؤولية دولية في حماية الحقوق الأساسية للأفراد، بحيث لم يعد الحديث قاصراً على سيادة الدولة، بل إنّ هناك حاجة للدفاع عن ” سيادة الفرد ” بتوفير حماية وضمان لحقوق الإنسان.

كذلك ينبغي التنبيه إلى أنّ دعوة اليبرالية الجديدة ليست فقط دعوة للدول المتقدّمة، بل إنّ قضايا التنمية ذاتها لا يمكن عزلها عن فكرة الحريّة. فالدعوة إلى الحريّة واحترام حقوق الإنسان ليس ترفاً تتمتّع به الدول المتقدّمة، في حين أنّه ينبغي على الدول النامية أن تؤجّل البحث فيه إلى حين وضع أسس التقدّم الإقتصادي، كما لو كان هناك تعارض أو تناقض بين التنمية والديموقراطية، أو في الأقل كما لو كان هناك تتابع بينهما بحيث تفضي مرحلة إلى المرحلة التالية. فالحقيقة أنّ مواجهة قضايا التنمية تتطلّب الإعتراف للفرد بحقوقه وتمكينه من المشاركة الجادّة والفعّالة في أمور حياته. وهناك حاجة إلى تمازج بين الحريّات الفرديّة والتنظيم الإجتماعي. وقد أصدر الإقتصادي الهندي أمارتيا سن (Amartya Sen)، الحائز جائزة نوبل في الإقتصاد، مؤلّفاً حديثاً عن ” التنمية كحريّة “، وهو عنوان يكشف عمّا يحتويه. فالحريّات والإصلاح السياسي عمل مكمل وداعم للإصلاح الإقتصادي، وللتنمية بشكل عام وليس معرقلاً لها( )، واقتصاد السوق لا يكتمل إلاّ مع الديموقراطية والحريّة السياسيّة.

القسم الثاني/النتائج المترتبة على ضعف الدولة العربية

أولاً – التفاعل غير المؤثّر مع وسائل الليبرالية الجديدة:

1- دور المنظمات:

باستثناء مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (CNUCED)، وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية (UNDP) تلعب المؤسّسات الدولية – الإقتصادية والمالية دور المشرع أو إذا صحّ التعبير المسهّل لأعمال الشركات الغير وطنية العابرة للحدود Transnationales ،يبرز هنا دور المنظمة الأوروبية للتعاون والتنمية ودور صندوق النقد الدولي فيعهد لهم الدور التنفيذي لسياسات الليبرالية الجديدة. أمّا منظمة التجارة الدولية فهي المنبر الذي من خلاله تُؤمن مصالح الشركات الغير وطنية.  إذا كانت منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية OCDE، تهدف إلى كتابة دستور الإقتصاد العالمي الجديد الموحد وتعمل بمثابة مشروع لما يُسمّى العولمة، فالمنظّمات الدولية المالية الأخرى كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومجموعة الدول الثامنية G8))  والغات التي تحلّ محلّها منظمة التجارة الدولية، هي بمثابة الذراع التنفيذي لتلك التشريعات.  هذه المنظمات تضغط على الدول النامية، مستغلّة حاجات الدول إلى القروض، لتشتري فيها حاجاتها الغذائية والتقنية الضرورية لبنيتها الإقتصادية، فتشترط هذه القروض تحوّلات في النظم الإقتصادية والهيكليّات الإنتاجية والتشريعات الضريبة المالية( ).

فتشدّد هذه المنظمات على رفع الدعم عن السلع الأساسيّة الضرورية وزيادة الرسوم الضريبية الأمر الذي يضع حكومات هذه الدول في مواجهة قاسية مع الطبقات الفقيرة ويعرض استقرارها.

إذ أنّ هدف هذه المؤسّسات هو توحيد الرؤيا الإقتصادية في العالم والإندماج الإقتصادي العالمي وذلك من خلال الحدّ من تدخّل الحكومات في الشؤون الإقتصادية ودعم مبدأ التبادل التجاري الحرّ وتسهيل حركة الإستثمار في البلدان النامية. ( )

كيف يتمّ ذلك ؟

1-1 الخصخصة:

يتمّ ذلك عن طريق الخصخصة، تخفيض مصروفات الدولة، الانفتاح، إلغاء التقنيين من أجل إطلاق كامل الحرية لفعل السوق.

الخصخصة تعني تحويل القطاع العام إلى قطاع خاص وتحوّل الدولة من كيان جيو- سياسي وإداري يضمّ مجموعة واسعة من المؤسّسات إلى كيان جيو إقتصادي / سياسي، لا تتراءى أجهزته أبداً، فهو جهاز سيطرة تتوزع مهامه التشريعية والتنفيذية في إطار العلاقات الدولية والإستراتيجيّات الإقتصادية والحفاظ على المصالح ليس العامة بل الخاصة للمؤسّسات فتتحوّل إلى مجرّد دوائر بوليسيّة وخفر سواحل بحريّة وهيئات استشارية وعسكرية ومالية ودبلوماسية عليا وهذه الخصخصة هي جزء من فلسفة (World Economic Forum) التي تعمل كحكومة عالمية مخفية وكشبكة عنكبوتية لها ارتباطاتها بدول وشركات كبرى وتخطّط سريعاً لإدخال اقتصاد العالم نحو الليبرالية الجديدة.  وهذه الـ Forum تضمّ حوالي 40 ألف من خيرة المختصّين الذين لا يمكن لأيّ طرف في العالم أن يتفوّق على برامجهم.

أمّا من أبرز العوامل الاستراتيجيّة التي كانت وراء ولادة نظام الخصخصة الإقتصادية:

غياب الإشتراكية – هيمنة الرأسمالية – التخلخل الإقتصادي لدول العالم الثالث( ).

1-2 تخفيض مصاريف الدولة:

بمعنى أنّ الحكومات لا ترهق برامج الخصخصة بأهداف اجتماعية مثالية أو واقعية على حدّ سواء كالضمان الإجتماعي، أو صناديق الدعم أو المساعدات الداخلية أو المنح الخاصة وما شابه ذلك إذ أنّ تطبيقات كهذه ستخفض لا محالة من أثر الفعاليات وهذه نقطة خلاف أساسيّة وارتكازية قد لا تتّفق ومبادئ وقيم عدّة في العالم.

1-3 الانفتاح:

الميزة الثالثة هي البيئة المنفتحة والتنافسيّة الحرّة من القيود والتنظيمات وبدون أيّة مشاكل من الدعم الحكومي أو إشكاليّات يثيرها الواقع الإجتماعي وهذه الميزة هي دعوة المراكز لنهب الأطراف وإبقاء الأخيرة مجرّدة من القيود والتنظيمات التي تحافظ على ما اكتسبته من علاقات إنتاجية أولاً وعلى ما تملكه من موارد وثروات طبيعيذة ثانياً.

1-4 إلغاء التقنيين:

أي على الحكومات أن لا تحاول تنمية القطاع الخاص عن طريق حماية المؤسّسات من المنافسة سواء كانت محلية أم أجنبية، أو عن طريق تقديم الدعم لها ونرى في هذه الدعوة تجديد للسياسات التي اتبعتها الشركات الاستثمارية المركزية الأوروبية إزاء الأطراف في نهاية القرن التاسع عشر وخصوصاً الشركات البريطانية والفرنسية إزاء الهند والصين ومصر وتونس وإيران والدولة العثمانية… وغيرها.  وبهذا تأتي النتائج مجحفة بحقّ البلدان النامية إذ أنّ توصيات هذه المؤسسات من تخفيف الأعباء الجمركية ورفع الفوائد على الإستثمار تعرض الإقتصادات النامية للانحسار وصناعاتها وزراعتها إلى مضاربة غير متكافأة خاصة أنّ الدول الصناعية تتّجه إلى الحماية والتكتّل بينما الديناميكية التفكّكية تعمل في بلدان العالم الثالث والثاني وأفريقيا. فبرنامج التصحيح الهيكلي للصندوق الدولي (Ajustement structurel) الذي بدأ عام 1987 يفتح المجال أمام البلدان المتخلّفة للإستدانة وفقاً لشروط قاسية تتعلّق بالسياسات الداخلية والخارجية حيث أجمعت معظم المنظمات غير الحكومية التي تعنى بالتنمية على إدانتها.  كما أنّ البلدان التي اعتمدت سياسة التصحيح الهيكلي تعرّضت لمشاكل عديدة: تراجع النمو، أو عدم التساوي في النمو كما أنّ الديون الخارجية للبلاد التي اعتمدت سياسة الصندوق تضاعفت من 82 % (en pourcentage du pnb) أعوام 1980-1985 إلى 154 % أعوام 1991-1995، تجدر الإشارة إلى أنّ تلك المعدلات كانت 56 % وأصبحت 76 % في البلدان التي لم تتبع سياسة التصحيح الهيكلي للصندوق الدولي( ).

أمّا منظمة التعاون والتنمية OCDE التي تضمّ 29 دولة صناعية أخصائيين واقتصاديّين ورجال أعمال فهي مؤسّسة متكتّمة وفعالة تهدف من خلال دراسات وأبحاث إلى توحيد وجهات النظر بين البلدان المشاركة والمتنافسة فيما بينها كما تهدف إلى إيجاد ايديولوجيا تجارية واحدة تتبعها جميع الدول المشاركة وتعمّمها بعد ذلك على البلدان النامية الطامحة للانخراط في الاقتصاد العالمي واستقطاب رؤوس الأموال من المبادئ التي تطالب المنظمة إعادة النظر فيها هي القوانين المتعلّقة بالعمل:

-المرونة في العمل.

-تخفيف القوانين التي تحمي العمّال وتؤمّن الاستقرار.

-إعادة النظر في مبادئ الحدّ الأدنى للأجور.

-الحدّ من مشاركة الدولة والمطالبة بالتخصصيّة( ).

المعاهدة المتعدّدة الأطراف حول الإستثمارAMI)) هي إحدى محاولات المنظمة إنّما باءت بالفشل إثر انسحاب فرنسا منها.

2- دور الشركات:

أحصت (CNUCED) مؤتمر الأمم المتحدة للإقتصاد والتنمية 37000 شركة عبر وطنية تعنى بالصناعات الإنتاجية في 1990 بعد أن كانت 7000 منذ 30 عاماً. كما أنّه من بين أكبر 100 وحدة اقتصادية في العالم يوجد 55 دولة و 45 شركة عبر وطنية.  تملك ثلث الموجودات الصناعية في العالم وتبادلها الداخلي يشكّل ثلث التجارة العالمية.  تضمّ تلك الشركات المصارف الدولية، شركات التأمين، الشركات التي تدير أموال واستثمارات أكبر 500 شركة في العالم وهذه الشركات تتحكّم بمدّ وجزر الأموال وهي من أهمّ عوامل العولمة. ساهمت في تحديد التبادل الثقافي (MTV, Butelsmann)، الإعلامي (CNN.BBC)، المعلومات، البضاعة والإستهلاك (Morris-Philip) والأموال (CHIPS) إذ أنّها تعنى بمواضيع متشعّبة من الكتب والطباعة إلى صناعة الأفلام إلى إدارة الأموال.  تتمركز هذه الشركات في أماكن محدّدة (فرنسا، اليابان، U.S.A، المملكة المتحدة، ألمانيا، جنوب أفريقيا، استراليا) وهي تستحوذ 80 % من مجموع الرساميل الموظفة في العالم( ).

ويقتصر توظيفها على 18 % في الدول الفقيرة و 20 % في أفريقيا، أمّا تركيبة هذه التوظيفات فهي على الشكل التالي:

42 % من التوظيفات هي في القطاعات الصناعية أمّا الباقي يتركّز في القطاعات الإستخراجية والتنفيذية والغير إنتاجية.

أمّا بالنسبة لاهتمام هذه الشركات في العالم الثالث يتمثّل في :

  • الحاجة إلى المواد الأوليّة والطاقة.

  • توفّر المعادن بنوعية وكميّة وافرة فالحديد الخام في بريطانيا وفرنسا ولوكسومبورغ يحتوي على 25 % فقط من الحديد بينما الخام في البرازيل وتشيلي يستخرج منه 60% من الحديد.

  • إنخفاض كلفة الشحن وتوفير كلفة نقل المواد الأوليّة من مكان وتصنيعها في مكان آخر.

  • اختراق أسواق العالم الثالث الكبيرة والتي كانت مغلقة.

  • الهروب من الضغوطات والرسوم العالية في البلدان المتقدّمة، إذ إنّ البلدان النامية تنعم: بتدنّي المعاشات، قلّة الإجازات، طول ساعات العمل الأسبوعية، تدنّي كلفة أرباب العمل، قلّة الحرية والحقوق النقابية بالإضافة إلى أنّ حاجة العالم الثالث لإستيراد التكنولوجيا الغربية واستقطاب الأموال من جرّاء تدنّي الإدخار الداخلي تدعو الحكومات إلى تقديم تسهيلات مالية وغضّ النظر عن التلوّث البيئي والأخطار الإيكولوجية التي تنتج عن تلك الصناعات( ).

أمّا ظواهر استغلال هذه الشركات للبلدان النامية تكمن في :

-التلاعب بالأرباح بهدف التهرّب من الضرائب.

-إعادة الأموال أو الأرباح إلى البلد الأم تفوق الإستثمارات في البلدان الفرعية وهي أكثر بكثير من الأموال المستثمرة أساساً. ففي السبعينات قامت U.S.A. باستثمار 25% من الأموال في العالم الثالث وهذا الإستثمار ولّد 40 % من المداخيل.

-استهلاك المواد الخام وتعريضها للشحوح.

-عدم نقل التكنولوجيا.

-تهديد السيادة الوطنيّة.

ففي بعض الحالات التي حاولت فيها البلاد السيطرة على الشركات حصلت أزمات سياسيّة مصدرها الشركات نفسها. ففي عام 1973 عندما تشيلي حاولت تأميم مناجم النحاس التي تسيطر عليها شركة ITT عملت تلك الشركة ضدّ رئيس البلاد وأدّت إلى إسقاطه.

في مسيرتها نحو الحداثة والتحديث تحتاج بلدان العالم الثالث إلى استيراد التكنولوجيا الغربية من خلال فتح أبواب الشركات العبر وطنية، كما أنها بحاجة إلى الإستثمار والأموال والقروض التي تأتي من المنظّمات المالية الدولية.

فبالرّغم من خلق فرص العمل وتأمين مداخيل مالية مستمرّة (حتّى ولو قليلة) للدول المضيفة، التبعيّة التي تحدثها تلك المنظّمات والشركات تطغى على حسناتها.

إنّما هذه التبعية لا تتوقّف فقط على دور تلك المنظّمات والشركات بل إنّ سياسة الهدر والفساد المتفشّية في النخبة في العالم الثالث هي أيضاً من الأسباب المولدة للتبعية ولعدم توزيع عادل للنمو في جميع فئات المجتمع( ).

كما أنّ التصنيع لم يعد أساس النمو إذ أنّ العلم، المال والتقنية تمثّل القوّة المؤثرة في الإنتاج وترتكز عليها القيمة المضافة (Soft Power) بينما قيمة الآلات والمعدّات (الرأسمال المادي) لم يعد يمثّل القوّة المؤثرة في قيمة السلعة النهائية  Hard Power.( )

فأصبحت البلدان النامية بمثابة العامل المصنّع لحساب المركز.

3- سياسات الليبرالية الجديدة:

3-1 السلاح الغذائي:

يحدّد بارنت وكافاناع آلية التحكّم الأميركي الإقتصادي – السياسي بدول الأطراف بالسلاح الغذائي.

إذ إنّ أميركا تحتكر الفائض الإنتاجي العالمي من الحبوب الضرورية، كما تسيطر على شركات وقنوات التوزيع. فتتولّى ستّ شركات عالمية فقط تصدير 95 بالمئة من فائض القمح الأميركي والطحين و 90 % من الشعير الكندي و 80 % من الطحين الأرجنتيني. الدول الفقيرة ليس لها القدرة على مزاحمة الإنتاج الزراعي الأميركي المدعوم والعالي الجودة. فبات اعتماد الدول الفقيرة على فائض المنتوج الزراعي الأميركي ضغطاً على قرارها السياسي وعبئاً اقتصادياً يزيد هيمنة الولايات المتحدة. هذه هي الحال في أغلبية بلاد أفريقيا وبعض دول آسيا وأميركا اللاتينية مثل بنغلادش، تايلاند، بوليفيا والمكسيك. ( )

3-2 السلاح التكنولوجي والبيوتكنولوجي:

الإحتكار الأهم هو احتكار التقنيّات. فالعالم الغربي يمتلك القدرة المالية لإنتاج الثقافة وتطوير العلوم في سياق تحديث شامل للمجتمع وليس الإقتصار على استيرادها عبر استقطاب الشركات المالكة للتكنولوجيا فحتّى ولو كان من الممكن استيراد التكنولوجيا وتوظيفها واستملاكها في الماضي، ذلك أصبح مستحيلاً إذ إنّ سرعة الإكتشافات والتسابق عليها تمنع البلدان النامية من استملاكها فتبقى بوضع التبعية للقوى المالكة لها (أساساً الشركات عبر وطنية). فالتنافس على المعلومات من قبل هذه الشركات حلّ محل التنافس على المزارع أو حقوق الفحم. الأغنياء في العالم باتوا أولئك الذين يملكون الأفكار والتكنولوجيا وأبرز مثال: ميكروسوفت واقتصاديات سنغافورة وهونغ كونغ. بالإضافة إلى أن تطوّر الهندسة الوراثية والتقنية الإحيائية تسهّل على الغرب إنتاج سلع زراعية ومواد أوليّة بديلة عن المنتوجات التي ترتكز عليها اقتصاديات بعض البلدان النامية فتكون التكنولوجيا أداة من أدوات تهميش دور البلدان النامية في الحلقة الإقتصادية كما تهدّد مئات ملايين العمّال والفلاّحين بالفقر والبطالة. -فمادة الأسيد كلوكوز الكيمائية حلّت مكان قصب السكّر الذي يعتاش من زراعته ملايين الفلاّحين في الدول النامية..

-إنتاج الفانيلا في المختبرات سيحيل شعب مداغشقر إلى التقاعد.

-حبوب الصويا التي تمّ تطويرها بالهندسة الجينيّة تهدّد تصدير زيت جوز الهند في الفيليبين.

-كما أنّ تطوير المطّاط الإصطناعي سيفقد 16 مليون مزراع في ماليزيا وأندونيسيا عملهم.

3-3 الحاكمية الصالحة (Good Governance):

نظراً لإستقرار مبادئ السيادة لكلّ دولة وضرورة ” عدم التدخّل في شؤونها الداخلية “، أثارت سياسات التنمية الإقتصادية في عدد من الدول النامية قضايا متعلّقة بسلامة الحكم ونزاهته. فقد وجد العديد من مؤسّسات التمويل الدولية صعوبة في التوفيق بين احترام هذه المبادئ المستقرّة والحاجة إلى توجيه النظر إلى أهمية سلامة أساليب الحكم. وكما في كثير من الأحوال، فقد كان سك لفظ جديد مخرجاً لهذه الصعوبة، بحيث وجدت هذه المؤسّسات الدولية مجالاً لإثارة هذه القضايا دون أن تهتمّ بالتدخّل في الشؤون الداخلية وخصوصاً في نظم الحكم. وقد وجد المسؤولون أنّ تعبير الحكم الصالح مناسب لهذا الغرض، فهو لا يشير صراحة إلى الحكومات (Goverments)، كما أنّه يستخدم في اللغة الإنجليزية تعبيراً مستعاراً من الفرنسية، وهو يعني في أصله اللاتيني ” أسلوب إدارة وتوجيه السفينة “. وقد ساعدت جدّة الإصطلاح وغموضه على استخدامه في أماكن متعدّدة. وكانت هذه الخاصية ميزة أكثر منها عيباً، حيث تمكّنت المنظّمات الدولية في الإختفاء وراءه لطرح العديد من القضايا الحسّاسة، مثل الفساد والديمقراطية والمشاركة وحقوق الإنسان. وقد عرف البنك الدولي فكرة الحكم أو الإدارة بهذا المعنى بأنّها ” الطريقة التي تباشر بها السلطة في إدارة موارد الدولة الإقتصادية والإجتماعية بهدف تحقيق التنمية “. ومن الواضح أنّ هذا المفهوم يتّسع لأجهزة الحكومة كما يشمل غيرها من المؤسّسات المحلية ومنظمات المجتمع المدني (الجمعيات الأهلية) وإدارة المشروعات. ويثير هذا المفهوم أهميّة قواعد السلوك، وشكل المؤسّسات، وأساليب العمل المرعيّة بما تتضمّنه من حوافز أو روادع للسلوك. كما أنّ مفهوم الحكم الصالح يتضمّن الإشارة إلى مفاهيم الشفافية (Transparency) والمسؤولية (Accountability) ودولة القانون (Role of Law) والمشاركة (Participation) واللامركزية (Decentralisation) والتنسيق (Coordination).

ومن الواضح أنّ مفهوم الحكم الصالح على هذا النحو يتسق مع الإتجاهات الأخرى السائدة من حيث غلبة مفهوم اقتصاد السوق واستعادة دور الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان. فهذه الأفكار تمثّل كلاً متكاملاً يمثّل نوعاً من الأيديولوجيا الجديدة التي تتكاثف المؤسّسات الدولية والنظام الإقتصادي الدولي في الدعوة إليها.

3-4 الإصلاح الهيكلي وتقلّص دور دولة الرعاية:

كان دور الدولة الإقتصادي قد أصبح محل مناقشة في الدول الصناعية عندما توسّعت دولة الرفاهية (Welfare state) التي قامت في معظم الدول الصناعية بعد الحرب العالمية الثانية. وقد بدأت منذ السبعينيات بوادر الوهن الإقتصادي في معظم هذه الدول. وقام تيّار فكري محافظ ينسب هذا الوهن إلى التوسّع في دور الدولة في الحياة الإقتصادية. وجاء نجاح حكومة تاتشر (Margaret Thatcher) في بريطانيا في 1979، ثم انتخاب ريجان (Ronald Reagan) في الولايات المتحدة الأميركية في 1980، تأييداً لهذا التيّار الذي يرغب في حكومة أصغر. وهنا قامت حركة عكسيّة للتأميمات التي نمت في معظم الدول الصناعية بعد الحرب، وتقضي ببيع القطاع العام في السوق، وهو ما عرف بإسم ” التخصيصيّة ” (Privatization). وجاءت مشاكل كلّ الدول الإشتراكية وخاصةً في السنوات الأخيرة للثمانينيات فدعمت هذا الإتجاه. وبذلك تكاتفت الظروف نحو الأخذ بأيديولوجية جديدة في السياسات الإقتصادية والتي امتدّ تطبيقها إلى الدول النامية.  يتطلّب تطبيقها ليس فقط تحقيق التوزن المالي والنقدي في الكميات الإقتصادية الكليّة  (Macro economy)، بل تجاوز ذلك إلى ما يُسمّى بالإصلاح الهيكلي (Structural Reform)، والذي يتطلّب التحوّل إلى اقتصاد السوق، والأخذ بالتخصيصيّة وبيع القطاع العام، وخلق المناخ الإستثماري المناسب، سواء للمستثمر الوطني أو الأجنبي. وهكذا لم تلبث سياسات التنمية في معظم الدول النامية أن أخذت منذ الثمانينيات، وبوجه خاص في التسعينيات، بهذا التوجّه الجديد نحو تقليص دور الدولة في الإقتصاد، وبالتالي دور دولة الرعاية، والإعتماد على مؤشّرات السوق وتقليص الضرائب على الأموال والإستثمارات والإتجاه نحو التصدير، وتشجيع الإستثمارات الخاصة، وطنية وأجنبية، وتخفيض القيود والإجراءات الكمية على النشاط الإقتصادي.  وبشكل عام اتجهت السياسات الإقتصادية إلى معاملة الدول النامية معاملة قريبة من الدول المتقدّمة، والتخلّي عن المقولات التي ترى أنّ أوضاع الدول النامية تتطلّب معاملة خاصة: حماية الصناعة الوليدة، فرض قيود على النشاط الإقتصادي، دوراً أكبر للدولة في الإنتاج. كلّ هذا بدأ يتوارى، وأصبحت السياسات المعتمدة تميل إلى الأخذ بسياسة اقتصادية مفتوحة تكاد لا تميّز بين دول متقدّمة وأخرى نامية وسرعان ما انعكس ذلك على الإتفاقات الدولية التي بدأت تميل إلى إلغاء المعاملة المتميّزة للدول النامية وإخضاعها للمبادئ نفسها التي تحكم الدول الصناعية المتقدّمة باستثناء إعطائها فترات سماح لمدّة أطول تدير فيها أمورها.

4تراجع معونات التنمية:

في مطلع الخمسينيات من القرن العشرين بدأ الإهتمام العالمي بالتمويل الخارجي للتنمية، وبشكل خاص معونات التنمية، ولم يكن هذا الإهتمام بهذا الموضوع منفصلاً عن التطوّرات العالمية السائدة حينذاك، وما أفضت إليه من تغييرات جذرية في ميزان قوى السياسية للعالم. فمع تصفية الإستعمار وإعلان استقلال معظم المستعمرات في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات، واشتعال المنافسة الإيديولوجية بين المعسكرين الرأسمالي والإشتراكي ومحاولتهما كسب هذه الشعوب إلى صفّهما، احتلّت قضيّة المعونات الدولية مكاناً مهمّاً في الديبلوماسية الدولية للدول المتقدّمة، وفي المؤسّسات الإقتصادية الدولية. وفي خلال الفترة التالية بدأت الصورة تتغيّر، خصوصاً بعد أفول النظام الإشتراكي، وتراجع دول المنظومة الإشتراكية وتخليها عن دورها في المواجهة الدولية. كذلك تأثّرت الدعوة إلى دعم المعونات الدولية للتنمية بما حلّ بقضيّة التنمية نفسها من أزمة ثقة، ظهرت فيما تكشَّف من إهدار للثروات في العديد من الدول النامية، وتفشّي صور الفساد في عدد غير قليل منها، فضلاً عن فشل سياسات التنمية القائمة على فكرة الإنكفاء على الداخل (Inward Looking policies)، وفرض الحماية الجمركية على الصناعة الوطنية، وإنتهاج سياسة إحلال الواردات. وصاحب هذه التطوّرات ما لحق معظم الدول الصناعية من الدعوة إلى تقليص دور الدولة الإقتصادي وتحجيم العجز في الموازنات، وبالتالي تقليص موازنات المعونات الحكومية للدول النامية أو لمؤسّسات التمويل الدولية. وكان المفروض بعد الدعوة إلى الإعتماد على القطاع الخاص أن يقوم هذا القطاع من خلال رأس المال الخاص بدوره في المساعدة على توفير أنواع التمويل للدول النامية. وقد أثبتت التجربة أنّ رأس المال الخاص قليل الحساسية بقضايا التنمية، وإنّ انتقال هذه الأموال إلى الدول النامية كان في الغالب للدول الأكثر نموّاً، مثل دول جنوب شرق آسيا أو لدول أميركا اللاتينيّة، وكان استجابة لغرض الربح أكثر منه وفاء باحتياجات التنمية في الدول الأقل نموّاً. بل إنّ هذه الأموال كثيراً ما ذهبت إلى مجموعة الدول النامية الأكثر حظاً لكي تتركها عند أول أزمة ثقة، كما حدث في الأزمات المالية التي عرفتها دول أميركا اللاتينية (1994)، ثمّ دول جنوب شرق آسيا (1997). وبذلك كانت انتقالات رؤوس الأموال إليها مظهراً من مظاهر عدم الإستقرار المالي أكثر منها شكلاً من أشكال تمويل التنمية. ويمثل هذا التراجع في معونات التنمية الدولية خطراً على استقرار الأوضاع الإقتصادية العالمية. ويكفي أن نشير إلى أنّ ما عرف بالمساعدات الإنمائية الرسمية (Official Development Assistance)، قد انخفضت قيمة تدفقاتها الصافية فيما بين العامين 1990 و 1997 بنحو 5 مليارات دولار، وانخفضت نسبة هذه المساعدات إلى الناتج الصافي من منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية OECD، من متوسط 0.33 في المائة العام 1986 إلى 0.22 في المائة العام 1997، إلى 0.11 في المائة العام 2007.

5تحرير التجارة:

في أعقاب اعلان نتائج أورغواي إنطباعان أخذا في الشيوع: أولهما أن النظام الجديد للتجارة العالمية ينطوي على إطلاق حرية التجارة على الصعيد الدولي واحترام المنافسة الكاملة في كل قطاعات التجارة العالمية وإنهاء كل الممارسات التجارية المعتمدة على دعم الصادرات أو الحماية من منافسة الواردات.

وثانيهما، أن نتائج جولة أورغواي سوف تضع حدّاً لعهود الفرضى في العلاقات التجارية بين دول العالم ويبدأ عهد جديد أساسه المبادئ وسيادة القانون، لا القوة والمصالح.( )  وصاحب هذين الإنطباعين شعور قوي بالقلق بشأن المستقبل وخصوصاً من جانب الدول النامية التي لا زالت تمثل الطرف الأضعف في النظام الإقتصادي العالمي وخصوصاً بعد تصميم USA الولايات المتحدة والدول الأوروبية على إضافة ما صار يعرف بالقضايا الجديدة إلى جدول مفاوضات أورغواي وهي تجارة الخدمات والقضايا التجارية المتعلقة بكل من الإستثمار وحقوق الملكية الفكرية، إن الواقع وراء ادخال هذه القضايا في المفاوضات لم يكن فقط فتح المزيد من الاسواق امام الشركات الغير وطنية ومنتجات الدول الصناعية بوجه عام، بل كان أيضاً اعادة تشكيل هياكل الإنتاج على النطاق العالمي فمن خلال تمتّع رأس المال الأجنبي بمزايا أكبر في مجالات الإستثمار والملكية الفردية والخدمات، سوف تتحقق له القدرة على مواصلة احتكاره المعرفة والتقانة، ومن ثمّ القدرة على تعديل هياكل الإنتاج وتعديل تقسيم العمل على النطاق الدولي على النحو الذي يعزّز قدرة الاقوياء (الدول الصناعية) ويحدّ من قدرة الضعفاء على النمو (الدول النامية) ويزيد من فرص استغلالهم.( ) ذلك أن من أغراض مد مظلة الغات لتشمل الملكية الفكرية، ابقاء الدول النامية فقيرة تقانياً وتابعة للدول الصناعية في المجال التقاني، مع الحيلولة دون ظهور منافسين في هذا المجال من الدول النامية. كما أن من أغراض تغطية الغات للاستثمار الأجنبي إفساح المجال أمام الشركات غير الوطنية من أجل توسيع نطاق عملها وعملياتها في العالم الثالث وإقامة عمليات متكاملة مع عملياتها الإنتاجية والتوزيعيّة، وهذا ما يتطلب إزالة القيود التي تضعها الدول النامية على الشركات الأجنبية من أجل أن تكون عملياتها في الدول النامية مترابطة مع القطاعات المحلية لتلك الدولة حتى تتولد قوة دفع أكبر للتنمية فيها، لذلك كانت هناك معارضة شديدة من جانب الدول النامية لإدراج قضايا الإستثمار والملكية الفكرية والخدمات في مفاوضات جولة أورغواي. إن اطلاق حرية التجارة في ظل تقسيم العمل الدولي الراهن وفي ظل تخلّف الدول النامية لن تكون له نتيجة، استناداً الى نظرية الميزة النسبية، سوى استمرار الدول النامية في انتاج المواد الأولية وحرمانها من الدخول الى عالم التصنيع. فالمنافسة مع انعدام التكافؤ في القوة الاقتصادية والقدرة التنافسية نتيجتها محسومة سلفاً وهي البقاء للاقوى الذي رسخت قدمه في ميدان الصناعة. بالاضافة الى أن المعاملة المتميزة للدول النامية التي اشتمل عليها الغات( ) قد تأتي من جانب الدول الصناعية ليس عن اقتناع ورضى بل من قبيل الحل الوسط مع الميل الى عدم الإلتزام بشيء.

والدليل على ذلك هو استمرار الدول الصناعية في إغلاق أسواقها أمام الكثير من صادرات الدول النامية وعدم تقديم تخفيضات ذات بال على منتجات هذه الدول. كما سعت الدول الصناعية الى حماية أسواقها وتعزيز مصالحها التجارية من خلال اقامة شكل أو آخر من أشكال التجمّعات التجارية كمناطق التجارة الحرّة والإتحادات الجمركية مفرطة في استخدام المادة 24 (الدول الصناعية التي تعلن تمسكها بإيديولوجية التجارة الحرّة كان يتوقع منها أن تعدل من استخدام المادة 24 أو على الأقل لا تكثر من استخدامها.) فأقامت الولايات المتحدة USA مناطق تجارية مع كندا وإسرائيل ودول الكاريبي والمكسيك وقد بلورت ما يعرف باتفاقية NAFTA أي منطقة التجارة الحرة لشمال أميركا التي تضم USA وكندا والمكسيك والتي تكونت في أول كانون الثاني 1994. كما سعت USA الى توثيق علاقاتها مع اليابان وأستراليا والصين والدول الصناعية الجديدة في آسيا وبعض دول أميركا الجنوبية من خلال اقامة منتدى التعاون الإقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (Apec) وقد اتفق على أن تقيم الدول الأعضاء في هذا المنتدى منطقة تجارة حرّة بحلول العام 2010.

ومن جهة اخرى ثمة نية لتوسيع نطاق ” النافتا ” لتشمل نصف الكرة الأرضية الغربي (أي الأميركيون) طبقاً للتفاهم الذي تم في كانون الأول 1994 بين USA و 23 دولة من دول هذه المنطقة. وكما هو معروف فإن هناك تجمعين كبيرين في اوروبا هما الاتحاد الأوروبي ومنظمة التجارة الحرة الأوروبية (EFTA)( ) كما يوجد في آسيا التجمع المعروف بـAsian وهو يضم عدداً من الدول الصناعية الجديدة مثل سنغافورة وأندونيسيا وماليزيا والفيليبين وتايلاند وبروناي. يتّضح مما تقدّم أن الدول الصناعية الكبرى لا تعبأ بمبادئ الغات وقواعدها اذا لم تحقق لها مصالحها التجارية وكثيراً ما تتجه الى التحايل على هذه المبادئ والقواعد أو مخالفتها من أجل وضع العراقيل أمام المنتجين المصدرين ذوي التكاليف المنخفضة وغلق اسواقها أمامهم (على النقيض مما توصي به النظرية الاقتصادية للميزة النسبية) كما أنها تضرب عرض الحائط بمبدأ التعددية الذي تسعى الغات الى تكريسه، وتلجأ الى التكتلات الاقليمية والى الاتفاقات الثنائية أو حتى التصرفات الانفرادية لتحقيق مآربها.

كما أن المشكلات الحمائية الكبرى في التجارة الدولية انما ترجع الى الدول الصناعية الكبرى واصرارها على حماية مصالحها التجارية من المنافسة الأجنبية.( ) مثلاً: الحماية التي تطبقها اليابان والسوق الأوروبية ودول منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية على منتجاتها الزراعية، ففي ما يتعلق باليابان التي تطبق نظاماً لدعم أسعار السلع الزراعية لصالح المنتجين والتي تقيد استيراد المنتجات الزراعية وخصوصاً الأرز الذي يكاد استيراده يكون ممنوعاً. كان السعر المحلي يمثل حوالي ثمانية اضعاف السعر العالمي في حالة القمح، وحوالى سبعة اضعاف في حالة الأرز وحوالى خمسة أضعاف في حالة السكر. أما في الاتحاد الأوروبي، فإن تكلفة الدعم الزراعي قد بلغت 133 بليون دولار في سنة 1990 أي حوالى 2.2% من الناتج المحلي الاجمالي وعموماً فإن تكلفة الدعم الزراعي في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تبلغ حوالي 2% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما لا يمثل الناتج المحلي في قطاع الزراعة في هذه الدول مجتمعة سوى 3% من ناتجها الاجمالي. إن الكبار والأغنياء من أعضاء منظمة التجارة العالمية يتمتعون بوضع خاص لا ينبع من نصوص الاتفاقات الدولية بقدر ما ينبع مما يتمتعون به من قوة عظيمة ونفوذ كبير في النظام التجاري الدولي وهذا الوضع الخاص يجعلهم يحوزون فرصاً كبيرة لتحديد ما يرونه من قرارات. كما يضع في حوزتهم “حق فيتو” ضمني لإعاقة أي قرار لا يتمتع بموافقتهم.

فالمساواة القانونية بين الدول النامية والدول الغنية المقررة في المواثيق والإتفاقات الدولية ليست لها قيمة كبيرة ما دامت موازين القوى الاقتصادية مختلة في الواقع لصالح الأغنياء والكبار في النظام التجاري الدولي. والقواعد الجديدة لهذا النظام ستكون فاعلة فقط بمقدار ما تريد القوى الاقتصادية الكبرى في العالم.

فعلى سبيل المثال، قدمت الهند، وفقاً لما ذكره ممثل المفاوضات تخفيضات جمركية على وارداتها من السلع الصناعية غير الاستهلاكية تصل الى 55% وفي المقابل لم يقدم الاتحاد الأوروبي تخفيضات أكثر من 22% كما لم تقدم الولايات المتحدة أكثر من 18% على الصادرات الهندية.

قدمت الهند أكثر مما حصلت عليه من الدول الصناعية لذلك لم يكن غريباً أن يحتج اعضاء البرلمان الهندي على حكومتهم لقبولها صفقة اورغواي.( ) وهذا ما أكده بعض المراقبين في الدول الراسمالية ذاتها، فقد ذكرت الايكونوميست في معرض تعليقها على الاتفاقات الجديدة أن الاتجاهات الحمائية في اوروبا واميركا التي جعلت مفاوضات الغات تمتد الى سبع سنوات. وهناك من الأسباب ما يدعو الى توقع استمرار هذا التوجه للحمائية في التنامي في الدول الصناعية، ومن ثم فإن ما تبشر به الاتفاقات الجديدة من تحرير أكبر للتجارة ينبغي الا يعتبر مسلماً به. كما تحفظت واشنطن بوست في تعليقها على الاتفاقات، وحذرت من أن هذه الاتفاقات لا تؤذن ببدء عصر جديد تسوده التجارة الحرة على الصعيد العالمي وشددت على أن معظم نصوص هذه الاتفاقات لا يخرج عن كونه تحسينات إضافية لقواعد التجارة الدولية القائمة حالياً.( )

بينما اعتبرت حكومات الدول الصناعية ودوائرها الاقتصادية والصحفية نتائج الجولة من قبيل الانتصار وأنها تؤذن بنمو التجارة وزيادة فرص العمل.  كانت تعليقات الدول النامية تدور حول الحاجة الى دراسة النتائج بعمق، أن لم يكن التحفظ والقلق بشأنها، أو التعبير عن أنه لا يمكن الانعزال عن العالم أو الوصول الى نتائج افضل مما تم الوصول اليه. ان غالبية التخفيضات في التعريفات الجمركية التي قامت بها الدول الصناعية قد تمت في الاجتماعات الجانبية المغلقة للمجموعة الرباعية (Quad) التي تضم الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وكندا واليابان وخصوصاً بالنسبة الى السلع التي لا تنتج منها الدول النامية نسباً كبيرة مثلاً: الاتفاقية الخاصة بالزراعة لم يكن من الممكن مناقشتها أو التعديل في أي بند منها من جانب الدول النامية وأنها تمت بين الولايات المتحدة واوروبا قبل ستة أيام من الاتفاقية ولم يكن من الممكن تغيير كلمة منها. فهل هذه عمولة أم هيمنة جديدة؟

للإجابة على هذه التحديات توجهت الدول الى إتخاذ تدابير إقليمية، فهل يتم لجوء الدولة الى تنظيمات إقليمية لمواجهة العولمة؟.

6- الاقليمية في مواجهة العولمة؟

لقد عمدت الدول الى إتخاذ تدابير إحتياطية لمواجهة أخطار العولمة ومن بين هذه التدابير الإنخراط في تكتلات إقليمية للعمل على تفعيل الدور الإقتصادي لهذه الدول، فالإتجاه نحو العولمة أو العالمية دفع الدول الى أن تتخذ التدابير الإقليمية على رغم أنّ هناك إتجاهاً متزايداً نحو إزالة القيود والحواجز بين مختلف الدول فإنّ ذلك لم يمنع من وجود أواصر علاقات متميّزة وخصائص مشتركة بين مجموعات من الدول بحيث تربط بينها وشائج خاصة. بل لعلّه يمكن القول إنّ الإتجاه نحو العالمية لا يتمّ قفزاً على الإقليمية بقدر ما يتحقّق من خلال ترتيبات إقليمية تساعد على مزيد من الاندماج، وغالباً مزيد من الازدهار، فيما بين عدد من التجمّعات الإقليمية، وربما يساعد على مزيد من التقارب الإقتصادي العالمي. فالتقارب الإقليمي يمثّل خطوة أو حلقة في التقارب العالمي. ويمكن القول بصفة عامة إنّ التقدّم الإقتصادي العالمي يتمّ على شكل موجات، تأخذ كلّ موجة منطقة إقتصادية (Economic Space) إلى درجة أعلى في سلّم التقدّم. ويكفي في هذا الصدد أن نلقي نظرة على تطوّر ما أطلق عليه ” الدول النامية ” منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتّى نهاية القرن. فقد أشرنا إلى أنّ مفهوم التنمية قد اكتسب مكانة بعد الحرب العالمية الثانية. وفي ذلك الوقت كان الحديث عن شعوب الدول الفقيرة أو المتأخّرة سواء أكانت من آسيا أم أفريقيا أم في أمريكا اللاتينية. وفي خلال الخمسين سنة التالية بدأ التمايز يظهر بين مجموعة هذه الدول الفقيرة. فدول جنوب شرق آسيا شقّت الطريق، وقطعت شوطاً كبيراً في التصنيع وفي كسب أسواق مهمّة للصادرات، بحيث أصبحت تُعرف باسم ” الإقتصاديّات الصناعية الجديدة ” (New Industrialized Economies)، كما سميت أحياناً ” بالنمور الآسيويّة ” حيث حقّقت لفترة تقترب من ثلاثة عقود معدّلات عالية من النمو الإقتصادي تجاوزت 10 في المائة سنوياً. وعلى رغم ما حلّ بها في صيف 1997 من أزمة مالية طاحنة، فإنّها تمثّل مجموعة من الدول التي استطاعت أن تخرج من فئة الدول النامية إلى مرحلة متقدّمة من التقدّم الإقتصادي. والملاحظ هنا هو أنّ هذا التطور، لم يصب دول بعينها بقدر ما كان تطوراً إقليمياً أصاب منطقة إقتصادية بعينها. وبالمثل، فإنّ دول أمريكا اللاتينية التي حقّقت هي الأخرى معدّلات معقولة من النمو الإقتصادي قد عانت مجتمعة من تقلّبات اقتصادية مشابهة، فقد عرفت هذه الدول، في مجموعها، أشكالاً من التضخّم الشديد (Hyper Inflation) الذي جاوز في كثير من الأحوال ثلاث أرقام سنوياً في الثمانينيات. وعندما التجأت هذه الدول إلى الإستدانة من الخارج، فإنّها، في مجموعها، وقعت تحت عبء المديونية الخارجية على نحو متقارب. وأخيراً عندما عمدت إلى الأخذ بسياسات الإصلاح الإقتصادي وتحرير اقتصاداتها الوطنية فإنّها اتخذت هذا المنحى في وقت متقارب، وبما يسهل معه القول أنّ مشاكل دول أميركا اللاتينية كانت متماثلة. أمّا أفريقيا جنوب الصحراء، فهي أيضاً عرفت – بشكل عام – تدهوراً في أوضاعها الإقتصادية وتراجعاً في معدّلات نموّها، حيث ساد نمط متشابه من الإدارة الإقتصادية الذي غلب عليه الفساد وانعدام الكفاءة، فضلاً عن انغماس معظم دولها في نزاعات قبليّة أو عرقية.

وهكذا يتّضح أنّه على رغم تطوّر الإقتصاد العالمي واتجاهه نحو مزيد من التقارب والتداخل، فقط كان التطوّر الإقليمي أكثر وضوحاً في هذه المسيرة العامّة للتطوّر العالمي. على أنّنا حينما نتحدّث عن التدابير الإقليمية، فإنّنا لا نقتصر على الإشارة إلى هذه الموجات الإقليمية لمسار التطوّر العالمي، وإنّما نشير بوجه خاص إلى ما أخذت به المجموعات الإقليمية المختلفة من تدابير واعية للتنسيق والتكامل فيما بينها. وقد تحقّق ذلك في جميع مناطق العالم. فلم تكد تخلو منطقة أو إقليم من وضع تدابير خاصة للتعاون الإقتصادي فيما بينها. وقد تأخذ هذه التدابير شكلاً مؤسّسياً وشكلياً في شكل معاهدات، أو في شكل ترتيبات خاصة أكثر مرونة وإن لم تكن بالضرورة أقلّ فاعليّة. ولعلّ أنجح وأظهر هذه التدابير الإقليميّة هي السوق الأوروبية المشتركة التي تحوّلت إلى الإتحاد الأوروبي. ولكن ذلك لا ينفي تعدّد التدابير الأخرى، مثل الكوميكون لدول شرق أوروبا قبل سقوط الإتحاد السوفييتي، ومنطقة التجارة الحرة لأميركا الشمالية المعروفة بالنافتا، فضلاً عن التدابير الإقليمية الأخرى في دول أمريكا اللاتينية أو مجموعة الآسيان، أو التدابير الإقليمية في أفريقيا أو بعض أقاليمها، جنوب أفريقيا، أو المجموعة العربية.  وليس هنا مجال مناقشة هذه التدابير الإقليمية بشكل مفصّل، لكن يكفي أن نتعرّض بإيجاز لتجربتين قد تكون لهما دلالة خاصة، الأولى هي التجربة الأوروبية والثانية هي التجربة العربية. الأولى لأنّها بلا شكّ أهم وأنجح تجارب التعاون الإقليمي، والثانية لأنّها متعلّقة بمنطقتنا وبالتالي وثيقة الصلة بنا.

6-1 التعاون الإقتصادي الأوروبي

إثر إنتهاء الحرب العالمية الثانية بدأ التفكير في توثيق التعاون الإقتصادي الأوروبي، وساعد على ذلك عوامل عدّة ارتبطت بتجربة الحرب العالمية وما ترتّب عليها من آثار انعكست على القارة الأوروبية. فقد كانت القضيّة الأولى التي واجهت الدول الأوروبية هي إعادة تعمير أوروبا المحطّمة في الحرب، وهي مشكلة عامّة واجهت جميع الدول الأوروبية واحتلّت الأولويّة القصوى لها جميعاً. وقد رأينا أنّ إعادة التعمير قد اتخذت شكلاً جماعياً مع مشروع مارشال الأمريكي. وكانت هذه أوّل تجربة للعمل المشترك فيما بين الدول الأوروبية. وقد سبق أن أشرنا إلى أنّ الولايات المتحدة الأمريكية قد عمدت إلى دفع أوروبا في هذا الإتجاه رغبة في احتواء الخطر الشيوعي من ناحية، وفي تدعيم اتجاهات تحرير الإقتصاد وعدم الانكفاء على سياسات التقييد والحماية من ناحية أخرى. كذلك وجد عدد من المفكّرين ذوي الرؤية التاريخية، الذين اعتقدوا أنّ مستقبل السلام في أوروبا مرهون بتحقيق مصالحة تاريخية بين أعداء الأمس، خصوصاً فرنسا وألمانيا، والعمل على خلق مصالح اقتصادية تربط بين دول أوروبا التي فرقتها الأطماع السياسيّة.  ويعتبر جان مونيه (Jean Moniet) وهو الأب الروحي للدعوة إلى وحدة أوروبا على أساس التعاون الإقتصادي. وكان مونيه يعتقد أنّه من دون خلق مصالح اقتصادية متبادلة فإنّه لا وجود لأوروبا. وينسب إليه القول: ” إنّه لا يوجد شيء اسمه أوروبا، وإنّه لا بدّ من إنشائها وبنائها”،( ) ومن هنا كانت الدعوة إلى إنشاء ” الولايات المتحدة الأوروبية “. وإلى جانب تجربة مشروع مارشال، الذي يمكن أن يمثّل أول تجربة للتعاون الإقتصادي الأوروبي بعد الحرب، عمدت ثلاث دول أوروبية صغيرة هي هولندا وبلجيكا ولوكسمبورج إلى إنشاء إتحاد جمركي اعتباراً من 1948 فيما سمّى بالبينيلوكس (Benelux). وجاءت دعوة جان مونيه لإنشاء الإتحاد الأوروبي للفحم والصلب European Coal and Steal Community في 1950، خطوة أولى وأساسيّة على طريق التعاون الإقتصادي الأوروبي. فقد واجهت أوروبا في ذلك مشكلة الإفراط في الإنتاج في صناعات الفحم والصلب، وكان من الضروري العمل على تنسيق السياسات دون الوقوع في سياسات المنافسة القاتلة. وقد عرف وقتها بمشروع شومان، وزير خارجية فرنسا آنذاك، حيث تمّ تأسيس هذا الإتحاد الأوروبي للفحم والصلب وعهد بإدارته إلى سلطة عليا تختار من شخصيّات مرموقة ومعروفة باستقلالها، كما أنشئت هيئة استشارية من الصناعيّين، والنقابات العمالية والمستهلكين للاشراف على هذه السلطة. وبذلك بدا أنّ سلطة فوق الدول Supra National تدير أحد أهم المرافق الإقتصادية الأوروبية. وكانت منظمة التعاون الإقتصادي الأوروبي Organization for European Economic Cooperation (OEEC) قد قامت بتنظيم التعامل مع السلطات الأميركية إزاء تنفيذ مشروع مارشال، ممّا ساعد على إنشاء منبر للتنسيق والحوار بين الدول الأوروبية في المسائل الإقتصادية. وفي 1956 شكّلت لجنة عرفت باسم لجنة سباك Spaak Committee، نسبة إلى وزير خارجية بلجيكا الذي يرأسها، وقدمت تقريرها في 1956 لمجموعة من ست دول أوروبية هي ألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وبلجيكا، وهولندا، ولوكسمبورج، للنظر في تدعيم التعاون الإقتصادي الأوروبي. وكان هذا التقرير هو أساس معاهدة روما التي وقعت في 1957، والتي أنشأت ما عرف بالإقتصاد الأوروبي European Economic Community (EEC) والتي اشتهرت باسم السوق الأوروبية المشتركة (European Common Market). وقد يكون من المفيد الإشارة إلى أنّ اشتراك هذه الدول الأوروبية الست في هذا التجمّع لم يرجع فقط إلى تقارب أوضاعها الإقتصادية، بقدر ما كان تعبيراً عن رغبتها في التعاون ومشاركتها في القيم المشتركة للديموقراطية واحترام حقوق الإنسان. وقد كانت إيطاليا في ذلك أدنى من حيث النمو الإقتصادي فضلاً عمّا عرفه الجنوب الإيطالي من تخلّف واضح بالنسبة لبقيّة الشركاء الأوروبييّن. ومن هنا كانت اعتبارات القيم السياسية المشتركة أكثر وضوحاً من مجرّد التقارب الإقتصادي. ولهذه الأسباب لم يكن من الممكن قبول دول تخضع لنظم سياسية مختلفة مثل اليونان وإسبانيا والبرتغال، التي كانت تخضع لأشكال من الحكم العسكري أو الشمولي. أمّا إنجلترا فلم تُدع بالنظر إلى تحفّظاتها على فكرة جماعة دولية تعلو على سيادات الدول الوطنية، فضلاً عمّا عرف عن إنجلترا من علاقات خاصة بالولايات المتحدة، والتي أثارت غيظ فرنسا لوقت طويل. وكان الغرض من إنشاء المجموعة الإقتصادية الأوروبية هو إزالة الحواجز الجمركية وجميع العقبات أمام انتقال السلع ورؤوس الأموال وتكوين سوق مشتركة بينها. ومع ذلك فينبغي الإشارة إلى أنّ السوق الأوروبية المشتركة، وإن اعتمدت مبدأ الحرية الإقتصادية وإزالة العقبات أمام التدفقات الإقتصادية، فقد أخذت فيما يتعلّق بالزراعة بأسلوب مختلف يعتمد على التدخّل وتوفير الإعانات للمزارعين، فيما عرف بالسياسة الزراعية المشتركةCommon Agricultural Policy (CAP)، وكانت فرنسا بوجه خاص من أشدّ المدافعين عن هذه السياسة.

كذلك ينبغي الإشارة إلى أنّ السوق الأوروبية المشتركة، وإن وضعت المصالح الإقتصادية المشتركة نصب أعينها، فقد لعب العامل السياسي فيها دائماً دوراً ملحوظاً. وكان للدورين الفرنسي والألماني، مع ديجول واديناور، تأثير كبير في تطوّر هذه السوق. وكان ديجول برغبته في توثيق التعاون الفرنسي / الألماني شديد الحرص على عدم التخلّي عن السيادة الوطنية، وكان يرى في السوق تنظيماً بين الدول وليس فوقها، فهي تمثّل ” الأوطان الأوروبية ” (Europe des Patries) وليست إلغاء للوطنيّات الأوروبية. كذلك كان ديغول معارضاً دائماً لدخول إنجلترا إلى الجماعة الأوروبية. وبالمقابل عمدت إنجلترا إلى تكوين تجمّع اقتصادي هو ما عرف بدول منطقة التجارة الحرّة European Free Trade Association (EFTA)، وتضمّ النرويج والسويد والدانمارك والنمسا وسويسرا. وبعد وفاة ديجول زال الفيتو الفرنسي وبدأت المفاوضات لتوسيع الجماعة الأوروبية ودخول إنجلترا. وفي العام 1973 قبلت عضوية إنجلترا والدانمارك وإيرلندا وتوسّعت المجموعة الأوروبية من مجموعة الست إلى مجموعة التسع. وبعد تغير النظم السياسية في إسبانيا والبرتغال واليونان، قُبلت هذه الدول ضمن المجموعة الأوروبية، اليونان في 1981، وإسبانيا والبرتغال في 1985، ثمّ توسّعت المجموعة بضمّ الدول الإسكندنافية فيما بعد. وفي العام 1992 اتفقت دول المجموعة الأوروبية على إنشاء السوق الأوروبية الموحدة (Single European Act)، وبمقتضى ذلك لم يقتصر الأمر على إلغاء الحواجز المادية من جمارك وقيود على انتقالات السلع ورؤوس الأموال، بل تضمن الإتفاق على إزالة ما يمكن أن نطلق عليه بالقيود غير المنظورة والمتعلّقة باختلاف النظم والتشريعات فيما يتعلّق بالمواصفات والتنظيمات التشريعيّة، التي تعرقل انسياب التيّارات الإقتصادية للسلع والأموال والأفراد، وتضمّنت هذه الإتفاقات الإتفاق على 282 بند تتناول عقبات غير منظورة أمام انسياب السلع والأموال والأفراد. كذلك تمّ الإتفاق على التنسيق النقدي بين عملات دول الجماعة الأوروبية في خطوات متعدّدة، فيما عرف بالإتحاد الإقتصادي والنقدي Economic and Monetary Union (EMU) ونظام أسعار الصرف (European Monetary System ). وهي ترتيبات تهدف إلى التنسيق في أسعار الصرف بين العملات الأوروبية وضمان استقرارها ضمن حدود متفق عليها. وفي فبراير 1992 تمّ التوقيع على معاهدة الإتحاد الأوروبي European Union (EU) في ماستريخت (Maastricht) وتمّ التصديق عليها في 1993، وهي تدعو إلى إنشاء بنك مركزي أوروبي وعملة أوروبية موحّدة هي اليورو (Euro)، على أن يبدأ العمل بها اعتباراً من يناير 1999، ووضعت شروطاً قاسية على الدول المنضمّة إلى هذا النظام من حيث حجم العجز في الموازنة ومستوى التضخّم.

وقد ترتّب على إنشاء السوق الأوروبية أن أصبحت أوروبا أكبر قوّة اقتصادية في العالم، فهي تتمتّع بحجم إنتاج يفوق القوتين الإقتصاديتين الأخريين، الولايات المتحدة الأميركية واليابان، وإن كانت لا تزال تنقصها وحدة الموقف السياسي كما هو حال الولايات المتحدة الأميريكية التي لا تزال تمثّل القوّة الأعظم في الإقتصاد المعاصر، بالنظر إلى تكاتف قواها الإقتصادية والعسكرية والتكنولوجية مع وحدة سياسية.

وإذا كانت تجربة أوروبا في التعاون الإقليمي هي أنجح التجارب، فإنّ ذلك لا ينفي أنّ هناك ترتيبات إقليميّة أخرى لعبت دوراً لا يُستهان به في الحياة الإقتصادية المعاصرة، سواء في آسيا والمحيط الهادي أو بدرجات أقل في أمريكا اللاتينيّة. أمّا التعاون الإقتصادي في أفريقيا فقد كان محدود النجاح، ولم يكن التعاون العربي أكثر حظّاً.

6-2 التعاون الإقتصادي العربي:

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حظي موضوع التعاون الإقليمي العربي بمكان متميّز في الاهتمامات العامة العربية. وقد بدأ الأمر بإنشاء جامعة الدول العربية 1944، قبل نهاية الحرب العالمية، بل وقبل قيام منظمة الأمم المتحدة، الأمر الذي يعكس مدى الإهتمام بالتعاون على المستوى الإقليمي العربي.

وفي العام 1953، وقعت في إطار الجامعة العربية إتفاقية لتسهيل التبادل التجاري وتجارة الترانزيت، ثمّ تمّ إنشاء المجلس الإقتصادي والإجتماعي، ثمّ توقيع إتفاقية إنشاء مجلس الوحدة الإقتصادية 1957، وفي الوقت نفسه تقريباً مع توقيع إتفاقية روما للسوق الأوروبية المشتركة. تعدّدت الإتفاقيات العربية في صدد ضمان الإستثمار العربي وانتقالات رؤوس الأموال العربية.  وفي بداية السبعينيات جاءت ثورة النفط وتوافرت الأموال، ممّا أعطى دفعة قويّة لإنشاء عدد من المؤسّسات المالية التمويليّة وتحريك الإستثمارات العربية. فأنشئ الصندوق العربي للإنماء الإقتصادي والإجتماعي، ثمّ صندوق النقد العربي، ومؤسّسة ضمان الإستثمار، فضلاً عن عدد من شركات الإستثمار العربية والصناديق الوطنية للإنماء.  وأدّى توافر الأموال مع روح التفاؤل التي سادت المنطقة العربية في السبعينيات إلى حدوث انتقالات مهمّة من العمالة ورؤوس الأموال. فتدفّق الموارد المالية على دول الخليج دعاها إلى استقطاب العمالة من مختلف البلدان المجاورة، العربية الآسيوية، لتلبية حاجتها إلى إرساء البنية الأساسية وتوفير الخدمات الأساسية. وبالمقابل قامت الصناديق العربية وحكومات دول الخليج بتمويل حجم معقول من الاستثمارات في الدول العربية الأخرى. وهكذا عرفت السبعينيات حركات مهمّة لعوامل الإنتاج، عمالة ورؤوس أموال، في حين ظلّت التجارة العربية البينية محدودة لم تجاوز 6 إلى 8 في المائة من مجموع التجارة العامّة للدول العربية.  وعلى عكس السبعينيات كان عقد الثمانينات هو عقد تراجع الإمكانات العربية. فعرفت أسعار النفط الهبوط لأوّل مرّة في منتصف الثمانينيات بعد عقد من الارتفاع المستمر. واستنفدت حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران الكثير من موارد العراق، فضلاً عمّا حصل عليه من مساعدات من دول الخليج الأخرى لهذا الغرض. وفي الوقت نفسه، بدأت العمالة الآسيويّة في إزاحة بعض أنواع العمالة العربية في دول الخليج. وفي الوقت نفسه، تقريباً، استعرت الأزمة اللبنانية ممّا أدّى إلى تدمير وإعطاب العديد من جوانب بنيتها التحتيّة سواء الماديّة أو المؤسّسية. وهكذا، غاب لبنان عن الحضور في هذه المرحلة المهمّة بما سبق أن توافر له من مقوّمات كمركز مالي وإقليمي. ولم تستطع الدول العربية الأخرى كالبحرين مثلاً، أن تملأ هذا الفراغ. وجاءت حرب الخليج الثانية (غزو العراق للكويت) فأجهضت الكثير ممّا بقي من عناصر التعاون العربي. فقد أدّى هذا الغزو إلى إقصاء العراق تقريباً من سوق النفط فضلاً عمّا أصابها من إهدار لموارده نتيجة للحرب أو للحصار الإقتصادي. وفي الوقت نفسه، تحمّلت الكويت ودول الخليج الأخرى أعباء مالية باهظة لإزالة الإحتلال وتمويل العمليّات العسكرية. وانتهى الأمر بأن تحوّلت معظم دول الخليج من دول فائض إلى دول عجز، مع استمرار تدهور أسعار النفط العالمية. وهكذا، بدأ عقد التسعينيات وقد تراجعت القدرات العربية، وتدهور مستوى التعاون الإقتصادي العربي إلى أدنى مستوياته. وإذا كانت بداية التسعينيات تمثّل نهاية مرحلة للتعاون العربي، فإنّ العالم من حولنا يدخل في مرحلة جديدة، يجب التنبه إليها، للانتقال الى مرحلة جديدة للتعاون العربي مستفيدين من تجارب الماضي من ناحية، ومع مراعاة الظروف والأوضاع العالمية الجديدة من ناحية أخرى.  وفي خلال هذه المسيرة من محاولات التعاون العربي، قد يكون من المفيد أن نشير إلى عدد من الإتجاهات التي فرضت نفسها في وقت أو آخر خلال نصف القرن المنصرم.

ولعلّ الأمر الذي تجدر الإشارة إليه هو التردّد بين أساليب التعاون الإقتصادي، ففي أسلوب اتخذ التعاون شكل إلغاء القيود والحواجز بين البلدان العربية، وتوفير المزايا الخاصة للنشاط الإقتصادي العربي، وأمّا الأسلوب الآخر فيتّجه نحو القيام بمشروعات عربية مشتركة. وفي حين غلب الأسلوب الأول على مسيرة التعاون الإقتصادي منذ بدايته في الخمسينيات، كما يتّضح من الإتفاقات حول إزالة أو تخفيض الحواجز والمزايا التفصيليّة في إتفاقية تسهيل التجارة وتعديلاتها المتعددة، فقد بدأت، وخصوصاً منذ منتصف الستينات، الدعوة للأخذ بأسلوب المشروعات العربية المشتركة في مجالات الزراعة والثروة الحيوانية والتعدين والصناعات الدوائية والصناعات الحربية. ومع ذلك لا يمكن القول بأنّ حظ الأسلوب الثاني من النجاح كان أفضل من حظ الأسلوب الأول. فبعد نصف قرن لم تزل العلاقات العربية – العربية محدودة في النشاط الإقتصادي، ربّما باستثناء انتقالات العمالة التي بدأت هي الأخرى في التقهقر.

ويتعلّق الإتجاه الثاني بمدى شمول محاولات التعاون الإقتصادي لمجموع الدول العربية، أو اقتصارها على مجموعة إقليمية داخل العالم العربي ترتبط بروابط أوثق جغرافياً أو ثقافياً. فبدأت محاولات التعاون العربي على المستوى العربي الشامل وخصوصاً من خلال الجامعة العربية وأجهزتها. ومنذ الثمانينيات بدأ إتجاه جديد نحو تكوين تدابير إقليميّة عربية محدودة.

وظهر ذلك بوجه خاص في التدابير الخاصة لدول الخليج ودول المغرب. فأنشأت دول الخليج مجلس التعاون الخليجي، ثمّ أنشأت دول المغرب إتحاد التعاون المغاربي، كما ظهر لفترة قصيرة مجلس التعاون العربي. وغلب على هذه التجمعات، وخصوصاً مجلس التعاون الخليجي، الإهتمام بالمسائل الأمنية.

وإذا كان نصف القرن الماضي هو عصر محاولات التقارب العربي على مختلف الجبهات، فقد طغى عليه الصراع العربي – الإسرائيلي، بحيث أصبح بحق عصر الصراع الذي ألقى بظلاله على جميع مظاهر الحياة العربية: سياسية واقتصادية واجتماعية.

ومنذ نهاية السبعينيات وخصوصاً في بداية التسعينيات، بدأت إرهاصات إنهاء هذا الصراع، بدءاً بمعاهدة السلام المصرية – الإسرائيلية ومروراً بإتفاقيات أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، ومعاهدة السلام الأردنية – الإسرائيلية، فضلاً عمّا أرساه مؤتمر مدريد للسلام في 1991 من فتح للمفاوضات بين إسرائيل وسوريا ولبنان.  وبصرف النظر عمّا ترتّب على هذه الإتفاقات من مظاهر محدودة للتعاون الإقتصادي بين بعض هذه الدول وإسرائيل، فقد طرحت مبادرات عدّة للتعاون الإقتصادي الإقليمي، سواء تحت مسمى الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا، أو البحر المتوسط. فظهرت فكرة بنك إقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فضلاً عن تدابير أخرى عدة في مجالات السياحة أو تجمّعات رجال الأعمال. وفي الوقت نفسه، طرحت أفكار الشراكة الأوروبية للبحر المتوسّط.  ومع تعثّر مسيرة السلام وتشدّد الجانب الإسرائيلي في ظل حكومة نتنياهو، أعيد طرح صيغة إحياء التعاون العربي باعتباره الركيزة الأساسية لمستقبل المنطقة، فكان صدور قرار القمة العربية بإنشاء منطقة التجارة الحرة العربية، والتي بدأ تطبيقها منذ أول يناير 1998 على أن تلغى جميع الرسوم الجمركية بين دول المنطقة في العام 2017.

ومع ذلك، فقد يكون من المناسب إلقاء نظرة عامة على بعض الأوضاع العربية المعاصرة. هناك ثلاث دول عربية خضعت خلال فترة غير قصيرة لشكل أو آخر من أشكال المقاطعة الدولية أو الحصار الإقتصادي، فكل من العراق وليبيا والسودان خضع لشكل من العقوبات الإقتصادية الدولية أو التهديد بها. ويعرف العراق، وكذلك السودان نسبياً، نوعاً من الحرب الإنفصالية يهدّد وحدة الدولة (الأكراد في العراق، والجنوب في السودان). وبالمثل فإنّ العلاقات الثنائية العربية – العربية تعرف توتّرات غير قليلة.   كذلك تمرّ معظم الدول العربية بمرحلة مخاض إجتماعي وسياسي. فمعظم الدول العربية تأخذ بإصلاحات اقتصادية للإنتقال إلى إقتصاد السوق، ممّا ترتّب عليه ظهور توتّرات إجتماعية متصلة، بارتفاع معدّلات البطالة وقسوة تكاليف الحياة على الطبقات الفقيرة. وفي الوقت نفسه، فإنّ التحوّل التدريجي إلى مزيد من المشاركة السياسية وظهور الأحزاب لا يتمّ دائماً في سهولة ويسر. فعرفت الجزائر حرباً أهلية من الجماعات الإسلامية، فضلاً عن تزايد الدعوات الأصولية المصحوبة أحياناً بأشكال العنف في بعض الدول.

وإزاء هذه التطوّرات على الساحة العربية، وفي ضوء ما يجري على أوضاع الإقتصاد العالمي، فقد يكون من المناسب استخلاص بعض الدروس المستفادة في هذا الصدد.  لعلّ الدرس الأول هو أنّه في ظل عولمة الإقتصاد لا مكان لاقتصاد غير تنافسي. فالدول، وخصوصاً الدول الصغيرة، ليس أمامها خيار كبير في اختيار النظام الإقتصادي، بل عليها أن تتبع السياسات وتنشئ المؤسّسات الكفيلة بتوفير إمكانات الكفاءة. ومن هنا، فإنّ دول المنطقة مدعوة للأخذ بنظم صارمة للانضباط المالي والنقدي، وتوفير مقوّمات المنافسة الإقتصادية السليمة. ولا يتطلّب الأمر مجرّد الأخذ بالتخصيصية وتحول القطاع العام إلى القطاع الخاص، بل يتطلّب حزمة من السياسات المناسبة في وجود نظام قانوني واضح وسليم، ومكاشفة كاملة، وتوفير البيانات والمعلومات السليمة، والرقابة على الأسواق، وسلامة المواصفات، ومنع الإحتكار، وغير ذلك ممّا هو مطلوب لسلامة النظام الإقتصادي.

على أن اختيار النظام الإقتصادي السليم لإمكان المنافسة العالمية لن يقدر له النجاح ما لم يكن مصحوباً بتوفير قدر من العدالة الإجتماعية ومحاربة الفساد. وهذا وذاك يتطلّبان قدراً من الحرية والمساواة وتثبيت أركان دولة القانون. ولا بدّ أن تكون لذلك انعكاساته على النظام السياسي والنخب الحاكمة.

والدرس الثاني هو أنّ التعاون الإقتصادي العربي ليس مجرّد اتفاقات تعقد ثمّ تظلّ حبراً على ورق إذا لم تتوافر المقومات الحقيقية لذلك التعاون. فقد عرفت المنطقة العربية خلال نصف القرن الماضي العشرات من إتفاقات التعاون الإقتصادي والمشروعات المشتركة التي لم تفض إلى أيّ نتائج عملية. بل لعلّ توقيع مثل هذه الإتفاقات، وهزال النتائج المترتبة عليها كان وبالا على فكرة التعاون الإقتصادي العربي، لأنّها ساعدت على خلق أزمة ثقة في فكرة التعاون الإقتصادي العربي ذاتها. ولذلك فإنّ الأجدى هو الدراسة والتريّث بدلاً من الاندفاع في توقيع وثائق لن يكون لها أيّ حظ من التطبيق.

كما أنّ انعدام الإرادة السياسية أدت الى فشل محاولات التقارب والتعاون الإقتصادي العربي. فالدول العربية، وعلى رغم ما تطلقه من شعارات للتعاون الإقتصادي، كانت مهمومة بالدرجة الأولى بقضية أمن النظام. فإتفاقيات انتقال المواطنين بين الدول العربية دون عقبات وقفت أمامها اعتبارات الأمن التي كانت لها الغلبة على الدوام. وبالمثل، كثيراً ما كانت تغلق الحدود أمام البضائع والأفراد مع تقلبّات السياسة وأهوائها بين الدول العربية.

ولعلّ الدرس الثالث، وهو مرتبط بما تقدّم، يفيد أنّ نجاح التعاون الإقتصادي إنّما هو رهن إلى حدّ بعيد بتوافر نظم ديمقراطية سياسية في الدول العربية. فإذا كانت أوروبا قد نجحت في تحقيق تقارب اقتصادي ناجح خلال نصف القرن، فذلك يرجع إلى أنّ الوحدة الأوروبية إنما فتحت فقط لتلك الدول التي تشترك في قيم الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان. فالتعاون الإقتصادي يأتي لاحقاً للإصلاح السياسي في الدول العربية. الديموقراطية واحترام حقوق الإنسان وسيادة دولة القانون في كلّ دولة عربية هي الخطوة الأولى للتعاون الإقتصادي العربي.  أمّا الدرس الرابع، فهو أنّ العديد من الإلتزامات والإتفاقات الدولية التي تعقدها دول المنطقة، إمّا افي إطار إتفاقية الجات ومنظمة التجارة العالمية، وإمّا في إطار إتفاقيات المشاركة الأوروبية، سوف توحّد إلى حد بعيد أوضاع النشاط الإقتصادي في الدول العربية وفقاً للمعايير التي تفرضها المنظمات الدولية أو الإقليمية (الأوروبية)، وبحيث ينتهي الأمر بتقارب الشروط اللازمة لمباشرة النشاط الإقتصادي في هذه الدول. وفي هذه الحالة يتمّ توحيد المفاهيم وتنسيق السياسات كنتيجة لالتزام هذه الدول بفتح أسواقها، وتحديد شروط النشاط الإقتصادي وأوضاعه بمقتضى اعتبارات تحرير التجارة العالمية. وبذلك فقد يتحقّق من التعاون العربي عبر تحرير تجارة الدول العربية مع العالم الخارجي، ما فشلت فيه جهود التعاون بين هذه الدول. وبذالك يتحقّق نوع من التعاون الإقتصادي العربي نتيجة للتحرير الإقتصادي العالمي. فإذا كانت الظروف غير مؤاتية لتحقيق تكامل إقتصادي كامل بين جميع الدول العربية في الوقت الحالي، فلا أقل من الإتفاق على مجالات محددة للتعاون في قطاعات معينة أو في مجالات معيّنة.  ولا شكّ في أنّ استمرار التحاور والإلتقاء بين المهتمين بالشؤون الإقتصادية والقضايا العامة لهو من أفضل الوسائل لاكتشاف مجالات جديدة للتعاون ولا شك في أن التعاون يقوي من قدرة الدولة في العالم العربي من مواجهة الاخطار المحدقة بها في زمن العولمة.

7- الأزمة المالية العالمية، أسبابها وانعكاساتها على المنطقة العربية:

مع نهاية الحرب الباردة وظهور قضيّة العولمة على السطح، خرج علينا فرانسيس فوكوياما، الأميركي الياباني الأصل، بأطروحة نهاية. التاريخ( ) معلناً أنّ الصراع بين الرأسمالية الأميركية والشيوعية السوفييتية قد حُسم لمصلحة الرأسمالية. فقد وصل التاريخ إلى نهايته من حيث تطوّر الأنظمة الإجتماعية لمصلحة الرأسمالية والليبرالية الغربية. وهكذا، يرى فوكوياما أنّ تطوّر المذاهب الإجتماعية قد بلغ غايته في وحدانية النظام الرأسمالي الليبرالي الذي يجمع بين اقتصاد السوق والديمقراطية السياسية. وإذا كانت أفكار فوكوياما قد تعرّضت لإنتقادات شديدة، بل إنّه نفسه قد عدّل الكثير من أفكاره الأكثر جموداً عندما نشرها لأوّل مرّة في مقال له قبل ذلك الكتاب بسنوات عدّة( )، ولم نلبث أن نسمع من مفكّر أميركي آخر هو صامويل هنتنجتون أنّ العالم لا يتّجه إلى الوحدة والتماثل بقدر ما ينحرف إلى صدام الحضارات( ). وهو أيضاً قد خفّف نوعاً من حدّة استخلاصاته التي أوردها بشكل حاسم في مقال له بالعنوان نفسه قبلها بسنوات( ).

ويبدو أنّ تساؤلات فوكمايا وهنتنجتون قد تجاهلت القضيّة الأساسيّة في العولمة والتساؤل عمّا إذا كنّا بصدد نهاية الجغرافيا، فمع تراجع أهميّة الحدود السياسيّة وتقلّص سطوة المكان، فهل تضاءلت أهميّة الجغرافيا في أمور معيّنة تدور على الساحة العالمية وخاصةً فيما يتعلّق بانتقالات المعلومات والأموال التي تنتقل من مكان إلى آخر ومن عملة إلى أخرى في لحظات دون أن تدركَها عين أو تعوقها سلطة وهل تبقى مقولة نهاية التاريخ وانتصار الرأسمالية على حالها أم نحن بصدد نشوء مرحلة تاريخية جديدة؟.

7-1 كيف نما اقتصاد السوق؟

ظهرت مع النقود تفرقة أساسية بين ما يمكن أن نطلق عليه الاقتصاد الحقيقي أو العيني  (real Economy) والاقتصاد المالي (Financial Economy)، وهي تفرقة ارتبطت بتطور قانوني مهم هو ظهور ما يعرف بفكرة الحق، سواء تعلق الأمر بحقوق عينية مثل حق الملكية أو حقوق شخصية مثل الديون. ويعتبر هذا التطور القانوني من أخطر التطورات في حياة الإنسان، فقد لعب، مع النقود، دورا أساسياً في نمو اقتصاد السوق وأتساعه. كانت علاقة الأفراد بالأشياء مباشرة، فسيطرتهم عليها كانت سيطرة مادية مباشرة . ذلك أن الفرد يحوز الأشياء ويتعامل معها ما دامت في حيازته، ويفقد هذه السلطة إذا خرجت من حيازته وسيطرته المباشرة، فالسيطرة المادية المباشرة على الأشياء هي أساس التعامل معها. ثم لم تلبث فكرة الملكية أن ظهرت باعتبارها حقاً على الأشياء، وإن لم تتوافر السيطرة المادية المباشرة عليها في كل الأحوال. والملكية في جوهرها هي حق أو سلطة فرد أو جماعة في الأستئثار (Exclusivity) بموارد لها وحدها حق الانتفاع بها دون غيرها، واعتراف الآخرين بهذا الحق. وإذا كانت الحقوق العينية، وخاصة حق الملكية، تحدد سلطة الشخص القانونية على الأشياء، فقد ظهرت الحقوق الشخصية، وهي تتعلق بالعلاقات بين الأشخاص وتحدد علاقة الدائن بالمدين، حيث يلتزم الأخير بالقيام بعمل أو الامتناع عن عمل أو إعطاء شيء للدائن في وقت لاحق. وهكذا ظهرت الحقوق الشخصية باعتبارها علاقة بين الأفراد خلال المستقبل. وتبدو أهمية فكرة الحقوق في أنها أظهرت التفرقة بين الأصول العينية أو الحقيقة  (Real Assets) من ناحية، والأصول المالية (Financial Assets) من ناحية أخرى. فالأصول العينية هي الموارد. الحقيقة التي تصلح لإشباع الحاجات. أما الأصول المالية فهي حقوق أو مطالبات على هذه الموراد الحقيقة. فالحق هو ممثل أو رمز للشيء أو للعلاقة بين دائن ومدين، والتصرف في هذا الحق أو الرمز يمتد الى التصرف في الشيء ذاته أو في العلاقة مع المدين. والجديد هو أنه مع الاعتراف بوجود هذه الحقوق العينية، أصبح من الممكن التصرف فيها بعيدا عن الشيء في ذاته. ولإعطاء مثال حديث، انظر الى الشهر العقاري، فهو سجل للحقوق العينية على العقارات. ويتم التصرف في هذه العقارات بمجرد تبادل الحقوق بين الأفراد وإثبات ذلك في الشهر العقاري، فهنا تنتقل الملكية دون أي مظهر مادي مباشر على العقار في ذاته. وفي حالة الديون بين الأفراد، ساعدت فكرة الحق الشخصي كعلاقة قانونية بين دائن ومدين على تخلصها من الطابع الشخصي، وبالتالي أصبحت قابلة للتداول. فالدائن قد يتنازل عن حقه لمستفيد آخر يلتزم المدين تجاهه بأداء المطلوب. وهذه القابلية للتداول (Negotiability) ساعدت على تخليص الالتزامات من الطابع الشخصي. وساعدت التطورات القانونية على التوسع في اقتصاد التبادل ونمو اقتصاد السوق ، حيث يتم التعامل بين الأفراد حول الحقوق سواء في البورصة أو الشهر العقاري، وتنتقل الملكيات والحقوق العينية والشخصية في هذا العالم الجديد من الحقوق أو الرموز. كذلك فقد كانت هذه التطورات هي الأساس في ظهور فكرة الملكية المشتركة في الشركات، وخاصة الشركات المساهمة، حيث تتجمع جهود عدد من الأفراد في مشروع مشترك، وتنعكس حقوق كل شريك في عدد من الأسهم تمثل ملكية أو حقوقا في هذا المشروع المشترك. ومع إمكان التصرف في الأسهم في البورصة أو خارجها أصبح انتقال الثروات في شكل حقوق أو اصول مالية، منفصلا عن الموارد الحقيقة التي تمثلها هذه الملكية من أصول عينية أو موارد حقيقية. فقد يكون المشروع صناعة محددة في مكان معين، ولكن التصرف فيه يتم في البورصة في شكل أوراق مالية متاحة للجميع بصرف النظر عن مكان المشروع. وهكذا بدأت الثروة المالية، وهي تعكس الثروة العينية، تتمتع باستقلال كبير وتتحرر من ظروف المكان.

على أن أهم أشكال الأصول المالية هي النقود. فالنقود في نهاية الأمر هي حق أو مطالبة على جميع السلع المعروضة للبيع في اقتصاد معين. فمن يحمل النقود يتمتع بالحق في الحصول على أي سلعة معروضة للبيع في هذا الاقتصاد. وانتقال النقود من يد الى يد هو انتقال لهذا الحق الذي يعبر عنه بـ ” القوة الشرائية العامة” من يد الى يد. وهكذا أصبح تبادل السلع و الخدمات والتعامل فيها يتم عن طريق التعامل في النقود، بصرف النظر عن أماكن وجود هذه السلع والموارد العينية، فمن يحمل دولاراً يتمتع بالحق في الحصول على أي سلعة أمريكية، كما أن من يحمل ماركا له الحق في أي سلعة ألمانية.

وهكذا بدأ التعامل الاقتصادي يتحرر باطراد من الواقع المادي للموارد العينية لننتقل الى التعامل الرمزي في النقود. ولم تلبث هذه النقود ذاتها أن تطورت هي الأخرى حتى كادت تتجرد من كل مظهر مادي. فبعد أن كانت تظهر في شكل سلعة أو معدن ثمين أصبحت ورقة بنكنوت، لتصبح بعد ذلك مجرد قيد حسابات في البنوك، وها هي الان أصبحت مع ثورة الاتصالات مجرد تعبير إلكتروني تحتفظ به ذاكرة الحواسب الإلكترونية (الكمبيوتر) في البنوك. وأيا كان الأمر حول العوامل التي أدت الى ظهور، ثم تطور، اقتصاد السوق، فإن ما بدأ في شكل مظهر عارض لاقتصاد التبادل، لم يلبث أن توسع لكي يبتلع معظم النشاط الاقتصادي التقليدي. فظهرت المدن التجارية، وسرعان ما تفسخت الاقتصادات  المغلقة للإقطاع بحيث أصبح الإنتاج المحلي يتم لإشباع طلب السوق، وشمل ذلك الزراعة والحرف والصناعة. وظهر الاقتصاد الوطني كسوق وطنية كبرى تخضع لدولة سياسية ذات سيادة، تفرض قانونها، وتنظم نقدها، وتحميها جميعا. بدأ هذا بوجه خاص مع الثورة الصناعية. وقامت العلاقات الاقتصادية بين الدول فيما عرف بالتجارة الدولية ، حيث تمثل كل دولة وحدة اقتصادية وسياسية متجانسة. ويتم التعامل فيما بينها عبر الحدود السياسة لكل منها. وها نحن نعاصر الآن تاكلاً في هذه الحدود، بحيث تبدو كما لو كانت هذه التعاملات تقفز فوق الحدود السياسية فيما يعرف حالياً بـ “العولمة”.

7-1-1 الثورة المالية:

لم يقتصر التغير في العلاقات الاقتصادية على التغير العيني في ظروف الإنتاج وأساليب ووسائل المواصلات والاتصالات وتغلغل المعلومات وسيطرتها على الإنتاج، بل إن التغير أيضاً شمل العلاقات المالية وأدواتها. فالتاريخ الاقتصادي قد تشكل الى حد بعيد نتيجة للتوسع في التخصص والمبادلة وما ارتبط بهما من ظهور الأدوات المالية. وقد ساعد تطور شكل النقود نفسها على زيادة كفائتها الاقتصادية، سواء من حيث سهولة تداولها أو من حيث نطاق التعامل فيها، وبالتالي  توسيع حجم المعلومات التي تقدمها عن السوق. على أن النقود ، وهي أهم الأدوات المالية، لا تكفي لتطوير المبادلات وتحقيق النمو الاقتصادي، لذلك وجب أن يصاحبها عدد  من الأدوات المالية الاخرى من أسهم وسندات وأذونات واوراق تجارية وحقوق اختيار. ومن هنا ظهرت أهمية الثروة المالية في مقابل الثروة العينية، واذا كانت الثروة المالية غير مستقلة عن الثروة العينية، بل مجرد انعكاس لها، فإن وجود هذه الثروة المالية، من أدوات مالية، قد ساعد على حسن إستخدام الثروة العينية وانتقالها، وقد ساعد ظهور الأسهم على تكوين الشركات الكبرى وتجميع رؤوس الأموال الكافية لها. ولذلك فإن ظهور مثل هذه الأدوات المالية كان حاسماً في تطوير المجتمعات الحديثة. وقل مثل ذلك بالنسبة لمعظم الأدوات المالية الأخرى التي تطورت وتنوعت بما يتفق مع ظروف المتعاملين من مدخرين أو مستثمرين، بائعين أو مشترين، كذلك فأن تطور هذه الادوات المالية وما ارتبط بها من ظهور المؤسسات المالية الوسيطة قد ساعد على تقليل المخاطر بتوزيعها على أعداد كبيرة وبالتالي زيادة فرص الادخار والاستثمار. وهكذا ،أدى تطور الاصول المالية الى دعم وتطوير الاقتصاد العيني. وبالمقابل ساعد استخدام نتائج التقدم التكنولوجي في هذه المجالات على زيادة كفاءة هذه الأدوات المالية وانتشار استخدامها على أوسع نطاق. وكل هذه الامور معروفة، ولكن الجديد هو أن العالم يعرف تطوراً هائلاً في الأسواق النقدية والمالية بما يجعلها عالمية التوجه (Globalization of Financial Markets)، وهو ما يحتاج الى بعض التعليق، ولنبدأ بإعتبارها أهم الأصول المالية. لعل الملاحظة الأولى هي أن النقود لم تعد أمراً وطنياً بحتاً، بل أصبحت تتأثر بما يحدث خارج الحدود، وكثيراً ما تتوقف عليه. فمن ناحية المؤسسات التي تصدر النقود، لم يعد الأمر واضحاً وسهلاً كما كان في الماضي، فالنقود لم تعد تصدر عن البنك المركزي والبنوك التجارية فقط، بل بدأت تظهر أشكال أخرى للمديونية تشارك النقود وظائفها مثل بطاقات المديونية (Credit Card) التي تصدرها المؤسسات التجارية والسياحية. كما أن تعريف النقود يتسع ليشمل عناصر جديدة للمديونية من مؤسسات الادخار والتمويل. لذلك لم يكن غريباً أن نجد أن الدول المختلفة تعرّف كميات النقود وفقاً لتقسيمات متعددة، فهناك ما يسمى M1,M2,M3,M4. وهي تختلف بإختلاف الدول، مما يعني أن ظاهرة النقود لم تعد بالبساطة التي كانت عليها عندما كانت أشياء مادية من معدن أو حتى ورق. أما مع تطور النقود الإلكترونية ونقود البلاستيك فقد تعقدت الامور بشكل كبير. كذلك فإن العديد من هذه المديونيات لم تعد تحت سيطرة الدولة. فحتى الولايات المتحدة الامريكية بدأت ترى في قيام ظاهرة الدولارات الأوروبية أو الآسيوية (Dollars-Euro, Asian)، ما يمثل كتلة نقدية متدوالة في العالم دون أن يكون لها عليها سيطرة كاملة. وبالمثل، كان أحد أسباب عدول بعض الدول، مثل ألمانيا وسويسرا، في منتصف السبعينات عن نظام سعر الصرف الثابت أنها وجدت أن حجم النقود المتداولة داخل حدودها لا يتوقف على إرادة السلطات المحلية بقدر ما يتوقف على نتيجة معاملتها مع الخارج، فائضاً أو عجزاً. لذلك اضطرت إلى الأخذ بنظم التعويم حتى تستعيد استقلالها النقدي. وأخيراً، فلا جدال في أن زيادة حجم التبادل الدولي قد جعلت مسألة النقد مرتبطة باعتبارها دولية. فالدولار يلعب دوراً أساسياً ليس فقط في الولايات المتحدة الامريكية، بل في معظم الدول الغربية واليابان وعدد غير قليل من بقية دول العالم. وبالمقابل فإن تحديد سعر الدولار يتأثر بدوره بما يحدث للفائضين الياباني والألماني. وفي الوقت نفسه بدأت تظهر ترتيبات نقدية بين الدول سواء في النظام النقدي الأوروبي (EMC)، أو في ظهور حقوق السحب الخاصة (SDR)، أو أخيرا في وحدة النقد الأوروبية (EURO). وبالتالي يمكن القول إن النظام النقدي قد انفصل بعض الشيء عن علاقته الوطنية لكل دولة، ليصبح له وجود وحياة مستقلان يتأثران بما يحدث في دولة واحدة. ولا يعني ذلك بطبيعة الأحوال أن تأثير الدول متساو في هذا الشأن، بل إن لبعضها تأثيرا أوضح وللبعض الآخر تأثيراً أقل. لكن ندر أن أصبحت النقود مسألة وطنية بحتة.

وإذا تركنا النقود إلى بقية الأدوات المالية وجدنا تطوراً أكثر وضوحا يتمثل في تحرر هذه الأدوات من القيد الإقليمي لتصبح عالمية. فعديد من السندات تصدر في أسواق اليوروماركت بما يمكن الشركات العالمية وبعض الدول من التمويل خارج أسواقها الوطنية. وبالمثل، عمدت دول عدة إلى تحرير أسواقها المالية (Big Bang) بحيث أصبحت الأسهم تتداول في معظم الأسواق المالية دون قيود. فأسهم الشركات الأميركية والأوروبية واليابانية تتداول في بورصات نيويورك أو لندن أو طوكيو أو سنغافورة. وبالتالي أصبح المدخر يواجه إمكانات عالمية لتوظيف مدخراته. كما أن الاستثمارات المحلية لم تعد محدودة بما يتوافر في السوق المحلي من مدخراته. وساعد على ذلك تطور أساليب الاتصال بين المراكز المالية العالمية. وجاءت ثورة المعلومات والاتصالات فساعدت على انتقال هذه الثورات المالية في شكل ومضة كهربائية أو نبضة إلكترونية، تتصل بين البلدان المختلفة دون أن تصطدم بحواجز أو حدود سياسية. وأصبحت الثروة المالية أقرب إلى الاستقلال عن الثروة العينية، وأصبحت تتوافر لها حياتها الخاصة التي تتمرد على الحدود السياسية وتتجاوزها. وانتقل العالم الى نوع من الاقتصاد الرمزي تحركه هذه الأصول المالية التي تتنقل من مكان إلى آخر ومن عملة إلى أخرى في لحظات دون أن تدركها عين أو تعوقها سلطة. وقد بدأ العالم يعرف مجموعة من الأزمات المالية التي تجاوز أوضاع الاقتصاد العيني الوطني، لكن ترتبط بتحركات رؤوس الأموال وانتقالها من مكان إلى آخر أو منطقة إلى أخرى لأسباب سياسية أو نفسية. فكان أن عرف العالم أزمة أوروبية 1992، ثم أزمة المكسيك في 1994 – 1995، والأزمة الآسيوية في 1997. وهي جميعا تدور حول حركات الأموال التي أطلقت من عقالها. وهكذا أدت الثورة المالية في أدوات التمويل وأساليبه إلى تجاوز الحدود السياسية للدول، وقيدت بالتالي من قدرة السياسة الاقتصادية الوطنية في مواجهة هذه الثروات المالية الهائمة.

والأمر الجدير بالاهتمام هنا ليس فقط في تطور شكل الأصول المالية وسرعة انتقاله، وإنما الأحجام التي اتخذتها، بحيث أصبح الجزء الأكبر من العلاقات الدولية يتعلق بتبادل الأموال وانتقالها، وتراجع انتقال السلع والخدمات إلى مرتبة أدنى. ففي 1973 قدر حجم التعامل اليومي في أسواق العرض بحوالى 15 مليار دولار، وفي 1983 ارتفع الى 880 مليار دولار وإلى ما يزيد على 1.3 تريليون دولار في 1995. وفي حين كان حجم المعاملات الخارجية في الأصول المالية يمثل أقل من 10 في المائة من حجم الناتج المحلي لكل من الولايات المتحدة وألمانيا واليابان في 1980، فقد ارتفعت هذه النسبة في العام 1993 إلى 135 في المائة في الولايات المتحدة و 170 في المائة في اليابان، و 80 في المائة في ألمانيا. وفي كل هذا كانت معدلات نمو هذه المعاملات تجاوز بكثير معدلات نمو التجارة الدولية. وأما انتقال الاستثمارات المباشرة الخاصة، فقد زاد حجمه من حوالي 27 مليار دولار في السبعينيات، إلى 50 مليار دولار في منتصف الثمانينيات وإلى 218 مليار دولار في 1995. ( )

إنَّ الأزمات، وخاصة الأزمة الأسيوية، قد فتحت الأذهان على خطورة انتقالات رؤوس الأموال وتأثيرها في أوضاع الاقتصادات الوطنية، فضلا عن خطورتها على الاقتصاد العالمي. فانتقال رؤوس الأموال، وخاصة الأموال الساخنة. وهي تتأثر باعتبارات الثفة والحالة النفسية للمتعاملين، يمكن أن يتم بشكل فجائي على نحو يربك السلطات النقدية والمالية. فالأموال التي تتوافد على دولة ما خلال سنوات يمكن أن تخرج، أو بالأحرى تهرب، خلال أيّام وساعات، ممّا يؤدّي إلى أزمة مالية يصعب السيطرة عليها. كذلك فإنّه نظراً لهذه الطبيعة السائلة لحركات الأموال، فإنّ احتمالات العدوى تنتقل ليس فقط من مستثمر إلى آخر، بل من بلد إلى آخر ومن قارة إلى أخرى. وهذا ما حدث في دول جنوب شرق آسيا حيث عمّت العدوى معظم هذه الدول خلال فترة قصيرة، ووصل تأثيرها إلى روسيا وبعض دول أمريكا اللاتينيّة. وهكذا فإنّه مع هذه الثورة المالية، أصبح الإقتصاد أقرب إلى الإقتصاد الرمزي (Symbolic Economy) يتأثّر بعدد من المؤشّرات والرموز، مثل أسعار الفائدة، ومؤشّرات أسعار الأسهم (Dow Jones)، والشائعات السياسيّة، وإحصاءات وزارات العمل، وكثيراً ما تتأثّر الأوضاع الإقتصادية بهذه الرموز، على رغم أن عناصر الإقتصاد العيني (Fundamentals) تظلّ مستقرّة.

كذلك فإنّ هذه الثورة المالية لم تقتصر على انتقالات رؤوس الأموال، بل إنّها بدأت تؤثر في انتقال السلع عن طريق ما يعرف بالتجارة الإلكترونية (Electronic Commerce). فقد وجد عدد من المشروعات التجارية والصناعية في شبكات الإنترنت فرصة لعرض منتجاتها والإعلان عنها للمستهلكين، ثمّ لم يلبث الأمر أن تطوّر وأصبحت شاشات الكومبيوتر ليست فقط مجالاً لعرض المعلومات عن المنتجات الحديثة، بل أصبحت وسيلة للتعاقد وعقد الصفقات والدفع من خلال بطاقات الائتمان. ومن المنتظر أن تفتح هذه التجارة الإلكترونية المجال لتوسيع الأسواق أمام عدد من الصناعات الصغيرة والمتوسطة التي لا تملك إمكانات الشركات الكبيرة، بحيث تتمكّن من عرض منتجاتها على صفحات الإنترنت وتوسيع دائرة الأسواق أمامها. فيمكن لعدد من الشركات الصغيرة والمتوسطة أن تجد لها أسواقاً عبر القارات من خلال التعامل بأساليب التجارة الإلكترونية. وبالمقابل، فإنّ هذه التجارة تثير العديد من القضايا المتعلّقة بكيفيّة تسوية المدفوعات وحماية حقوق المتعاملين وغير ذلك من الإعتبارات، التي يمكن أن تغيّر من شكل العلاقات التجارية فيما بين الدول.

ولن يقتصر الأمر مع التجارة الإلكترونية على شراء السلع وبيعها من خلال التعامل مع الإنترنت، بل ان التعاملات في البورصة أصبحت عملاً منزلياً يقوم به  أي فرد من خلال شاشات الكومبيوتر للتعامل مباشرة في الأوراق المالية من خلال أجهزته المنزلية. فالفرد أصبح موجوداً  في البورصات ليس فقط من خلال شاشة وول ستريت مثلاً، بل إنّ وول ستريت والبورصات إنتقلت إلى منزله.

7-2 مدى تأثير الأزمة الإقتصادية العالمية على المنطقة العربية:

لم يكُن غريباً أن تتأثّر العديد من البورصات العربية – لاسيّما الخليجيّة والمصرية – نزولاً وتوتراً، كالذي حدث في البورصات الأميركية والأوروبية وعدد من البورصات الآسيوية منذ بدء وتيرة الأزمة المالية الأميركية، التي باتت أزمة عالمية. والمرجع هنا واضح ولا خلاف عليه، ويكمن في وجود صلات عُضوية بين البورصات العربية من جهة، والبورصات الأجنية من جهة أخرى، وهي صلات تكشف عن حالة اندماج في الإقتصاد، وحالة تداخُل بين الأموال الخَليجيّة تَحديداً، والإستثمار في الأصول الأجنبية في الأسواق الأميركية والأوروبية.

7-2-1 صلاة عضويّة:

أمّا عن صلات البورصات، فإنّ أبرزها هو أنّ مُستثمرين عَرب كبار وصناديق  سَيادية عربية، لا سيّما الخليجيّة، يستثمرون في الأوراق المَالية والأسهم التي تصدرها المؤسّسات المالية الدولية، ويَتم التّعامل بها في البورصات الأجنبيّة.

وفي المقابل، فإنّ أصحاب رؤوس الأموال الأجنبية هم أيضاً عناصر أساسيّة في التعاملات المالية في البورصات العربية، وبالتالي، فإنّ أيّ عمليّات بيع وشراء يُشارك فيها العرب والأجانب، يكون لها تأثيرها غير المباشر على حالة البورصات العربية ككل، وهو ما شهدناه في الحالة المصرية التي خرج منها مستثمرون عرب وأجانب في اليومين الأولين لتعامل البورصة بعد إجازة عيد الفطر، ممّا خفض من مؤشّر ” كاس 30 “، المعمول به بنسبة 16 % ثمّ 7 % على التوالي. ولم تستعد البورصة المصرية بعضاً من خسائرها إلاّ بعد مرور عدّة أيّام، حين استجاب مدّخرون محليّون للشِّراء في أسهم العديد من الشركات، ممّا قلّص الخسائر إلى حدود 3.1 %.

حالة البورصة المصرية ليست مُنفردة، فما جرى في بورصات الدُّول العربية الخليجيّة كان نُسخة مكرّرة من الهُبوط الشديد، ثم استعادة جُزء بسيط من الخسائر التي مُني بها المستثمرون في الأيام الأولى.  ومثل هذه الدورة، وإن عكست حقيقةَ أنّ عدداً من الإقتصاديّات العربية، لاسيّما الخليجيّة ومصر، باتت مُندمجة عُضوياً في آليات النظام المالي الدولي، وبالتالي، باتت مُعرّضة للتأثر نتيجة الهزّات التي تحدث في هذه الآليات بصورة تلقائيّة، لكن هذا الأمر لا يمكن أخذه على إطلاقه أو بمعنى آخر، إنّ طبيعة الأزمة وحدود التأثّر حتماً ستَختلف بين الحالة العربية والحالة الدولية، خاصة الأميركية والأوروبية، كما أنّ حجم تأثّر كلّ حالة عربية يختلف عن الأخرى.

7-2-2 اختلاف الأزمة:

لقد بات معروفاً أنّ الأزمة المالية الأميركية تعود إلى عدد من السياسات التي طبّقتها المؤسّسات المالية الأميركية الكبرى، في إطار مضاربات هائلة على الرّهن العقاري ولعدّة سنوات مضت وبدون رقابة من الإحتياطي الفدرالي الأميركي، ونتيجة مُمارسات لمُدراء هذه المؤسّسات، تجاوزت المعايير المصرفيّة المقبولة، ممّا نتج عنها زيادة هائلة في أسعار العقارات، دون أن يكون ذلك مُتناسباً مع قيمتها الحقيقية، الأمر الذي قاد إلى توقّف الكثيرين عن سَداد تلك القروض، ومن ثمّ انخفاض أسعار العقارات وتعرّض المؤسّسات المالية للإفلاس.  هذه المجموعة من الأسباب تعني أنّ مشكلة النظام المالي الأميركي هي مشكلة ملاءة في الأساس، ترتّبت عليها مُشكلة سيولة، ونفس الأمر حدث في المؤسّسات الأوروبية التي نهجت المسار الأميركي ذاته، ممّا دفع الحكومات والبنوك المركزية لضخِّ أموال كثيرة في محاولة لتوفير سُيولة في الأسواق والحفاظ على استمرارية النشاط الإقتصادي واتِّخاذ جُملة خطوات تدعَم رقابة البنوك المركزيّة على البنوك التجارية ومؤسّسات التمويل.

7-2-3 أشكال التأثّر:

بهذا المعنى، تبدُو أزمة البورصات العربية مُغايرة تماماً. فالشركات العربية المسجّلة في هذه البورصات لم تشهَد تغيّرات هيكليّة أو سوء أداء أو تراجُع مؤشّرات، وهي الأسباب التي تدفع أسعار الأسهم إلى التّراجع في الظروف العاديّة، وغالب ما حَدث في هذه البورصات كان نتيجة ذُعر وهَلع وخَوف من تأثيرات قد تأتي من الخارج، وهو ما حدث جُزئياً حين أقدم المستثمرون الأجانب على بَيع ما لَديهم من أسهم في شركات عربية، في مُحاولة لتعويض خسائرهم التي تحمَّلوها في بورصات بُلدانهم الأمّ.  وبحسب معهَد التمويل الدولي، فإنّ دُول مجلس التعاون الخليجي كانت قد استثمرت في أصول أجنبيّة في أوروبا وأميركا، في حدود 530 بليون دولار في السنوات الخمس الماضية، منها 300 بليون في الولايات المتحدة وحدها.  أمّا الإستثمارات العربية في الأصول المالية، فقد بلغت 322 بليوناً، منها 308 بليون دولار تعود للملكة العربية السعودية ودُول الخليج العربية الأخرى، و 11 بليون من مصر، و 1.2 بليون من المغرب، أمّا الـ 12 بليون الأخرى، فجاءت من الأردن ولبنان وتونس، وقد اختلف حجْم التأثّر تَبعاً لنوع الإستثمار.  فإن كان في أوراق مالية تضمَنها الحكومة الأميركية وسَنَدات خزينة، فهي لم تصب بسوء، والعكس صحيح إن كان الإستثمار في أوراق مالية تصدرها مؤسسات مالية خاصة، أفلست أو كادت. ولكن، نظراً لأنّ الأزمة لم تنته وكلّ مؤشِّراتها الظاهرة تؤكِّد استمرارها حيناً آخر من الزمن، قد يمتدّ عام أو أكثر، فإنّ مصير استثمارات البنوك الخليجية ما زال معرّضاً للخطر، وقد يُصاب بعضها بالزّوال الكامل، كما حدث مع استثمارات بنك أبو ظبي الوطني قبل الأزمة.

7-2-4 السيولة العربية

على عكس ما جرى في الإقتصاد الأميركي وعدد من الاقتصادات الأوروبية، فكلّ الدّول العربية لا تعاني من أزمة سيولة وليس لديها أزمة رَهن عقاري، بالطريقة التي جرت وقائعها في الولايات المتحدة وأوروبا، وإن كان يُمكن استثناء السوق العقاري الإماراتي الذي شهد تضخّماً في السنوات القليلة الماضية، والمرجّح أن يتأثر بشحّ السيولة الدولية.  أمّا احتياطيّات الدّول العربية، فلم تتأثّر بصورة مباشرة، لاسيّما التي تحتفظ بالجزء الأكبر من أموالها في مؤسّسات مالية لم تتورّط في أزمة الرّهن العقاري الأميركي والأوروبي، كما هو الحال في الإحتياطي المصري، الذي يستثمر منه 98 % في أذون خزانة أميركية وأوروبية مضمونة، حسب تأكيدات وزير المالية المصري.  واللافت للنظر هنا، أنه لم يضخّ أيّ بنك مركزي عربي جزءاً من الأموال في الأسواق المحلية، وبما يعكس أنّ التأثّر في البورصات المحلية هو نتيجة عارضة، وليست نتيجة تراجُع أداء اقتصادي أو مالي هيكلي عربي.

ولكن هذا الأمر لم يمنع قول بعض المراقبين من أنّ عدم اتخاذ هذا الإجراء هو نتيجة خوف من أنّ مزيداً من ضخّ الأموال في الأسواق الخليجيّة قد يؤدّي إلى خفض سعر العُملة الخليجيّة، ممّا يزيد من الخسائر الفعليّة، وبالتالي، فإنَّ عدم الضخّ قُصد به الحفاظ على قيمة العُملة من جانب، وعدم زيادة حجم الخسائر التي وقعت بالفعل.  والإستثناء الوحيد، هو الحالة الإماراتية التي ضخّها البنك المركزي 50 مليار درهم، بما يعكس حجم التأثّر الكبير الذي نال من البنوك الإماراتية التي تستثمر في الولايات المتحدة وأوروبا، في حين أنّ مؤسّسة النقد في السعودية ما زالت مستمرة في زيادة حجم الإحتياطي لدى بنوك، ممّا يَعني أنّ السوق النّقدي السعودية لا يحتاج لضخّ سيولة إضافية.  كما أنّ الضرورة – وكدرس من الأزمة- أن تحدّد المصارف المركزية في الخليج نسبة الإقراض العقاري من قبل البنوك، عند معدّلات لا تزيد عن 25 % من ميزانية أي بنك، وأن تقوم المصارف التي أعطَت قروضاً تزيد عن النسبة المُقترحة بتقليصها إلى 25 % في فترة لا تتجاوز ستة أشهر.  ومعروف أنّ البنك المركزي المصري يضع سقفاً لا يتجاوز 10 % من إجمالي ودائع أيّ بنك لاستثمارها في الرهن العقاري.  لكن مصر تظلّ، ومن على شاكلتها، من الدول العربية التي تنتظر استثمارات خارجية، كالمغرب وتونس واليمن وغيرهم، سيكونون معرّضين لتأثيرات من نوع آخر، أبرزها قلة الإستثمارات الأجنبية المُنتظرة لأغراض التنمية، ومن ثمّ ضرورة اعتماد أكبر على الموارد المحلية من أجل التنمية، التي ستأخذ فرضاً شكل الإعتماد على الذّات وتشديد دور البنك المركزي في الرّقابة على البنوك المحليّة أو الفروع لبنوك أجنبية، ناهيك عن وضع ضوابط أكثر على الرّهن العقاري.

إذاً كما وضحنا، لقد عانت الدولة في العالم العربي من ثلاثة مشاكل أساسية:

– إحتلال وهذا ما تجدّد في الوقت الحاضر باحتلال مباشر في العراق بعد تداعيات 11 أيلول.

– تجزئة وهذا ما نجده في اضطراب العلاقات العربية فيما بينها وفي فشل النظام الإقليمي العربي ممّا يفسح المجال لمشاريع خارجية منها مثلاً مشروع الشرق الأوسط الجديد.

– تخلّف يضع الدولة في حالة تقهقر أمام تحدّيات العولمة.

ومع كلّ هذه المعاناة والمشاكل التي عانت وتعاني منها الدول في العالم العربي،  يطرح السؤال التالي: ما هو مصير هذه الدولة؟ هذه الدولة التي افتقرت للمعنى الحديث للكلمة أي لدور الفرد وللديمقراطية وفعالية المؤسّسات.

هل بقرار تمّ صياغته في الولايات المتحدة الأميركية تحت عنوان محاربة الإرهاب ونشر الديمقراطية تسير هذه الدولة على طريق الحداثة وتتلاقى مع الديمقراطية ومع المفهوم الغربي للكلمة؟

ثانياً – الدور الأميركي وتأثيره على إعادة صياغة نموذج الدولة العربية.

لكي تحافظ الدول المتقدّمة على مصالحها في بلدان العالم الثالث أوجدت في معظم دولها أنظمة سياسيّة تسلّطية مغايرة لمفاهيم الحرية والديمقراطية وأنتجت في بعضها الآخر أنظمة ديكتاتورية برزت بواطنها بالسيطرة على السلطة واحتكار وسائل الإنتاج والعمل على تهميش الفرد في المجتمع بإفقاره وتجهيله بهدف شلّ قدراته ليُصبح عاجزاً عن أيّة حركة تعبيرية أو لعب أيّ دور ريادي ممّا أفقد المجتمع الحالة التحفيزية للنهوض. فكيف تغيّر هذا الموقف وأصبحت الدول المتقدّمة داعية لنشر الديمقراطية والساعية لتطبيقه؟ لطالما كانت كلّ الدول المُستعمِرة التي مرّت على هذه المنطقة تدعو إلى التحديث وتستخدم هذا الشعار لتنفيذ مآربها السياسية والإقتصادية. فهل هذا ما نشهده اليوم تحت عنوان مكافحة الإرهاب ونشر الديمقراطية ؟

1- السياسة الأميركية تجاه الدول العربية والتحوّل إلى اعتماد مبدأ نشر الديمقراطية:

1-1 كيف تحوّلت السياسة الأميركية تجاه الدول العربية إلى اعتماد مبدأ نشر الديمقراطية؟ 

ترك الغربيّون النشوة تتغلّب عليهم في مطلع التسعينات، بعد انتصارهم الكامل في نهاية حرب باردة حفلت بالمخاطر بين الشرق والغرب، وقد إتخذ هذا المزاج طابعاً انتصاريّاً في الولايات المتحدة فبشّر الرئيس جورج بوش الأب بقيام ” نظام دولي جديد ” خلال عقود، يكون في مصلحة البشرية جمعاء. وانبرى الباحث الأميركي فرنسيس فوكوياما، وكان في حينه في صفّ المحافظين الجدد، للإعلان عن ” نهاية التاريخ ” لمجرّد أن فوز الغرب بالضربة القاضية لن يُمكّن بعد الآن أيّ قوة أو أي إيديولوجيا من مواجهته. فقيَمُه من اقتصاد السوق إلى الديمقراطية، ستتمدد دون مقاومة إلى سائر أنحاء العالم. في كلّ حال ، كان دينغ زياو بينغ قد أقرّ، منذ نهاية السبعينات، في الصين، المنعطف الراديكالي نحو اقتصاد السوق. فالتطبيع الديمقراطي والليبرالي ظهر بالتالي محتوماً.  لم تلقَ تحذيرات الأستاذ صموئيل هانتنغتون الذي اعتبر على العكس، أن العالم بات مهدّدا  بـ ” صدّام الحاضارات “، آذاناً صاغية، لأنّها تسبّب الكثير من المخاوف وتخرج عن المتعارف عليه سياسيّاً، كما تناقض تماماً اليقين الأميركي والتفاؤل الأوروبي. ميّز هانتنغتون بين تسع حضارات: الغربية، الأميركية، اللاتينية، الإفريقية، الإسلامية، الصينيّة، الهندوسيّة، الأرثوذكسيّة، البوذيّة، اليابانيّة( ).

وقد جوبه هذا التصنيف بالمماحكة وكذلك مفهوم ” الحضارات ” والصراع المفترض فيما بينها. لم يمنع ذلك الأميركيّين من اعتبار قيادتهم للعالم وهيمنتهم عليه ضروريّتين لتأمين استقراره وسلامته. أمّا في نظر الأوروبيّين والكنديّين، المتحفزين لكسب ” مغانم السلام “، فإنّ نهاية الحرب الباردة هذه سوف تؤدّي إلى قيام مجتمع دولي حقيقي، بعد الآمال المتكرّرة التي خابت مع نهاية الحرب العالمية الأولى في عصبة الأمم، ومن ثمّ مع منظمة الأمم المتحدة بعد 1945. على أن تتشارك الدول، داخل المجتمع الدولي المنشود، القيم ذاتها المستوحاة من الغرب لكن المعترف بها عالمياً، وتعمل معاً وفق القواعد المتعدّدة الأطراف التي من المفترض أن تتيح للدول الأكثر تواضعاً إسماع صوتها، وللأكثرية أن تقرّر بما فيه المصلحة العامّة. فيُصار إلى تهميش الدول القليلة الممانعة أو ” المارقة “، وإرجاعها إلى الطريق القويم. كما سيتمّ استباق النزاعات، وستجد المشاكل الكبرى حلاًّ لها في إطار الأمم المتحدة أو مجلس الأمن الدولي اللذين سيتمكّنان أخيراً من لعب دورهما كاملاً، كما نصّت عليه شرعة الأمم، وكما حدث في الحرب التي قادت إلى تحرير الكويت من الإحتلال العراقي، عام 1991، والتي تقرّرت شرعيّاً وقانونياً بإجماع الدول الخمس الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن. وستولد عدالة دولية تحرم المجرمين الكبار الإفلات من العقاب وتردع، كما يؤمل، ارتكاب جرائم جديدة. سيزداد حضور ” المجتمع المدني الدولي ” بما يُرغم الدول على اعتماد الشفافيّة وآداب السياسة والأخلاق، وصولاً، في بعض المجالات ومن خلال بعض المنظمات غير الحكومية إلى حدّ الحلول محلّ هذه الدّول( ).

أمّا العولمة، فإنّها ستكون سعيدة بفضل التجارة التي ستفتح كلّ أرجاء العالم، بعضها على البعض الآخر. فالإسقاط التدريجي للحمايات التجارية سيُزيل الحواجز ويدفع بظواهر الإنتماء المتشنّجة وحالات الإنكفاء إلى التراجع. تستفيد من هذه العولمة البلدان والشعوب وكذلك الأفراد، وتولد منها ثقافة شمولية توفيقيّة على صورة ” المأكولات العالمية ” World Food في فنادق نيويورك أو شنغهاي الكبرى أو كما في بعض النتاج الموسيقي. كل هذه أحلام أميركا بعد سقوط الاتحاد السوفياتيي، فكيف تشرع في تنفيذها من دون أن تبدأ في نشر ديمقراطيتها؟

طوال التسعينات، جمعت لقاءات القمّة الإحتفالية الكبيرة في الأمم المتحدة حوالي 190 من الدول الأعضاء لمعالجة مسائل البيئة (ريو دي جانيرو، 1990)، والتنمية الإجتماعية (كوبنهاغن، 1995) ودور المرأة في المجتمع (بكين، 1995) وما إلى ذلك. سادت القناعة بأنّ هذه المقاربة المتعدّدة الجانب هي الوسيلة الفضلى لمجابهة ” التحديات الشاملة “. وشاعت لدى الأوروبيّين ولدى هامش صغير من الديمقراطيّين الأميركيّين، فكرة تقول بأنّه قد تمّ تجاوز العلاقات الدولية التقليدية من دولة إلى دولة. كما شاع السخط ضدّ ” الريالبوليتيك ” أو السياسة الواقعية التي يعرّفها قاموس            ” لوروبير ” الفرنسي بأنّها ” سياسة دولية تقوم على اعتبارات موازين القوى والإمكانيات الملموسة، خارج تأثير الإيديولوجيا ” لكونها ولّدت فظائع القرن العشرين. فتُستبدل بحسن إدارة (حاكمية) التحديات الشاملة من خلال النظام المتعدّد الأطراف، وبالأطراف الفاعلة الجديدة – المجتمع المدني، المنظمات غير الحكومية، وسائل الإعلام، العدالة الدولية، ألخ.. – والتجارة الحرّة ودبلوماسية حقوق الإنسان. بلغ هذا التفاؤل ذروته مع ” إعلان الألفيّة ” الذي أطلقت عليه هذه التسمية عند إقراره في 8 أيلول 2000 والذي تبنّته جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة. ويذكر هؤلاء في هذا الإعلان المؤلّف من 32 بنداً أنّ ” الأمم المتحدة هي مكان الإلتقاء الذي لا غنى عنه للبشريّة جمعاء، حيث نجهد لتجسيد طموحاتنا الكونية في السلام والتعاون والتنمية “. ويعدّد النصّ القيم الأساسية المفترض أن تقوم عليها العلاقات الدولية في القرن الواحد والعشرين، أي الحرية والمساواة والتضامن والتسامح واحترام الطبيعة وتقاسم المسؤوليّات، إعلان مبادئ ودعوات يستحيل الإعتراض عليه، نتيجة لشعور التفوّق السائد، تصبح السياسات الخارجية بحدّ ذاتها من دون طائل. فإذا كان الغرب قد انتصر، ما الفائدة من التفاوض مع أنظمة مُدانة أو غير قابلة للتعامل معها ؟ لماذا التورّط مع الطغاة؟ لماذا البحث عن تسوية طالما ستُفرض عليهم القيَم الغربية طوعاً أو كرهاً، شاؤوا أم أبوا، وأنّه يكفي تأنيب الممتنعين أو تحذيرهم أو معاقبتهم، وفي كلّ مرّة اضطرّ فيها الديبلوماسيّون، وخصوصاً المسؤولين السياسيّين، بسبب ضرورات الحياة الدولية أو إيجاد حلّ لأحد النزاعات، إلى الإتصال مع نظام غير ديموقراطي أو معاد للغرب في آسيا وأفريقيا والعالم العربي، أو حتى مع روسيا بزعامة بوتين، ترتفع، بإسم الأخلاقية السامية، الإنتقادات المتعالية من الرأي العام ووسائل الإعلام والمنظمات الغربية غير الحكومية، في وجه دول انحرفت بالضرورة تحت وطأة ” الريالبوليتيك ” أو بمفاعيل التجارة. كيف تجرأون على التحدّث مع هذا الطاغية أو ذاك ؟ كيف تثقون بهذا النظام أو ذاك ؟ بيد أنّ هذه الأوهام ارتدت، في بعض المجالات أشكالاً مختلفة، لا بل متنقاضة، كما في الولايات المتحدة أو أوروبا( ). بالمختصر لقد عملت الولايات المتحدة الأميركية على تطبيق رؤيتها وتنفيذ برنامجها العالمي، فهي سيدة العالم.

1-2 تطوّر الأفكار على صعيد المسار الديمقراطي:

لفهم هذه الظاهرة، تجدر العودة إلى تطوّر الأفكار التي برزت في المقلب الثاني من المحيط الأطلسي والتي كان لها تأثيرها في باقي أرجاء العالم. بين 1989 و 1992، كان لجورج بوش الأب، الرئيس الواحد والأربعين، وفريق عمله، لاسيّما جايمس بايكر والجنرال سكوكروفت، تفسير تقليدي للزعامة الأميركية، يقوم على الواقعية والقوة في سياق الخط المعهود للحزب الجمهوري، وذلك دون غطرسة مفرطة، ولا ميل تبشيري خاص أو نزعة للغزو، إلى درجة بدت فيها الولايات المتحدة في صورة ” شرطي العالم المتردّد “. وقد قامت، بالتعاون مع هلموت كول وفرنسوا ميتران وميخائيل غورباتشوف، بإدارة انهيار الإتحاد السوفياتي ونهاية العالم الثنائي القطب، بتصميم وشعور بالمسؤولية. وقد التزمت بدقّة، في حرب الخليج بالتفويض الأممي بتحرير الكويت، عاملة، فور إنجاز المهمّة، على إطلاق عملية السلام العربية الإسرائيليّة. وخلال ولايتي الرئيس كلنتون (1993-2000)، برزت القوة الأميركية في أبهى حللها على جميع الأصعدة، الإقتصادية كما السياسية. فالرئيس كلنتون، ومن خلال مقاربته الإستثنائية للوقائع السياسية الخارجية، وهي ميزة نادرة لدى رجال السياسة الأميركيّين، والجهود المخلصة ولكن المتأخّرة التي بذلها لإحلال السلام في الشرق الأوسط، أعطى هذه القوة الفائقة وجهاً مقبولاً من العالم أجمع. فكان، بمجرّد وجوده في البيت الأبيض، يكبح نزعة السيطرة المتصاعدة من عمق الرأي العام الأميركي، والتي كانت ظاهرة للعيان في الإعلام وبعض مؤسّسات الدراسات والأبحاث. ثمّ جاء فوز الحزب الجمهوري خلال الإنتخابات في العام 1994 بتجديد مجلسي الشيوخ والنوّاب، ليدلّ على ما كانت تشهده أميركا من تطوّر في العمق: الشعور القومي الضيّق، الأولويّة المعلنة من جديد للمصالح الوطنيّة، الريبة من أيّ ذوبان للسيادة في السياسة المتعدّدة الجانب وبالتالي في الأمم المتحدة، مفهوم فوقيّ وأحادي الجانب للعلاقة مع الحلفاء، ولاعتقاد بإمكانية الحل العسكري للنزاعات. وكان هذا الإنتصار يبشّر بخطّ أكثر تشدّداً ممّا عبّر عنه في الماضي شعار رونالد ريغن ” أميركا عادت ” America is back ، والذي سيشهد تأكيداً له في ما أعلنه جورج والكر بوش، يوم 12 أيلول 2001: ” ها قد وجدنا رسالتنا “.

لهذا التحوّل الجمهوري المثقل بالنتائج مسار طويل. فالتخلّي الواسع للفئات البيضاء المتواضعة في الجنوب عن حزب روزفلت الديمقراطي، في الستينات، لسخطها على سياسة جونسون ضدّ التمييز العنصري، التحاقها بالحزب الجمهوري، دفعت بهذا الأخير، بعد ثلاثين سنة، نحو سياسة شعبويّة يمينيّة. وهي شعبوية ترسّخت بفعل الحركة الإنجيلية، الأصولية في قراءتها للعهد القديم، والتي انحازت لهذا السبب في الخارج، وبشكل كامل، إلى اليمين الإسرائيلي الأكثر تشدّداً. وفي ذلك مفارقة كبيرة نظراً للميراث الإيديولوجي والعنصري في أجزاء من الجنوب الأميركي. في الوقت نفسه، كان تيّار ” المحافظين الجدد ” يسلك طريقة في أوساط النخب الجمهورية. والتسمية خاطئة لكون اليساريّين السابقين الذين تشكّل منهم هذا التيّار ديمقراطيّين ومثقفين، كانوا في الغالب من التروتسكيين، انتقلوا إلى الجهة المقابلة بأن تحولوا ليس إلى محافظين بل إلى ثوريّين رجعيّين. وقد ناهضوا دون هوادة، خلال الحرب الباردة، سياسة الإنفراج التي انتهجها هنري كيسنجر، عدوّهم اللّدود والتي يعتبرونها متساهلة مع الإتحاد السوفياتي وأعداء أميركا، ثم استقبلوا رونالد ريغن كمفاجأة من السماء، ولجموا حماستهم إزاء واقعية الرئيس بوش الأول ليفتروا كيفما اتفق على الرئيس كلينتون في حياته الشخصية وفي سياسته. كانوا يأخذون عليه أنّه لا يفرض احترام أميركا، ولا يستخدم القوة في العراق للإطاحة بصدّام حسين، ويبدو مصداقية الولايات المتحدة في بحثه العديم الجدوى عن الحلّ في الشرق الأوسط، وانتهى بهم الأمر إلى التشهير به في قضية [مونيكا] لوينسكي.

في الواقع كان هؤلاء ” المحافظون الجدد ” يفكرون منذ السبعينات، حول السيناتور جاكسون ومساعده ريتشارد بيرل، وحتى في عهد كلينتون، وفي عزّ مسيرة السلام التي انطلقت في أوسلو، وجود القضيّة الفلسطينيّة، ويؤكّدون أنّها مجرّد ابتكار من قبل يسار إسرائيلي يفتقد إلى الصوابية، ومن جانب المناهضين لإسرائيل في العالم أجمع، وأنّ الحلّ يقوم، في الواقع، على التحوّل الطوعي أو القسري للبلدان العربية المجاورة نحو الديمقراطية، ما يجعلها، برأيهم، صديقة للغرب ولإسرائيل، وهذا ما سيسمح للإسرائيليّين بالإحتفاظ بالأراضي المحتلّة، كما كان يرغب حزب اليمين الإسرائيلي، الليكود، الذي أسّسه مناحيم بيغن عام 1973، كتب لهذا الإنكار ولمحاولة الإلتفاف هذه على القضيّة الفلسطينيّة، والمعلنة عام 1996، في وثيقة بعنوان ” قطيعة واضحة واستراتيجيّة جديدة للمحافظة على المملكة “، أن تؤدّي، حتّى يومنا هذا، إلى أوخم العواقب على الوضع في الشرق الأوسط، وعلى أمن إسرائيل والعلاقات بين الغرب والعالم العربي الإسلامي، لا بل والإسلام بصورة عامة. وقد دمج هؤلاء المحافظون الجدد، بطريقة فريدة، بين الميراث القومي الأميركي، الخاص بالرئيسين تيودور روزفلت ووليم تافت، وبين التقليد المسيحاني (الخلاصي) الديمقراطي الذي أغاظ به الرئيس ويلسون عام 1919 كليمنصو في باريس، والذي ما يزال يطغى على فكرة الغرب عن الدور المناط به قبل انتخاب الرئيس جورج بوش الإبن وتورّطه في العراق، كان لهذا المزيج الفريد تأثيره الأكيد حتى خارج دائرة المحافظين ليطال بعض الديمقراطيّين وبعض الرأي العام المستنير. باتت فيتنام طي النسيان، ومع انهيار الإتحاد السوفياتي، استعاد الأميركيون ملء الثقة برسالتهم، بـ ” قدرهم المشهود” والذي يبرّر ” استثنائيتهم “. وهكذا بدت عملية التحوّل الديمقراطي في العالم مهمة طارئة وقابلة للإنجاز، وغير خاضعة للنقاش في نظر الرأي العام الأميركي والأوروبي أيضاً في كلّ حال. هكذا عمدت السيدة مادلين أولبريت وزيرة الخارجية في عهد الرئيس كلنتون، للدعوة إلى مؤتمر في فرصوفيا (حزيران 2000) يضمّ مبعوثين من حوالي المئة دولة لإقامة ” مجتمع الديمقراطيّات “. فعلام الإنتظار إذا كانت الديمقراطية هي خطّ الأفق القريب المدى الذي لا يمكن للشعوب تجاوزه، وإذا كان الغرب ضمانتها ورأس حربتها، لماذا لا نطيح بالدول المارقة، وكيف نتحمّل الشلل لا بل الإهانة من قبل الطّغاة داخل الأمم المتحدة ؟ ستقرّ مادلين أولبرايت، بعد سنوات، أنها اعتقدت في حينه بإمكانية التوسّع الديموقراطي السريع في العالم أجمع دون مصاعب لا يمكن تجاوزها. لم تكن وحدها في هذه القناعة، وكان ذلك قبل الإخفاق العراقي. فإغراء إنجاز هذا البرنامج من خلال حلف شمال الأطلسي الموسّع، والذي يتحوّل أمماً متحدة طيّعة بين أيديهم، كان ماثلاً في أذهان مخططي السياسة الأميركية. إنّها نسخة موسّعة بعض الشيء لما كان يقوله في ما مضى تشرشل إلى وزير خارجية ايزنهاور، جون فوستر دالاس: ” وحدها الشعوب الأنغلوفونية يُحسب لها حساب، ويمكنها بالتعاون معاً  قيادة العالم “.

في العام 2003، اعتقد الأوروبيّون أنّهم على تعارض تام مع بوش، لكنهم في الواقع، كانوا يؤمنون إلى حدّ كبير بنفس رسالة الغرب الديمقراطية ضف إليه أنّ الرأي العام الفرنسي مؤيّد تماماً لحقّ ، لا بل لواجب ” التدخّل ” الذي يجسّد برنار كوشنر و ” الأطبّاء الفرنسيّون ” صورته المحبّبة. إنّها إعادة اعتبار بعد كسوف دام بضعة عقود من الزمن فقط، لـ ” الواجب الحضاري ” الذي كان يتذرّع به المستعمرون فيما مضى والذي طواه النسيان لوقت قصير في مرحلة الإستقلالات. وقد قرّرت غالبية وسائل الإعلام أنّ مهمّتها السهر على تحوّل هذه اليقظة الديمقراطية أولويّة في السياسات الخارجية للدول الغربية. لكن الخلاف الأبرز بين الأوروبيّين والأميركيّين يدور حول اللّجوء إلى القوّة. فمنذ العام 1945، وأكثر من ذلك، منذ العام 1989، يعتقد الأوروبيّون أنّهم يعيشون في عالم ما بعد المأساة، ما بعد التاريخ (وحتى ما بعد القوميات في نظر دُعاة الفيديرالية)، عالم مثالي، ديموقراطي ومسالم تسوده القيم الكونية، المعايير والحقوق، الأمن الجماعي والوقاية من النزاعات. وهم، في شكل من الأشكال، يحلمون بعالم يسكنه الأوروبيّون الغربيّون فيتبنّون، بصورة مختصرة، مفهوم ” القوّة اللينة ” Soft Power الذي صاغه البروفسور الأميركي جوزف ناي Nye، عام 1990.

في الوقت عينه، وفي توجّه مناقض، يقولون بالضرورة الملحّة، والتبشيريّة، لفرض قيمهم الخاصة على الآخرين جميعاً. لكن ليس بالقوّة، فالأوروبيّون يشرّعون الخطب وفرض الشروط والإبتزاز في مسألة المساعدات والتأنيب والتدخّل. لا يحبّذون الحرب والقنابل والإحتلال العسكري، لا بل يشعرون برهاب اللّجوء إلى القوّة، حتّى تلك المقرّرة قانوناً. الأميركيّون يقبلون بها ويجدونها شرعيّة (طالما أنّها قوّتهم)، على أن يُخضعوا آليتها للنقاش. فيعتبرون غالباً أنّ الشجاعة تقضي بذهابهم إليها منفردين، خلافاً للأوروبيّين الذين يضعون الشروط ويطالبون بقرار شرعي ومتعدّد الأطراف، وهذا ما يستنكره الأميركيّون باعتباره استسلاماً كما حصل في ميونيخ مقابل النازية. هذا ما يفسّر التوافق العام في الولايات المتحدة عند انطلاقة الحرب على العراق، والطلاق بين الرأي العام الأميركي والأوروبي، وهو ما سمّاه المؤلّف روبرت كاغن عام 2002، تعارضاً بين المرّيخ (الولايات المتحدة) والزهرة (أوروبا). ( )

عدا عن الخلافات بين الغربيّين حول اللّجوء إلى القوّة، إلاّ أنّهم يتشاركون الأحلام نفسها حول القيم الكونية – والديمقراطية تحديداً حول أهليّتهم (من منظوري الشرعية والفعالية) على فرضها من الخارج فإنتصار التسعينات بعث الإعتقاد في الغرب بإعتناق شبه فوري للديمقراطية، وفي العام 2003، اعتقد الأميركيّون أنّ ولادة الديمقراطية ستنبثق من سقوط صدّام حسين، كما انتظرها جيمي كارتر، عام 1979، عقب سقوط شاه إيران. يوزّعون على جنودهم كتباً تتحدّث عن ألمانيا أو اليابان عام 1945. تحت الطغيان، تجثم الديمقراطية، لكن الديمقراطية لم تقم حالاً في أيّ من البلدان الغربية، ولا حتّى في الولايات المتحدة الأميركية . فحرب الإستقلال، والقضاء على الهنود، العبودية الحرب الأهلية رفض حق التصويت للسود، بالإضافة إلى مشاكل اليوم من التمنّع عن التصويت وهيمنة المال واللوبيات، وطابع الإثارة الإجتماعية الكاريكاتوري الذي تتخذه السياسة، وقرون التناوب بين الثورات الدموية والقمع الشرس، وفي فرنسا كيف ننسى المئة والخمسين عاماً الفاصلة بين أوّل عملية اقتراع عام 1795 وحق الإنتخاب للنساء ؟ لم يُصار في أيّ مكان إلى فرض الديمقراطية من الخارج.

رامين جاها نبيغلو (فيلسوف إيراني) نفسه يعتبر أنّ على الغرب التشجيع على الديمقراطية دون السعي إلى فرضها. فحيثما أرادت فرنسا الثورية، الامبراطورية أو الكولونيالية فيما بعد فرض مبادئها، حصلت على نتائج معاكسة. في كلّ مكان، جاءت الديمقراطية نتيجة مسار معقدّ، متفاوت الوتيرة، مع اختراقات وتراجعات، وتفاعل بين الداخل والخارج، لكن مع غلبة العامل المحلّي كما يعتبر هوبير فيدرين وزير خارجية فرنسا (1997-2002) أنه كيف يتمّ المخاطرة بالفشل الذريع عندما يتمّ الخلط بين إعادة الديمقراطية (بعد 1945 في ألمانيا وإيطاليا، ثم إسبانيا والبرتغال واليونان وأميركا اللاتينية) وإقامتها حيث لم يكن لها قبلاً وجود أو جذور (العراق 2003، أفغانستان 2002)، بين المجتمعات المتجانسة (اليابان، 1945) والمتنافرة (العراق، بلدان أفريقيا)، بين التقنيات الديمقراطية السهلة التصدير (إنتخابات تحت الرقابة) والثقافة الديمقراطية (احترام حقوق الأقليّات، حقوق المواطن) التي يتطلّب زرعها في النفوس زمناً طويلاً ؟ كيف يتمّ الخلط، في المحصّلة بين مسار الديمقراطية الداخلية من خلال الإمكانات الملائمة التي يكتنزها المجتمع، وبين فرض هذه الديمقراطية من الخارج ؟ فكيف إذا جاء هذا التدخل من قبل دولة استعمارية سابقة أو من ولايات متحدة فقدت شرعيتها بنظر العالم العربي بسبب انحيازها وفظاظة مواقفها من النزاع الفلسطيني الإسرائيلي. ويلاحظ فيدرين في كلّ ما سعى إليه الغربيون، الأميركيون كما الأوروبيّون، منذ خمسة عشر عاماً في التصريحات والخطب والعقوبات والشروط، ضمن روحية الحملة الديمقراطية في إتجاه الروس والصينييّن والعرب الأفارقة، فالنتائج المحقّقة أتت هزيلة، فربّما تصدير الأنظمة الديمقراطية الجاهزة عملية تؤدّي في جميع الحالات تقريباً إلى عكس النتيجة المتوخّاة أي رفض التطعيم الديمقراطي. ( )

هذه الكونية الغربية، القويمة التفكير، النازعة للهيمنة الأبوية والواثقة من نفسها اصطدمت بالوقائع. هذا ما حدث عام 1995 مع نهاية مسار السلام المُنتظر في الشرق الأوسط والذي تسبّب به اغتيال اسحق رابين على يد أحد نشطاء اليمين الإسرئيلي المتطرّف رابين الذي كان يقول: “سأحارب الإرهاب كأنّ لا وجود للإرهاب”، منعاً للإرهابيّين من أيّ طرف كانوا أن يقرّروا عنه، وتفادياً لاستخدام ذرائع بائسة لوقف التقدّم. بالطبع، استمرّت العملية التي أطلقها جورج بوش الأب وجايمس بايكر، وأكملها بيل كلنتون، بمشقّة لبعض الوقت: قبل أن تغرق مع إنتخاب نتانياهو في العام 1996. منذ ذلك الحين توارى الأمل في سلام موثوق، باستثناء ما حصل وبسرعة في العام 2000 من تفويت للفرص. وهذا الجرح المفتوح ما زال يسمم أيّ علاقة بين الغرب والإسلام. وبدا من ثمّ تكاثر، أو انبعاث، المواجهات بين العصبيّات والمطالب ذات التلوين الطائفي أو الإثني الصريح (البلقان، القوقاز، رواندا، نهضة القومية الهندوسية، انبعاث الإسلام السياسي) كأنّه تعارض مع دعاة التلاقي الذي لا مفرّ منه للشعوب في إطار التوافق ذي المنحى الكونيّ. ففي دوربان، بين 31 آب و 7 أيلول 2001، اصطدم مؤتمر الأمم المتحدة ضدّ العنصرية وهو الموضوع الأكثر قابلية للتوافق من حيث المبدأ، بتعريف تاريخ العبودية والنتائج السياسية المتوخّاة من هذا التاريخ، ولفت هذا الفشل أنظار المتفائلين بصورة مباغتة إلى الهوّة التي ما تزال كبيرة بين الغربيّين والأفارقة والمسلمين.

ثم انتُخب جورج بوش الإبن في تشرين الثاني من العام 2000 الرئيس الثالث والأربعين للولايات المتحدة الأميركية. دخل إلى البيت الأبيض حاملاً معه مفاهيم في السياستين الداخلية والدولية أذهلت الأوروبيّين بقدر ما أخافتهم، لاعتقادهم بأنّ هذه المفاهيم تنتمي إلى الماضي، في الوقت الذي لم يكونوا فيه أكثر من جزيرة صغيرة محميّة في العالم اليوم. لكن اعتداءات الحادي عشر من أيلول 2001 جاءت لتبرهن أنّ الإرهاب في زمن العولمة تعولم بدوره. كان وقع المأساة كبيراً على العالم لأنّ ضحيّتها، الولايات المتحدة، التي كانت تعتقد نفسها، ويعتقدها العالم أجمع منيعة. لكنّها فقدت مناعتها في وجه العمليّات الإنتحارية. لقد وفّر 11 أيلول لنائب الرئيس ديك تشيني والمحافظين الجدد الذريعة الحاسمة التي كانوا يسعون وراءها لتوجيه سياسة إدارة بوش، في مسار تبشيري وعسكري وتدخلي. ونظراً لضعف قدرته على المقاومة العسكرية، ولطبيعة نظامه المُدان، شكل العراق الهدف المنشود، والمجدّد سلفاً من خلال مجموعة من الأدلّة الكاذبة، بغية تقديم البرهان الضروري على القوّة الأميركية المحكومة بالكبرياء الوطنية ولكن أيضاً بالإستراتيجيّات النفطية وبمساندة إسرائيل ونشر الديمقراطية.

2تداعيات أحداث 11 أيلول على المنطقة العربية والحرب على الإرهاب:

2-1 بروز الدور الأميركي:

ممّا يزيد أهميّة دور العوامل الخارجية في السياسات العربية هو أنّ المنطقة العربية تعتبر من أكثر مناطق العالم إنكشافاً تجاه العالم الخارجي، ومن أكثرها تأثّراً بالنظام الدولي، وذلك لاعتبارات عديدة تتعلّق بأهميّتها الإستراتيجيّة والإقتصادية من ناحية، وبوجود إسرائيل في قلبها وتواصل حلقات الصراع العربي – الإسرائيلي من ناحية أخرى، فضلاً عن تزايد دور الولايات المتحدة الأميركية ونفوذها فيها، سواء على الصعيد السياسي أو العسكري أو الأمني، وبخاصة في أعقاب تفكّك الإتحاد السوفياتي وحرب الخليج الثانية، حيث أسهم الحدثان في بروز دور الولايات المتحدة الأميركية كقوّة عظمى أولى في عالم ما بعد الحرب الباردة. وقد شكل ويشكل الدور الأميركي في الشرق الأوسط أحد المرتكزات الأساسية للدور العالمي والإستراتيجية الكونية.

2-2 الحرب على الإرهاب:

لقد جاءت الهجمات التي شهدتها كلّ من واشنطن ونيويورك في الحادي عشر من أيلول عام 2001، وما أعقبها من تطوّرات تمثّل أبرزها في قيام الولايات المتحدة الأميركية بشنّ ما أسمته         بـ ” الحرب ضدّ الإرهاب ” التي بدأت أولى مراحلها في أفغانستان في السابع من تشرين الأول 2001 حيث استهدفت حركة طالبان وتنظيم القاعدة. جاءت هذه الهجمات وتوابعها لتعزّز عناصر ومتغيّرات جديدة لها أو لبعضها انعكاساته القائمة والمحتملة على العلاقات الدولية من ناحية، وعلى التطوّر السياسي الداخلي في بعض مناطق العالم، وفي مقدّمتها المنطقة العربية من ناحية أخرى، وذلك على خلفية عدّة اعتبارات، منها: أنّ العديد من التنظيمات التي أعلنتها الولايات المتحدة الأميركيّة كتنظيمات إرهابيّة موجودة في عدد من الدول العربية، وبعضها تنظيمات مشروعة ولها تمثيل في البرلمان، كما أنّ عدداً من الدول العربية مرشّحة كأهداف للحرب الأميركية ضدّ الإرهاب التي يمكن أن تأخذ أساليب متعدّدة عسكرية وغير عسكرية وخاصة أنّ الولايات المتحدة الأميركية قد بدأت بالفعل ممارسة ضغوط على بعض الدول لتلبية مطالب محدّدة ثمّ جاءت الحرب الأميركية ضدّ العراق في آذار / مارس 2003 والتي انتهت بوقوع الدولة العراقية في قبضة الإحتلال الأميركي، لتخلق حقائق ومعطيات إقليميّة جديدة سوف يكون لها انعكاساتها على الدول العربية بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة.

2-3 على الصعيد الأمني:

على الصعيد الأمني تمثّلت أبرز التأثيرات القائمة والمحتملة لأحداث أيلول 2001 في ما يلي: أنّ إسرائيل استغلّت، أحداث سبتمبر وراحت تصعّد من عدوانها ضدّ الفلسطينيّين، ووصل الأمر إلى حدّ شن حرب شاملة ضدّ الشعب الفلسطيني أواخر آذار / مارس 2002، وهي الحرب التي أدّت إلى تدمير البنية التحتيّة للسلطة الوطنية الفلسطينيّة ومناطق الحكم الذاتي الفلسطيني، وقتل واعتقال المئات في صفوف الفلسطينيّين، بل إرتكاب مجازر وجرائم حرب أيضاً ضدّهم، وخاصةً في مخيّم جنين، فضلاً عن حصار وتدمير مقرّ الرئيس عرفات في مدينة رام الله، ومحاصرته أكثر من شهر وقد تمّ كلّ ذلك بضوء أخضر أميركي حيث كثيراً ما أكّدت الإدارة الأميركية عن خيبة أملها في الرئيس الفسلطيني، وأنّه لم يقم بالدور المطلوب منه في وقف أعمال المقاومة التي تصفها إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية بالعنف والإرهاب وراحت تؤكّد أنّها لن تتعامل مع عرفات، وعلى ضرورة أن تكون هناك قيادة بديلة له، وهو الأمر الذي ترتّب عليه تعيين محمود عبّاس رئيساً للوزراء، وقد استقال في أيلول سبتمبر 2003 ليخلفه في هذا المنصب أحمد قريع.  بالإضافة إلى ما سبق، فإنّ دولاً عربية عديدة أصبحت موضوعة في دائرة الحرب الأميركية ضدّ الإرهاب، سواء بدعوى سعيها لامتلاك أسلحة الدمار الشامل، كما هو الحال بالنسبة إلى العراق، أو بدعوى وجود عناصر وتنظيمات تعتبرها الإدارة الأميركية إرهابية على أراضيها، كما هو الحال بالنسبة إلى سوريا ولبنان أو وجود عناصر وشبكات ذات صلة بتنظيم القاعدة على أراضيها، كما هو الحال بالنسبة إلى اليمن والصومال.  ويؤكّد المسؤولون الأميركيّون أنّ الحرب ضدّ الإرهاب ستكون ممتدّة لفترة من الوقت وتكون متنوّعة الوسائل والأساليب. فالإدارة الأميركية أعلنت قائمة بالتنظيمات التي تعتبرها إرهابيّة، ومنها تنظيمات موجودة في بعض الدول العربية، كما هو الحال بالنسبة إلى حزب الله في لبنان وحركتي حماس والجهاد في مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني وبعض المنظمات الفلسطينية الموجودة في سوريا. والمشكلة هنا أنّ أعمال التنظيمات التي تصنّفها الإدارة الأميركية على أنّها إرهابية تندرج في إطار مقاومة الإحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية ولعلّ هذا الأمر هو الذي دفع الولايات المتحدة إلى تجاهل الدعوات التي طالبت بضرورة الإتفاق على تعريف دولي للإرهاب بما يضمن وجود خط فاصل بينه وبين أعمال المقاومة المشروعة من أجل التحرّر والإستقلال. وأكثر من هذا فإنّ بعض التنظيمات التي صنفتها الولايات المتحدة الأميركية على أنّها تنظيمات إرهابية هي تنظيمات معترف بها من قبل السلطات الحاكمة في دولها، بل إنّ بعضها له تمثيل في البرلمان، كما هو الحال بالنسبة لحزب الله.

2-4 قرارات مجلس الأمن:

لقد نجحت الولايات المتحدة في أعقاب أحداث الحادي عشر من أيلول / سبتمبر 2001 بإصدار قرارات عن مجلس الأمن بشأن مكافحة الإرهاب، وبخاصة القرار رقم 1373 الذي يفرض على دول العالم اتخاذ العديد من الإجراءات بشأن مكافحة الإرهاب في الوقت الذي لا يتضمّن فيه أيّ تحديد لمعنى الإرهاب، وهذا القرار وغيره يوفّر للولايات المتحدة الأميركية سنداً من الشرعية الدولية لفرض المطالب وتصعيد الضغوط على العديد من الدول العربية بدعوى دعم الإرهاب أو إيواء منظمات إرهابية أو السعي لامتلاك أسلحة الدمار الشامل، باعتبار أنّ هذا الأمر يأتي ضمن تعريف الولايات المتحدة الأميركية للحرب ضدّ الإرهاب، وإزاء هذا الوضع، فإنّ نظماً عربية عديدة ستجد نفسها واقعة بين سندان الضغوط والتهديدات الأميركية، ومطرقة الخوف على الإستقرار الداخلي والسلم الأمني، حيث إنّ إتخاذ إجراءات ضدّ تنظيمات مشروعة كفيل بزيادة حدّة الإحتقان السياسي والإجتماعي، وربّما تفجير الأوضاع الداخلية بشكل يهدّد السلم الأهلي. ولعلّ الحملة العسكرية التي شنّتها السلطات اليمنية في كانون الأول / ديسمبر 2001 على بعض القبائل بدعوى تعقُّب أشخاص إدّعت الإدارة الأميركية أنّ لهم صلة بتنظيم القاعدة، والتي نجم عنها مقتل أكثر من 25 شخصاً، تمثّل نموذجاً. كما أنّ الإجراءات الأمنية التي اتخذتها السلطة الوطنية الفلسطينيّة ضدّ حركتي حماس الجهاد بضغوط من إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية كادت أن تؤدّي في غير مرّة إلى اندلاع حرب أهلية فلسطينيّة. ( )

2-5 التداعيات الاقتصاديّة:

إذاً لقد كان لـ 11 أيلول / سبتمبر 2001 تداعيات أمنية وسياسية على العالم العربي مع الأخذ في الإعتبار التأثير المتبادل بين ما هو أمني وسياسي وما هو اقتصادي، فعلى الصعيد الإقتصادي تأثّرت الدول العربية بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة من جرّاء الأحداث، فأسعار النفط تراجعت لبعض الوقت، ما أدّى إلى تراجع مداخيل الدول النفطية. كما أنّ الأرصدة والإستثمارات العربية في الخارج تعرّضت لخسائر كبيرة ناهيك بالأضرار التي أصابت قطاعات السياحة والطيران المدني والتأمين في العديد من الدول.

2-6 تصاعد العداء:

لقد تصاعدت مشاعر العداء والكراهية بين المسلمين والغرب فعلى أثر الأحداث شهدت الولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول الأوروبية موجة من أعمال العنف والاعتداءات التي استهدفت المنشآت والجاليات العربية والإسلامية في هذه الدول، وذلك وسط حملة تحريض سياسي وإعلامي واسعة النطاق، تمحورت حول إتهام الإسلام والمسلمين بالإرهاب ومعاداة الغرب والحضارة الغربية( )، وهو الامر الذي دفع بمقولة صدام الحضارات التي طرحها هانتنغتون الى صدارة الجدل الفكري والسياسي والسجال الاعلامي وغيرها من المفاهيم الجديدة الكثيرة. بالإضافة الى ذلك، فإن تركيز الولايات المتحدة الاميركية في حربها ضد الارهاب على دول عربية واسلامية بالأساس، وعلى تنظيمات موجودة في عدد من الدول العربية والاسلامية، قد رسخ لدى قطاعات واسعة في العالم العربي قناعة اساسية مفادها ان العرب والمسلمين هم المستهدفون بالحرب ضد الارهاب. والاجراءات والاعتداءات والمضايقات التي تعرضت لها الجاليات الاسلامية في الولايات المتحدة الأميركية ودول غربية اخرى أسهمت في تغذية مشاعر العداء والكراهية للغرب في الدول العربية والاسلامية كما أن الولايات المتحدة بدأت تمارس ضغوطاً على العديد من النظم العربية لاتخاذ اجراءات قمعية ضد احزاب فضلاً عن مطالبتها بتغيير مناهج التعليم الديني التي ترى واشنطن أنها تسهم في نشر التطرف وعملت على فرض قيود على الأنشطة الخيرية. وعلى خلفية احداث 11 أيلول، تزايد اهتمام الدوائر الأكادمية والسياسية في الغرب بصفة عامة، وفي الولايات المتحدة الأميركية على وجه الخصوص بموضوع الاسلام والحركات الاسلامية على نحو غير مسبوق في التاريخ المعاصر. وفي هذا الاطار، ظهرت خلال فترة وجيزة مجموعة من الدراسات الأجنبية التي سعت الى قراءة الاحداث وتحليلها في ضوء إعادة قراءة وفهم خارطة ما يُعرف “بالاسلام السياسي ” سواء على الصعيد الفكري أو التنظيمي أو الحركي. وغيرها من المفاهيم الجديدة الكثيرة.

وبعيداً عن نزاعات التحيّز والأحكام المطلقة التي تضمنتها دراسات غربية عديدة عن الاسلام والمسلمين، والتي جاءت مسايرة للحملات السياسية والاعلامية الغربية، وبخاصة الأميركية بهذا الخصوص، والتي تمحورت حول وصف الاسلام بأنه دين التعصب والتطرف والعنف والارهاب.( ) واهتمت ادبيات عديدة بإعادة قراءة وتحليل المنطلقات الفكرية للجماعات والتنظيمات الاسلامية التي تتبنى نهج العنف، وذلك بهدف الوقوف على حقيقة المقولات العقيدية والفكرية التي تطرحها هذه الحركات لتبرّر ممارستها للعنف والإرهاب سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي. وفي هذا السياق، فقد تزايد الإهتمام بدارسة الحركات الإسلامية العابرة لحدود الدول، أي التي لا تحصر عملها في أطر وأهداف وطنية ضيّقة، وتجعل العالم ساحة لأنشطتها وممارستها، كما تسعى لاستقطاب عناصر من جنسيّات متعدّدة في صفوفها ويعتبر تنظيم القاعدة بمثابة التجسيد الحيّ لهذه الظاهرة، ولذلك ظهرت العشرات من الكتب والدراسات التي تناولت هذا التنظيم من زوايا مختلفة( ).

لقد تعدّدت الإجتهادات حول تداعيات 11 أيلول على الحركات الإسلامية فبعضها أكّد أنّها ستؤدّي هذه الأحداث إلى تغذية الحركات الإسلامية المتشدّدة في العالم العربي والعالم الإسلامي، حيث تصاعدت موجات من العداء والكراهية ضدّ العرب والمسلمين في الغرب، وخاصةً أنّ الحرب الأميركية ضدّ الإرهاب تستهدف العرب والمسلمين في المقام الأوّل.  كما أنّ السياسة الأميركية في مكافحة الإرهاب تقوم على أساس المواجهة العسكرية – الأمنية له دونما النظر إلى الجذور والأسباب الإقتصادية والإجتماعية والثقافية لهذه الظاهرة إنّما تسهم في استمرار الظروف والمعطيات الملائمة لبروز وتنامي جماعات التطرّف والعنف.

وبالمقابل، فإنّ هناك من خلص إلى أنّ أحداث 11 أيلول / سبتمبر 2001 سوف تؤدّي إلى انحسار ظاهرة الحركات الإسلامية المسيّسة بل إنّ هناك من راح يتحدّث عن ” نهاية الإسلام السياسي”، وعن مرحلة ” ما بعد الإسلام السياسي “، وذلك على خلفية اتساع نطاق الإجراءات الأمنيّة والإقتصادية التي طرحتها الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب والتي أضفت عليها صبغة الشرعيّة الدولية جسّدها قرار مجلس الأمن رقم (1373) الصادر في 28/9/2001 والذي يعتبر من أقوى وأشمل القرارات التي أصدرها المجلس بشأن مكافحة الإرهاب. ( )

2-7 نهاية الاسلام السياسي؟

في إطار تقويم مقولة ” نهاية الإسلام السياسي ” في ضوء الأحداث والتطوّرات التي أعقبت أحداث الحادي عشر من أيلول / سبتمبر 2001 يمكن القول: إنّ هذه المقولة تنطبق على الحركات الإسلامية المتشدّدة أو الراديكالية التي تتبنّى فكراً انقلابياً، وترفض التعدّدية السياسية والديمقراطية، وتعادي الغرب، وتنتهج أسلوب العنف من أجل بناء الدولة الإسلامية طبقاً للأصول الإسلامية الصحيحة بحسب ما تتصوّرها هذه التنظيمات، ولكنّها لا تنطبق على الحركات والتنظيمات الإسلامية المعتدلة التي تقبل بممارسة العمل السياسي في إطار النظم القائمة، وذلك من خلال أساليب سلميّة ومشروعة، وتنبذ التطرّف والعنف، وتقبل بالتعدّدية السياسية والديمقراطية ولا تتبنّى مواقف معادية للغرب. ( )  وقد أكّدت الإنتخابات التشريعيّة التي جرت في عدد من الدول العربية والإسلامية في مرحلة ما بعد أحداث أيلول / سبتمبر 2001 صحّة هذا الإستنتاج، حيث حقّقت أحزاب وجماعات إسلامية فوزاً كبيراً وغير مسبوق في الإنتخابات العامّة التي جرت خلال عام 2002 في كلّ من المغرب والبحرين وباسكتان وتركيّا. وقد شكّلت الحالة التركية مفارقة مثيرة، حيث استطاع حزب ذو مرجعيّة إسلامية وهو حزب ” العدالة والتنمية ” أن يحقّق فوزاً تاريخياً في انتخابات عامّة في دولة علمانيّة، الأمر الذي أهّله لتشكيل الحكومة بمفرده وهي أوّل حكومة غير إئتلافية في تركيا منذ نحو خمسة عشر عاماً، وكذلك وصف البعض ما حدث في تركيا بأنّه ” زلزال سياسي ” بكلّ المقاييس( ).

في ضوء ما سبق يمكن القول إنّه إذا كانت الأحداث قد أكّدت على فشل مشروع طالبان وعدم وجود مستقبل للحركات الإسلامية التي تتبنّى نهج العنف، إلاّ أنّ تداعيات الأحداث أكّدت أيضاً أنّ الحركات والتنظيمات الإسلامية المعتدلة اكتسبت زخماً جديداً ترجمته النتائج التي حقّقتها أحزاب وجماعات إسلاميّة شاركت في الإنتخابات العامّة التي أُجريت في عدّة دول عربية وإسلامية خلال عام 2002.

2-8 خطاب تحديث الاسلام:

لقد طرح 11 أيلول على بساط البحث مفاهيم وقضايا جديدة ملحّة المعالجة. فعلى الرغم مثلاً من أن مفهومي ” تحديث الإسلام ” و ” علمنة الإسلام ” مطروحان على البحث قبل أحداث الحادي عشر من أيلول / سبتمبر 2001 إلاّ أنّهما أصبحا مفهومين رئيسين في الخطاب السياسي والأكاديمي الأميركي – والغربي – بصفة عامّة بعد الأحداث، حيث برز إتجاه قوي راح يؤكّد أنّ سبب بروز قوى وجماعات التطرّف والعنف والإرهاب في العالم الإسلامي هو عدم توافق الإسلام مع الحداثة، وغياب أو ضعف التقاليد والخبرات العلمانية التي تقوم على أساس الفصل بين الدين والدولة، بما يحول دون تسييس الدين الذي هو أمر مولّد للإنقسامات والصراعات. يقول فرانسيس فوكوياما: ” إنّ الإسلام هو الحضارة الرئيسية الوحيدة في العالم التي يمكن الجدل بأنّ لها بعض المشاكل الأساسيّة مع الحداثة… وإنّ الأصولية الإسلامية الحديثة هي السبب في ذلك، لأنّها ترى المجتمعات فاسدة تسود فيها الموبقات… ومن ثمّ فالحرب الأمريكيّة ليست ضدّ الإرهاب، وإنّما ضدّ الأصوليّين، وهم ليسوا بمجموعة صغيرة، ولكنّهم يصلون إلى 20 بالمئة من سكّان العالم الإسلامي “.( )

2-9 مقولة صدام الحضارات:

بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001، اعتبرت مقولة صدّام الحضاراتClash of Civilisations التي طرحها هانتنغتون في عام 1993، وذلك في معرض ردّه على مقولة نهاية التاريخ (The end of History) التي كان قد طرحها فوكوياما في نهاية الثمانينات، من أكثر المقولات التي نالت حظاً من الذيوع والإنتشار خارج الولايات المتحدة الأميركية، وجوهرها أنّ هناك حضارات في العالم، وأنّ شكل الصراع في مرحلة ما بعد الحرب الباردة يتّجه ليأخذ طابعاً حضارياً (ثقافياً ودينيّاً)، وأنّ المواجهة ستتمحور في الأساس بين الإسلام والغرب. وعلى رغم أنّ هذه المقولة كانت قد بدأت تتراجع بعض الشيء مع نهاية تسعينيات القرن العشرين، إلاّ أنّ هجمات أيلول11 / سبتمبر 2001 وما ترتّب عليها من تداعيات اعادتها إلى بؤرة الإهتمام مجدّداً فقد اعتبر البعض أنّ ما حدث هو بمنزلة تأكيد لصحّتها، حيث إنّه نموذج حيّ لـ ” صدّام الحضارات ” على الأرض. ولكن مقابل الرواج الذي حظيت به مقولة ” صدّام الحضارات ” فقد اعتبر البعض أنّ مقولة ” نهاية التاريخ ” التي تقوم على افتراض الإنتصار النهائي للرأسمالية والديمقراطية الليبرالية، وأنّ هذا يشكّل نقطة النهاية في التطوّر الإيديولوجي للإنسانية وبالتالي نهاية التاريخ، قد انتهت، وراح يتحدّث عن نهاية نهاية التاريخ (The End of the End of History). ( )

وجدير بالذكر أنّ طرح مقولة ” صدّام الحضارات ” في تفسير وفهم العلاقة بين الإسلام والغرب، لا يمكن فهمه بمعزل عن مفاهيم ومقولات ظهرت في مرحلة ما بعد تفكّك الإتحاد السوفياتي راحت تؤكّد على طابع الصراع والمواجهة بين الطرفين منها على سبيل المثال: التهديد الإسلامي (Islamic threat)، والخطر الأخضر Green Beril، والإسلام كعدو بديل للغرب، وجميعها تجسّد حالة ما أصبح يُعرف بـ ” الإسلوموفوبيا “، أيّ الخوف من الإسلام في الغرب. وعلى الرّغم أنّ مقولة ” صدام الحضارات ” كانت قد تعرّضت لبعض الإنتقادات منذ بداية ظهورها، إلاّ أنّ استخدامها على نحو واسع النطاق لتفسير أحداث أيلول / سبتمبر 2001 وتداعياتها قد جعل من إعادة مراجعتها وتقويمها مرّة أخرى مسألة أكثر إلحاحاً. وقد نالت مرّة أخرى كميّة كبيرة من الإنتقادات منها مثلاً: أنّ المفهوم الذي يتبنّاه صاحبها للحضارة ليس دقيقاً حيث يُنظر إليها ككيان مستقلّ له حدوده الجغرافية والثقافية الثابتة، متجاهلاً ثوابت التاريخ وحقائق الواقع التي تؤكّد حقيقة التمازج والتداخل والتأثير المتبادل بين الحضارات والثقافات، كما أنّ هذه المقولة تتجاهل القواسم المشتركة بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية على الصعيد القيمي، وبخاصة في ما يتعلّق بمبادئ واحترام كرامة الإنسان والعدل والمشاركة فضلاً عن الطابع العالمي للحضارتين والأساس الإيماني لكلّ منهما. ( )

بالإضافة إلى ما سبق فإنّ مقولة ” صدّام الحضارات ” تفتقر إلى الإثبات الأمبريقي من منظور دلالات الخبرة التاريخية للصراعات الدولية، فعلى الرغم من وجود الكثير من الصراعات التي حدثت بين دول تنتمي الى حضارات مختلفة، فالمؤكد ايضاً أن هناك كثيراً من الصراعات التي حدثت بين دول وجماعات تنتمي الى الحضارة نفسها، وينطبق هذا على الحضارة الغربية مثلما ينطبق على العالم الاسلامي وكذلك على البلدان الآسيوية التي تنتمي الى الكونفوشيوسية.( )

وهذا ما يؤكّد على أنّ الصراعات بين الدول كثيراً ما اندلعت لأسباب تتعلّق بالمصالح، وليس بالثقافات أو الأديان، حتّى وإن تمّ توظيف الأخيرة بشكل أو بآخر في بعض هذه الصراعات. ولعلّ أكبر دليل على ذلك هو التحالف الذي قام بين الولايات المتحدة والأميركية في أفغانستان، حيث التقى الجانبان على هدف محاربة السوفيات، وبذلك وظّفت الولايات المتحدة الأميركية الجهاد الإسلامي ضدّ الإتحاد السوفياتي في إدارة علاقاتها مع موسكو وأسهمت دون قصد في خلق الظروف والمعطيات التي أدّت إلى بروز ظاهرة أسامة بن لادن، وتنظيم القاعدة والأفغان العرب.

وفي مقابل ” صدام الحضارات ” طرح البعض مفاهيم أخرى مثل ” حوار الحضارات ”          و ” التعايش الثقافي ” وذلك باعتبار الحوار بين الحضارة الإسلامية والغرب هو السبيل الوحيد لمعرفة كلّ طرف للآخر على أسس صحيحة.

2-10 المفاهيم المرتبطة بالاسلام:

لقد تعدّدت المفاهيم المتداولة بعد أحداث 11 ايلول المرتبطة بالإسلام والتي بحاجة إلى مراجعة، منها على سبيل المثال: مفهوم ” الجهاد “، ” الإسلام / المعتدل” و ” الإسلام الراديكالي ”   و”الإسلام الإرهابي “، و” الإسلام الأصولي ” و” الإسلام المتطرّف “، و ” إسلام أسامة بن لادن… ألخ وهنالك كذلك مجموعة من المفاهيم والتعبيرات التي تنطوي على تصنيف للإسلام اعتماداً على أسس جغرافية، مثل الحديث عن “الاسلام الآسيوي” ، والاسلام الأفريقي” ، و”الاسلام البلقاني”  و “الإسلام الفرنسي” … الخ. وأكثر من هذا، فإن احداث 11 ايلول اثارت مجدداً العديد من التساؤلات والإشكالات حول مفهوم مركزي في الاسلام، وهو مفهوم “الأمة الاسلامية “القائم على أسس الرابطة العقيدية، حيث أن الأحداث وتداعياتها وردود أفعال الدول الاسلامية عليها اضافت أبعاداً جديدة الى حالة التمزق والفجوة القائمة بين الانتماء الديني للدول الاسلامية من ناحية، وسياساتها المرتبطة بمصالح وحسابات وطنية وضغوط اجنبية من ناحية أخرى.

يمكن القول ان موضوع الاسلام والحركات الاسلامية سوف يستمر كأحد المحاور الاسلامية في دراسة النظم السياسية العربية وبخاصة ان الدين الاسلامي هو دين الغالبية العظمى من المواطنين العرب، ويشكل مكوناً رئيسياً في الهوية، وله تأثيره الكبير في البنى والهياكل الثقافية والاجتماعية في العالم العربي والعالم الاسلامي. ولكن الحد من التطرف يتطلب ضرورة الانفتاح السياسي وتطوير النمو الاقتصادي وإيجاد حلول للمسائل السياسية العالقة وتحقيق نوع من العدالة على صعيد العلاقات الدولية، والعمل على إصلاح النظم السياسية والاقتصادية في العالم العربي لتستفيد من ايجابيات العولمة وتخفيف من سلبياتها.

2-11 مستقبل الحركات الإسلامية:

يمكن القول أن مستقبل الحركات الاسلامية متوقف على معطيين اساسيين:

-الكشف عن مدى فاعلية النظم الحاكمة في تبنّي السياسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي من شأنها القضاء على عناصر البيئة الحاضنة للتطرف والعنف.

-دراسة انعكاسات السياسة الأميركية على مستقبل الحركات الاسلامية، فاستمرار الانحياز الأميركي المطلق لاسرائيل وقيام الولايات المتحدة الاميركية للمرّة الأولى في تاريخها، باحتلال دولة عربية هي العراق، وتدخلها المكثّف في الشؤون الداخلية للدول العربية والاسلامية بما في ذلك مناهج التعليم وخاصة التعليم الديني في هذه الدول واشكال نظم الحكم، وملف حقوق الإنسان … الخ كل ذلك وغيره سوف يكون له على الارجح تأثير في مستقبل الحركات الاسلامية تتراوح بين التنامي والانضباط بحسب المعطيات. فضبط الحركات الاصولية يتطلب معطيات وظروف ملاءمة مُساعدة سياسية واجتماعية واقتصادية.

واذا كانت الولايات المتحدة الأميركية جادة في سعيها لنشر الديمقراطية خاصة بعد تداعيات 11 ايلول/سبتمبر 2001 للحد من تنامي الحركات الأصولية إلا ان الاسلوب المتبع لا يؤدي الى الهدف المنشود. “فالديمقراطية ليست نسكافه!” كما قال الكاتب المكسيكي الكبير اوكتافيو باز بل أنها تتطلب معطيات وظروف مُساعدة سياسية واجتماعية واقتصادية لا يتم العمل على التهيئة لها ولا وضع الخطط الملاءمة لتحقيقها ان على صعيد السياسية الداخلية للدولة او على صعيد السياسة الخارجية والدولية للتحفيز على النهوض. كما لا يمنع هدف “نشر الديمقراطية” على الولايات المتحدة الأميركية من “الكيل بمكيالين” ومن استخدام هذا الشعار “نشر الديمقراطية” لتحقيق مآربها السياسية والاقتصادية.

الخاتمة

لقد ألقت هذه الدراسة الضوء على ثلاثة مشاكل أساسية عانت وتعاني منها الدولة في العالم العربي الا وهي: احتلال – تجزئة – تخلف. مما أعاق ظهور النموذج الحديث للدولة وطرح اشكالية أساسية على بساط البحث الا وهي إشكالية نموذج الدولة في العالم العربي في مرحلة الانتقال من الحداثة العولمة. فرُسمت الدولة على قياس مصالح سياسية خارجية ومحلية نفعية من قبل قلّة تربعوا على سدّة الحكم، فإفتقر نموذج الدولة العربية الى النمط الديمقراطي وكان له اشكال مقتبسة فارغة المضمون كالشكل الليبرالي والماركسي والتوتاليتاري. هذا الشكل الأخير الذي برهنت HANNA ARNDT أنه أعلى مراحل الرأسمالية مناقضة بذلك المقولة الماركسية القائلة بأن الاشتراكية هي أعلى مراحل الرأسمالية. وبناءً لهذا الإفتقارالى الديمقراطية والممارسة السياسية السليمة فقد عمدت السلطات والأنظمة السياسية العربية منذ قيامها الى ممارسة القوّة بكل اشكالها ورموزها العنيفة في السياسة والاجتماع إذ واجهت منذ تكوينها مشكلة القمع والانفراد بالسلطة وعدم الاعتراف بالتعددية السياسية وبالمبادئ الديمقراطية إلا شكلياً. فالديمقراطية مفقودة منذ نشأة الدولة الحديثة في العالم العربي، وهذا الفقدان خلق فراغاً في ممارسة السلطة بشكل سليم لم يُملئ حتى الآن ومازال يتسبب في ممارسة القوة والقهر من قبل السلطات المستفردة بالحكم على مجتمعاتها وهذا ما جعلها على الدوام في حالة قطعية مع مجتمعاتها على الرغم من سياستها الاصلاحية الملموسة احياناً. واذا كان ذلك يحدث، فهو يحدث من باب خلق مصادر جديدة لتأييدها وتثبيت كياناتها على حساب اهداف ومصالح مجتمعاتها.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه من الصعب تحميل السلطات والأنظمة العربية الوزر كله، ولاسيما في السنوات الاولى من الاستقلال، لأنها وجدت فيه ما يبرر اخطاءها، وذلك لحداثة عهدها بالاستقلال.

لكن ما لا يوجد مبرراً له هو استمرارها في السياسة ذاتها، وممارستها للقوة والعنف نفسهما، الأمر الذي حمل بين ثناياه عوامل التفجر والعنف والاضطهاد وفاقم من اشكالية نماذج الدول العربية الموجودة المفتقرة الى الديمقراطية فضلاً عن ضعف وغياب المؤسسات السياسية والدستورية، وعدم تجذرها داخل المجتمعات العربية مما قاد الى اختلال العلاقة بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني.

وهكذا أخذت السلطات والأنظمة العربية تفقد المبرر الاخلاقي والسياسي لوجودها، ليصبح مبرر وجودها الوحيد تأمين مصالح أصحاب السلطات والفئات المنتفعين بها ما أدى الى إنحسار الولاء لها في سبيل تأكيد سلطة إسلامية أو عربية أوسع دائرة أو في سبيل الانكماش على دائرة العشيرة أو الطائفة او الجماعة المحلية الضيقة. لقد كانت دائماً محاولة تحسين أداء الأنظمة السياسية العربية مرتبطة بمحاولة التغيير عن طريق الانقلاب أو الثورة ولم يرتبط هذا بنمو النمط العقلاني القانوني المؤسساتي، لا من حيث هو قيم اجتماعية سائدة، ولا من حيث أطر ديمقراطية ولا من حيث هو نظام ليبرالي. بل إنّ فقدان الديمقراطية، والأطر القانونية لتداول السلطة سمح بحصول قطيعة بين السلطة والمجتمع وتحرير الحاكم من كلّ التزام تجاه الجماعة.

ويجب القول إنّ المسألة قد تجاوزت في عدد من الأنظمة السياسيّة العربية قضيّة الديمقراطيّة والديكتاتوريّة والمشاركة أو عدمها في السلطة. وأصبحت تتعلّق بتدمير الأسس المعنويّة والماديّة المنتجة للجماعة كجماعة. فمفاهيم الدولة والمواطنة والأخلاق السياسيّة والحق والواجب والسلطة والحريّة وغيرها، ليست محفورة في الوظائف الفيزيولوجيّة للإنسان، وإنّما هي مفاهيم مكتسبة، من خلال التعايش الإجتماعي والخبرة التاريخيّة. ولشدّة تهديدها واستمرار خرقها من قبل المتحكّمين بمصير الجماعة أصبحت مهدّدة بالزوال ومعها كلّ مفهوم بسيط ممكن للحياة المدنيّة. ولن يصمد القانون إزاء انتهاكاته المستمرّة، وتحويله إلى وسيلة، للتسلّط والعنف، والإنفتاح المادّي – الإقتصادي، لن يصمد أيضاً إزاء سياسة توزيع المنافع والامتيازات، وتحطيم قيم العمل. وإذا فقد المجتمع هذه المفاهيم، وقد فقدتها فعلاً معظم الأنظمة السياسيّة العربية إلى حدّ كبير، فسوف تتحوّل هذه الأنظمة وسلطاتها إلى بنى ومؤسّسات تخدم أهدافاً شخصيّة لا إنسانيّة.

إنّ الإصلاح السياسي هو مفتاح النهوض والتقدّم، فما من دولة نمت وازدهرت إلاّ بعد عمليّات شاقّة وعسيرة قادت في النهاية إلى الإصلاح السياسي الذي يصنع الإستقرار ويهيّئ الدولة بكلّ إمكانيّاتها، ويشرك الشعب بكلّ أفراده وفئاته. وعلى العكس تماماً فإنّ الدول تضعف وتتلاشى ويدبّ فيها الوهن حين تفسد مؤسّساتها، وينحرف زعماؤها، ويتصارع أبناؤها الذين لا تجمعهم أواصر الوطنيّة، ولا تستوعب مشاركتهم مؤسّسات سياسيّة. على هذا الأساس، يذهب اعتقادنا إلى أنّ الأسلوب الديمقراطي السليم هو الأفضل والأكثر أمناً وعدلاً في عصرنا الراهن، إذ إنّه أسلوب تغييري إصلاحي لا عنفي، حيث إنّ بداية إصلاح أيّ دولة يبدأ بإصلاح نظامها السياسي، وبداية الفساد في العالم العربي كانت في نظمه السياسيّة التي تستبدّ بالرأي دون علم، وتضع القرار دون نقاش وتقود من دون مشاركة.

إنّ عالم اليوم هو عالم الديمقراطية، والمؤسّسات الراسخة، والسيد هو القانون الذي تصنعه الشعوب، من خلال برلماناتها. والهدف من ذلك تعزيز الحريّة وحقوق الإنسان وخلق المؤسّسات التي تمكن المواطنين مهما كان شأنهم وأوضاعهم من المساهمة في حياة مجتمعهم بالرأي والعمل، وقيادته جماعياً نحو أهداف وطنيّة واضحة.  إنّ الإشكالية الأساسيّة هي في النموذج المعتمد وأساليبه وأدوات حكمه التي لم تستطع التطوّر وفق روح العصر وأساليبه. إنّ ما تمّ حتّى الآن من إصلاح للأنظمة السياسيّة العربية لم يصل بعد إلى مرحلة الجديّة، فالسلطة الحقيقيّة ما زالت بيد حزب أو فرد سواء أكان ملكاً أم رئيساً. أمّا المؤسّسات والهياكل البرلمانية فكلّها مؤسّسات شكليّة، وإذا ما جرت إصلاحات شكليّة بإصدار الدساتير والقوانين أو تعديلها وتبنّي نظام التعدّدية وشُكِّلت الأحزاب وأُطلقت بعض الحريّات، فإنّ هذه الإصلاحات لم تمس جوهر الأنظمة وسلطاتها. فالرئيس أو الملك أو الأمير مطلق الصلاحيات بالدستور، معين مدى الحياة أو منتخب بوسيلة انتخاب على شخصه الوحيد. وهو الرقيب على أعمال المجلس والمؤسّسات، والموجّه للقوانين والسياسات والضامن للوحدة والحريّات، له مطلق الصلاحيّة بحسب نصوص الدستور والقانون وحين لا تسعفه هذه أو تلك، فقوانين الطوارئ هي البديل للحفاظ على الإستقرار ولقمع من لهم رأي مخالف فهم خارجون عن القانون كما يصفهم الحكّام.

إنّ مواجهة القرن المقبل لا تتمّ إلاّ بأدواته وأفكاره وعلى السلطات والنخب السياسيّة الحاكمة (أحزاباً أو أفراداً) في العالم العربي أن تدرك حقيقة العصر، إنّ من مُسبّبات إشكالية الدولة في العالم العربي ثلاثة مسائل أساسيّة كما ذكرنا ألا وهي : احتلال – تجزئة – تخلّف، أي هي متعددة الجوانب والاسباب، ولا تقتصر فقط على عامل واحد، فهي لا تقتصر على التدخل الخارجي وحده ولا على ضعف العمل العربي المشترك وحده كما يصوره البعض فالمجتمع داخل كل دولة على حدة لم يعرف بعد الاستقرار والتوافق الديمقراطي فكيف على الصعيد العربي ككل، كما أيضاً لا تقتصر على تخلف البنى المجتمعية وحدها، هذه البنى التي شهدت نوعاً من التقدم والتطور نتيجة للانفتاح الحاصل على الصعيد العالمي ككل، هذه البنى المجتمعية التي تُصوَّر على أنها المسبب في وجود بنى سياسية متخلفة، ولكن مع تقدم البنى المجتمعية نوعاً ما فقد بقيت البنى السياسية تراوح مكانها مستفيدة من الواقع الحالي فبقينا متخلفين عن الحداثة كما عن العولمة.

لقد عانت البنى المجتمعية من التخلف نتيجة لظروف سياسية وأوضاع إقتصادية عرفتها المنطقة، ولقد كان هذا التخلف محور الدراسات والابحاث تحت عنوان وتساؤل: لماذا تقدم الغرب وبقي الشرق متخلفاً؟ وقد أجمعت الدراسات على أن غياب الطبقات الاجتماعية الاقتصادية هي السبب في بقاء المجتمعات الشرقية في حالة تخلف، ولقد عرض ماكس فيبر نظريته في هذا الشأن القائلة بتطور التاريخ من خلال تصارع المتناقضات، أي تصارع الطبقات الاقتصادية المختلفة والتي كانت غير موجودة في مجتمعاتنا العربية. أمَّا اليوم فبتقديري فإنه لم تعد تنمية المجتمعات وتقدمها تقتصر على النواحي الاقتصادية كما كانت الدراسات تفرق بين دول غنية متطورة، ودول فقيرة متخلفة، والمثال على ذلك وجود دول عربية غنية، وبنى مجتمعية برجوازية ومنفتحة على الغرب وما زالت تعتبر دولاً متخلفة، أي أن التطور والتنمية لم يعد يقتصر على النواحي الاقتصادية ولكنه تطور ليشمل النواحي الاجتماعية والثقافية وخصوصاً السياسية لأنها المدخل الرئيسي لتطور المجتمعات وخصوصاً في مثل ظروف مجتمعاتنا العربية. ولقد كان هذا الموضوع محور نقاش المؤتمر العلمي الذي كان لي فيه فرصة المشاركة، والذي عقد في مقر جامعة الدول العربية في القاهرة في 26-29/6/2007 و في 17-20/11/2008 والذي شاركت فيه المنظمة المصرية لحقوق الانسان وممثلين عن الاتحاد الأوروبي، وممثلين عن خمسة دول عربية وهي: لبنان، الاردن، فلسطين، مصر، وسوريا. والذي هدف الى تعزيز حكم القانون والعملية الديمقراطية في المنطقة العربية، من خلال حوارات وطنية بين الحكومات من جهة، والجمعيات والاحزاب والنقابات من جهة ثانية.

إذاً لهذه الاشكالية أسباب متعددة ومتداخلة، أمّا من إفرازات هذه الإشكالية فهو جمود في الأنظمة السياسيّة ذات النظرة الفرديّة للأمور دون السّماح بالمشاركة من خلال مؤسّسات ديمقراطية تتيح للقوى السياسيّة (المعارضة) وللمواطنين من التعبير عن آرائهم.

أمّا حل هذه الإشكالية يتطلّب جهوداً محليّة شعبيّة ولو محدودة ودولية من خلال تفعيل عمل منظمة الأمم المتحدة (تنمويّة – تطبيق القرارات الدولية، إيجاد حل عادل لقضيّة فلسطين ومعالجة موضوع العراق…)، تمكن العالم العربي من تخطّي المشاكل الأساسيّة التي يعاني منها والتي تمّ ذكرها أعلاه. حيث لا تكفي الجهود المحليّة الشعبيّة وحدها فليس من مصلحة المتربّع على السلطة والمتحكّم بالقرار تغيير النموذج التسلطي ليضفي عليه طابعاً من الحرية والديمقراطية فهذا يعني زواله من الوجود فهو في صدام وتعارض مع المصلحة الشعبية.

ولا تكفي الجهود الدولية من خلال منظمة الأمم المتحدة وحدها فهي تتعارض في معظم الأحيان مع أهداف ومصالح الدول الكبرى التي ترسم السياسات الدولية حسب مصالحها وأهدافها والمتحكّمة أيضاً بقراراتها.

وإذا كانت الولايات المتحدة الأميركية جادّة في سعيها لنشر الديمقراطية فعليها العمل بجديّة لحلّ المسائل الأساسيّة التي يعاني منها العالم العربي والمسبّبة لإشكالية الدولة، فالديمقراطية لا تُنشر بخلع حاكم مستبد فقط، فنشر الديمقراطية يتطلّب العمل الحثيث والجاد بعيداً عن الأهداف المشبوهة من خلال المساعدة على تطوير حكم القانون والنزاهة وتطوير ودعم العمل الديمقراطي وليس اللعب على المتناقضات من أجل المصالح الخاصة، ومن خلال دعم التنمية الإقتصادية والإجتماعية والثقافية كوسيلة لتحديث المجتمع فحتّى لو كانت الولايات المتحدة الأميركية جادة في نشر الديمقراطية ومحاربة الإرهاب باعتبار أن تساهل واشنطن مع نظم تسلطيّة غير ديمقراطية في الماضي قد أسهم في إيجاد البيئة التي تنامت في ظلّها الحركات والتنظيمات الإسلامية الراديكالية التي تقف من الولايات المتحدة الأميركية بل من الغرب عموماً، موقف الرفض والعداء والتي وصلت إلى عقر دارها في 11 أيلول / سبتمبر 2001. ومن هنا، فقد عملت الولايات المتحدة الأميركية على التأكيد أنّ قيامها بممارسة الضغوط على النظم الحاكمة في المنطقة هو من أجل إتخاذ خطوات جادّة على طريق الإصلاح السياسي، وهو أحد المداخل الأساسيّة لتجفيف منابع التطرّف والإرهاب. إذاً فحتّى لو كانت الولايات المتحدة الأميركية جادة في نشر الديمقراطية ومحاربة الإرهاب إلاّ أنّها قد تسعى لها في إطار مصالحها الخاصة وهذا ما قد لا يتوافق مع تطلّعاتنا في التغيير. ونحن كأفراد متحفّزين إلى التغيير لا نستطيع الإتّكال على جديّة الولايات المتحدة الأميركية أو عدمها.

فالرهان الأساس هو على الإنسان الفرد، هو من عليه أن يكون عنصر التغيير في العالم العربي بوعيه للمسائل التي تعاني منها ووعيه إلى طرق المعالجة حتى لو كانت قدراته محدودة والعمل على نشر المبادئ الديمقراطية فهو بين ظلم الحاكم ومصالح الخارج، وحده الضحية، يتمّ استغلاله من خلال شعارات معادية للغرب أحياناً لمصلحة الحاكم المستبد واستيماله أحياناً أخرى بالقيم الديمقراطية المبطنة التي تروجها أماكن النفوذ للضغط على الحاكم المستبدّ.

أمّا المطلوب هو السير نحو الديمقراطية الحقّة، فالحقوق الأساسيّة التي ظهرت تعبيراتها في نهاية القرن الثامن عشر في كلّ من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والتي استُعيدت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 تعكس التطلّعات لكلّ الرجال والنساء في العالم أجمع. وقضيّة الإستبداد في العالم العربي والعالم الإسلامي لها جذورها وأسبابها العديدة التي لا علاقة لها بالدين في ذاته، وفي مقدّمتها عدم اقتناع النظم الحاكمة بالديمقراطية وسعيها إلى ترسيخ الإستبداد.

فالديمقراطية في عُرف المستبدّ هي من القيم الغربية التي لا تمتّ إلى حضارتنا بصلة، كذريعة لمحاربة هذه الديمقراطية التي تعمل على الحد من السلطة الاستبدادية وهذا ما لا يلائم الحاكم المستبد، فنحن لدينا بيئة مغايرة ! فهل هناك بيئة مغايرة لمبادئ الحرية والحق والعدل واحترام حقوق الإنسان؟ صحيح أن الظروف لم تسمح بتطور البيئة المجتمعية العربية ولكن هل هذا الوضع يبرر ممارسة الاستبداد؟ وهل يتقبّل الإنسان المسلم أن تلصق به هذه الصفة أي هو من يمارس هذا الاستبداد باسم الدين والواقع أن الممارسة الفعلية هي من قبل المؤسسات الحاكمة خوفاً على بقاء حكمها  وهل يقبل الانسان المسلم أن يطبق عليه الظلم والإستبداد والتعسّف ولا يتقبّل أن يُطبّق عليه منطق القانون والمؤسّسات الفاعلة ؟ هل هو كائن مغاير ذو طبيعة مغايرة ؟

المواطنون في العالم العربي يطالبون بالتغيير وبالتخلّص من الأنظمة المستبدّة القابعة على صدورهم ومن السخف وصف الإنسان المسلم بأنّه ذو طبيعة مغايرة. فكيف تكون هذه الطبيعة المغايرة هل هي خارجة عن إطار الإنسانيّة ؟

من هذا المنطلق فإنّه لا يمكن بحال من الأحوال تحميل الإسلام كدين مسؤولية رسوخ الإستبداد وغياب الديمقراطية في العالم العربي حتى وإن كان تاريخ المسلمين وواقعهم الراهن حافلين بالممارسات الإستبداديّة فضلاً عن وجود تنظيمات إسلامية تعادي الديمقراطية صراحة إلاّ أنّه في المقابل هناك من يرى من المسلمين، المفكّرين والعلماء أنّه لا يوجد تعارض بين الإسلام والديمقراطية، فالإسلام لم يحدّد شكلاً معيناً لنظام الحكم يلزم به المسلمين في كلّ زمان ومكان.

لا نقول أنّ السير على طريق الديمقراطية في العالم العربي هو بالأمر البسيط ولكن في نفس الوقت ليس بالمستحيل كما تصوّره بعض الدراسات والأبحاث. فالمجتمعات الغربيّة تعلّمت المبادئ العلمانية في إطار عملية التنوير نتيجة الحروب الدينيّة التي اشتعلت في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، والتي تقرّر بناء عليها فصل الدين عن مجال السياسة وهذا الأمر ممكناً في إطار التقاليد الإسلامية. فالإسلام السياسي أو المُسيّس يؤدّي إلى الصراع المستمرّ ويجب التمييز بين الإسلام كدين له أصوله المتمثّلة في القرآن والسنّة وبين الحركات والتنظيمات والنظم التي ترفع شعارات إسلامية وتتبنّى تفسيرات معيّنة للإسلام، وبالتالي فإنّه لا يمكن بحال من الأحوال محاكمة الإسلام استناداً إلى رؤى أو ممارسات أيّ منها.

وأخيراً علينا أن ننهي هذه الدراسة بالتفاؤل بغد مشرق رغم الصعوبات والمآسي التي نواجهها، وكنَّا قد قمنا بمجهود للإحاطة بإشكالية الدولة في العالم العربي بكافة جوانبها النظرية والايديولوجية والسياسية والاقتصادية والقانونية والتحليلية والاستنتاجية للترابط الشديد فيما بينها، في محاولة لتكوين مرجع يحيط بالمشكلة القديمة الحديثة التي لا زلنا نعاني منها، واليوم بصعوبة أكبر لانعكاسات عصر ما بعد الحداثة، مرجع حاول أن يكشف عن مكنونات هذه الاشكالية علَّها تنير السبيل في كيفية المعالجة.