الفصل الثاني من كتاب الدكتورة رندا ماروني: الدولة في العالم العربي من الحداثة إلى العولمة/الصراعات الدولية والمحلية ونشأة الدولة في العالم العربي وتطورها

219

الفصل الثاني من كتاب الدكتورة رندا ماروني: الدولة في العالم العربي من الحداثة إلى العولمة/الصراعات الدولية والمحلية ونشأة الدولة في العالم العربي وتطورها

15 كانون الأول/2021

اضغط هنا لقراءة الفصل الأول من كتاب الدكتورة رندا ماروني/الدولة في العالم العربي من الحداثة إلى العولمة

الفصل الثاني:  الصراعات الدولية والمحلية ونشأة الدولة في العالم العربي وتطورها

القسم الأول:مخاض نشأة الدولة في العالم العربي

أولاً – مقدمات نشأة الدولة في العالم العربي:

تميّز الربع الأخير من القرن الثامن عشر في أوروبا بزوال النظم الاقطاعيّة في عدد من بلدان القارة الأوروبيّة، وإنتقال السلطة نتيجة للتحولات الإقتصادية والإنجازات العلميّة والتقنيّة الكبرى الى يد البرجوازيّة الناشئة، التي نظمّت مجتمعاتها في دول محددة الأقاليم، ترعاها مؤسسات متماسكة تعمل على تعميم النظام والعدالة في العلاقات الاجتماعيّة. فالصراع الاجتماعي والسياسي في بريطانيا تمخضت، عنه منذ القرن، السابع عشر، ملكيّة دستوريّة، يتنازع الحكم فيها حزبان في ظل ما هو معروف بالتحكيم الدوري للجسم الانتخابي، واستقر في أميركا اثر حروب الاستقلال (1776) نظام جمهوري رئاسي، ينتخب فيه رئيس الدولة من قبل الولايات الداخلة في الاتحاد الاميركي، وأرست الثورة في فرنسا، في العام 1789، قواعد نظام جمهوري كان الاكثر اثارة بما حمله من رسالة نشيطة وأخّاذة داخل أوروبا وخارجها. وفي هذه البلدان نشأت القوانين الدستوريّة، العرفيّة والمكتوبة، على أساس التوفيق بين السلطة والحريّة في اطار الدولة الامّة، أي الدولة المعبِّرة عن الروابط الماديّة والروحيّة لأفراد الأمّة الواحدة، التي هي مصدر السلطة. ومن منطلق النزعة القوميّة باتت الحكومات الممثلة للسلطة خاضعة لمعارضة تحول دون العودة الى الملكيّة المطلقة في جميع أشكالها، وعكست دساتيرها هذه الارادة، فكان توأم الحكم والمعارضة، صورة لتوأمين السلطة والحريّة. ولضمان الحريات العامّة للمواطنين تجاه السلطة الحاكمة، تأمن قيام الاتفاق الواسع والعريض، من جانب، المواطنين، حول نمط النظام الاجتماعي المطبّق في المجتمع.

واذا كانت هذه الدساتير الجديدة هي الانعكاس الجدلي للتقنيات وطرق الانتاج وغيرها من التجهيزات الاساسيّة التحتيّة للمجتمع، والتي أدت الى نشأة الدولة الحديثة، فان هذه الاشكال الدستوريّة مدينة في ظهورها الى انتشار الوعي الثقافي، وترسّخ التراث الانساني العميق الذي أسهمت في ارسائه أجيال من العصور السابقة، من خلال افكارها ومؤلفاتها وتياراتها الفكريّة والايديولوجيّة، في ظل الكنيسة وعصور الاقطاع والنهضة الصناعيّة. والتقت رغم تفاوت تطلعاتها على ثوابت تبدو في حكم مسلمات، وهي الثقة بالفرد، والايمان بفضيلة الحوار، والرغبة في التنظيم العقلاني للمجتمع.([1]) وهي مرتكزات الثورة الفرنسيّة التي استند اليها نابليون في ندائه للشعب المصري مع بدء الحملة الفرنسيّة على مصر.

في الوقت الذي تبلور فيه مفهوم الدولة-الأمّة في العالم الغربي، كانت الدول العربيّة تعيش مرحلة ما يسمّى بدولة الحكم المطلق، التي تختلف في مفاهيمها وتفاصيلها بكافة نواحيها الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة عن الدولة الأمّة.

فمن الناحيتين الاجتماعيّة والاقتصاديّة ظهرت دراسات عديدة لمفكرين أمثال مكيافيل وبودان وبيكون وهانتنغتن وبرنييه ومنتسكيو وماركس وانجلز وجونز… تتمحور حول الموضوع الآتي: لماذا تقدم الغرب والشرق بقي متخلفاً؟

أمّا من الناحية السياسيّة فلقد جرت محاولات عديدة لتجاوز هذا الواقع المتردّي وللتخلّص من الهيمنة، وهذه المحاولات اتخذت وجهين متناقضين: الوجه الأول هو رفض التدخل الأوروبي والدعوة للتضامن الاسلامي في وجه الغرب.

أمّا الوجه الثاني فتمحور حول رفض الهيمنة العثمانيّة، والنظرة المنبهرة بالانجازات الغربيّة ومحاولة التمثّل بها.

اذاً ما هي دولة الحكم المطلق الشرقيّة، وما هي الأحداث والصراعات التي عرفتها المنطقة في محاولة شق طريقها نحو التطور؟

1- دولة الحكم المطلق:    

لقد حالت دولة الحكم المطلق دون نشوء نواة دولة حديثة في العالم العربي، وذلك لاعتبارات عدّة ترتبط بوضعها الداخلي، وبطبيعة ممارسة السلطة فيها، مما منع ظهور طبقات اجتماعيّة قابلة للتطوّر.([2])

1-1 رقعة إمتدادها:

ان الديناميّة الخاصّة التي حركت الدولة العثمانيّة، ورفعتها بعيداً فوق مصاف منافسيها من الاناضول، كانت تكمن في مزيج فريد من المبادىء الغزوية والأسلاميّة القديمة.([3]) وبسبب موقعها في السهول النيقية Nicaean، والمجاور مباشرة لبقايا البيزنطيّة، فان قرب حدودها من العالم المسيحي حافظ على حماسها العسكري والديني بكامله، في الوقت الذي انحدرت فيه الامارات الاخرى في المناطق الداخليّة الى تراخ نسبي. وقد اعتبر الحكام العثمانيون أنفسهم، منذ البداية رسلاً غزويين في حرب مقدسة ضدّ الكفار. وفي الوقت نفسه، فان أرضهم كانت تقع على الطريق التجاري البري الرئيسي عبر آسيا الصغرى، ومن ثم اجتذبت التجار والحرفيين، وكذلك علماء الدين، الذين كانوا يؤلفون العناصر الاجتماعيّة الضروريّة لدولة اسلاميّة من الطراز القديم، ذات تماسك مؤسساتي لا يرتكز على البداوة أو الجهاد، وبهذا الشكل توصّلت السلطة العثمانيّة، التي تقوّت في الحروب الفروسيّة المتواصلة، الى توظيف النظم القانونيّة والاداريّة الرفيعة للمدن الاسلاميّة القديمة، في خدمة الحماسة العسكريّة الجبّارة وحماسة الهداية عند سكان الحدود الغزويين. وفي الوقت نفسه فان جزءاً من زخمها الاجتماعي الاساسي كان لا يزال يكمن في السعي البدوي في طلب الارض، والذي كان القوة الدافعة للاحتلال التركي للاناضول في الأصل.([4])

وقد كان التوسّع الاقليمي كذلك عمليّة استعمار اقتصادي وديموغرافي. وسرعان ما فرض هذا المضمون المتفجّر الكامن في هذه المعادلة السياسيّة نفسه على أوروبا المسيحيّة، وكما هو معروف فقد زحفت الجيوش التركيّة الى شبه جزيرة البلقان وتوغلت عميقاً في داخلها، وبذلك طوّقت العاصمة البيزنطيّة من الخلف. وفي 1354، استقرت في كاليبولي، وفي 1361، كانت قد استولت على أدرنة، وفي 1389، أبيدت القوات الصربيّة والبوسنيّة والبلغاريّة في كوسوفو، وبذلك قضي على مقاومة سلافيّة منظّمة أخرى في معظم أرجاء المنطقة. وبعد ذلك بوقت قصير، تمّ الاستيلاء على تساليا وموريا ودوبروجا. وفي 1396، الحقت الهزيمة في نيكوبوليس بالحملة الصليبيّة التي أرسلت لوقف هذا الزحف. وتلت ذلك فترة توقّف قصيرة، جابه فيها جيش بايزيد، المنهمك في الاستيلاء عنوة على الامارات الاسلاميّة الاخرى في الأناضول، جابه فيها جحافل تيمورلنك التي تجتاح المنطقة، وانكسر الجيش العثماني في أنقرة، وكان أحد الاسباب الرئيسيّة لذلك هو أن القوات الغزويّة، تخلّت عن القتال فيما اعتبرته حرب مقدّسة بين الأخوة. واذ تنبّهت الدولة العثمانيّة، مرّة أخرى، وبهذا الشكل العنيف، الى رسالتها الدينيّة، فقد أعادت تنظيم نفسها ببطء خلال الاعوام الخمسين التالية على الجانب الآخر من البسفور، ونقلت عاصمتها الى أدرنة في الخط الأمامي من الحرب ضد النصرانيّة.([5]) وفي 1453، استولى محمد الثاني على القسطنطينيّة. وفي الستينيات التي تلت ذلك، تمّ الاستيلاء على البوسنة في الشمال والأمارة الكرمانيّة في قيليقية. وفي السبعينيات، حُوِّل الخان التتري في القرم الى مجرد تابع، ونصِّبت حامية تركيّة في كافا. وفي السنوات العشرين الأولى من القرن السادس عشر، استولى سليم الأول على سوريا ومصر والحجاز. وفي العقد التالي، تمّ الاستيلاء على بلغراد، وأخضع الجزء الأعظم من هنغاريا وحوصرت فينّا نفسها. وفي هذه الأثناء، كان قد تمّ اجتياح شبه جزيرة البلقان كلها تقريباً. وتحوّلت اليونان وصربيا وبلغاريا والبوسنة وهنغاريا الشرقيّة الى مقاطعات عثمانيّة. أمّا مولدافيا ووالاشيا وترانسلفانيا فكانت ولايات تابعة (تدفع الجزية )، تحيط بها أقاليم خاضعة للحكم التركي المباشر على الدانوب والدنيستر. كان البحر الأسود بحيرة عثمانية. وفي الشرق الاوسط تمّ في هذه الأثناء ضم العراق، وأعقبه ضم القفقاس، وفي المغرب خضعت الجزائر وطرابلس وتونس تباعاً للسيادة التركيّة. ومنذ ذلك الحين، أصبح السلطان خليفة على جميع البلدان الأسلاميّة السنيّة. وبلغت المملكة العثمانيّة ذروة مجدها في ظل سليمان الأول في منتصف القرن السادس عشر، وأصبحت أقوى أمبراطوريّة في العالم وكان شارل الخامس هو أقرب المنافسين الأوروبيين لسليمان الأول، الا أن موارد الأخير الماليّة كانت ضعفي موارد الأول.

وليس من الغريب أن تفتقر المنطقة الخاضعة لهذه الأمبراطوريّة الى أي اندماج تقليدي أو منتظم في النظام السياسي الدولي، في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. فلقد كانت الأمبراطوريّة العثمانيّة هيكلاً اجتماعياً مستقلاً بفضل السيطرة الإسلاميّة، غير أن الهيكل التنظيمي للدولة التركيّة وديناميتها، تبقى لهما أهمية، نظراً للتناقض الذي تمثله مع كافة أشكال الحكم المطلق الأخرى في أوروبا. وبالأضافة الى ذلك، فان طبيعة النظام العثماني تقدم التفسير الأساسي في تطور المنطقة الخاضعة له على نمط يختلف عن تطور العالم المتقدم.

1-2 طبيعة الحكم في الإمبراطورية العثمانية:

فماذا كانت طبيعة هذا العملاق الآسيوي؟ ان خطوط هيكله العامة تمثّل تناقضاً غريباً مع خطوط هياكل الأنظمة المطلقة المعاصرة له. كانت القاعدة الاقتصاديّة للحكم الأستبدادي العثماني هي الغياب التام تقريباً للملكيّة الخاصّة للأرض.([6]) مع ما تمثّله هذه الناحية من تناقض تام لأنطلاقة الدولة الحديثة في أوروبا.

1-2-1 المؤسسة الحاكمة:

كانت جميع الأراضي الصالحة للزراعة والمراعي في الامبراطوريّة تعتبر ارثاً شخصيّاً للسلطان باستثناء الأوقاف.([7]) وبالنسبة للنظرية السياسية العثمانيّة، كانت الصفة الرئيسيّة للسيادة هي حق السلطان المطلق في استثمار كافة موارد الثروة في داخل مملكته بوصفها ممتلكاته الامبراطوريّة الخاصّة([8]). وكانت نتيجة ذلك عدم امكان قيام طبقة نبلاء وراثيّة مستقرّة داخل الأمبراطوريّة، نظراً لعدم وجود ضمان للملكيّة يمكن أن يؤسسها. كانت الثروة والجاه مرتبطين ارتباطاً وثيقاً بالدولة، وكانت المنزلة الأجتماعيّة للأفراد لا تخرج عن نطاق المناصب التي يشغلونها في داخلها. وقد قسمت الدولة نفسها بشكل غير دقيق الى أعمدة متوازية، أطلق عليها المؤرخون الأوروبيون فيما بعد (وليس المفكرون العثمانيون) أسماء ” المؤسسة الحاكمة ” و” المؤسسة الأسلاميّة أو الدينيّة “، رغم انه لم يكن هناك ابداً فصل مطلق بين الاثنتين،([9]) المؤسسة الحاكمة تضم مجموع الجهاز البيروقراطي في الامبراطوريّة، وقد تألفت مرتبتها العليا في معظمها من الأرقاء المسيحيين سابقاً، ممن جرى ضم أكثرهم عن طريق نظام ” الدوشرمة “، وكانت هذه المؤسسة، التي أقيمت على الأرجح في ثمانينيات القرن الرابع عشر، أبرز تعبير عن تداخل المبادىء “الغزويّة” والأسلاميّة القديمة، والتي حددت صعود النظام العثماني.([10])

فتجنيد الأطفال الذكور من بين الأسر المسيحيّة، كان المفارقة المثيرة الكامنة في قيام سلطة الرقيق، وهو أمر لم يكن من الممكن تصوّره في ظل الإقطاع الأوروبي. يمكن تفسيرها بشكل مفهوم ضمن مجموع النظام الاجتماعي للاستبداد العثماني.([11]) ذلك أنّه كان ثمة ارتباط بنيوي بين غياب الملكيّة الخاصّة للأرض، وبين بروز ملكيّة الدولة للرجال. ومن حيث النتيجة، فعندما أصبح أي مفهوم قانوني دقيق للملكيّة معطّلاً في المضمار الرئيسي للثروة الاساسيّة للمجتمع، تميّعت وتحوّلت الدلالادات التقليدية للحيازة في مضمار القوّة البشريّة، في الوقت نفسه. وعندما أصبحت كافة الملكيات العقاريّة من حق الباب العالي لم يعد من الأمور المهينة أن يصبح البشر ملكاً للسلطان، ولم يعد ” الرق ” يعرّف بوصفه نقيضاً للحريّة بل بمدى قرب الوصول الى القيادة الأمبراطوريّة، وهي مجال غير محدد بالضرورة الا أنّه ينطوي على تبعيّة تامّة وامتيازات وسلطة ضخمة. وبذلك فقد كان التناقض الظاهري في الدوشرمة منطقيّاً وعمليّاً تماماً ضمن المجتمع العثماني في مطلعه.

وفي الوقت نفسه، فان سلك الرقيق السلطاني لم يكن العنصر الوحيد في “المؤسسة الحاكمة” ذلك أنّه كان يتعايش مع الطبقة العسكريّة الإسلاميّة المحليّة المؤلفة من المحاربين “السباهيين”، الذين كانوا يشغلون موقعاً مختلفاً جدّاً وتكميليّاً في الوقت نفسه، داخل النظام. كان هؤلاء الجنود المسلحون يؤلفون خيّالة “اقليميّة” في المقاطعات. وكانت السلطنة تخصص لهم ملكيات عقاريّة تعرف بالتيمارات (وفي بعض الحالات كانت هذه الملكيات أكبر حجماً وتعرف بالزعامات)، وكان لهم الحق في الحصول منها على موارد محددة بدقة لقاء توفير الخدمة العسكريّة، وكان دخل “التيمار” يحدد نطاق التزام حائزه: فلقاء كل 3000 جديد (وهي العملة التركيّة القديمة)، كان يتوجب على “التيمار” أن يوفر فارساً اضافيّاً. وكان مراد الأول هو من أسس هذا النظام في الستينيات من القرن الرابع عشر، وقد قدر أنّه بحلول عام 1675 كان هناك حوالي 22 ألف “سباهي” في الروملي و17 ألفاً في الأناضول حيث كانت التيمارات عادة أصغر حجماً.[12] وكان مجموع احتياطي الفرسان الذي يمكن تعبئته عن طريق هذا النظام بطبيعة الحال أكبر بكثير، وقد كان ثمة تنافس مستمر على “التيمارات” في المناطق الحدوديّة الأوروبيّة من الأمبراطوريّة، وكان الانكشاريّة الذين يحالفهم النجاح من جملة من يحصل عليها غالباً لقاء خدماتهم. الا أن هذا النظام لم يمتد قط بشكل كامل الى الأراضي العربية البعيدة الواقعة في مؤخرة الأمبراطوريّة، والتي تمّ فتحها في أوائل القرن السادس عشر، حيث كان من الممكن الاستغناء عن سلاح الفرسان، بعكس الوضع على الحدود المسيحيّة وفي داخل الأراضي التركيّة. ولذلك لم تكن ثمة أراض “تيماريّة” في ولايات مصر، وبغداد، والبصرة، والخليج العربي، بل كانت فيها حاميات من الأنكشاريّة، وكانت تدفع مبلغاً سنويّاً محدداً من الضرائب الى الخزينة المركزيّة. وكانت هذه الأقاليم تلعب عادة دوراً اقتصاديّاً أهم بكثير من دورها العسكري في الامبراطوريّة. وقد امتدّ المحور الأساسي للنظام العثماني عبر المضائق، وكانت المؤسسات السائدة في “البلدين الأم” أي الروملي([13]) والأناضول – وخصوصاً الروملي- هي التي تحدد شكله الأساسي.

كان “التيماريون” و “الزعماء” يمثلون أقرب حالة شبيهة بطبقة الفرسان في داخل الأمبراطوريّة العثمانيّة. الا أن الملكيات “التيماريّة” لم تكن بأية حال من الأحوال اقطاعات حقيقيّة. ورغم أن “السباهيين” كانوا يقومون بمهمات اداريّة معينة لصالح السلطنة في ادارة مناطقهم وضبط الأمن فيها، فانهم لم يمارسوا أية سيادة أو سلطة اقطاعيّة على الفلاحين الذين كانوا يعملون في “تيماراتهم”. ولم يلعب “التيماريون” عمليّاً أي دور في الأنتاج الريفي على الأطلاق، فقد كانوا في الأساس غرباء عن الاقتصاد الزراعي بحد ذاته. وكان للفلاحين في الواقع الاجارة الوراثيّة المضمونة على القطع التي يفلحونها، في حين لم يكن ” للتيماريين” مثل ذلك. فلم تكن التمارات قابلة للتوريث، وعند قيام كل سلطان جديد، كان يجري تغيير الحائزين بصورة منتظمة لمنع تحصّنهم فيها. وكانت التمارات أكثر قرباً الى نظام “البرونويا” الذي سبقها قانونيّاً واصطلاحيّاً، الا أنها كانت أضيق نطاقاً وأكثر خضوعاً للمركز بكثير مما كان عليه النظام اليوناني.([14]) وكانت تؤلف، في الأمبراطوريّة العثمانيّة أقل من نصف الأراضي المزروعة في الروملي والأناضول، أمّا بقية الأراضي ( فيما عدا الأوقاف) فكانت مخصصة للأستعمال المباشر للسلطان والأسرة الملكيّة أو كبار موظفي القصر.([15])

1-2-2 المؤسسة الأسلاميّة:

أمّا “المؤسسة الأسلاميّة” فقد كانت منفصلة بعض الشيء عن المجمّع العسكري البيروقراطي لـ “المؤسسة الحاكمة”، وكانت تضم الجهاز الديني والقانوني والتعليمي في الدولة، ويديرها بطبيعة الحال باستثناء حالات قليلة، مسلمون محليون. وكان القضاة والعلماء والمدرّسون وجمهرة من الموظفين المكتبيين الآخرين يؤدون المهمات العقائديّة والقانونيّة الأساسية لنظام السيطرة العثمانيّة. وكان يقف على رأس “المؤسسة الأسلاميّة مفتي الآستانة، أو شيخ الإسلام، الذي يفسّر الشريعة للمؤمنين. إنّ العقيدة الإسلاميّة لم تعترف قط بأي فصل أو تمييز بين الدين والدولة، ولم يكن لهذه الفكرة أي معنى بالنسبة لها وقد أصبحت الإمبراطوريّة العثمانيّة أول نظام سياسي إسلامي يخلق جهازاً دينيّاً خاصّاً يمكن مقارنته بكنيسة كاملة. وبالإضافة الى ذلك، فان هذا الجهاز هو الذي وفّر العناصر القضائيّة والمدنيّة لجهاز الدولة، إذ ان القضاة المختارين من بين العلماء كانوا ركيزة الإدارة العثمانيّة في المقاطعات. وهنا، أيضاً كان ثمة مزيج جديد من الضغوط “الغزويّة” و”الإسلاميّة القديمة”. وقد وجدت الحمية الدينية “للغزويين” منفذاً لها في الظلاميّة المتعصّبة لعلماء الدين الأتراك، في حين كان الثقل الإجتماعي للعلماء يلقى الإحترام من خلال اندماجه الوثيق بجهاز السلطنة. وكانت احدى عواقب ذلك هي ان شيخ الإسلام، كان يستطيع، أحياناً، أن يعرقل تحركات الباب العالي باللجوء الى بعض مبادىء الشريعة التي كان الباب العالي حاميها الرسمي.([16]) وهذا التقييد الشكلي لسلطة السلطان كان، الى حد ما، المتمم لتعاظم سلطة الدولة العثمانيّة، والناجم عن خلقها جهازاً دينيّاً محترفاً. لكن هذا لم يلغ، بأي شكل من الأشكال الإستبداد السياسي الذي مارسه السلطان على ممتلكاته الإمبراطوريّة، والذي كان ينسجم تماماً مع تعريف فيبر للبيروقراطيّة الوراثيّة التي تتحوّل فيها مسائل القانون في كل مكان الى مجرد مسائل اداريّة، خاضعة للتقاليد المتعارف عليها.([17]) واذا أخذنا بعين الاعتبار أن مجموع الأراضي الصالحة للزراعة في الإمبراطوريّة كان يعتبر ملكاً للسلطنة، فان الهدف الداخلي المركزي للدولة العثمانيّة، والذي حدّد تنظيمها وتقسيمها الاداريين، كان يتمثّل بطبيعة الحال في الاستثمار المالي للممتلكات الإمبراطوريّة. ولهذا الغرض، كان السكان مقسمين الى الطبقة الحاكمة العثمانيّة، التي تضم كلا من المؤسستين الحاكمة والدينيّة، وطبقة الرعيّة، سواء كانت مسلمة أم كافرة.

1-2-3 طبقة الرعيّة:

لقد تألفت طبقت الرعيّة في الغالبيّة العظمى من الكفار، بطبيعة الحال، من الفلاحين، ولم تجر أيّة محاولة لفرض الاسلام على نطاق واسع على السكان المسيحيين  في الامبراطوريّة العثمانيّة، إذ أن ذلك كان من شأنه أن يسلب الفوائد الاقتصاديّة المترتبة على قيام طبقة من “الرعيّة” الكفرة، والتي كان من الممكن، وفقاً للتقاليد الطويلة “للإسلام القديم” والشريعة، تحميلها ضرائب خاصّة لا تسري على الرعايا المسلمين.

بذلك كان ثمّة تناقض مباشر بين التسامح ذي الإتجاه الجزيوي وبين التغيير الديني ذي الإتجاه التبشيري وكما رأينا، فقد حلّت ” الدوشرمة ” هذا التناقض عن طريق إجتلاب مجنّدين من الأطفال الذين يفرض عليهم الإسلام، مع إبقاء بقيّة السكّان المسيحيّين على دينهم التقليدي، ودفع الثمن التقليدي لذلك. وكان كافة الرعايا المسيحيّين يدينون للسلطان بضريبة رأس خاصة وكذلك بأعشار لإدامة جهاز العلماء. وبالإضافة إلى ذلك فإنّ هؤلاء الفلاّحين الذين كانوا يفلحون أراضي              ” التيماريين ” أو الزعماء كانوا يدينون بضرائب نقدية لحائزي هذه الإقطاعات. وكانت نسبة هذه الضرائب تحدّد بدقّة من قبل الباب العالي، ولم يكن بوسع ” التيماريين ” أو الزعماء ” تغييرها وفق مشيئتهم. وكان المستأجرون يمنحون إجازة مضمونة، وذلك لتأمين إستمرار الواردات النقدية، كما كانوا يحصلون على الحماية إزاء مطاليب الملاّكين، وذلك للحيلولة دون استنزاف الفائض  المحلّي في مجالات بعيدة عن المركز الإمبراطوري وجرى تقليص أو إلغاء خدمات العمل التي كانت قائمة في ظلّ الأمراء المسيحيّين.([18])

وقد حدّد حق الفلاّحين في تغيير أماكن سكنهم، إلاّ أنّه لم يلغ نهائياً، في حين كان التنافس على العمّال بين ” التماريّين ” يؤدّي عملياً إلى تشجيع التنقّل غير الرسمي بين الأراضي. وهكذا فإن الفلاحين وجدوا أنفسهم فجأة وقد تحرّروا من الخضوع المهين والإستغلال الأرستقراطي في ظلّ حكّامهم المسيحيّين، وانتقلوا إلى وضع إجتماعي كان في معظم النواحي أكثر راحة وحريّة.

1-2-4 الطبقة الأرستقراطيَّة:

كان مصير الفلاّحين مغايراً لمصير أسيادهم التقليديّين. ففي المراحل الأولى من الفتح التركي، انتقلت أجزاء من الأرستقراطيات المسيحيّة إلى جانب العثمانيّين، وقاتلت غالباً معهم في الميدان بصفة حلفاء وشركاء ثانويين. إلاّ أنّه مع توطّد السلطة الإمبراطورية العثمانية، انتهت البقية الباقية من استقلال هؤلاء الأسياد، فاعتنق عدد قليل منهم الإسلام واندمج بالطبقة الحاكمة العثمانية، في حين منح بعضهم ” تيمارات ” في النظام الزراعي الجديد، بدون تغيير دينهم، إلاّ أنّ التيماريّين ” المسيحيّين لم يكونوا كثيري العدد، وكانت مقاطعاتهم متواضعة عادة، وذات مداخيل صغيرة. وخلال بضعة أجيال، انقرضوا تماماً.([19]) وهكذا سرعان ما قضي على طبقة النبلاء الإثنية المحلية في معظم أرجاء السلطنة، وهي حقيقة ذات أهميّة كبرى بالنسبة لمستقبل التطوّر الإجتماعي في المنطقة. إلاّ أنّ مجرّد تكون الأرستقراطية العقارية، في أواخر العصر الوسيط وبداية العصر الحديث، كان يمثّل تقدّماً تاريخياً مؤكّداً في هذه الهياكل الإجتماعية المتخلّفة. ذلك أنّه أشَّر إلى بداية الخروج على المبادئ العشائرية في التنظيم، والتجزؤ القبلي، والأطر الثقافية والسياسية المتخلّفة المصاحبة لها.

إنّ قضاء الأتراك على طبقة الملاكين المحليّين حال دون قيام هذه الدينامية الباطنية بل إنّ النتيجة الحضارية والسياسية الرئيسية لذلك كانت ارتداداً فعلياً إلى المؤسّسات العشائرية والتقاليد الإقليمية.([20])   

إنّ الإرتداد العام إلى إقليمية أبويّة patriarchal كان مصحوباً بهبوط ملحوظ في نسبة المتعلّمين. وأصبح المظهر الثقافي لحياة السكّان المحكومين، إلى حدّ كبير، حكراً على الكهنة الأرثوذكس، الذين كان تذلّلهم للحكّام الأتراك يضارع جهلهم وخرافاهم. وفقدت المدن أهميّتها التجارية أو الفكرية، وأصبحت مراكز عسكرية وإدارية للحكم التركي، وتعجّ بالحرفيّين والحانوتيّين الأتراك.([21])

وعلى الرّغم من أنّ السواد الأعظم من سكّان الريف استفادوا مادياً من التأثير الأوّلي للفتح التركي، لأنّه أدّى إلى هبوط حجم الفائض المستقطع من المنتجين المباشرين في الريف إلاّ أنّ الجانب الآخر من نفس العملية التاريخيّة كان يتمثّل في وقف أي تطوّر إجتماعي محلّي نحو نظام إقطاعي أكثر تقدّماً، وارتداداً إلى الأشكال الأبويّة ما قبل الإقطاعية، وركوداً طويلاً في مجمل التطوّر التاريخي.([22])

إنّ هذا الإزدهار التجاري أدّى بدوره إلى تصاعد النمو الحضاري وتضاعف عدد سكّان المدن تقريباً، على الأرجح، خلال القرن السادس عشر.([23])

وكان المجتمع العثماني، إبان ذلك يمتلك عدداً محدوداً، ومزدهراً في الوقت نفسه من المراكز الصناعية في بورسة، وأدرنة، ومدن أخرى، والتي تقوم بإنتاج أو تصنيع الحرير والمخمل وصادرات أخرى.([24]) وقد اتبع محمد الثاني بعد استيلائه على القسطنطينية ، سياسة اقتصادية أكثر تنوراً من تلك التي أتبعها الأباطرة من آل (كومينوس) و (ياليولوكوس) وذلك بإلغاء الإمتيازات التجارية التي كانت تتمتع بها مدينتنا البندقية وجنوا، ووضع رسوم جمركية معتدلة جداً لتشجيع التجارة المحلية. وخلال قرن من الحكم التركي، ازداد حجم الأستانة نفسها من حوالي 40.000 إلى 400.000 وكانت تؤلّف في القرن السادس عشر أكبر المدن الأوروبية إلى حدّ بعيد.

إلاّ أنّ النمو الإقتصادي للأمبراطورية إبان صعودها كانت تحدّه حدود معينة منذ البداية. ويبدو أنّ الإنتعاش الزراعي للولايات الآسيوية خلال القرن السادس عشر لم تصحبه أيّة تحسينات هامة في التكنولوجيا الريفية. وأن الإبتكار الأكثر أهمية في ريف الشرق الأوسط في أوائل العصر الحديث، هو إدخال الذرة الأمريكية، قد جرى في فترة لاحقة، إبّان انحلال الإمبراطورية بشكل عام. ويمكن غزو الإنتعاش السكّاني في الأناضول، إلى حد كبير، إلى عودة السلم وتوطن القبائل البدوية، حيث أنّ استقرار الحكم العثماني سمح بتوسع التوطن الزراعي مرة أخرى عقب تقلّص عدد السكّان في أواخر العهد البيزنطي، وسرعان ما بلغ هذا التوسّع حدوداً سلبية، مع تقلّص الأراضي المتوفرة في ظل المستويات التقنية القائمة.

1-2-5 النشاط التجاري:

إنّ انتعاش التجارة عبر الأمبراطورية لم ينعكس على نشاط الصناعات المحليّة، أو حتّى على أهميّة التجّار المحليّين، ذلك أنّ الطابع الخاص للإقتصاد والحكم الحضريّين في البلاد العثمانية كان محكوماً دائماً بقيود السلطنة. فلا الورشات في المقاطعات، ولا العاصمة الضخمة، ولا الإهتمام الدوري لحكّام أفراد، كانت قادرة على تغيير العلاقة العدائية بين الدولة العثمانية والمدن والصناعات. ذلك أنّ التقاليد السياسية الإسلامية لم تكن تتضمّن أيّ مفهوم عن الحريّات الحضرية، فلم يكن للمدن اي استقلال بلدي . بل لم يكن لديها أي كيان قانون على الإطلاق. وكما أنّه لم تكن ثمّة أيّة دولة، بل مجرّد حاكم ووكلائه، ولم تكن ثمّة محاكم بل مجرّد قاض ومساعديه، كذلك لم تكن ثمّة مدينة، بل مجرّد مجموعة من العوائل، والأحياء والطوائف، ولكلّ منها رؤساؤها أو زعماؤها الخاصّون.([25]) وبعبارة أخرى، لم يكن للمدن ما تدافع به عن نفسها ضدّ إرادة أمير المؤمنين، وخدّامه. وكان التنظيم الرسمي لأسعار السلع والشراء الإلزامي للمواد الخام يؤمنان السيطرة على الأسواق الحضرية. وكانت طوائف الحرف تخضع لإشراف دقيق من جانب الدولة، وكانت روحها التكنيكية المحافظة تتعزّز بواسطتها. وفضلاً عن ذلك، فقد كانت السلطنة تتدخّل دائماً تقريباً ضدّ مصالح طوائف التجّار المحليّين في المدن والتي كانت موضع ريبة دائمة من جانب العلماء، وهدفاً لكراهية جماهير الحرفيّين. وكانت السياسة الإقتصادية للدولة تنزع إلى التمييز ضدّ الرأسمال التجاري الكبير، ورعاية الإنتاج الصغير، بما يتصف به من طوائفية بالية وتعصّب ديني.([26]) وبمرور الزمن أصبحت المدينة التركية الإعتيادية خاضعة لسيطرة ” الأناس الصغار ” ” menu people ” ، الراكدين المتخلفين، الذين كانوا يقفون حائلا دون أي ابتكار أو تجميع من جانب فئات رجال الأعمال. وإذا أخذنا بعين الإعتبار طبيعة الدولة العثمانية، فلم تكن ثمّة مساحة كافية من الحماية لتطوير بورجوازية تجارية، ومنذ القرن السادس عشر فصاعداً انتقلت الإختصاصات التجارية بشكل متزايد إلى طوائف الأقليّات الكافرة، من يونانيّين، أو يهود أو أرمن، والتي كانت، على أيّ حال، تهيمن دائماً على تجارة الصادرات مع الغرب وانحصر نشاط التجارة والمنتجين المسلمين بعد ذلك، بشكل عام، في إدارة الحوانيت الصغيرة والحرف اليدوية.

وعليه، فإنّ مستوى الإقتصاد العثماني، حتى في ذروة عنفوانه، لم يبلغ أبداً درجة من التقدّم تتناسب مع مستوى الدولة العثمانية.

1-2-6  التوسّع العسكري:

لقد بقيت القوة المحركة للتوسّع الأمبراطوري عسكرية في طابعها بشكل حاد. ومن الناحية العقائدية، لم يكن هيكل السيطرة التركية يعرف أيّة حدود جغرافية طبيعية. فطبقاً للنظرية الكونية العثمانية، كانت الأرض تنقسم إلى منطقتين كبيرتين، (دار الإسلام) و (دار الحرب). وكانت (دار الإسلام) تضمّ البلاد التي يسكنها المؤمنون الصادقون، والتي يجري تجميعها بشكل تصاعدي تحت رايات السلطان. أمّا (دار الحرب) فكانت تشمل بقية العالم، والتي يسكنها الكفرة الذين كتب عليهم أن يخضعوا في المستقبل لجنود النبي.([27]) وكانت هذه الأخيرة، من الناحية العملية، تعني أوروبا المسيحية التي أقام الأتراك عاصمتهم على أبوابها. طيلة تاريخ الإمبراطورية، في الواقع، كان مركز الثقل الحقيقي للطبقة الحاكمة العثمانية هو الروملي – أي شبه جزيرة البلقان نفسها – وليس الأناضول، الوطني التركي، ومن هنا كان ينطلق الجيش تلو الجيش، زاحفاً شمالاً نحو دار الحرب، لتوسيع رقعة الإسلام. إنّ حمية وضخامة وبراعة قوّات السلطان جعلتهم قوّة لا تغلب في أوروبا لمدّة مائتي عام منذ عبورهم لأوّل مرّة إلى كاليبولي. وكانت الخيّالة السباهية التي تخرج في حملات موسمية وغارات مفاجئة، والمشاة الإنكشارية المنتقاة، أسلحة فتّاكة للتوسع العثماني في جنوب شرق أوروبا. وفضلاً عن ذلك فإنّ السلاطين لم يتردّدوا في استخدام القوّة البشرية والخبرة المكتسبة للمسيحيّين في طرق أخرى غير (الدوشرمة) التي كانت توفّر أفواج المشاة. وكانت المدفعية التركية إحدى أكثر المدفعيات تقدّماً في أوروبا، وكانت المدافع تسبك أحياناً خصيصاً للباب العالي من قبل مهندسين غربيّين مرتدين. وسرعان ما أصبحت البحريّة التركية تنافس بحريّة البندقيّة، بسبب خبرة ربابنتها وطواقمها اليونانيّين.([28]) وكانت آلة الحرب العثمانية، التي بذلت قصارى جهدها لتملك الفنيين والحرفيين العسكريين من أوروبا، تجمع في ذروة مجدها بين النوعية العصرية لأفضل الجيوش المسيحية، والتعبئة الكمية التي تفوق إلى حد بعيد قوّات أيّة دولة مسيحيّة منفردة تقف بمواجهتها. وكانت المحالفات وحدها هي القادرة على الصمود أمامها على امتداد حدود الدانوب. ولم تستطع الرماح الإسبانية والنمسوية تنكيس سيوف الإنكشارية إلاّ بعد حصار فيينا في 1529.

إلاّ أنّ انحلال الإستبداد العثماني بدأ تدريجياً منذ العصر الذي توقف فيه توسّعه، إنّ إغلاق الحدود العثمانية في الروملي أدّى إلى سلسلة متعاقبة من ردود الفعل التي ارتدت إلى الإمبراطورية. وبالمقارنة مع دول الحكم المطلق في أواخر القرن السادس عشر وأوائل السابع عشر في أوروبا، كانت الدولة العثمانية متخلفة تجارياً، وثقافياً وتكنولوجياً، كانت قد اخترقت طريقها إلى أوروبا من خلال زاوية الدفاع الأكثر ضعفاً في القارة.. وهي الحواجز الإجتماعية المتداعية في البلقان في أواخر العصر الوسيط. وعند مجابهتها الملكيّات الهابسبوركية، الأكثر قوّة وتمثيلاً إلى حد بعيد، لم تستطع  في نهاية الأمر أن تحقّق الغلبة، سواء في البر (فينا) أو في البحر (لبيانتو). وإبتداء من عصر النهضة، كان الإقطاع الأوروبي يخلق رأسمالية تجارية لا يستطيع أيّ استبداد آسيوي أن ينتج ما يماثلها، لاسيّما الباب العالي، بخلوه التام من الإبتكارات واحتقاره للصناعات، إن توقف التوسّع التركي قد حدّده التفوّق الإقتصادي والإجتماعي والسياسي المتعاظم لدار الحرب، إلا إن التفسخ الطويل الأمد للإستبداد العثماني لم يخلق نظاماً إقطاعياً في النهاية.

2- محاولة بناء دولة حديثة في مصر:

في 2 يوليو 1798 رست سفن نابليون الحربية في الإسكندرية، ومن ثم تغيّر وجه الشرق الأوسط، إن حقيقة كلّ شيء حدث في العالم العربي في هذين القرنين الأخيرين يرجع أثره إلى هذا الحدث، وبروز محمد علي وتأثّره بالتعليم الغربي وثقافته وأفكاره والتي بدورها غذّت بذور القومية العربية الحديثة بالأفكار والأفعال، فبات مصطلح النهضة العربية الحديثة رديفاً لإصلاحات محمد علي في مختلف العلوم والفنون والتقدّم الصناعي والزراعي والتطلّع إلى منجزات الغرب لإنتشال الشرق من سباته العميق.

2-1 الصراع الدولي وحملة نابليون على مصر:

إنّ غزو نابليون لمصر أخرجها من مجرّد إقليم تابع للإمبراطورية العثمانية إلى دولة مهمّة لها شأن في السياسة العالمية، وبالرّغم من أنّ مصر لم تحصل على الإستقلال إلاّ بعد 150 سنة تالية، إلاّ أنّها منذ هذا الحدث استعادت أهميّتها القديمة كوسيط للعالم العربي وهي الجسر الرئيسي بين الشرق والغرب ولم يكن جنود نابليون هم أوّل من وضعوا أقدامهم في الشرق الأوسط بعد الغزو الصليبي، ففي بداية القرن السادس عشر أنشأ التجّار الأوروبيّون مستعمرات تجارية في سوريا ولبنان منحت عقداً مشروطاً من السلطات العثمانية أعفيت بمقتضاه من الضرائب، وكانت تحكم قنصليّاتهم الوطنية في النزاعات القضائية.

جاء الفرنسيّون أولاً ثمّ البريطانيّون، وكان الفرنسيّون هم الأسرع في الإمساك بالفرص لتلبية الحاجة من المنتجات الترفيه الشرقية التي تنبهوا إليها في عصر الصليبيين. وبدأت المصانع الفرنسية في العمل بسرعة في سوريا ولبنان، وفي نفس الوقت أيضاً أخذ الفرنسيّون على عاتقهم حماية السكّان الكاثوليك من الأوروبييّن والعرب. وقام الفرنسيّون والإرساليّات الأوروبية الأخرى بإنشاء الكنائس والمدارس لتدعيم أعمالهم.

لكن التنافس على الأسواق الخارجية الذي شهدته القوميّات الأوروبية أذكى روح التعصّب إزاء القوميّات الأخرى، فانهارت تلك النزعة الإنسانية Hummaniste التي بشّر بها فلاسفة عصر الأنوار، ولم يبقَ إلاّ نفر قليل من رجال الفكر متشبّثين بفكرة العالمية الشاملة، ولم تفلح عظمة غوته Goeuth في إحياء تلك الفكرة الأممية التي انتشى بها مفكروا القرن الثامن عشر لأنّ الإعتقاد الذي سيطر على نفوس الناس آنذاك هو الشعور بأنّهم يولدون من أجل الوطن ويعيشون له، وعليهم أن يقدموا له أعظم التضحيات.([29]) وكانت مظاهر الإعتزاز القومي بحكم طبيعة التنافس الإقتصادي، اعتزازاً استعلائياً تبدو مظاهره في كلّ شيء، في الإعلام، والأناشيد، والأندية الثقافية والرياضية والملصقات في الشوارع العامّة ودمغات المنتجات الوطنية على اختلافها لا بل ساد نوع من الشعور أنّ الحرب القومية تدفع الأفراد إلى الإندماج الكلّي بأوطانهم أكثر ممّا يدفعهم السلم إلى ذلك،([30]) لاسيّما وأنّ هذه الحروب انتقلت ساحاتها إلى خارج القارّة، فشعر المبشّرون القوميّون بضرورة نشر مبادئهم وأساليبهم خارج قارتهم بحماس لا يقلّ عن حماس المبشرّين المسيحيّين الأوائل.([31])

هذه الغزوات وجدت تسامحاً من السلطات العثمانية. على أنّه لا يمكن تجنّبها. حيث أنّها جاءت مصاحبة لمجتمع التجارة الأوروبية ووجدت تشجيعاً لصالحها من بعض الحكّام المحليّين كالأمير فخر الدين مثلاً الذي حكم بين عام 1590 إلى عام 1635 من طرابلس إلى طبرية، وسلك طريقة تشجّع نفوذ الأوروبيين والمسيحيّين، واستورد المعماريّين الإيطاليّين والمهندسين والزراعيّين والفنّانين من فلورنسا للعمل في مملكته.

وكان عند فخر الدين أهدافه اللبنانية، واستعمل طرق الزراعة الحديثة في تنمية وادي البقاع، ومساحات أخرى من مملكته حوّلها إلى حدائق للفاكهة ومخازن للغلال.

وفي محيط العقيدة تمتّع الناس بالحريّة من هذه الناحية في هذه الإمارة باعتناق العقيدة الدرزيّة والمسيحيّة وهكذا أيقظت نشاطاته اشتباه العثمانيّين، ولمدّة من الوقت هدأهم بإعلانه عدم إنكار إخلاصه الشخصي لمذهب السنّة. ولكن أعماله كشفت القناع أمام الباب العالي. حيث هو يزاول العقيدة الدرزية في مقدّمة أهدافه، ويشجّع الإرساليّات المسيحيّة الأوروبية خلال مملكته. ولذلك قام الأتراك بإرسال جيش ضدّه، وبالرّغم أنّه حاول الهرب في الجبال إلاّ أنّه تمّ الإمساك به واقتيد إلى أسطنبول وتمّ قطع رأسه.

وبعد قرنين من الزمان وصل الجيش الفرنسي إلى ميناء الإسكندرية في عام 1798 كتدخل أجنبي ثانٍ في شؤون الأمبراطورية العثمانية وكان للباب العالي أشد ردّ فعل على ذلك، وتوقّع نابليون هذا إلاّ أنّه ذراّ للرماد في العيون أعلن أنّه جاء ليعاقب المماليك ويحافظ على نفوذ السلطان التي حطّمها علي بك، ولكن الأتراك كانوا يعرفون جيّداً عرض نابليون من إنشاء قاعدة فرنسيّة ليقطع الطريق بين بريطانيا ومستعمراتها في الهند والشرق، ويعرفون جيداً أنّه إذا نجح يحتمل أن يحتلّ بعض الأقاليم الأخرى العثمانية واستقبل التجّار الفرنسيّين استقبالاً حسناً وقوبل المدرّسون الفرنسيّون والإرساليّات الفرنسية بالتسامح طالما أنّهم لا يتعرّضون للإسلام والمؤمنين به ولكن القوّات الفرنسية وجهّت إلى جيش السلطان في موقعة الأهرام ضربة قاصمة وتغلغل حتّى وصل إلى منطقة النوبة، عندها بدأ الباب العالي في تجهيز جيوشه في كل أنحاء الإمبراطورية لطرد الغزاة الفرنسيّين ونادى للجهاد ضدّ الفرنسيّين الكفرة.

وفي الوقت نفسه وصل الأسطول الإنكليزي إلى الإسكندرية بقيادة نلسون وقام بتحطيم الأسطول الفرنسي في موقعة أبي قير البحرية في خليج أبي قير. وبعد ثلاث سنوات تالية تبعت وحدات الجيش البريطاني انتصار نلسون بتحطيم الجيش الفرنسي في موقعة الإسكندرية وتحطّمت آمال وطموحات نابليون في الشرق.

ومن ناحية أخرى كانت القومية الإنكليزية في موقفها العدائي من فرنسا شديدة المحافظة، تلك المحافظة التي انعكست على الصعيد الفكري في كتابي إدمون بيرك الشهيرين ” نظرات في الثورة الفرنسية ” و ” رسائل حول السلم القائم على أشلاء الملوك “. فالحريّات البريطانية في نظر بيرك، هي الحريّات التاريخيّة، بل هي الوطن ذلك ” التراث الموقوف من قبل الآباء والأجداد يورِّثونه إلى الخلَف كأنّه العقار الذي يعود بوجه خاص إلى هذه المملكة دون أيّة إشارة إلى أيّ حق آخر سواءٌ كان عامّاً أو حقّاً مفضّلاً ممتازاً([32]) والمجتمع هو المشاركة في كل الفنون وجميع الفضائل، والمشاركة في الكمال كلّه… ومشاركة الأجيال الماضية مع الأحياء وبين أولئك الذين سيولدون في المستقبل “([33])، إنّ الدفاع عن هذه الحرمة المقدّسة للمؤسّسات الإنكليزية والهجوم على فرنسا لاستئصالها جذور الماضي بشكل تخريبي، كانت أرقى الطموحات للآثار الفكرية للكتّاب والشعراء الإنكليز، من أمثال وردزورث Words worth وكولريدج Coleridge وسيدني سميث Sysdney Smith وغيرهم ممّن نظروا باستخفاف إلى منجزات هذه الثورة (الثورة الفرنسية) الجارفة. إنّ هذا الصراع الفرنسي الإنكليزي استفاد منه السلطان العثماني لأنّه استطاع إزاحة الغزو الفرنسي عن مصر.

2-2 أثر حملة نابوليون على مصر في بناء الدولة المصرية:

لقد كان تعريف المصريّين بالسلطة بمعناها الأوروبي، الوجه الإيجابي الأول للحملة الفرنسية على مصر. فالسلطة هي التعبير عن إرادة الأمّة في العيش المشترك تحت نظام سياسي معيّن، منبثق من هذه الإرادة، أو نظام مستورد متلائم مع طبيعة توجّه الأمّة ودرجة تحضّرها، وهذا النظام السياسي هو ما نطلق عليه إسم نظام الدولة. وإن كانت الأمّة هي حصيلة تفاعل تاريخي نما وتكامل قبل قيام الدولة، فإنّ النزوع إلى السلطة ملازم للطبيعة البشريّة في الجماعة، ملازم لطبيعة نشوء الأمم وجريها نحو غاياتها في تأمين الوازع الذي يحفظ ثمار جهدها من الضياع. والسلطة في معناها الواسع تعني أيضاً الدولة كمجموعة منظمة لها على وجه العموم ركيزة إجتماعية هي الأمّة. أمّا الدولة في معناها الضيّق فإنّها تدلّ في المجتمع السياسي على السلطات العامّة التي ترعى شؤون الحياة الإجتماعية في أمّة. والأمّة في هذه التعاريف جميعها سبقت في نشأتها نشأة الدولة، والتأكيد على حقوق الأمّة أو الأمم هو أساس الإيديولوجيّات الثورية، ولا بد في قيام الدولة من توافر عنصرين: عنصر السيطرة وعنصر الكفاءة، فإذا لم ترتكز السلطة إلاّ على القوّة فهي تتميّز عندئذٍ بأنّها سلطة الأمر الواقع ولا تصبح سلطة قانونية إلاّ بموافقة المحكومين. ومناشير نابوليون إلى أهل مصر تركز على ثلاث نقاط بارزة ذات محتوى قومي:      

  • الإشادة بعظمة مصر القديمة.

  • التأكيد على إقامة حكومة أهليّة يدير شؤونها العلماء والفضلاء من أهل الكفاية لما فيه خير الأمّة.

  • التأكيد على إحترام تعاليم الإسلام وعدم المس بشعائر المسلمين الدينيّة.

وعلى ضوء هذه النقاط حاول نابليون أن يزيل من أذهان المصريّين ما علق بها من رواسب الحروب الصليبيّة المشبّعة بالإيديولوجيا الدينية المسيحيّة للقرون الوسطى، وأعلن بداية عهد جديد من الحكم، هو عهد الكفاية والثقافة والمعرفة، والتي هي أساس قيام السلطة العادلة والمنتجة. فالفرنسيّون وفقاً لمنشور الإسكندرية لسنة 1798 مُحِبُّون للمسلمين المخلصين، ولم يأتوا للقضاء على الإسلام، بل لمحاربة المماليك ومعاقبتهم دون سواهم لما ألحقوه من أذى بعظمة مصر، وإساءاتهم إلى أهل البلاد وارتكابهم المظالم بحقّهم، وسوء معاملتهم للتجّار الفرنسيّين، تلك المعاملة التي تميّزت بالإذلال والاحتقار والقهر. ولم يتناسَ المنشور الأول تذكير المصريين بالحملة الفرنسية على إيطاليا، المقام الأول للبابوية، التي كانت تحثّ أتباعها على محاربة المسلمين، واستيلاء الجيش الفرنسي على مالطة، مقر فرسان القدّيس يوحنا الاورشيليمي، قبلة المؤمنين المسيحيّين في العالم آنذاك، والمخزن الأكبر للذخائر والتحف الثمينة والمجوهرات التي كانت تهدى إلى طائفة الفرسان من أنحاء العالم المسيحي.

2-2-1 الأثر على طبيعة السلطة وبنية الدولة:

واقع السلطة التي حاول نابليون إرساءها في مصر كانت السلطة المدنية العلمانية، والتي سهّل قيامها فرار المماليك من القاهرة  بعد واقعة الأهرام، تاركين لعلماء القاهرة وأعيانها تدبّر أمر مدينتهم. وعلى ضوء هذا المفهوم العلماني، أصدر نابليون صكوك الأمان للمشايخ الهاربين ليطمئنوا إلى العودة، فعادوا جميعاً إلى القاهرة وعلى رأسهم الشيخ السادات والشيخ الشرقاوي، ولم يحضر عمر مكرم نقيب الأشراف الذي كان قد هاجر إلى سوريا في صحبة الوالي أبي بكر باشا، وشيخ البلد زعيم المماليك إبراهيم بك.

وكان أول عمل قام به نابوليون بعد أن استقرّ في القاهرة 24 يوليو 1798، هو تأسيس حكومة أهلية يكون العنصر السائد فيها للمصريّين، وهي الحكومة التي عرفت بإسم ” الديوان”، وهي ديوان القاهرة، ودواوين الأقاليم، والديوان العام وضمَّت نخبة من كبار علماء الأزهر، تمّ عليهم الإتّفاق في حضور أهل الرأي، فكوّنوا في القاهرة مجلساً شبه منتخب ضمّ الشيخ عبد الله الشرقاوي وخليل البكري، ومصطفى الصناوي وسليمان الفيومي، ومحمّد المهدي، وموسى السرسي، ومصطفى الدمنهوري، وأحمد العريشي، ويوسف الشبرخيتي، ومحمد الدواخلي([34])، وأوكلت لهذا المجلس مهمّة انتخاب رؤساء الجند لإدارة البوليس، ولجنة مراقبة الأسواق وتموين المدينة، ولجنة دفن الموتى. وإن كان الشيخ السادات تورع عن قبول العضوية في الديوان لأنها لا تتناسب مع مقامه في البلاد، فإنّ السادات كان موضع ثقة نابليون واحترامه، بدليل تعيينه رئيساً للجنة ضمّت المسيو روستي قنصل النمسا والجنرال جونيو، كانت مهمتها فحص شكاوى الأفراد الذين صودرت أموالهم دون وجه حق([35]).

إلاّ أنّه من الخطأ التاريخي الفادح اعتبار الحكومة التي أقامها نابليون في القاهرة، وامتدّت سلطتها إلى بقيّة الأقاليم، حكومة وطنيّة ذات سيادة، على رغم التركيز الدائم على أنّ الغاية من إقامتها التشاور فيما يعود على الشعب بالسعادة والرفاهية والطمأنينة والتقدّم، وحِرْص الحكم الفرنسي على تطبيق مبدأ ديمقراطية الكفاية في اختيار أعضاء هذه الحكومة فهذه الحكومة لم تكن لها السلطة القطعية في أيّ من الأمور إلاّ بعد موافقة المرجع الأعلى للسلطة العسكرية الممثّلة في جيش نابليون، ورؤساء الموظّفين الذي كان تعيينهم من اختصاص الديوان، كانوا من الناحية العملية تابعين للرؤساء الفرنسيّين، كما احتفظ الفرنسيّون بحقّ تعيين كبار الموظّفين في المراكز الحسّاسة دون استشارة الديوان، كإدارة الشؤون المالية والجمارك والأمن العام، وتعيين حكّام الأقاليم، وأخطاط مدينة القاهرة التي كان على رأس كلّ منها حاكم فرنسي([36]). وحتى أعضاء الديوان، الممثّلين من الوجهة النظرية لإرادة الأمّة، لم يكونوا كاملي الحرية في تقرير كلّ ما يريدون لأنّ الديوان الذي كان بكامل هيئته، أعضاءً ورئيساً من الوطنيّين، كان من الناحية العملية برئاسة ممثل فرنسي يحضر كل الجلسات، للتعرّف على سير المناقشات، والتأكّد من كفاية الأعضاء وأخلاقياتهم، وتحديد مبلغ الثقة التي يمكن أن يوليهم إيّاها نابليون قائد الحملة على مصر، وكثيراً ما كانت هذه الثقة تهتزّ، فتنزل بالعضو العقوبة التي تراوح بين الغضب ومصادرة الممتلكات ودخول السجن([37]) وإذا علمنا أنّ أعضاء الدواوين، وجلّهم من العلماء والشيوخ وكبار التجّار، كانوا في الأغلب ممثّلين حقيقيّين للشعب، سواءٌ لجهة مراكزهم وكفايتهم، أو لجهة نفوذهم بين الأهالي الذين ما استكانوا يوماً للحكم الغازي، لم يكونوا طلقاء في التعبير عن آرائهم بحريّة، فكانت مواقفهم لا تخلو من توفيقية برغماتية تثير غضب الشعب حيناً، وتشكيك الحكّام الفرنسيّين حيناً آخر. وهكذا ظلّت الريبة من المصريّين الوطنيّين هي السائدة في صدور الفرنسيّين، وإن أخفوها محافظة على حسن الإدارة مشورة وتنفيذاً، ولم تكن الريبة الكامنة في العامة من المصريّين تستقرّ على حال من الثقة.

كانت تعتبر هذه الحكومة، حكومة الحدّ الأدنى من التوفيق بين الصراع الوطني العام وصالح الحكم الفاتح، ولكنّها من الناحية الوطنية كانت تمثّل نقلة نوعية نحو المفهوم القومي للحكم، أي السلطة المنبثقة من إرادة الأمّة. فأعضاؤها كانوا جميعاً من المصريّين الوطنيّين في القاهرة والأقاليم، وخلت من أيّ عثماني أو مملوكي، وكانت مشاركة العالمين الفرنسيين مونج Monge وبرتوليه Berthollet، عضوي المجمع العلمي، في المناقشات، وعرض مشروعات الحكومة على أعضاء الديوان نقلة تاريخية نحو تدريب الأعيان والعلماء على ممارسة نظم المجالس الشورية في الحكم، وهي نظم لا عهد لمصر بها من قبل. أمّا بالنسبة لنابوليون، فقد كانت هذه الحكومة خير وسيلة له للحكم بواسطة ممثّلي الشعب الذين أراد نابليون أن يستنير بآرائهم في العاصمة والأقاليم.

فالحكم الفرنسي كان حريصاً على ألاّ يخلق زعامة جديدة لا جذور تاريخيّة لها في أوساط الشعب، حريصاً على التعاون مع النخبة الواعية الممثّلة للفعاليّات الاقتصادية والاجتماعية من العلماء والمشايخ والتجّار والصنّاع ورجال العسكرية ومشايخ الأخطاط، والأقباط، وبعض الأجانب، وهكذا كان الديوان العمومي ممثّلاً لسكّان القاهرة على اختلاف طبقاتهم ” بحيث إذا خاطبت الحكومة الديوان تتحقّق أنّها تواجه الرأي العام “([38]).

وإذا ما إستثنينا عضويّة ثلاثة من الأجانب جاءت نتيجة لرغبة نابليون في إكساب الديوان صفة الهيئة النيابيّة المختلطة الممثّلة لكامل النشاط الإقتصادي في البلاد ، فإن من تبقى من الأعضاء كانت لهم شهرة واسعة في الأوساط الوطنية المصرية كقيادات دينية وسياسية واقتصادية وثقافية، وهذا ما يثبته سجل الوفيّات الذي عنيّ الجبرتي بترجمته للشخصيّات المصرية الوطنية المميزة في الجزء الثالث من كتابه ” عجائب الآثار “، تلك الشخصيّات التي برز دورها في مقاومة الاحتلال الفرنسي، ولم ينطفئ تألّقها في العمل السلمي إبان الاستقرار النسبي للفتح الفرنسي، وازدادت تشبثاً بهويّتها الوطنية بعد خروج الفرنسيّين، فكانت النواة الوطنية التي تزاحَم على خطف ودها الأتراك العثمانيون والمماليك على السواء في خصوماتهم للعودة إلى تسلّم ولاية مصر. وهذا ما يشير إليه عبد الرحمن الرافعي في تقديمه لترجمة رجال الحكومة الوطنية الأولى في مصر بقوله: “ظهر للشعب في خلال تلك السنين زعماء معدودون كوّنتهم الحوادث وثقّفتهم التجارب، فكان لهم فضل كبير في إظهار شخصيّة الأمّة وتوجيهها إلى ما فيه خيرها وصالحها، نالوا هذه الزعامة، بما كان لهم من المقام المحمود بين الناس قبل الحملة الفرنسيّة، وما أكسبهم اضطهاد الفرنسيّين من المحبة والجلال، وما اشتهروا به من نصرة المظلوم وحماية الضعفاء في وجه القوّة والظلم. وقد ساعد على زيادة نفوذهم بعد جلاء الفرنسيّين أنّ التنازع بين المماليك والأتراك قد أضعف مركز هذين الفريقين، فاستطاع الشعب من خلال هذا التنازع أن يكسب نفوذاً جديداً وسلطة جديدة، وظهر لزعماء الشعب صوت مسموع في حكومة البلاد وتطوّر الحوادث وعزل الولاة وتعيينهم، فالنفوذ الجديد الذي اكتسبه الشعب وزعماؤه هو من أكبر مميّزات سنوات الانتقال التي اعقبت الحملة الفرنسيّة.([39])

كانت سلطة الديوان ديمقراطية في توجّهاتها العامة، وما كان يتّخذ من قرارات بالأكثرية كان يجد طريقه إلى التنفيذ في سلسلة من الحلقات الإجرائية، وكان ديوان القاهرة نموذج السلطة الديمقراطية في البلاد، إذ كان هذا الديوان نموذجاً للدواوين التي عمّمها نابليون في القطر المصري في 27 يوليو 1798، للسهر على مصالح المديريات، وتَقَبُّل شكاوى الأهلين، وتثبيت النظام بواسطة آغا الانكشارية المتصل على الدوام بالقومندان الفرنسي، وجباية أموال الميري والضرائب، وتحصيل إيرادات أملاك المماليك التي أضحت ملكاً للجمهورية الفرنسية بواسطة جاب.  وإن كانت هذه الدواوين قد عنيت بالشؤون الإقليمية أو المحليّة، فإنّ الديوان العام الذي أنشأه نابليون في 4 سبتمبر 1798 كان بمثابة جمعية عامة مركزية للقطر كلّه ضمّت مندوبين من القاهرة والاسكندرية ورشيد ودمياط وغيرها من الأقاليم، على أساس من التمثيل النسبي([40]).

وفي هذا الديوان طرحت للمناقشة قضايا أساسيّة لإدارة تلك البلاد العريقة بأمجادها، والتي كانت ” العلوم والصنائع والقراءة والكتابة التي يعرفها الناس في الدنيا أخذت عن أجداد مصر الأول”([41]). ولكن على المندوبين أن يبدوا رأيهم في النظام الأصلح لتأليف مجلس الديوان في المديريّات، والنظام الذي يجب وضعه للقضاء المدني والجنائي، والتشريع الذي يكفل ضبط المواريث، ومحو أنواع الشكاوى الواردة من قبل الأهلين في النظام الحالي، والإصلاحات والاقتراحات التي يراها الديوان صالحة لإثبات ملكية العقارات وفرض الضرائب. وكانت المقرّرات المتخذة في هذه المجالس على جانب من الوعي الحقوقي المدني، الذي روعيت فيه عادات المصريّين وشرائعهم الدينيّة.

كان الديوان العام بمثابة برلمان يجتمع بناءً على دعوة الحاكم العام في القاهرة، وعنه انبثق الديوان الدائم ” Le Divan permanent ” الذي هو بمثابة الحكومة أو السلطة الإجرائية أو التنفيذية، التي تجتمع كلّ يوم للنظر في مصالح الناس، وتوفير أسباب الرفاهيّة للمواطنين، ومراعاة مصالح الجمهورية الفرنسيّة، وكان تطبيقه في مصر مع مراعاة أحوال البلاد وتقاليدها نقلّة نوعية نحو البناء القومي للأمّة، وهو بناء يختلف عن مفهوم الشورى في الإسلام رغم كلّ ما يقال عن المضمون الديمقراطي لهذه الشورى.

2-2-2 الأمّة المصريّة والدولة:

إنّ نظام الحكم الذي أرسى نابليون قواعده في مصر كان المبدأ الذي قامت عليه الثورة الفرنسيّة، والقائل بأنّ أهل السلطة كامن في الأمّة، وأن أول حق من حقوق الأمّة أن تحقّق ذاتها سياسياً وقانونياً وبشكل كامل، ومبدأ السيادة الوطنية هو مبدأ نشوء القوميّات الذي وجد أول تطبيق له خارج فرنسا في تحرير إيطاليا على يد نابليون قبل مجيئه إلى مصر، ثمّ عاد نابليون فطبّقه جزئياً في بولونيا المستقلّة باسم دوقية فرسوفيا الكبرى بعد معاهدة تلست، وهو المبدأ الذي علّق في معاهدة فيينا إثر سقوط نابليون، وهوجم بشدّة من قبل الحلف المقدّس، ولم يعد إلى الحياة إلاّ عقب ثورة 1848 الفرنسية، وكان محرّكه نابليون الثالث، الذي شجّع قيام الهجرة الرومانيّة والوحدة الإيطالية، وأفسح في المجال لتكوّن الوحدة الألمانية فيما بعد على يد بسمارك. أمّا المبادئ القوميّة التي أرسى قواعدها الحكم الفرنسي في مصر فقد كان من خصائصها التنظيم العقلاني للحياة السياسيّة، أي دسترة السلطة، وإقامة العلاقات المتطوّرة بين الحكّام والمحكومين، ورفض كلّ ما هو سكوني في العلاقات الداخلية والدولية. والبحث عن الأصالة الثقافية في الأمّة إنّما هو المدخل، شئنا أم أبينا، إلى نظام الدولة القوميّة، وهذا ما أكّدته إصلاحات نظام الحكم الذي أسّسه نابليون في مصر، فشكّل مفترق الطريق بين إيديولوجيّتين بات لهما أنصارهما في مصر، هي الإيديولوجية القومية التي حملها رفاعة، والإيديولوجية الأصولية الدينية المتطوّرة التي تزعّمها الإمام محمّد عبدة.

أدخل نابليون إلى مصر النظام الدستوري القائم على رفض الحكم الإستبدادي المطلق، وكان إشراك العنصر المصري في إدارة الحكومة، رغم تلك السلطة العليا للفرنسيّين، ظاهرة جديدة ومبكرة في تاريخ مصر الحديث، وقد تحدّت مبادئ الثورة الفرنسيّة التي حملها نابليون، وانعكست في مؤسّساته الإدارية والعلميّة، المدرسة الكفاحيّة الوطنية المصريّة بنسغ جديد، فالحريّة والاستعمار نقيضان، ولا بدّ في تركيز مبادئ الحريّة من تعليم الناس مبدأ التحرّر، أي إنقاذ البلاد من التبعيّة الأجنبية، ونابليون الذي أيقظ الروح القوميّة في منشوراته وبياناته، وقع في التناقض عندما أراد أن يستعبد الأمّة المصريّة، فكانت المقاومة للفتح الفرنسي هي المدرسة العملية للكفاح من أجل الاستقلال. وهذا التناقض بين التبشير بمبادئ الحرية والإستعباد، سجَّله غير واحد من أعضاء المجمع العلمي الذين قاموا بالدراسات الشاملة للحياة المصرية في مختلف المجالات، ونشروا بحوثهم اللامعة في المجلّدات العشرين من كتاب وصف مصر Description de l’Egypte. يقول مسيو ريبو Raybaud، في الجزء الثالث من كتاب ” التاريخ العلمي والحربي للحملة الفرنسيّة “: ” كانت هناك عقبات وطنيّة ودينيّة تحول دون ثقة المصريّين بحكّامهم الجدد، فقد كان من الصعب أن توجد أمّة تبلغ بها السذاجة مبلغاً تنتظر معه الخير من جيش يركب متن البحار ويستهدف للأخطار ويحتلّ بلادها ويخوض فيها غمار الحرب لمجرّد الدفاع عن مصالحها، ولا يمكن أن تؤثّر المنشورات والكلمات الفخمة في تغيير حالة الشعب النفسيّة، لذلك كان الوجه البحري بالرّغم من احتلاله وانهزامه غير خاضع ولا مستسلم، وكثيراً ما تمرّدت القرى التي مرّ بها الجيش الفرنسي ورفعت علم الثورة “([42]). وفي الصدد نفسه، يقول مسيو مارتن أحد مهندسي الحملة، وأحد أعضاء لجنة العلوم والفنون الذين صحبوا نابليون إلى مصر: ” إنّ دعاة الفتنة ما فتئوا يشعلون نار الثورة في مختلف أنحاء القطر المصري، وقد اتّخذ المصريّون شعارهم ذلك المبدأ المشهور الذي أعلنته فرنسا وهو أنّ مقاومة الاضطهاد هو أقدس واجبات الشعب “([43]).

لا نستغرب صدور هذه الأحكام عن علماء هم أبناء الثورة الفرنسية، والمتأثّرون حكماً بفلسفاتها القائمة على أساس الحق والحريّة، حين لم يجدوا في الفتح ما يتّفق مع تعاليم هذه الثورة. لقد اجتذب نابليون مشاعر المصريّين بمنشوراته، ونظام حكمه الدستوري، وتأكيده على عظمة مصر لاسيّما مصر القديمة، وفي تأكيده على أنّ عنصر المماليك الذي ترفّع عن الاندماج في حياة الشعب المصري هو عنصر غريب لم يقدم لمصر سوى الخراب، ولم يكن العنصر العثماني المملوكي أقل فساداً، ولكنّه عجز عن إقناع الشعب المصري في أن يكون الغزو الفرنسي هو البديل رغم كلّ المظاهر الخلاّبة التي تفنن هذا الغزو في عرضها على أنصار المصريّين ومسامعهم.

لقد تأثّر الشعب المصري بمنجزات نابليون الإدارية والعلمية واعتبرها ملكاً له في كثير من جوانبها، وجعلها أداته الكفاحية في وجه المستعمر، فلم يعرف الإستكانة، ولم يستقرّ للفرنسيّين قرار طوال السنوات الثلاث التي قضوها في مصر، وكان علماء الحملة في معظمهم يعتبرون هذه المقاومة فضيلة لا تنسى من فضائل الشعب المصري، كما هي فضيلة من فضائل نشر الوعي الذي كان، في كثير من أنحاء وجوهه، أثراً من آثار الثورة الفرنسيّة التي انتقلت إلى مصر عن طريق الحملة، وهذا ما تراه واضحاً في قول المسيو بوسليح: ” إنّ الشعب المصري بالرّغم من ثوراته العديدة ضدّنا يمكن اعتباره شعباً وديعاً، على أنّه يكرهنا، وهيهات أن يحبّنا مع أنّنا نعامله بأحسن ما يمكن أن تُعامل بلاد محتلَّة. وإنّ اختلاف العادات، وأهمّ منه اختلاف اللّغة، وخاصةً اختلاف الدين، كلّ ذلك من الصفات التي لا يمكن تذليلها، والتي تحول دون إيجاد صلات الودّ بيننا وبين المصريّين. وإنّهم يمقتون المماليك ويرهبون نير الآستانة ولا يحبّون حكمها، ولكنهم لا يطيقون حكمنا ولا يصبرون عليه إلاّ بأمل التخلّص منه “([44]).

2-2-3 الإيديولوجية القومية في تناقضها مع الآخر:

الواقع أنّ الذين لاحقوا تاريخ القوميّات الأوروبية، وفي طليعتها تاريخ القومية الفرنسيّة ومضامينها الإيديولوجية، يستغربون ما حملته من ضروب التناقض، لاسيّما عندما رغبت في نقل هذه الإيديولوجية إلى الشعوب الأخرى بقوة الفتح والإستعمار، سواءٌ في تجربتها الأولى في فتح إيطاليا ثمّ مصر، ولا سيّما في غزوها لبلدان القارة الأوروبية فيما بعد. ففرنسا التي أعلنت حقوق الإنسان، وقضت على نظام الإقطاع في بلادها، وشكّلت وحدتها القومية ضماناً حقيقياً في المحافظة على أراضيها ضدّ الغزو الأجنبي والمتعاونين معه من المهاجرين الفرنسيّين لإعادة النظام الإقطاعي، انتهت باسم الحفاظ على الحدود الطبيعيّة لأراضي الجمهورية وإنقاذ البشرية من براثن الطغاة، على حدّ تعبير ” فرنيو ” أحد زعماء الجيرونديين([45])، إلى تجاوز هذه الحدود إلى جميع أرجاء أوروبا وإلى العالم أجمع، وهكذا كانت تتعاظم المطامح القومية للبورجوازية الفرنسيّة، التي وجدت في نابليون ومطامحه الشخصيّة رجلها المتفوّق بسرعة فتوحاته العسكرية. فالإيديولوجية القومية للثورة الفرنسية كانت في بادئ أمرها مزيجاً من إيديولوجيّات متداخلة ينطبق عليها ما أوجزه بويد شيفر Boyed .C. Shaffer في حديثه عن الدوافع الكامنة وراء الإرادة القومية، إنّه بالإضافة إلى رغبة الناس العاديّين في التخلّص من الظلم والتطلّع إلى العالم الأفضل، وحماية الأمّة من الخطر الداخلي، والعدوان الخارجي، كانت هناك الرغبة في التوسّع لدى البورجوازيّة صاحبة التوجّه والنفوذ القومي في الدولة القوميّة الجديدة: ” فرجال الأعمال البورجوازيّون كانوا يطمعون في التجارة والرّبح، ورجال السياسة كانوا ينشدون حبّ الجماهير، وكان رجال الحرب يرومون المجد، وكان البعض الآخر يأمل في التمكّن من نشر أعلام الحريّة، بينما بحث غيرهم عن المغامرات. وكانت الفكرة القومية قادرة على احتضان كلّ هذه الدوافع التي يمكن أن تتركّز على كلّ حال في المصالح القوميّة. فقد صار بإمكان رجال الأعمال والسياسة والقوّاد العسكريّين والأحرار والمغامرين تحقيق أهدافهم الخاصّة بإسم الأمّة ولأجلها في الظاهر، وفي الوقت الذي كانوا فيه يحملون بركاتهم القوميّة إلى أمم أقل حظّاً منهم، أمّا كون هذا العمل قد ينطوي على إنكار حق الشعوب الأخرى في أن يكون لها وطن، فإنّه لم يكن بذي بال “([46]).

كان الفرنسيّون واثقون من عدالة مبادئهم القوميّة، ولم يجدوا غضاضة في أن تكون مبادئ حقوق الإنسان التي أعلنتها دساتيرهم المثال، على أوروبا والعالم أن يحتذيها ” وانطلاقاً  من هذا الإعتقاد، حقّق الشعب الفرنسي من الإنتصارات خارج حدود وطنه أكثر ممّا حقّقه من قبل ملوك فرنسا العظام “([47]) فالمرسوم الأول الصادر عن المؤتمر الوطني في تشرين الثاني 1792 يَعِد بأنّه سيقدم الأخوة الفرنسيّون ” يد العون لكافة الشعوب التي ترغب في استعادة حريّتها “([48]). وبعد شهر واحد من ذلك التاريخ يعلن المؤتمر نفسه بأنه: ” كلّ من يريد المحافظة على الحاكم أو إعادته أو يتعامل معه ومع الطبقات ذات الإمتياز أو يرفض الحرية أو المساواة أو يتنكّر لها “([49]) ولكن هذه العدالة التي أرادتها القومية الفرنسية أن تكون عالمية، ألهبت المشاعر القومية لدى الشعوب التي غزتها الجيوش الفرنسية، وهدرت الأحلام التي راودت البورجوازية الفرنسية في وضع مصر والقارة الأوروبية تحت سيطرتها، ولكنها كانت وهي تطرد الغازي الفرنسي، مدركة للميزات الثقافية، وللإيديولوجيات التي حملها هذا الفتح فلم يمضي وقت طويل حتّى حذت جميع الحكومات القومية حذو الحكومة الفرنسية في إثارة العواطف الوطنية لدى شعوبها، وبات الموت من أجل حماية الوطن يفوق أيّ حماس عرفته المسيحيّة في نشر مبادئها في العصور القديمة والمتوسّطة، وباتت الإستجابات لرغبات الأمّة في العدالة والمساواة والتقدّم تتصدّر قائمة الأولويّات بفعل الضغط الإجتماعي العارم، وتجد طريقها إلى التحقيق في تزايد مطرد.

2-2-4 مبادئ الثورة الفرنسية في الصراع ضدّ الأجنبي وفي توجهها العلماني:

هي المبادئ التي باتت شغل أوروبا ما بين 1802 – 1815، أي سنوات الحكم النابوليوني، كانت قد تركت بصماتها القوية على مصر التي ربطها الفتح الفرنسي بمجمل الأحداث التي عرفتها أوروبا أيّام حكم نابليون وبعده.

وإن كانت مصر قد أخرجت الفرنسيّين نهائياً من البلاد سنة 1802، فإنّ مبادئ الثورة ازدادت توهجاً إبّان مقاومة المصريّين للإنكليز ومحاولتهم التخلّص من ثنائية النزاع على السلطة من قبل المماليك والعثمانيّين.

فمصر الخارجة من ظلمات القرون الوسطى سرعان ما دعت تجربتها المحلية على ضوء الفكر الجديد الوافد، وتفاعلت مع المضامين الإجتماعية للثورة الفرنسيّة. وفي طليعة هذه المضامين مفهوم الوطنية والقومية، الذي يشكّل حبّ الأرض المشتركة، والتاريخ المشترك، بما يحمله من ثقافة معبّر عنها باللّغة، عنصرين بارزين في تطلّعاتها المستقبليّة، فالقانون الطبيعي يقتضي أن يعيش الناس في أمّة ومن غير الطبيعي أن يكونوا غير وطنيّين، والأمّة هي هذه الشخصيّة التاريخية التي نَسَجَها تقادم الأجيال وأورثها الجوهر الخلقي والحكمة: فهي من هذه الناحية، مهما طغت عليها الروحانيّة، تبقى مظهراً من مظاهر العقل المحلّي المرتبط بالفكر العالمي المتطوّر الذي يعلو على أيّة حقيقة.

والثورة الفرنسيّة، التي قضت على نظرية التفويض الإلهي في تكوين الأمّة واستبدلته بنطرية الحق الإلهي للشعوب، ودخلت في سبيل ذلك في صراع عنيف مع رجال الدين وسلطة الكنيسة، كانت تعتقد أنّ الدين هو في جملة مكوّنات الشعور القومي، وليس هو العنصر الحاسم في هذا الشعور. فالأمّة هي مجموع تراثها المشترك، والأمّة الروحية تكمن في لغتها التي هي التعبير عن التاريخ المشترك والثقافة المشتركة، وهي في جدليّتها مع التاريخ والثقافة تشكّل أحد الروابط الأساسيّة في الولاء إلى الجماعة التي تتكلّم لغة الوطن، والإنسان لوحده لا يُعَدُّ شيئاً إلاّ إذا انتظم في سلك الجماعة التي بواسطتها يستطيع أن يفكّر ويبدع، وهذا هو معنى الأمّة. والكنيسة الرومانيّة التي كانت تظنّ أنّ معتقداتها صالحة للتطبيق على العالم كلّه وجدت نفسها لأغراض إدارية ومالية أمام الإنقسام إلى مناطق شكّلت فيما بعد دولاً قوميّة.

والثورة الفرنسيّة التي هي وريثة عصر الأنوار، حوّلت الولاء إلى الوطن بعد أن كان ولاءً للكنيسة والملكية والطبقة والإقليم والقرية، وهذا الولاء الجديد تتحكّم به دورة اقتصادية يفيد منها الجميع دونما استبداد أو إرهاق معنوي أو مادي محقّقة بذلك رغبة الناس في التخلّص من الظلم والتطلّع إلى عالم أفضل، وذلك لا يتحقّق إلاّ عن طريق الإخلاص للمصلحة القومية. وهذه المصالح المشتركة المعبّر عنها بالمصالح القومية هي التي أفقدت الكنيسة مهمّتها الأولى التي هي خلاص المذنبين من العقاب، وأقامت على أنقاضها السعادة الأرضيّة في الحريّة والمساواة في ظلّ سيادة الوطن، هذه السيادة التي عبر عنها فولتير بقوله: ” عندما يجتمع أولئك الذين يملكون حقولاً ودوراً للبحث في مصالحهم المشتركة. فإنّه يكون لي صوت في هذا المجلس، فأنا جزء من كلّ المجموعة، جزء من الحقيقة ذات السيادة وهذا هو وطني “.

22-5 أثر ثقافة الثورة الفرنسية على النخب:

كانت الثورة الفرنسية حاملة لثقافة سامية تسير جنباً إلى جنب مع الطبيعة البشرية الصافية ومع الفطرة التي فطر عليها الناس، فإذا أردنا أن نسمو بالبشرية إلى المحل الأرفع، فإنّ علينا أن نغذّيها بثقافة تمشي سراعاً إلى الإنسان الكامل. والثقافة السامية هي الثقافة المتطوّرة التي ينميها العلم والعمل الدؤوب الذي يتوخّى خير الأمّة مصدر كلّ خير، ونابليون حمل إلى مصر هذه الأنشودة، وسعى في أن تكون مصر القطر الذي يحقّق فيه هذه المبادئ، فتكون تلك الجنة الأرضيّة لفرنسا على الضفاف الشرقيّة للبحر المتوسط، فمصر حاملة لكلّ صفات الأمّة التي ترشحها لأن تكون جنّة على هذه الأرض، فهي المتميّزة تاريخياً ولا بدّ أن تكون متميّزة حاضراً ومستقبلاً إذا عمل أفرادها وفقاً للمقاييس التي تفرضها الوطنيّة. والحقّ أن نابليون وضع مصر على عتبة التطوّر الإقتصادي والإجتماعي والإيديولوجي، وتمثّل ذلك في يقظة الحركة الوطنيّة المبكرة التي استمدّت من الغرب نواة معرفتها في بناء وطنها الجديد، فكانت مصر أول بلد شرقي عرف النظام الدستوري وخرج على الحكم المطلق القائم على الظلم والاستبداد وأهواء الحكّام ومارست نخبة من أبنائه الإدارة الحكومية وفقاً لتشريع مدني علماني مُستمدَّة أصوله من تعاليم الثورة الفرنسيّة ومبادئها، هذه المبادئ التي أحدثت تحوّلاً ظاهراً في الفكر المصري نلحظه فيما كتبه الجبرتي عن الفرنسيّين في مؤلّفه ” مظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس ” بمعاونة الشيخ حسن العطّار. وفي الجزء الثالث من كتابه ” عجائب الآثار ” تجد التأثير الحقيقي للحملة الفرنسيّة في إنهاض مصر، وتلمح مظاهر الإعجاب الذي يبديه الجبرتي إزاء المظاهر الإيجابية في السياسة الفرنسية، كرفض السخرة والحدّ من عسف القوات العسكرية والمساواة بين الناس كافة أمام القانون، وإعادة صياغة النظام القضائي على أساس وطني ديمقراطي، وهذه كلّها تمثّل خلفية لوعي قومي جديد يختلف في مضامينه وتوجّهاته عن كلّ ما سبقه من فكر تقليدي متوارث من عصور الانحطاط، هذا الوعي الذي أخذ كامل أبعاده مع الطهطاوي فيما بعد.

وكانت أعمال المجمع العلمي في مصر ثورة حقيقية في مجالات الفكر المصري عموماً، فعلماء الحملة الفرنسية كانوا متكاملين في فروع اختصاصاتها، الهندسة والفلك والميكانيك والكيمياء وعلم النبات وعلم طبقات الأرض والمعادن والإقتصاد السياسي، وهندسة الري والطرق والهندسة الجغرافية… ألخ. وكانت غاية المجمع تقدّم العلوم والمعارف في مصر، ودراسة المسائل والأبحاث الطبيعيّة والصناعية والتاريخية الخاصة بمصر ونشرها، وإبداء الرأي للحكومة في المسائل التي تستشيره فيها، وكان من مقرّرات المجلس إعطاء جائزتين كلّ سنتين. الأولى لأهم بحث خاص بتقدّم الحضارة والمدنية في مصر، والثانية لأهم بحث خاص بتقدّم الصناعة، وبذل أعضاء المجمع جهوداً كبيرة في خدمة العلوم والفنون عامّة، واكتشاف عراقة مصر في ميادين العلوم والفنون بشكل خاص، وكانت بعض دراساتهم تنزل في حيز التطبيق العملي، والتي كان من نتائجها التحسينات الكبرى في البناء والريّ والعلوم الإقتصادية ونشأة المسرح. والأبحاث القيّمة التي نشرها العلماء الفرنسيّون في كتاب ” تخطيط مصر ” كانت مرجعاً للمشاريع الكبرى التي قامت بها حكومة محمّد علي في مختلف مجالات العمران، واستحقّت ثناء العلماء الوطنيّين الذين أسهموا في بناء نهضة مصر الحديثة([50]).

إنّ هذه الأعمال جميعها، الإداري منها والعلمي، كانت البداية لإخراج مصر من عزلتها القروسطية، وفتحت أمامها تاريخها الخاص باعتبارها أمّة ذات حضارات متواصلة لها صفة الديمومة والاستمرار، مع ما تقتضيه هذه الديمومة بحكم جدليتها التاريخية من الحفاظ على الصالح العام وتطويره على ضوء الاحتكاك بمنجزات الشعوب الأخرى والإفادة منها. وإذا علمنا أنّ الغزو النابوليوني قد ربط مصر بالتحوّلات الأوروبية والثورات البورجوازية والتحرّرية الكبرى التي كانت تهزّ أوروبا في ذلك العصر، أدركنا ما أصاب الفكر التقليدي المصري من عمق الإهتزاز الذي نرى صورة له في كتابات الطهطاوي ” أبريز باريز ” و”مناهج الألباب المصرية ” و”أنوار توفيق الجليل في أخبار مصر وتوثيق بني إسماعيل”، الذي ظهر الجزء الأول منه عام 1865، والذي ردّ فيه تاريخ مصر تبعاً لتوالي العصور المختلفة: العصر الفرعوني، عصر البطالسة، العصر الروماني ثم العصر البيزنطي ثمّ العرب قبل الإسلام وبعده. وكان الطهطاوي حريصاً على أن يمدّ هذا التاريخ في مجمله عبر غربال النقد العقلي المستبعد عنه كلّ ما هو داخل في نطاق الأعاجيب وخوارق العادات، والمحافظة على جوهر ما فيه من الوقائع المدنية والعسكرية وفقاً للتعليل السببي الذي يقتضيه التاريخ الحديث.

لقد وضعت حملة نابليون مصر على دروب الثقافة التاريخيّة الحديثة، أي أنّها وضعتها في حالة صدام بين مفهوم الأمّة وفقاً لنظرية الإسلام السياسية وبين إيديولوجية الثورات البورجوازية القومية الأوروبية، تلك الثورات المؤمنة بالتكنولوجيا الصناعية وإيديولوجيتها، وما تقتضيه من تشريعات متطوّرة تستجيب للضغط الإجتماعي والتطوّر العلمي في آن معاً. وإنْ كانت الأمّة في نظر الإسلام هي جماعة الأفراد الذين تجمع بينهم رابطة الدين، فإنّ الأمّة في المفهوم القومي الحديث هي جماعة الأفراد الذين يجمعهم الولاء للوطن دونما تفريق في الأصل أو العرق أو الجنس أو الدين، والولاء للوطن هو ولاء للانصهار في بوثقة الثقافة واللغة والتاريخ على الأرض المشتركة. وإن كان رئيس الأمّة في الإسلام هو الله وحده تشريعاً وتنفيذاً، فإنّ رئاسة الأمّة القومية هي سلطاتها التشريعيّة والقضائية والتنفيذية وفقاً لمبدأ سيادة الأمة واستقلالها الأرضي، فلا سلطة دنيوية أو ما ورائية تفوق سلطة الشعب. وقد كان مقرّ الدفاع عن السلطة الإلهيّة هو الأزهر، ولما ترسّخت معالم النزعة الليبرالية ،إنساب في تيارها فريق منور من الشيوخ بحكم احتكاكهم بالحملة العلمية الفرنسية، فيما ارتضى الفريق الأكبر العزلة واتخذ موقفاً سلبياً مؤثراً عدم المشاركة في البعث النهضوي الحديث، وظلّ الأمر كذلك طوال نصف قرن أو يزيد. وفيما كانت الهوية الوطنية القومية الحديثة في مصر تزداد تجذراً وإضاءة، كانت الهوية الإسلامية بدورها تزداد إيغالاً في التشبّث بما في الإسلام رافضة المنطلقات الوطنية الحديثة.

23 دولة محمد علي القومية

لقد نظر محمد علي الى الدولة في الغرب نظرة إعجاب، ولاحظ الفرق الشاسع بين ما أُنجز على صعيد تطور المجتمعات الغربية وبين ما هو موجود في الواقع العربي، لقد حاول إنطلاقاً من هذا الاعجاب أن يُقدم على محاولة تحقيق انجازات تطويرية متمثلاً بالانجازات الغربية، ومحاولاً بناء دولة محمد علي القومية.

2-3-1 محمّد علي:  

يعتبر محمّد علي المؤسّس الحقيقي لمصر الحديثة، شكّل تهديداً حقيقيّاً للباب العالي، تطلّع بإعجاب إلى معالم الدولة الحديثة الغربية، وبالرّغم من أنّ أحلامه في بناء إمبراطورية قد حطّمها بالمرستون، وزير الخارجية البريطاني، إلاّ أنّه قد نجح في تجنيد جيش قويّ من المصريّين ونجح في الحفاظ على اقتصاد مصر بعد انهياره المأساوي تحت حكم العثمانيّين، ويعتبر هذا من الإنجازات المهمة التي لا تمحى، وحقيقة كان قاسياً في طرق إخراج الضرائب ليدفع لجنوده ولتنمية مصر، فحين رأى أنّ عدداً من البدو رحلوا إلى فلسطين ليتجنّبوا دفع الضرائب جعل ترك مصر جريمة دون إذن رسمي، جريمة عقابها الموت. وكان نظام الضرائب والمحاسبة يقوم به الأقباط منذ القرن العاشر، وكان معقداً. وسمح لكثير من الأقباط وبعض ملاّك الأراضي بدفع ضرائب قليلة أو الإعفاء منها كليّة، ومن هذه المقاييس جعل معظم الأراضي الزراعية بما فيها كلّ أراضي الدلتا ملكاً لمحمد علي وظلّت هذه الأرض ملكاً لأسرة محمّد علي إلى أن جاءت ثورة 1952.

ومعظم هذه الأراضي الزراعية الواسعة ظلّت مملوكة لحفيده الملك فاروق إلى أن جاءت ثورة جمال عبد الناصر عام 1952. وبالرّغم من أعمال محمّد علي غير العادلة بمقاييس هذه الأيّام إلاّ انّه لا أحد يستطيع أن ينكر أنّه طوّر الزراعة في مصر واستورد العلماء الأوروبيّين والمهندسين وقاموا بتنمية موارد الدولة إلى أعلى طاقاتها، وأدخل زراعة القطن في مصر والسودان وأنشأ مدارس الهندسة العليا والطبّ الحديث، وطوّر طرق الزراعة العلمية الحديثة. وأعطى محمّد علي مصر وسوريا أيضاً في السبع سنوات التي كانت تحت حكمه نظام ما من العدل القاسي الذي كان أكثر تحرّراً وأقلّ قساوة من النظام الذي كان سائداً أثناء بشاوات العثمانيّين ولم يسمح محمّد علي لأيّ شخص أن يقدم الفقراء ضحيّة، ولم يتسامح مع أيّ اضطهاد ديني. وفي مصر وسوريا كان المسيحيّون واليهود يسيرون في الشوارع دون ملاحقتهم بمضايقة من المسلمين. وهذا ما لم يكن معروفاً أثناء حكم العثمانيّين الذين كانوا لغرض احتفاظهم بالسيطرة على الأقاليم العربية كانوا يسلكون طريقة فرق تسد. فكانوا يحرّضون الدروز على الموارنة والمسلمين ضدّ اليهود وكان حكم إبراهيم لسوريا خيراً من حكم محمّد علي لمصر، لأنّه كان يحكم بالتفاهم والتعاون، وكان يعارض والده في اغتصاب وخطف الأراضي، أستطاع أن يجمع ضرائب كافية لإنشاء مدارس عليا في الهندسة والطب والزراعة والموسيقى، ولم يكن التعليم في عهد العثمانيّين إلاّ الكتاتيب لتعليم القرآن الكريم فقط.

وكان تحت حكم العثمانيّين يتعرّض غير المسلمين لمضايقات لا تحصى وكان أيّ مسيحي لا يستطيع الحصول على أيّ وظيفة في السلطات الحكومية ولا يستطيع الظهور على الجمهور راكباً ” حصاناً ” أو لابساً عمامة بيضاء أو حمراء أو خضراء، وألغى إبراهيم كل هذه التفريقات وعمل على توطيد دعائم المساواة السياسية والإجتماعية بين النصارى والمسلمين حتّى ليمكن القول بانّ احتلاله بلاد الشام حرّر النصارى هناك فزال ” الغيار ” عنهم، وأخذوا ينافسون المسلمين في ميادين التجارة التي كانت فيما سبق وقفاً عليهم وحدهم، كتجارة الحبوب والماشية وهكذا قويت شعبية إبراهيم باشا عند نصارى بلاد الشام، فيما ضعفت عند المسلمين إذ حرص هؤلاء على أن لا يشاركهم أهل الذمَّة بامتيازاتهم المتوارثة. وكم ازدادت نقمتهم حين رأوا المسؤولين المصريّين يضربون صفحاً عن أعمال أتاها بعض النصارى استفزازاً للمسلمين.([51])

وهكذا سلسلة الحوادث التي بدأت بمنازعات محمّد علي مع بالميرستون على سوريا انتهت في مصر باستبدال الإستعمار التركي بالإستعمار البريطاني الذي بقي إلى سنة 1936 وانتهى الإحتلال العسكري سنة 1954. ولكن بالرّغم من هذا ليس هناك أدنى شك من أيّ محمّد علي جعل من مصر سواء كان محكوماً أو حرّاً مركزاً للسياسة في العالم العربي.

2-3-2 طبيعة السلطة قبل تجربة محمد علي:

قبل محمد علي لم يكن في الأقطار العربية ذات التركيبة الإقطاعية وجود للدولة بمعناه الحديث، رغم كلّ ظاهر الأبّهة لرعاية الإسلام والدين الإسلامي والغيرة على حقوق المسلمين. بل كانت هناك مدن ليست أكثر من مراكز اقتصادية، للبكوات والباشوات فيها نفوذ رسمي، فيما النفوذ الحقيقي هو للإستثمار الإقتصادي الأوروبي، أمّا مصلحة الأمّة كشريحة اجتماعية واقتصادية فلم يكن لها وجود. ووصف لوتسكي للتركيبة الإجتماعية في مدينة القاهرة في نهاية القرن الثامن عشر ينطبق على المدن الكبرى في الأمبراطورية العثمانية كلّها في ذلك الحين، كحلب ودمشق وبغداد وطرابزون والقسطنطينية، والتي كانت تجارتها الداخلية لا تعدو كونها نوعاً من التبادل المحلّي المتخلّف بين المدن والقرى. يقول لوتسكي : ” كان عدد السكان في القاهرة في نهاية القرن الثامن عشر 300 ألف نسمة، منهم 100 ألف رجل بالغ، وكان بين هؤلاء الأخيرين 25 ألف حرفي و 15 ألف عامل، وينتسب الباقون وعددهم 60 ألفاً إلى فئات غير منتجة من العساكر وأصحاب أطيان، ورجال دين، وتجار وخدمهم، وقد بلغ عدد الخدم لوحدهم 30 ألف نسمة. ويجب أن لا نتصوّر بأنّ الحرفيّين كلّهم كانوا منهمكين في الإنتاج، إذ كانت في القاهرة طوائف خدم الحمامات، والحاذقين، والمهرِّجين، والمغنين في الطرقات، والخطباء، وسائقي الحمير، والجمَّالة، والراقصات والطبّالين”([52]) تلك هي حال القاهرة، بل حال العالم الإسلامي في ظلّ الخلافة العثمانية الإسلامية التي كان فيها الخليفة يمثّل الرئيس الروحي والزمني للسلطة، فهو الشيخ الأعلى في الإسلام والرئيس المعنوي لرجال الدين المسلمين، والقيّم على التشريع في المحاكم والمدارس وممتلكات الأوقاف الواسعة والذي كان من صلاحياته تقرير الانسجام بين إجراءات السلطة ومبدائ الشريعة الإسلامية.

ونظام الاحتكار الذي إتّسم به حكم محمّد علي كان في الواقع رفضاً جذرياً بل ثورة اجتماعية وسياسيّة على الإقطاعية الهرمة المستظلّة بتعاليم الدين وتقاليده وأعرافه، والخاضعة في ركودها لضروب الهيمنة الاقتصادية للتجّار الأوروبيّين، تلك الهيمنة التي كان يستحيل قيام الدولة القومية الحديثة في ظلّها، لاسيّما في ظروف التفسّخ الإقطاعي العثماني في المراكز والأطراف، وتغلغل الرساميل الأجنبية، وانعدام التكافؤ الاقتصادي بين داخل متخلّف مجبر على الانحراف نحو السوق الرأسمالية والتي كان فيها الاقتصاديون الأوروبيّون المبشرّرون بليبراليّتهم في أراضي الدولة العثمانية خصوماً أشدّاء لليبرالية في علاقاتهم الاقتصادية فيما بين دولهم الأوروبية. أمّا في الدولة العثمانية، وفي مصر نفسها، فكان في طليعة من دافع عن هذا النظام الليبرالي الطبقة العليا لرجال الدين، بإعتبار أنّ هذا النظام يتّفق مع البنية الإقتصادية المطبقة تاريخياً في الإسلام بهدي من تعاليم القرآن والسُّنَّة.

2-3-3 التحول في طبيعة السلطة:

لم يكن وجود محمّد علي مجرّد وجود اقتصادي، أي أنه لم يكن مجرّد تاجر، كما كان يحلو القول لخصومه، بل كان وجوداً سياسياً ينشد في بعد غاياته تحطيم الجهاز السياسي القديم. وهنا يكمن الجانب الأكبر من ثوريته، ومن هنا كان اصطدامه بطبقة رجال الدين باعتبارها جزءاً من هذا الجهاز التقليدي. وكان مفهوم محمد علي للسلطة هو تحقيق التماسك بين مستويات التكوين الإجتماعي الجديد، والدولة هي العامل الضابط لهذا التوازن بين مستويات هذا التكوين، وهنا تكمن علاقة السياسة بالتاريخ. فتبدّل المستويات الإجتماعية هو تبدّل يصبح محرّكاً للتاريخ إذا ما اتخذ الدولة هدفاً له باعتبارها الساحة التي تتركّز فيها تناقضات المستويات المتفاوتة في التكوين الإجتماعي، والتي لكلّ منها زمنه الخاص. وهنا ممكن الخلاف بين محمد علي النازع إلى التطوير وفقاً لتجربة الدول القومية في الغرب وبين خصومه الذين كانوا يجدون في الخلافة سندهم الأقوى، أي العودة إلى الماضي، إلى السنّة والشريعة والتي هي في جانبها الإقتصادي تلتقي مع المفهوم الليبرالي، في أن تؤمِّن للأفراد الكسب داخل الجماعة، اي حقل العلاقات الإقتصادية الإجتماعية الذي هو الهدف المميّز للعمل السياسي. أمّا وظيفة الدولة من حيث كونها محصلة لقبول البنى الإجتماعية تاريخياً، ومن حيث كونها المؤسّسة التي تتبدّل بتبدّل أسلوب الإنتاج، وتؤمن الإنتقال من مرحلة إلى أخرى، إنّ هذه الوظيفة التاريخيّة تشكّل نقيضاً للسلطة الشرعية المستمدّة من الدين والتي هي في جانبها النظري تلتقي مع منظور المذهب الإنساني الذي يربط الدولة كمؤسّسة بمجموع الإحتياجات الحيويّة للمجتمع.

إنّ الفاعلية الخاصة للدولة الحديثة هي وظيفتها العامّة، أي تحقيق تماسك وحدة التكوين الإجتماعي، ومحمّد علي عندما قضى على الإقطاع في ظروف لم تكن البورجوازية المصرية قادرة على القيام بدورها السياسي، انتقل بحكم هذا الفراغ إلى ما نسمّيه رأسمالية الدولة، والذي كان أبرز ظواهره، الصراع الطبقي في الداخل مع بقايا الإقطاع والمؤسّسة الدينية القديمة، والصراع في الخارج مع الرأسمالية العالمية عندما أخذت مصر تتطوّر نحو دولة قومية زراعية وصناعية في الشرق. وفي الحالين كان الصراع سياسياً، أي داخل الحدود التي فرضتها معارك العصر، والتناقضات القائمة بين احتياجات مصر ومصالحها الإجتماعية وفقاً لمنظور رأسمالية الدولة، ومصالح الطبقات المنادية بالليبرالية.

وفي هذا الصراع ظهرت دولة محمد علي الممثّلة الوحيدة للمجتمع المصري، لها من جوهر الدول البرجوازية في الغرب، المحافظة على شروط وجود أسلوب الإنتاج وحسن سيره، ووحدة التكوين الإجتماعي أي أنّ للدولة وظيفتها التنظيمية في الربط بين الوظيفة الإقتصادية التقنية في الميدان الإقتصادي والوظيفة السياسية في ساحة الصراع الطبقي السياسي، والوظيفة الإيديولوجية على الصعيد الإيديولوجي وكانت الوظيفة السياسية هي التي تتحكّم في نهاية المطاف بالوظيفتين الإقتصادية التقنية والإيديولوجية باعتبارهما صورتين لدور الدولة الشامل في تحقيق وحدة التماسك في التكوين الإجتماعي الجديد.

لقد أدرك محمد علي منذ البداية أنّ الوظيفة الإجتماعية هي أساس السيطرة السياسية، وأنّ السيطرة السياسية لا تقوم ولا تستمرّ إلاّ إذا أدّت الوظيفة الإجتماعية الدور المنوط بها، وعندما قضى محمد علي على طبقة الإقطاعيّين لم يستبدلها بطبقة إقطاعية جديدة حاكمة، ولم تكن استبداديّته نوعاً من استبدادية تتّسم بالطابع التاريخي التطوّري العصري. أمّا على الصعيد الإقتصادي فإنّه لم يعتمد على العمل اليدوي البشري البسيط الذي لا يحقّق فائضاً، بل على العمل الصناعي الآلي المتّسم بالتقسيم الدقيق للعمل والذي كان يشرف عليه بنفسه. وهذا التقسيم وفّضر لفريق من المنورين المصريين إمكانية التفرغ للعلم، وتمثلت وظيفة الدولة في الميدان الإيديولوجي في التربية والتعليم، التي ارتبطت وبشكل وثيق بالدور السياسي الشامل للدولة، فكانت الوظيفة الإجتماعية للدولة داخلة وملتحمة بالوظيفة السياسية في جهاز متخصّص. وفي الوقت الذي كان فيه محمد علي يحتكر الإقتصاد لصالح الأمة ” رأسمالية الدولة الإحتكارية “، في مركزية لم تعرفها مصر من قبل، كانت الفئات المناوئة له في الداخل والخارج تطالب بدولة الرفاهية، المستمدّ مفهومها من الليبرالية البورجوازية التي تنادي بعدم التدخّل النوعي في الإقتصاد.

أقام محمد علي سلطة فريدة في تاريخ مصر ، مصر القديمة ومصر الوسيطة على حدّ سواء، أقام سلطة من نوع جديد إقتضته ظروف مصر المعاصرة للقوميات الأوروبية، والمتفاعلة معها في الوجهين السلبي والإيجابي، وفقاً لنموذج جديد من التصوّر. فهو لم يكن كواحد من الباشوات الذين كان يرسلهم الباب العالي لولاية مصر متسلحاً بسلطة دينية شكليّة، ما تلبث أن تصطدم بمقاومة المماليك، كما أنّه لم يكن أميراً على مقاطعة مصرية كأمراء المماليك يدفعه التمسّك بها إلى مناصرة خصومه، ولم يكن زعيماً لطائفة من الطوائف الدينية، خاضعاً لمقولاتها المسبقة المستمدّة من نصوص الشرع.

2-3-4 الإسترشاد بالتجربة الأوروبية:

كان هناك أمام محمد علي تاريخ مصر، وكان هنالك التاريخ الأوروبي المعاصر، وهذان التاريخان كانا منبع اختباراته السياسية والإجتماعية. بهرته الحركة الأوروبية، الحركة الصناعية والتجارية والسياسية، وبان له أنّ هذه الحركات تشكّل في تواصلها جوهراً واحداً، وهي في تفاعلها وجدليتها تتطلّب وحدة سياسية. فلا بدّ أن تتولّى حكم مصر سلطة عامة واحدة، تكون الوسيلة الوحيدة لإخراج مصر من الفوضى لتنصرف إلى البناء الإقتصادي الذي يقف في وجه الضغط الأوروبي على الأمبراطورية العثمانية، وعلى مصر كواحدة من أكبر ولايات المملكة وأغناها وأعرقها ثقافة وتجربة سياسية. ولما كان الضغط الأوروبي على أشدّه، فإنّ العمل السريع للإصلاح الشامل كان من شأنه أن يوقف هذا الضغط، وإلى جانب الإصلاح السريع، كان محمد علي يتطلّع إلى الإفادة من طبيعة الصراع القائم بين الدول الأوروبية على اقتسام أجزاء الأمبراطورية القائمة العثمانية ، لا سيّما هذا الصراع العنيف بين الفرنسيّين والإنكليز.

إذن في سبيل النهضة القومية الشاملة لجأ محمد علي إلى نظام الاحتكارات، ولم يكن هذا النظام من مبتكرات محمد علي، بل هو نظام عرفته مصر في كلّ أدوار تاريخها ، وجلّ ما فعله محمد علي هو أنه جعل نظام الاحتكارات في خدمة النهضة المصرية، نهضتها الصناعية والتجارية، فقضى بذلك على مبدأ الاحتكار في سبيل اقتسام الغنائم، بل في بناء السلطة العامة التي تتولى الإنفاق على الصالح العام، هذه السلطة التي يطلق عليها شفيق غربال إسم سلطة القوة التي تصون الكرامة العامة بقوّة الحديد والمال والعلم([53]).

كان بناء السلطة العامة بدعة غير مألوفة في تاريخ مصر الإسلامية وأصحاب الامتيازات، القدماء منهم والجدد لم يتوصّلوا إلى إدراك التجربة الجديدة لمحمد علي، ولم يعوا منها إلاّ شيئاً واحداً هو أنّ محمد علي إستأثر بالثروات دونهم، فنقمت عليه غالبية حرمت من إمتيازاتها، وكانت طبقة رجال الدين في طليعة الناقمين، لاسيّما وأنّ محمد علي كان قد طلّق القواعد التقليديّة القديمة في تاريخ الحكم المصري ليتبنّى أسس تقدّم المجتمع الغربي، ممّا أحدث هزّة في المفهوم التقليدي للدين.

انطلق محمد علي من مبدأ الكفاية والإخلاص في العمل الوطني، فيما كان التديّن بالإسلام هو أساس هذه الكفاية، ولم يكن لمحمّد علي بديل عن هذا الإختيار في خضم المجتمع الجديد المفعم بحركات الأخذ والعطاء بين الأمم والقائم على أساس المنفعة والمصلحة التي تستنير بهدي المعرفة والتجربة، وهذا المجتمع الجديد تتّسع حاجاته للمسلم وغير المسلم، كما تتّسع مناحي العيش فيه للجميع على أساس التعاون لمنفعة الجميع. وكذلك كان شأنه أيضاً في علاقاته الخارجية في قبول ما يلائم المصلحة من مناهج الغير، وهي الصفات التي أكبرها فيه رفاعة في كتابه مناهج الألباب المصرية بقوله: ” كان متديناً إلى حد الإعتدال بدون حمية ولا عصبية ولا تشديد… ولو لم يكن لمحمد علي إلاّ تجديد المخالطات المصرية مع الدول الأجنبية بعد أن ضعفت الأمة المصرية بانقطاعها المدد المديدة والسنين العديدة لكفاة ذلك “([54]).

وعلى هذا المرتكز من التصوّر لشؤون الحكم، خلق محمد علي ارستوقراطية النخبة، وهي نخبة أو صفوة ” فنية ، تقنية “، لا محل لاعتماد الإسلام شرطاً لدخول عضويتها. وإن كانت سلطة محمد علي، والنخبة التي أوكلها إليها مهام إدارة دولاب العمل فيها، لم تتجرّد كلياً من النوازع الدينية إلى حد الفصل بين الدين والدولة، كما هي الحال في الدول القومية الأوروبية الناشئة، فإنّ طبيعة التطوّر الجديد كانت تفرض فكرة التعاون لتحقيق الأغراض السياسية والإجتماعية، وبالتالي إحلال مبدأ الكفاية. فالناس في مبدأ الكفاية سواسية، ولا فضل لمواطن على آخر إلاّ بالعمل الصالح ومؤازرة المنفعة العامة، والمنفعة العامة في زمانه كانت تقتضي تقييد حرية الفرد في إطار حاجات العمران الوطني، ومن هنا كان اصطدامه بتفسير المجموعات الدينية للحرية، بأنّها حرية الإنسان بأن يفعل ما شاء ويتصرّف بما ملكت يمينه، وأن دور السلطة لا يجب أن يتعدّى مهمة المراقبة والحماية عند الإقتضاء، وكان هذا الإصطدام في واقع الأمر اصطداماً اقتصادياً لا روحياً، لأنّ ربط الحرية بالغايات الإجتماعية في عهد محمد علي كان مقصوراً على الحياة الإقتصادية ولم يتجاوزها إلى الحياة الروحية في أيّة من نواحيها، ولهذه الغاية الإقتصادية ارتبط حمل السلاح بجهاز الأمن الشرعي لتحقيق استتباب الأمن، وحرّم كل ما عداه وهكذا فإنّ دستور محمد علي غير المكتوب كان دستوراً انتقائياً متكاملاً فرضته طبيعة العصر الذي عاش فيه ، وهو عصر مؤمن بوحدة الحضارة العالمية ووحدة تماسكها التاريخي، دون إغفال لواقع التراث المحلي في تاريخيته. ولئن كان هذا الدستور قد استمدّ عناصر تطلّعاته من التاريخ الأوروبي الحديث فإنّه لم يغفل تجارب التاريخ المصري، فكان مزيجاً من مبادئ قديمة وأخرى حديثة وكان المقياس في تكوين سلطته بناء أمة حديثة على أساس من قومية أو وطنية معاصرة وهذا ما عناه شفيق غربال في مقابلة محمد علي بشخصيات إسلامية سابقة لعهده : ” وإن كان في بعض من وجوه شخصيته شبيهاً بأعلام سبقوه إلى إحياء العالم الإسلامي أو بعضاً من أجزاء هذا العالم فإنّه يختلف عنهم بطريقة تصوّره لإحياء هذا العالم. فقد كان في موقفه شبيهاً كل الشبه بصلاح الدين وأمثاله من الأعلام الذين حاولوا أن يحيوا قسماً أو عالماً من الأقسام أو العوالم التي تتكوّن منها دار الإسلام ولكنه يختلف عنه وعنهم في أمر مهم، هم قاموا بالإحياء أو حاولوه لغرض غير غرضه، كان غرضهم مواصلة الجهاد ضد دار الحرب، أمّا هو فقد تلاشت عنده فكرة دار الحرب هذه ، ورمى إلى أن يجد مكاناً لعالمه الإسلامي الحيّ في الدنيا الجديدة التي خلقها الانقلاب الإقتصادي فوصل بين أجزائها وصيّرها وحدة حقيقيّة على الرّغم من المنافسات القوميّة … “([55]).

2-3-5 التحول في الإقتصاد المصري: 

أدرك محمد علي من خلال التجربة الأوروبية أنّ الشعب هو القوة الحيّة التي لا ينضب لها معين وكان بحكم منشئه الألباني، وبحكم موقعه من أحداث عصره شديد التطلّع إلى ما يحدث في الغرب ، فاندمج وهو الألباني الأصل بصورة كاملة وثابتة في شعب مصر، وتحسّس حاجاته وسعى إلى أن يكون أداته في تنفيذ مطامحه. ولم تفته حقيقة العمق التاريخي لشعب مصر وأن لهذا الشعب عراقة في مقاومة الاحتلال الأجنبي، فمن مصر انطلق هجوم الأيوبيين على الصليبيّين، ومصر هي التي وضعت حداً لمغامراتهم سنة 1380 بقيادة المماليك فيما بعد. ولما وقفت مصر من جديد في وجه الغزو الاجنبي الفرنسي، كان محمد علي إلى جانبها في كفاحها العنيف في انتفاضتيها الشهيرتين (تشرين الأول عام 1799 وآذار/نيسان عام 1800) اللتين مهدتا للفشل النهائي الذي أصاب بونابرت، وكان مثال البطل القومي في إخراج الإنكليز وفي القضاء على غطرسة الأمراء المماليك، وإخراج العثمانيّين، وتوحيد البلاد في ظل حكم وطني موحّد الإدارة، موحّد السياسة في الداخل والخارج. وإذ وجد أن نظام الإلتزام، كما كان معمولاً به، سيؤدّي إلى إقطاعية جديدة تهدّد أمن البلاد واستقرارها، ألغى هذا النظام سنة 1809 فاصطدم في جملة من اصطدم بهم شيوخ الأزهر، أبرز الممثّلين المصريّين لهذا النظام. وبعد أن أتمّ الإحصاء العام للأراضي الصالحة للزراعة سنة 1813 وزّع الأراضي الزراعية على الممثّلين الرئيسيّين للمجتمع المصري الريفي على أساس الإفادة منها مدى الحياة، فانتقلت السلطة الفعليّة إليه في بلد يعتمد كلياً على المنتجات الزراعيّة. وإذ رأى، على ضوء التجربة الأوروبية، أنّ الزراعة التقليدية ضعيفة المردود، حوّل الإقتصاد الريفي إلى اقتصاد صناعي تنتجه مصر وتصنّعه وتصدّره إلى الأسواق الخارجية، ولم تكن اليد العاملة المصرية قد تروضت على العمل التقني الرفيع، ولم يكن لديها من الكفايات العلمية ما ينهض بمثل هذه الثورة الإقتصادية الكبرى، فكان لا بدّ له من الإستعانة باليد المدرّبة في مختلف الإختصاصات، وبدأت اليد العاملة، التي نشأت بطيئة محدودة العدد في بادئ الأمر، تشكّل مع مرور الزمن، جاليات تضمّ خبرات الآلاف من السوريّين واليونانيّين والمالطيّين والإيطاليّين وغيرهم، وسرعان ما ظهر بينها المعلّمون والعمّال المتخصّصون في معامل نسج القطن والصوف والحرير التي بدأت في العمل سنة 1816([56]). وحقّق الميكانيكيان ” جيسيب بوكتسي وجومل بوكتي ” من سكّان ليون الفرنسية ازدهاراً كبيراً في زراعة القطن وتصنيعه في معامل القطن التي تمّ إنشاؤها في سنة 1818. ورافقت صناعة النسيج صناعات متنوّعة كصناعة السكّر، والنيل، والزجاج والدباغة والورق والبارود والمنتجات الكيماوية وغيرها ممّا عهد بها إلى خبراء أوروبيّين من مختلف الجنسيّات([57]).

وكان محمّد علي، المدرك لأهميّة تحويل المواد الأولية الوطنية إلى صناعة وطنيّة، يسير إلى هدفه بحذر لأن ذلك يعني الإستغناء عن الصناعة الأجنبية لا بل منافستها والحلول محلّها في الشرق الأدنى على الأقل، ممّا يثير حسد وغضب الدول الصناعية الأوروبية الساعية إلى اقتسام ممتلكات الدولة العثمانية. ولذا كان حريصاً على علاقات بالكفايات الأجنبية المتخصّصة وكان الفرنسيّون في طليعة من وثق بهم محمّد علي لخبرتهم وإخلاصهم، فأوكل إليهم قيادات كبرى في المؤسّسات الثقافية والعلمية والصناعية وسلّمهم قيادة جيشه . وكان منهم حرسه الخاص، فعرفوا تندّراً بالمماليك الفرنجة([58]). واضطلعت السانسيمونية والسانسيمونيون بدور بالغ الخطورة في مشاريع محمّد علي وإيديولوجيته في الحكم، لا بل في تحقيق هدفها الأكبر في إقامة دولة صناعية تستنير بالعلم الحديث وتأمين الإتصال المسالم بين المحيطات لاسيّما بين الشرق والغرب([59]). كما خصّ محمّد علي الجيش بأعظم قسط من عنايته باعتباره الدعامة الأولى في كيان مصر المستقلة، والذي من أجله وجدت في الأصل المدارس العلمية على اختلافها، وتكامل دور الصناعة المدني منها والعسكري. وإن كانت مصر الإقطاعية المملوكية والعثمانية لم تعرف سوى شراذم الجند المرتزقة مثيري الفوضى والإخلال بالأمن، فإنّ محمّد علي وُفِّقَ بفضل المثابرة والصبر وقوّة العزيمة إلى إقناع الفلاّحين بوجوب التجنيد في الجيش النظامي الجديد وقوبلت محاولاته بالنفور في البداية ولكن الفلاّحين الذين لم ينتظموا في صفوف الجندية إلاّ مكرهين، ما لبثوا أن ألِفوا حياة الجندية “وأخذوا يفخرون بأنّهم جنود محمّد علي، ويقابلون غطرسة الترك بمثلها، ولم يقبلوا أن يسموا فلاّحين، وعدّوا هذه التسمية تصغيراً لشأنهم لأنّ هذه التسمية كانت تشعرهم وقتئذٍ في المهانة، ونالوا من الحكومة أمراً أن لا ينبذهم أحد بكلمة فلاّحين “([60]).

2-3-6 بناء الجيش المصري

لقد أقرّ محمد علي مبدأ التجنيد العام في صفوف الفلاّحين، تلك القاعدة العريضة التي لقيت في الماضي ضروب العسف من الحكّام، وكانت هذه الطبقة منذ الفتح العثماني محرومة من حق الإنتظام في الجيش، فباتت العمود الفقري للجيش النظامي الحديث الذي أكسب مصر السمعة الطيبة في ميادين الحروب التي خاضها محمّد علي في غير ميدان، وبات يمثّل روح الأمّة في تطلّعاتها نحو إعلاء مجد مصر، واكتسب هذا الجيش إلى جانب الأهلية القتالية المدرّبة أحسن تدريب أهلية إجتماعية وسياسيّة تلقّاه أفراده من علوم حديثة، ومن تربية وطنيّة موحّدة بقيادة ضبّاط من ذوي الكفايات العسكرية والثقافية. وزالت مع الزمن عقدة المهانة التي لحقت بالفلاّح المصري عندما شعر بقدرته على كسر غطرسة الأتراك وتحدّي كبريائهم. ونمت في صوفوف الفلاّحين روح التطلّع إلى المساواة مع غيرهم في تسلّم المراكز القياديّة في الجيش، تلك المراكز التي ظلّت طوال محمّد علي وابنه إبراهيم حكراً على الإرستقراطية من بقايا المماليك والعثمانيّين، وأدّى احتكارها إلى ثورة الضبّاط بقيادة عرابي في عهد الخديوي توفيق سنة 1880. وتحوّلت إلى ثورة اجتماعية كبرى ترتب عليها – رغم فشلها المؤقّت – نتائج سياسية هي من مرتكزات تاريخ مصر المعاصر([61]).

2-3-7 النظام الإقطاعي ودور البرجوازية:  

كانت سلطة محمّد علي في اقتدائها بالنموذج الأوروبي في الحكم لاسيّما البونابرتي منه هي أول سلطة شرقية أعلنت تمرّدها على النظام الإقطاعي الشرقي في ميادين الإقتصاد والإجتماع والثقافة وأصول الحكم. وكان القرن الثامن عشر في الأقطار العربية الخاضعة للدولة العثمانية قد  شهد سلسلة من الصراعات الإقطاعية المحلية أدت الى قيام الاسر الاقطاعية القوية المستقلة عن الدولة العثمانية التي قلّدت في مظاهر ترفها قصور الآستانة ونمت فيها علاقات تجارية مع أوروبا على حساب التجارة والصناعات المحليّة([62]). إذ استطاع التجّار الأوروبيّون بمعاونة لفيف واسع من التجّار الشرقيّين، الترويج لبضاعات الترف الأجنبية لدى الارستقراطية الشرقية في معظم العواصم العربية لدمشق وبغداد والقاهرة، وكانت تلك البضاعات المرتفعة الأثمان تستوفي أثمانها من المحاصيل الزراعية المتواضعة للاقتصاد الفلاّحي. فنشأ في موازاة التناقض القائم بين الأسر الإقطاعية المستقلّة والباب العالي، بين الأطراف والمركز، تناقض طبقي داخلي قوامه الفلاّحون وصغار التجّار والحرفيّون من جهة، وسلطة الإقطاعيّين والتجّار الأجانب وعملائهم من جهة أخرى. وكان لهذا التناقض نموذجه الثابت داخل تركيا نفسها، وكثيراً ما اتّخذ هذا النضال الطبقي صفة إقليمية حارب فيها المسلمون جنباً إلى جنب مع المسيحيّين واليهود والأتراك إلى جانب اليونانيّين والسلاف.

وإن كانت مصر عجزت عن إقامة سلطة إقطاعية موحّدة، على غرار ما حدث في تونس والجزائر والعراق، نتيجة لصراعات المماليك، شيوخ البلد على السلطة، فإنّ النزاع الطبقي فيها لم يكن معدوماً، وهذا ما يفسّر لنا لجوء الزعامة الشعبية من شيوخ الأزهر الممثّلين لطبقة صغار الملاك والتجّار والحرفيّين إلى محمّد علي لتسلّم مقاليد الحكم في وجه رجال الآستانة وأمراء المماليك ممثّلي الطبقة الأرستقراطية المتوارثة. وبقيت هذه الزعامة الشعبية التي بلغ فيها عمر مكرم الأوج، تؤيّد الوالي وتناصره، وكان لنفوذها الفعّال الفضل الكبير في تثبيت دعائم حكمه، وعبثاً حاول المماليك والعثمانيّون شدّ الزعامة إليهم، فذهبت محاولاتهم دون جدوى. وظلّت هذه الزعامة في الحقبة الأولى من عهد محمّد علي مرجع حكومته لاسيّما في جباية الضرائب من الملتزمين والتجّار، ولكن هذه الزعامة الشعبية طمحت إلى تعزيز مكانتها كسلطة إقطاعية بديلة لسلطة المماليك فأسهمت في تهديم سلطتها بأيديها. فقد قويت بين أفرادها المزاحمات على نيل المغانم وتوسيع الثروات، وإنصرفت غالبية أفرادها بعد جلاء الإنكليز عن البلاد إلى أسباب المنافع والإكثار من الأموال والضياع والدور والقصور، وتركوا الدنيا تفسّر طباعهم، أو كما يقول الجبرتي: ” إفتتنوا بالدنيا وهجروا مذاكرة المسائل ومدارسة العلم إلاّ بمقدار حفظ الناموس مع ترك العمل بالكليّة، وصار بيت أحدهم مثل بيت أحد الأمراء المماليك واتّخذوا الخدم والمقدمين والأعوان وأجروا الحبس والضرب، وصار دينهم واجتماعهم ذكر الأمور الدنيويّة والحصص والإلتزامات، وحساب الميري والفائض… زيادة عمّا هو بينهم من التنافر والتحاسد والتحاقد على الرياسة، والتفاقم والتكالب على سفاسف الأمور وحظوظ الأنفس على الأشياء الواهية “([63]).

فالزعامة الشعبية بقيادة الشيوخ كانت ذات طموح إقطاعي، وكانت الطبقة البورجوازية المحلية عاجزة بقواها الذاتيّة عن القيام بدور أكثر تقدّماً، أي كانت بدورها تابعة للإقطاع وليست قائدة له، ولما تخلَّص محمّد علي من هذه الزعامة الشعبيّة تخلّص منها جُملةً دون تمييز بين البورجوازية والإقطاع، واختطّ لنفسه حكماً استبدادياً في مواجهة أهل الحل والعقد، وإذ لجأ هؤلاء إلى الاعتصام في الجوامع، اعتبر اعتصامهم من الأعمال الثورية التي توعّد بقمعها بالسيف، أمّا هم فظلّوا يعتبرون أعماله من الظلم والجور، ولكن مقاومتهم انتهت بنفي زعيمهم عمر مكرم إلى دمياط 9 أغسطس 1809 وجاءت مذبحة القلعة لتنهي روح الرهبة من الحكام طوال السنين السبع والثلاثين التي قضاها محمّد علي في الحكم.

هكذا ظلّ النّهوض القومي إبّان حكم محمّد علي يفتقر إلى دور البورجوازية المحلية التي كانت آنذاك عاجزة بقواها الذاتية عن نقل المجتمع المصري إلى مجتمع صناعي أو شبه صناعي يؤمّن تطوّراً داخلياً متوازناً من خلال تفاعل القوى الداخلية للمجتمع، وخلق إيديولوجيا تاريخية جديدة نتيجة للتناقض بين الإقطاعية ذات التأويل السلفي المتجمّد للإسلام الذي رافق عصور التدهور الحضاري للأقطار العربية وفي طليعتها مصر، وبين البورجوازية ذات التأويل العقلاني والنظرة المادية التي يتطلّبها تطوّر المجتمع الصناعي من تنمية لقوى الإنتاج الحديثة وأنماط هذا الإنتاج وبالتالي علاقاته الإجتماعية، كما حدث في الدول القومية الأوروبية في أواخر القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر، والتي انتقلت تجربتها إلى دول البلقان المستقلّة عن الدولة العثمانية في المرحلة المتأخّرة من القرن التاسع عشر، وأدّت إلى وحدة قومية بقيادة البورجوازية الوطنية.

3- نماذج عربية إسلامية مغايرة للنموذج المصري:

إن مقدمات نشأة الدولة في العالم العربي تعكس واقع هذه الدولة والظروف التي عانت منها والتي منعتها وشكلت عوائق أمامها من الظهور كدولة مؤسسات، بالرغم من وجود بعض التطلعات لاعتماد النموذج الغربي، وبعض المحاولات لتقليد الدولة الغربية التي أتت من بعض المؤيدين لهذا النموذج باعتباره صورة تعكس تطور وتقدم المجتمعات فانقسم العالم العربي بين مؤيد ومعارض لهذه الصورة التي تعكس النموذج الحديث للدولة، مؤيد لدولة حديثة مبنية على حكم القانون والمؤسسات، ومعارض لكل ما يأتي من الغرب ومتمسك بالتقاليد الاسلامية في تشكيل الحكم.

3-1 ثورة المهدي ورفض الحداثة:

إنّ الثورة الفرنسيّة قضت على نظرية التفويض الإلهي في تكوين الأمّة واستبدلته بنظرية الحق الإلهي للشعوب، كما إنّ حملة نابليون على مصر وضعتها على دروب الثقافة التاريخية الحديثة أي أنّها وضعتها في حالة صدام بين مفهوم الأمّة وفقاً لنظرية الإسلام السياسية وبين إيديولوجية الثورات البورجوازية القومية الأوروبية، وإن كانت الأمة في نظر الإسلام هي جماعة الأفراد الذين تجمع بينهم رابطة الدين، فإنّ الأمّة في المفهوم القومي الحديث هي جماعة الأفراد الذين يجمعهم الولاء للوطن دونما تفريق في الأصل أو العرق أو الجنس أو الدين، والولاء للوطن هو ولاء للإنصهار في بوتقة الثقافة واللغة والتاريخ على الأرض المشتركة. وإن كان رئيس الأمّة في الإسلام هو الله وحده تشريعاً وتنفيذاً، فإنّ رئاسة الأمّة القومية هي سلطاتها التشريعيّة والقضائية والتنفيذية وفقاً لمبدأ سيادة الأمّة واستقلالها الإقليمي فلا سلطة دنيوية أو ما ورائية تفوق سلطة الشعب وقد كان مقرّ الدفاع عن السلطة الإلهية هو الأزهر، ولما ترسّخت معالم النزعة الليبرالية انساب في تيّارها فريق متنور من الشيوخ بحكم احتكاكهم بالحملة العلمية الفرنسية، فيما إرتضى الفريق الأكبر العزلة واتخذ موقعاً سلبياً مؤثراً عدم المشاركة في البعث النهضوي الحديث. وظلّ الأمر كذلك طوال نصف قرن أو يزيد.

وفيما كانت الهويّة القوميّة الحديثة في مصر تزداد تجذّراً وإضاءة، كانت الهويّة الإسلامية بدورها تزداد إيغالاً في التشبّث بماضي الإسلام، رافضة المنطلقات الوطنية الحديثة جملةً وتفصيلاً، هذا ما حدث في مصر مع تيّار فكري يترأسه محمّد عبده حيث دعا للتشبّث بماضي الإسلام وبالثقافة الإسلامية، أمّا في السودان الذي كان في ظلّ الرعاية المصرية فقد كانت ثورة المهدي.

3-1-1 السلطان في السودان في القرن التاسع عشر:

لم يلعب السودان أي دور في التاريخ العربي حتى النصف الأخير من القرن الثامن عشر، والسودان قطر مساحته تساوي مساحة أوروبا الغربية، وربع مساحة السودان هو إقليم النوبة.

وفي القرن السادس وبعد ميلاد المسيح وقبل ميلاد النبي محمّد، أصبح مملكة مسيحيّة بمجهودات وإنجازات راعي الكنيسة البيزنطيّة (نستروس Nestorious) في أثيوبيا المجاورة، وفتحت جيوش العرب مصر بإسم الخليفة عام 640 وكلّ الدول المجاورة في الغرب سقطت أمام تقدّم الجيوش العربية ووقف النوبيون ثابتين أشدّاء مما اضطرّ القائد العربي الدخول في معاهدة مع هذه الدولة القوية التي اعتنقت المسيحيّة، وتسللت القطاعات المسلمة المختلفة مثل الخوارج والإسماعيليّة بالتدريج إلى سواحل شرق افريقيا بما في ذلك زنجبار. ولمدّة سبعمائة سنة ظلّت النوبة تقاوم انتشار الإسلام حتى القرن الرابع عشر ظلّت العقيدة المسيحية هي السائدة في النوبة. وفقط في عهد السلاطين المماليك عندما استولوا على السودان بدأت العقيدة الإسلامية والنفوذ الإسلامي يسود في النوبة، وفي سنة 1820 عندما جاء محمّد علي وجعل السودان تابعاً لمصر جاء إلى النوبة الملحقة بالسودان وحكّام الأقاليم استسلموا للحكّام الأتراك للدعوة إلى الإسلام في هذا الإقليم الصحراوي الواسع، وانتشر الإسلام في القبائل البدائية العارية.([64])

وكان السودان مرتبطاً بتجارة العبيد حتى سنة 1877 عندما عيّن إسماعيل باشا خديوي مصر الجنرال غوردون في خدمته وهو عسكري إنجليزي، وعيّنه حاكماً للسودان الذي كان تابعاً لمصر.

ولخبرة غوردون في فتح واكتشاف منطقة المستنقعات في أعالي النيل كان هو الرجل الوحيد الذي يثق فيه إسماعيل ليجعل هذه المناطق الوعرة الواسعة تحت سيطرة مصر. وعمل غوردون كل ما في وسعه وكلّ ما كان متوقعاً منه ووحد السودان تحت علم الخديو، وعيّن حكّام الأقاليم من الأوروبيّين، وساند تجارة الرقيق والباشوات المحليّين أيضاً. ومنع طرق الرشوة ومنع الاغتصاب الذي كان يعتاش منه السابقون، وكسب الاحترام والاعتراف بالجميل من قسم كبير من الشعب. ولكن في سنة 1879 خطّطت بريطانيا لطرد إسماعيل باشا بواسطة الباب العالي واستبداله بإبنه توفيق.

إستقال غوردون كحاكم عام للسودان منهوكاً من الفوضى والأعمال المقزّزة لبارنج (Baring) الذي كان له اليد العليا في إدارة الخديو إسماعيل باشا صديقه، ورحيل غوردون من السودان وضع السودان مرّة ثانية في فوضى، واختيار رؤوف باشا خليفة له كان أسوا اختيار. ولقد طرد غوردون رؤوف باشا سابقاً من خدمة السودان لقسوته في معاملة الإفريقيّين، وعندما عيّن حاكماً عاماً للسودان أفرج عن كلّ أصدقائه الذين شاركوه سابقاً وكافأ من بينهم النصّابون والمختلسون والجلاّدون وكلّهم كانوا محتجزين في السجون، وحُكمت السودان مرّة ثانية بالرشوة والاختلاس وترك الحكّام الأوروبيين دارفور، وبحر الغزل وأكوادور. وأعيد استخدام القسوة في استخراج الضرائب التي تصبّ في جيوب الحكوميّين الرسميّين حسب درجاتهم، وأوقفت الخدمات العامة لعدم وجود المال. وكانت القوات معظمها من السودانيّين والإفريقييّن، وكان لا يدفع لهم أجورهم، وبجانب هؤلاء كان الجنود الأتراك والمصريّون الذين يعاملون السودانيّين بمنتهى القسوة. كل هذا يعكس الصورة البدائية في الحكم التي عانى منها أهل هذه المنطقة التي لا تعرف أي ضوابط قانونية بل هي مقتصرة على إرادة صاحب السلطة وميوله الخاصة.

3-1-2 ثورة المهدي:

أصبح السودان في كلّ مكان ناضجاً للثورة ويحتاج فقط إلى قائد، وفعلاً بدأت الثورة في خلال عام من رحيل غوردون، ووجد الزعيم محمّد أحمد إبن سيد عبد الله وهو نجل صانع قوارب في النيل، وفي سنة 1880 اتخذ لنفسه لقب المهدي، وأقسم بأنّه سوف يُخرج السودانيين من يد الظالمين والمستبدّين. كان تلميذاً مجتهداً في العلوم الإسلامية، أنجز معرفة كبيرة بالإسلام وأصبح واعظاً ومدرّساً، ثمّ ناسكاً وسكن في كهف في جزيرة آبا (Abba) بالقرب من بربرة. ومنذ بداية حياته كمعلّم إسلامي كان يكره الأجانب الذين يحكمون وطنه سواء كانوا أتراكاً أو ألباناً أو مصريّين ليس فقط للضغوط وإذلال الشعب السوداني ولكن أيضاً لمخالفتهم أحكام القرآن المقدّس.([65])

ومناوأته للسلطان لم تأخذ وقتاً طويلاً لتصبح حقيقة، وكان أسلوب محمد أحمد في الأمور الدينية قد قطع شوطاً صغيراً، حيث طرده رؤساءه الدينيّون في بربرة بإتهامه أنه اغتصب سلطة الله بإصداره العفو عن ذنوب الناس في الأرض، ولكن فعلته هذه المتحدية أكسبته الاهتمام والشهرة الواسعة له، وطردِه سمح له حريّة الطواف في المناطق الواسعة في النوبة وكردفان ليقيّم استعداد الناس للقيام بالثورة. وعاد إلى آبا وبدأ يعظ ويدعو للثورة ضد الأتراك. مشيراً إلى التجاوزات كجمع الضرائب الضخمة من الناس، وأكّد أنّ بيده العلاج وأنّ الله سوف يرسل مرشداً آخر يهدي الناس، ويمسح هذا الذنب، ويمدّ الناس بالقوّة ليتملّكوا أراضيهم باسم الله، ويطهّروها من جامعي الضرائب المعلونين، وأسيادهم الأتراك الأشرار. وزرع في نفوس السودانيين الثورة للوصول إلى العدل وكراهية حكم الأجانب والاعتقاد الإسلامي في أنّ الله سوف يرسل هادياً آخر هو المهدي المنتظر، وجاءته فرصة الإعتراف به أنّه هو المهدي المنتظر. وحصل محمّد أحمد على مجموعة من التابعين، ومن أقدمهم كان عبد الله التعايشى من قبيلة باججارا قبيلة الفرسان الأقوياء من جبال النوبة، ويرجع إليهم الفضل في التأكيد أنّ بعثتهم المقدّسة كانت بأمر الله ورسوله.([66])

وفي البداية تعاملت معه السلطات المصرية على أنّه رجل يهذي لخيبة أمله وتجريده من مناصبه الدينيّة. وفقط عندما تسبّب في فوضى قبضوا عليه لمدّة وجيزة وأطلق سراحه على أنّه لا خطر منه. وبعد سنة انضمّ إلى المهدي قبيلة (باججارا Baggara) بعد الهزائم التي لحقتهم بواسطة غوردون. وبدأ رؤوف باشا يتعامل معه بجدّية، وتحرّك ليخمد الثورة في المهد لكنه هزم، وبالرّغم من هذا وجد المهدي أنّه غير مستريح في آبا لأنّها قريبة من الحامية المصرية وليعطي الفرصة للثورة أن تكون بعيدة في هذه المرحلة المبكرة إنسحب إلى كردفان ولغاية ذلك الوقت كان رجال المهدي مسلّحين بالعصي والحراب فقط ولكن في ديسمبر 1861 أوقع أتباع المهدي قوّة مصريّة مكوّنة من ألف وأربعمائة رجل في كمين واستوالوا على أسلحتهم الحديثة ومعدّاتهم. أعلن محمد أحمد الجهاد ضدّ الأتراك وكلّ الكفرة في السودان، ولم يمضِ إلاّ أسبوع حتى سقطت كلّ قرى ومدن كردفان في أيدي رجال المهدي. وصارت شهرته أسطورة، وانتشرت القصص عن خوارقه. وبالرّغم من أنّ الثورة انتشرت نحو الجنوب، قرّر المهدي أن يركز قواته لتطهير كردفان من كلّ المحتلّين الأجانب قبل أن يأخذ إقليم آخر. لقد استطاع أن يقود الناس تحت رآية الاسلام.

هذه التكتيكات نتج عنها سقوط الأبيض في أيدي رجل المهدي بعد شهور قليلة أصبحت خزينة المهدي غنيّة بإضافة مبلغ 300.000 دولار من العملات، وكسب رجاله ستة آلاف بندقية، وكان نجاح محمّد أحمد دائماً في كلّ مكان محرّكاً لطموحه. ومنذ ذلك الوقت أعلن المهدي أنّ النبي محمّد والمسيح عيسى ظهرا له في الرؤيا وأكّدوا له أنّه هو المهدي المنتظر واقتنع أيضاً أنّه انحدر من سلالة النبي مباشرة من جانب والده ومن الشهيد الحسين من ناحية والدته. وكان تابعوه يسمّون الدراويش ولكنّه أعاد تسميتهم الأنصار مثل الذين أيّدوا النبي محمد وسمى قواده الرئيسيّين الخلفاء، وسمّاهم على أسماء الخلفاء الراشدين الأربعة. وراعى محمد أحمد تأكيد إحياء تعليماته المهدية الروحانية فخطب خطبة بليغة قال فيها إنّ الناس أمام الله سواسية، وثانياً احتقار الأشياء الدنيوية، وأنّ الحياة الدنيا لا شيء، وأنّ الناس يجب أن يتّجهوا بقلوبهم إلى الله ويمتنعوا عن الملذّات والشهوات. وعندما رأى أنصاره يأخذون لأنفسهم الغنائم في الأبيض ومخالفين لأوامره، أمرهم أن يردّوا كلّ الغنائم إلى بيت المال المهدي وقال لهم: ” إن تعملون كما كان يعمل الأتراك سوف يعاقبكم الله ويحرقكم في النار، وأنّ النبي أخبرني أنني يجب أن أعاقب الذين يرفضون أوامري، وهذا العقاب سوف يكون الموت”. وبالرّغم من هذا لم تحدث أي مجزرة لأنّ الذين جمعوا الغنائم هربوا إلى الصحراء، وأمر محمّد أحمد أنّه في المستقبل إن أي شخص يضبط وهو يسرق أو يجمع الغنائم سوف يفقد يده ورجله، وأمر بأشدّ العقاب لكلّ من ينقض قوانين القرآن وشارب الخمر يتلقى ثمانين جلدة، وكذلك مدخني التبغ، وأمّا المرتدون فعقابهم الموت. والبكاء على الموتى محرّم لأنّ الموت يعتبر شرفاً أثناء خدمة المهدية. ومنع الرقص، وعلى النساء أن تلبس الخمار، وولائم العرس والمهور يجب أن تلائم الظروف المشدّدة ومنع لبس الملابس الغالية. ولبس محمد أحمد وأتباعه الأنصار جبّة بسيطة ويخيط عليها رقعة خشنة كعلامة للفقر والفضيلة. وفي المواقع الحربية كانوا يفضلون المشي على ركوب الخيل والجمال كعلامة على التواضع، ولكن لا يوجد شيء متواضع لخطّط المهدي في الفتوحات، ففي بداية سنة 1983 أي بعد استيلائه على كلّ السودان كان يقول أنّ عليه أن يستمرّ ويفتح مصر وبعد ذلك مكّة التي سوف تكون فيها أكبر معركة دمويّة في التاريخ، وبعد ذلك القدس التي فيها سوف ينزل المسيح من السماء لمقابلته وبعد ذلك كلّ العالم.([67]) لقد كان المهدي يمثل الصورة الرافضة إتباع النموذج الحديث وهذا ما يظهر من خلال خطبه المعتمدة على تثبيت زعامته وإضفاء شرعبة عليها بصفته الدينية الاسلامية المنحدرة من سلالة النبي والتي لا يجوز معارضتها أو إنتقادها أو تجاوزها، فهو الحاكم المطلق بأمره.

3-1-3 التصدّي لثورة المهدي:

بالرّغم أنّ هذه الإدّعاءات قوبلت بالرفض والسخرية، ولكن في القاهرة تقرّر أنّه يجب أن تؤخذ هذه الثورة بحزم، وأرسل الخديوي توفيق قوّة مكوّنة من عشرة آلاف جندي نظامي تحت قيادة ضابط بريطاني من الجيش الهندي كولونيل (هيكس Hicks) لتحطيم المهدي.

لكن الأمر لم ينجح في النهاية وكان تأثير هزيمة المصريّين كالطوفان، وكسحت عبارة المهدية إلى الخارج وصار المهدي مثل النبي المعصوم للسودانيّين([68]) والمؤمنين به، يشربون ماء استحمامه كدواء ضد الشيطان والأمراض. وبعد هذا الإنتصار انتظر المهدي مدة طويلة كافية لإستجماع قواته إلى معركة ثانية أكبر، وهذه المرّة كانت في دارارة عاصمة دارفور التي كان يوجد فيها حاكم نمساوي يسمّى رودلف كارل فن سلاتين Rodolf Carlvon slatin، الذي انتهى به الأمر أسيراً، ولكن لاعتناقه الإسلام أعطاه قائد قوّات المهدي حصانه مكافأة له. وقال له: ” إنّني صلّيت لله لاعتناقك الإسلام وقبل الله ونبيّه صلاتي. والآن تستطيع أن تكون في خدمتي، ومن يخلصني فهو يخدم الله، وسوف تكون له السعادة في الدنيا والآخرة “.([69])

أرسلت القاهرة ضابطاً إنكليزيّاً آخر هو الجنرال بيكر ليخمد المتمرّدين الجدد، ولم يكن رجال بيكر أسعد حظاً من رجال Hicks إذ عندما هاجمهم الأنصار هربوا تاركين ثلثي عددهم قتلى في المعركة، وأصبح المهدي يسيطر على إقليم تزيد مساحته عن 500.000 ميل مربّع يمتدّ طولياً عابراً وسط السودان. لقد استطاع المهدي بهالته الدينية أن يُنشىء قوة لتنفيذ سياسته لا يستهان بها.

وعند هذا الحدّ بدأت القاهرة في تصحيح التراجع، ولكن بدأت لندن النظر بخطورة لما يحدث في السودان الذي يبدو أنّه يهدّد موضعها في مصر. ففي سنة 1883 حثّت غوردون على العودة إلى الخرطوم. وعندما وصل في شباط 1884 كانت العاصمة السودانية في حالة حصار حقيقي، وكان الطريق الوحيد المفتوح هو طريق نهر النيل. حاول التفاوض مع المهدي وعرض عليه الإعتراف به كحاكم على كوردفان ويسمح له باستمرار تجارة الرقيق، إذا وافق على الشروط المقترحة. وتأكّد المهدي عندها على عكس تخوفه أنّ غوردون ليس عنده فرق إنجليزية يناديها لمساندته، كان جواب المهدي الرفض. لأنّ بعثته الإلهية لا يستطيع وقفها حتّى يحيى الديانة الحقيقية وهزيمة المرتدين أو كلاهما معاً، ولم يهتم بالحل الوسط الذي اقترحه غوردون. وذكّره بالذين كسبهم ومن بينهم Von Slatin ودعاه لاعتناق الإسلام، وبعث مع رسالته جبّة إلى الجنرال ليلبسها كعلامة لاعتناقه الإسلام.([70])

واستعدّ المهدي للمنازلة الأخيرة، وكان أوّل هدف له بربرة على النيل على بعد ثلاثمائة ميل شمال الخرطوم. وبينما هو يتوجّه إلى الموقع ارتكب غوردون غلطة مميتة عندما أخبر الشيوخ المحليّين أنّه يرى أنّ لا بديل إلاّ جلاء الحامية المصرية، وقام الشيوخ بإخبار المهدي في الحال، وصارت حامية جزيرة بربرة ضئيلة لمقاومة قوّات المهدي القادمة من البحر. وفي ايار كادت الحامية تموت من الجوع، واستسلمت وانقطعت آخر صلة لغوردون بالميناء. وبعد أسابيع قلائل انقطع أيّ أمل في نجاته من الجنوب عندما رحلت حامية بحر الغزال واستسلم الإقليم كلّه بدون إطلاق طلقة واحدة، وأُخذ حاكم الإقليم الإنجليزي أسيراً، وأنقذ حياته باعتناقه الإسلام. أمّا في الشرق فقد عانى الأنصار انعكاسات خطيرة عندما انضمّ الأسطول البريطاني إلى بعثة حربية ورسا في (سواكن) وهزم عثمان وينجاها وقُتل بضعة آلاف من رجال قبائله. أمّا غوردون فلقد انحصر في الخرطوم، وفضّل أن ينتظر الهجوم النهائي عليه وحاول الإتصال بالقاهرة لإرسال قوّة للتخفيف عنه ولكن مبعوثيه وقعوا في أيدي المهدي، وتأكّد عندها المهدي كيف أنّ الجنرال في حالة يأس شديدة، وأرسل إلى غوردون دعوة نهائية للإستسلام.

وفي نفس الوقت أرسل المهدي من مركز قيادته في الأبيض 200.000 من أتباعه إلى الخرطوم ولم يهاجم في الحال. وأرسل جبّة ثانية إلى غوردون ودخل معه في مراسلات مطوّلة التي بدأها أئمّة الخرطوم في أمل يائس يثنوه فيه عن فكّ الحصار عن المدينة، ولم تفد كل هذه المحاولات. وكان الائمّة في العلوم الدينية الذين كانت لهم القدرة على البرهان يخبرون المهدي بأنّه ليس هو المهدي المنتظر، آخذين في الإعتبار الأئمّة الإثني عشر، وأشاروا أنّ المهدي المنتظر الحقيقي هو الإمام الذي اختفى في سمِرّاء سنة 878، ولو أنّ محمّد أحمد هو هذا الإمام يجب أن يكون عمره الآن ألف سنة، ولكن هذه الحقيقة التي لا تنقض كانت بمثابة قشّة في عاصفة. ووقعت المعركة في 12 نوفمبر بعد ثلاثة أشهر من ترك المهدي قاعدته في كردفان وكان هدفه ليس الخرطوم، ولكن أم درفان التي تقع على ضفة النيل الغربية المقابلة للخرطوم. وبعد ثمانية أشهر اشتدّت المعركة، وعندما استسلمت أم درمان نهائياً في 5 يناير، صار موقع الخرطوم يائساً ومحاصراً من كل جانب، وتردّد المهدي في إعطاء الأوامر لإقتحام الخرطوم عندما وصلته أنباء بوصول القوات البريطانية بقيادة جارنيت وليسلي الذي انتصر على عرابي باشا في موقعة التل الكبير. وكان المهدي متأثراً من الهزيمة الساحقة للأنصار في جنوب بربرة، وكان منزعجاً وأمر بسرعة الإنسحاب من الخرطوم، مدّعياً أنّ الله ظهر له في المنام وأمره بالهروب، مثلما فعل النبي محمّد في الهروب من مكّة أثناء الهجرة. والشيء الوحيد الذي كان يخشاه أن يواجه قوّات كبيرة بريطانية، وكان خوفه كبيراً واتفق مع قادته أن يفكّوا حصار الخرطوم قبل وصول Wolseley. ولكن محمّد عبد الكريم أحد قوّاد المهدي جادل بحرارة بأنّهم عندهم الوقت الكافي للإستيلاء على الخرطوم قبل وصول الإنجليز. وتعزّز رأى عبد الكريم بأن وصلت أنباء أنّ مهاجمة الأنصار أخّرت وصول Wolsely وعطّلت تقدّمه، وعندما وجدوا الوحل الساقط من النيل قد ملء الخندق الجنوبي الدفاعي جنوب الخرطوم. وفي هذه الحالة رجعت الشجاعة للمهدي، وفي الحال ظهر له الله وأمره أن يلغي الإنسحاب ويقوم بهجوم شامل في فجر اليوم التالي، يوم 26 يناير، وأن يعبّر النيل إلى الخرطوم وخطب في رجاله أنّ كل من يُقتل وهو يقاتل هؤلاء الكفرة والمرتدين سوف يذهب إلى الجنّة مباشرة، وأعطى تعليمات مشدّدة بأنّه لا بدّ أن يؤخذ غوردون حيّاً ليجعله يعتنق الإسلام. وقال أن غوردون ليس كالأتراك لأنّه رجل طيّب، وغلطته الوحيدة أنّه لم يعتنق الإسلام، وإذا اعتنق الإسلام سيصبح كلّ شيء حسناً.([71])

وبدأ الهجوم على الخرطوم، ولكن غوردون رفض الإستسلام حتّى آخر لحظة، وعندما انقضّ رجال القبائل على القصر، نسوا أوامر المهدي وقُتل الجنرال متأثراً باختراق حرابهم لجسده. وتبع ذلك مذابح أبشع من مذابح القرون الوسطى، التي ذبح فيها أكثر من عشر سكّان الخرطوم. وبعد ست ساعات أمر المهدي بإيقاف إطلاق النار، وباقي سكان الخرطوم تمّ بيعهم في سوق الرقيق، وأخذ لنفسه كل بنت صغيرة سنها خمس سنوات فما فوق. وباقي البنات تمّ تقسيمهم بينه وبين خلفائه وقادته، كما تمّ تقسيم البيوت الفخمة والحدائق وانتشرت السرقة والنهب. وبعد يومين وصل Wolseley إلى الخرطوم ولكنه تأخّر كثيراً عن إنقاذها وداروا حولها لتأمين سلامة الأقاليم المصرية. وكان منظر تقهقر الفرق الإنجليزية عمل على رفع مقام المهدي أكثر من سقوط الخرطوم، وحتّى غير المؤمنين به لم يكونوا ليصدّقوا أنّ مثل قوّة بريطانيا تفشل في الإنتقام لموت غوردون وهزيمته، وكل أرض يطؤها محمد أحمد (المهدي) تعتبر مقدّسة وتحفر وتحفظ وتوضع حولها العلامات وتستخدم لشفاء الأمراض وسلامة إنجاب الأطفال، ولكن المهدي لم يعش طويلاً ليتمتّع بهذه الحالة الإلهية. لم تستطع المحاولات الغربية التصدي لثورة المهدي، ولقد برهن المهدي أنه من خلال استخدام المبادىء والقيم الدينية، باعطائه لنفسه الشرعية القيادية وتبريرها من خلال قوله أنه من سلالة النبي حيناً وبالظهورات التي تنزل عليه لاضفاء الشرعية والغطاء الديني على توجيهاته وأوامره حيناً آخر، برهن أنه يستطيع أن يجمع الناس من خلال استعمال هيبة الدين وان يشكل قوة تخدم القرار الإلهي الذي يوحى له به من الأنبياء.

3-1-4 خليفة المهدي وانتهاء الثورة:

مات المهدي في أم درمان في يونيو 1885، وسبب موته لم ينشر أبداً ولم يعرف. والنظرية أنّه كان بسبب الحلقة الدهنية حول قلبه. وفي أواخر شهور حياته بدا ضخماً وبديناً وانغمس في حياة الترف حتى أن أقلّ مرض ممكن أن يؤذيه. وعدد حريمه كان كبيراً، وكل قبيلة في السودان كان لها الشرف أن يأخذ بنتاً من بناتها في حريمه.([72])

خلف عبد الله التعايشي سيّده المهدي بعد موته، ولمدة ثلاثة عشر سنة بعد ذلك. بالرغم من انتشار المجاعة ومرض الجدري الذي أودى بنصف السكّان استطاع أن يبقى مستقلاًّ ضدّ الإنجليز والمصريّين. وبالرغم من الدعاية الإنجليزية استطاع أن يحكم الإقاليم المهدية بالقانون، وحفظ النظام ووسع أملاكه باحتلال كسلا وسنار في الشرق، وزحف جنوباً في إتجاه أوغندا، وذهب إلى أبعد من ذلك ودعا الملكة فيكتوريا بحرارة لتأتي إلى أم درمان وتعتنق الإسلام، وتسلّم نفسها له كخليفة للمهدي.

لم يتمّ استسلام السودان بقيادة عبد الله التعايشي قبل سنة 1899 عندما غزا اللورد كتشنر بقوة إنجليزية قويّة وحديثة مكوّنة من عشرة آلاف من المشاة والمدفعية والفرسان وكان بين هذه القوّة أشخاص مشهورين مثلDavid Bearry, Winston Churchill, Reginald, Wingate، وهُزِم جيش المهدي وقطع في أم درمان وهرب عبد الله إلى الغرب إلاّ أنّه قبض عليه بالصدفة بواسطة قوّة بقيادة Wingate.

وبعد ذلك حكم السودان بريطانيا ومصر بالإشتراك مع بعضهما تحت قيادة مصرية إنجليزية، وحاكم السودان العام إنجليزي تحت سيطرة ملك الإنجليز وخديوي مصر.

وكانت شجاعة الأنصار حتّى النهاية حقيقة مدهشة، لقد حاربوا في أم درمان بالشجاعة المتعصّبة التي غرسها فيهم المهدي، والرسائل الحربية الإنجليزية المكتوبة تشهد لهم بشجاعتهم في مقابلة نيران كتشنر. وهذه الرسائل تقول: ” لا يوجد فرق بيضاء تجابه الموت المحقّق لمدة خمس دقائق ولم تكن معركة ولكنها ساحة أعدام “. وكان تعليق كتشنر أكثر حقيقة: ” وأخيراً تحرّر القطر من طاغية حربي بدأ بحركة دينية لمدة تسع عشرة سنة مضت. وأصبحت المهدية شيئاً من الماضي “.([73])

ولم يجدِ المهدي من ينصفه ممّن شاركوا في بعثة كتشنر إلاّ ونستون تشرشل الذي ذكر في كتابه حرب النهر: ” إنّ المهدي وضع الروح والحياة في قلوب القروييّن السودانيّين وحرّر السودان من الأجانب، وأضاف أبّهة وحياة للفقراء والمعرضين للمجاعات والعرى… ولا أوافق الشعب في رأيه ” وكتب ذلك بعد سنين قليلة من موت غوردون وقال أنه لا يشارك بنهر الحزن في بريطانيا. واعتقد أنّه في المستقبل عندما يأتي الرخاء إلى شعب أعالي النيل ويتبعه التعليم والسعادة في مجراها، وعندها فإنّ المؤرّخين العرب عندما يفتشون عن الأحداث المبكرة الجديدة لهذه الأمّة لن ينسى معظمهم أنّه كان من بين أبطال عصرهم (محمّد أحمد) المهدي، وعندما يأتي الوقت لإعادة إيقاظ العالم العربي، سيكتب أنّه كان ابن صانع قوارب في النيل أظهر للعالم كيف أنّ جماعة من رجال القبائل العراة المسلّحين في البداية بالعصي والحراب، ولكن نفوسهم مسلّحة بالإيمان والعقيدة والوحدة، يمكنها أن تتحدّى وتحصل على التفوّق إلى درجة تطلّب فيها أعظم القوى في الأرض الفرار.

لقد كان المهدي النموذج المعاكس للنظرة المنبهرة بالإنجازات الغربية التي تمثّلت بمحمّد علي والتجربة المصرية، وهو يظهر صورة المتمسّكين بالعقيدة الإسلامية دون الإنبهار بالإنجازات الغربية الحديثة وبنموذج الدولة الحديثة، النموذج المناقض لنموذج محمّد علي في مصر.

3-2 عبد القادر الجزائري ومقاومة الإستعمار الأوروبي:

مثلما خاض المهدي حروباً شرسة ضد المحتل تحت رآية الإسلام، كان هذا هو الحال نفسه في الجزائر مع عبد القادر حيث خاض الشعب العربي الجزائري حروباً طويلة في مواجهة الاحتلال الفرنسي، ففرنسا التي دخلت مع حملة نابليون إلى مصر تحت رآية  ” نشر المبادئ والثقافة الغربية الحديثة ” لم تكن في سياساتها وتنفيذ مصالحها تنحو في هذا الإتجاه، فلقد كانت المصالح السياسية والمنافسة الغربية سائدة تحت هذا الشعار ” نشر المبادئ والثقافة الديمقراطية الحديثة  “.

3-2-1 إحتلال الجزائر:

لقد ورد في دائرة المعارف البريطانية الشرح التالي لمبرّرات الإحتلال الفرنسي للجزائر: ” في أبريل 1827، نشأ نزاع الداي وكان يدعى حسين، بسبب شحنة قمح قام بتوريدها اثنان من الجزائريين، وفي أثناء المفاوضات حوِّل هذا النزاع، ضَرَب الداي القنصل الفرنسي (Deval) بمِنشّة الذباب، وقد أدّت هذه الحادثة إلى التدخّل العسكري، وضرب حصار بحري حول مدينة الجزائر لمدّة ثلاثة أيّام فلم يؤدِّ إلى نتيجة، وعلى أثر ذلك قامت حملة فرنسية مؤلّفة من 37 ألف جندي في 14 يونيو 1830 م، واستسلمت الجزائر في اليوم الخامس من شهر يوليو. وهكذا فقد كانت مِنشّة ذباب هي السبب في تدمير دولة وإخضاع شعب.([74])

إذاً منشة للذباب كانت السبب في دخول الفرنسيّين إلى الجزائر، بدأت هذه المسرحية الهزلية سنة 1827 وصارت مأساة بالنسبة للجزائريين وأيضاً بالنسبة لفرنسا والفرنسيّين بعد مائة سنة. بدأت عندما كتب Deval تقريراً عن الحادثة التي تعرّض لها إلى باريس وطالبت الحكومة الفرنسية بالإعتذار الكافي، ولكن حسينا رفض أن يقدم أي اعتذار وأيضاً الباب العالي.

وذهب الفرنسيّون إلى محمد علي وحسبوا حساباتهم أنّه هو الوحيد الجاهز للانتقام من السلطان العثماني وذلك بسبب طرده من حكم سوريا وطلبوا من الباشا إرسال حملة تأديبية إلى الجزائر ليعطوا الحاكم التركي درساً، ولكن محمد علي رفض أن يرسل هذه الحملة. وبعد ثلاث سنوات من التهديدات وجد الفرنسيّون إنّهم لا بد أن ينفّذوا هذه التهديدات ليحفظوا ماء الوجه. وفي سنة 1830 أبحرت الحملة الأولى من مرسيليا إلى الجزائر. رست البعثة في الجزائر في 14 يونيو 1830 وقام الحاكم التركي بتوحيد ستّة آلاف من رجال القبائل ليحاربوا الغزاة. وطلب مساعدة من الجيران في تونس ومراكش المستقلة، ولكن لم يجد رجال القبائل ما يحثّهم على إنقاذ الحاكم التركي الظالم، وامّا التونسيون والمراكشيون اقتصروا في المساعدة على الصلاة والدعاء إلى الله أن ينصر المسلمين على الكفرة الغزاة.([75])

في 4 يوليو 1830 تم احتلال الجزائر من قبل الفرنسيّين، ورحل الحاكم التركي إلى إسطنبول، واستولى الجيش الفرنسي على كل ثروات الجزائر وخزائنها المالية، وبالرّغم من أن الحكومة الفرنسية كان في نيّتها المبدئية أن يكون هذا الغزو مرحلة عابرة تأديبية لتعطي الأتراك درساً في الطرق الدبلوماسية، ولكن تأثير هذا الغزو ترك الجزائر بدون أي سلطة، فرحيل الأتراك لم يعطِ أيّ بديل للفرنسيّين إلاّ إنشاء حكومة مؤقتة مؤلفة مبدئياً من الجزائريّين العرب والبربر الذين قبلوا الحكم الفرنسي ليتخلّصوا من الحكم العثماني.

في أول سنتين لم يكن هناك متاعب لأنّ الحكّام الفرنسيّين الذين أرسلوا إلى الجزائر كانت لهم خبرة كبيرة في عادات العرب المسلمين. ولكن عام 1832 جاء (Duc de Rovigo) ديوك دي روفيجو الذي وضع الجزائر في عصيان لأنّه قضى على قبيلة بأكملها، لأخذ الثأر في جريمة قتل تبيّن فيما بعد أنهم لم يرتكبوها.

3-2-2 مقاومة الإحتلال الفرنسي:

لم يتوقّف الشعب العربي الجزائري عن الكفاح المسلّح منذ الإحتلال الفرنسي عام 1830، وتعتبر ثورة الجزائر الكبرى امتداداً لكفاح عنيد ضد الغزاة دام أكثر من 125 عاماً، طيلة هذه المدة لم تخمد الثورة ولم تتوقف المقاومة المسلحة للإستعمار إلاّ بالقدر الزمني الذي احتاجته ضرورات الإستعداد ورص الصفوف، لإستئنافه أشد ضراوة وأعرض أفقاً.([76])

ويقسم بعض المؤرّخين تاريخ المقاومة الجزائرية قبل ثورة التحرير الكبرى إلى ثلاث مراحل:

-من بداية الغزو الأجنبي في عام 1830 إلى 1871 وقد تميّزت بمقاومة نشطة جماهيرية ورسمية من قبل الأمير عبد القادر ودولته الفتية التي كانت عاصمتها مدينة عسكر.

1871– 1920، تبدأ هذه الفترة غداة اضمحلال الإنتفاضة الفلاحية الكبرى، ومع أنّه قد تخلّلتها ثورات متتالية إلاّ أنّ المقاومة لم تتصاعد خلالها بالوتيرة التي يفترضها التصاعد الذي حقّقته سابقاً. في هذه الفترة عمد الإستعمار إلى تجريد الشعب من السلاح والأرض والحقوق السياسيّة.

1921- – 1954.. وتبدأ مع إنتفاضة الأمير خالد وتنتهي ببداية ثورة التحرير الكبرى، وقد فتح الأمير خالد بحركته الإصلاحية الطريق أمام نضال متعدّد الألوان، ولأوّل مرّة انبثقت داخل فرنسا حركة جزائرية تطالب باستقلال بلادها، كما تنامى في الجزائر ذاتها النضال العمّالي، وتقدّمت حركة الفلاّحين والطلاّب ورجال الدين والفكر والفن.

وإن كانت تلك المقاومة قد تحوّلت إلى ثورة عارمة اكتملت ملامحها عام 1954 حيث تبدّلت تعبيرات النقمة بالآمال المتصاعدة، دافعة الشعب الجزائري ليشقّ طريقه نحو مستقبل أفضل لن يتم إلاّ عن طريق القوّة والعنف، طريق الثورة الواعية والعملية التي تعقبها تبدّلات إجتماعية جذريّة تحدّد الفئات التي ستقود الثورة نظرياً وعملياً.([77])

قامت حركة مقاومة جزائرية وأعلنت الجهاد ضد الفرنسيّين تحت قيادة شيخ محترم ورجل دين في ماسكرا (Mascra) في غرب الجزائر إسمه محي الدين ليقود حرباً مقدّسة، ومحيي الدين هذا ينحدر من سلالة النبي واختاره العرب لسجلّه الحافل في المقاومة، التي لا هواده فيها ضد الاحتلال التركي. ففي سنة 1828 تمّ القبض عليه هو وإبنه عبد القادر بواسطة الحاكم العثماني أوران (ORahan) لإعلانهم أنّ الأتراك انتهكوا حرمة القرآن، ولما أطلق سراحهم قال محيي الدين إنّه رأى رؤية التي فيها قال له الملاك أن حكم الأتراك سوف ينتهي من الجزائر وعندما ينتهي سيصير إبنه عبد القادر سلطاناً على شمال أفريقيا.([78])

وعندما طرد الفرنسيّون الأتراك من الجزائر انتشرت رؤيا الشيخ هذه في جميع أنحاء الجزائر، وبذلك تحقق الجزء الأول من النبوءة. وكسبت هذه القصة الثقة عندما أعلنت الحرب المقدّسة ضد الإحتلال الفرنسي، وكان طبيعياً تعيين والد السلطان المختار ليقود القبائل ويمهّد الطريق لعبد القادر.

ولم يستمر محيي الدين طويلاً قائداً مسمّى للجزائر، لأنّه رجل كبير السن وليس له خبرة حربية، لذلك تنحّى وأعطى القيادة لإبنه، وسمّى القائد العام للمؤمنين، ونادى جميع القبائل ليتبعوه في سبيل التغلّب على العدو وإزاحته، وكان مثل نظيره المهدي في السودان يرى أنّ وحدة القبائل بإمكانها تحطيم الأجانب الغزاة. وهو مثل المهدي يكره الأتراك مثلما يكره الأجانب الغزاة من أوروبا، واستعدّ وهزم الإنكشارية الأتراك في شرق الجزائر ويحتمل أن يكون قادراً على إلقاء الفرنسيّين في البحر.([79])

تعلّم عبد القادر القرآن، وأن المسلمين سواسية، ويسيرون في الطريق المستقيم، ومنذ نعومة أظفاره كان يكره أبناء الرسميّين الأتراك الذين يذهب معهم إلى المدرسة، وكانوا يسخرون منه على تقواه ويعيّرونه بطبقته وذوقه الناسك في اختيار ملبسه الذي يخالف لبس الأتراك من الحرير الناعم، بينما كان يلبس جبّة من القطن أو الصوف الخشن، ومنع زوجته من ارتداء أي رداء مصنوع من الحرير أو القطيفة.([80])

وأصبح عبد القادر على رأس حرب تحرير الجزائر، وبدأ تمرّد الجزائريّين في غرب الجزائر حيث لا يوجد حامية فرنسية، وكان رد الفعل من باريس في البداية هادئاً وتم استدعاء De Rovigo وحلّ محله حاكم معقول يسمّى Desmichels وعيّن بتعليمات وتوجيهات صارمة في التمسك بالأراضي التي تم إحتلالها من قبل فرنسا وأن لا يخرج عن هذه المنطقة وفسَّر Desmichels هذه التعليمات بإعطائه حرية التفاوض مع المتمردين، وقبل عبد القادر اقتراحه للإعتراف بسلطته على غرب الجزائر وأعطاه أيضاً أيضاً فسيحة ليجهز القبائل في المستقبل للهجوم الكبير على الأقاليم التي تحت يد الفرنسيّين، وبعد سنتين تمّ استدعاء Desmichels، وحلّ محلّه اثنان من الجنرالات الفرنسيّين De Erlon، وTrezel، وبدأ دي إرلون بإنذار المتمرّدين بعدم التوسّع في وسط الجزائر، ولكسر حدّة غضب الجنرال الفرنسي، أرسل عبد القادر عضواْ في حركته، يهودياً داهية يسمّى بن ديوران، لمقابلة الحاكم الفرنسي العام الجديد وعمل بن ديوران حسناً لتمهيد الطريق للوصول إلى ثقة De Erlon دي أرلون، ففي بضعة أسابيع صار الرفيق الملازم للجنرال الفرنسي، وحثّه على الإعتماد على عبد القادر، وأنّه لن يقوم بأيّ متاعب للفرنسيّين في الأراضي التي يحتلّها. ولذلك تشجّع عبد القادر واقترح على دي أرلون تقسيم الجزائر رسمياً بينهما، حيث تحتفظ فرنسا بالجزائر وأران ويحتفظ عبد القادر بالأراضي الساحلية وبينما كان De Erlon يمعن النظر في هذا الإقتراح، وضع زميله الجنرال Trezel حداً للهدنة بأخذ قبيلتين تحت حمايته رفضتا الانضمام إلى عبد القادر، وناضل عبد القادر أن تحتوي شروط الإتفاق على شرط تحفّظي، وهو بأن يسلّم إليه كل من يهجره ويخرج عن طاعته ولكن Trezel أعلن أنّ هذا الشرط ينطبق فقط على الأفراد ولا ينطبق على كلّ القبائل التي ترفض سيطرة عبد القادر.

وصمّم Trezel على القيام بمعركة دموية ضد عبد القادر قُتل فيها من الجزائريّين 1800، ومن الفرنسيّين فقط 250، إلاّ أنّ الجزائريّين وضعوا الفرنسيّين في موقف مشين ممّا اضطرّهم إلى التراجع. وفي الحال قامت ضجّة شعبيّة في فرنسا مطالبين بالإنتقام من مذلّة الهزيمة واستدعي         De Erlon و Trezel، وفي أغسطس وصل المارشال كلوزيل إلى الجزائر ومعه الأوامر بتحطيم عبد القادر، وكانت الأوامر الصادرة لا تشمل احتلال مناطق جديدة. وكان من الممكن إفناء المتمرّدين خاصة أنّه كان لديه قوّات مكوّنة من أحد عشر ألفاً من المتدرّبين في أعلى مستوى من التمرين ومسلّحين كأحسن ما يكون. وهزم قوّات عبد القادر. والحقيقة أنّ القبائل نبذت عبد القادر بعد سقوط ماسكاره واستقال عبد القادر ورحل إلى الصحراء بعد أن تخلّى عنه أتباعه، ولكن عندما وصلت الأخبار عن رحيل الفرنسيّين إلى قاعدتهم، تجمّعت القبائل وتضرّعت إلى عبد القادر كي يقودهم مرّة ثانية، وفي البداية تردّد عبد القادر ولكنه تحرّك في صمت إلى أقاليم وسط الجزائر وبعد ذلك نزل إلى السهول الساحلية بعصبة من رجال القبائل خلفه واكتسح ميدية التي تقع على بعد خمسين ميلاً جنوب الجزائر، وأعدم الحاكم الفرنسي بتهمة الخيانة.([81])

عندها كان على فرنسا أن تأخذ خياراً من اثنين:

–  إمّا أن تنسحب من الجزائر وتقبل مذلّة الهزيمة من قبل هؤلاء الهمجيّين.

–  وإمّا أن تنفق من الوقت والمال في سبيل الإستيلاء على الجزائر كلّها.

وفي النهاية قرّرت الحكومة الفرنسية إرسال Bugeaud بوجويد للقيادة العليا للعمليات مع Clauzel كلوزيل كمساعد. وعند بدء مهمته نجح Bugeaud في القبض على عبد القادر وسجنه ولكن قبل أن يقطف ثمار هذه الفرصة، جاءت ضربة ثانية للإستعمار الفرنسي وسبّبت بداية جديدة لرحيل السياسة الفرنسيّة. فسيّء الحظ Clauzel تعرّض لمأساة عندما كان يحاول طرد الأتراك من قونسطانتين وبدون معرفة للأراضي أو موقف المدينة المحصّنة فقد Clauzel نصف قوّته المكوّنة من ثمانية آلاف في هذه المغامرة الإنتحارية، وعاد إلى باريس حاملاً معه الخزي والعار، وصارت باريس تفاضل بين ما ستفعله، وأعطت الأولويّة لتسترد ماء الوجه الذي فقدته في قونسطانتين وأمرت بوجويد بوضع هدنة مع المتمرّدين في الجزائر حيث صبّت مجهوداتها الحربية إلى الأتراك.

3-2-3 عبد القادر الجزائري يوطّد سلطته:

كان عبد القادر أوّل من انتهز هذه الفرصة وأجبر بوجويد الإعتراف بسيطرته على غرب ووسط الجزائر ما عدا أوران ومدينة الجزائر ومساحة صغيرة حول المدينتين. وباقي المدن التي كانت تحت حكم الفرنسيّين سلّمت إلى المتمرّدين وأصبح عبد القادر حاكماً لثلاثة أرباع الجزائر.([82])

كان هذا الإتفاق الفرنسي غير عادي، حيث حمل تفسيرات عديدة، فمنهم من فسَّر ذلك بأنّ هذا الإتفاق كان لإزلال قائدهم العام في الجزائر لأنّه يريد أن يستقرّ بصفة دائمة في شمال أفريقيا، ولكن هذا التفسير لم يكن صحيحاً لرجل مثل بوجويد له سمعته كرجل عسكري. والإحتمال الأرجح هو أنّ الفرنسيّين قدّروا أنّهم سوف ينتهون من الأتراك، وبعد ذلك يلتفوا على عبد القادر. وهنا أخطأوا في الحساب مرّة ثانية حيث مرّ أربع سنوات قبل أن يكونوا قادرين على تجميع قواهم ليتعاملوا مع المتمرّدين الجزائريّين. بدأ عبد القادر في اللفّ حول القبائل التي لم تعلن ولاءها له. وبذلك انضمّ معظم المتأخّرين عن الولاء له إليه بدون تردّد. ولكنّه تعامل مع القلّة الذين تردّدوا في تأييده بقسوة غير عادية، لكنّه اضطرّ لذلك لإقتناعه أنّ الهدنة الفرنسيّة ما هي إلاّ وسيلة لكسب الوقت، وسوف تنتهي عندما يناسب وضعهم ذلك، وهذه الحسابات برهنت سريعاً أنّها صحيحة.

استولى الفرنسيّون على قونسطانتين في أكتوبر 1837، وفي أقل من سنة طالب الفرنسيّون بكلّ إقليم كابيليا Kabylia الواقع بين الجزائر وقونسطانتين، واحتجّ عبد القادر بشدّة حيث أنّ إتّفاقه مع بوجويد حدّد الإقليم الفرنسي شرق مدينة الجزائر إلى نهر قاددارة Kaddara الذي يقع على بعد مائة ميل، أي ثلث ما يطالب به الفرنسيّون واضطرّ بوجويد للإعتراف أنّ عبد القادر على حق، ولذلك استبدل بوجويد في ذلك الوقت بالمارشال فالي، وهو استعماري طموح ولن يثنيه أيّ شيء لتوسيع مستعمراته.

عندها قدّم عبد القادر طلباً معنوياً إلى ملك فرنسا قائلاً: ” أنا لست غبيّاً هكذا لأعلن حرباً مفتوحة ضدّ قوّاتكم، وبالرّغم من عدد الجزائريّين كبير، إلاّ أنّهم لا يملكون إلاّ أربعة مدافع ولكن أستطيع أن أرهق المحتلّين القادمين بدون انقطاع وسوف لا يكون أيّ أمان للمحتلّين وسوف يسيل دم جنودكم بدون فائدة وسوف تكون حرباً حتّى الموت.([83])

لم يأتِ الردّ على عبد القادر من ملك فرنسا لويس فيليب، ولكن فالي ردّ عليه بأمر الجيش الفرنسي في الجزائر في السير في مظاهرة يقودها إبن الملك (ديوك دي أوليانز) ليؤكّد السيادة الفرنسيّة على الأراضي المتنازع عليها. واعتبر عبد القادر هذا التحرّك بمثابة إعلان حرب وجهّز قوّة من العرب والكابيليز (Kabyles) من الجبال التي تعلو مدينة الجزائر، وأحرق المزارع الفرنسيّة حول مدينة الجزائر، وكان الردّ الفرنسي في تقوية فالي بكثافة، وفي مارس 1840، كان معه جيش قوامه تقريباً ستون ألفاً من الجنود المتدرّبين تدريباً عالياً منتظماً، وفي شهر إبريل تقدّم هذا الجيش إلى موقع جزائري، وبعد معركة دمويّة، استطاع أن يعيد احتلال ميدية وميليانية Miliana & Medea التي فيها ذبح ثلثي الحامية الجزائرية. وبوجديد انضمّ إلى المعركة متخوّفاً من ذبح الجزائريّين للفرنسيّين الذين استقرّوا حول مدينة الجزائر، وأعلن بوحشيّة أنّ العرب لا بدّ أن يهزموا ، وقاد جيشاً مكوّناً من ثمانية وسبعين ألفاً في غرب الجزائر وهزم رجال عبد القادر، واستعادوا ماسكره و Tagdement تاجدمنت. وانسحب عبد القادر مرّة ثانية إلى تلال الصحراء. فكتب عبد القادر إلى بوجويد متسائلاً ما الذي تأمل فرنسا أن تكسبه مرة ثانية من هذه الحرب “سوف نتتبع قوّاتكم ونرهقكم ونحطّمكم ونقطّعكم قطعاً صغيرة وسوف يفعل مناخنا الباقي”.

خلال هذه الفترة طلبت القبائل رسمياً من سلطان مراكش المساعدة، ولكنّه أرسل فقط رسالة مليئة بالتمنّيات الطيّبة لأبناء عمومته الجزائريّين، والشيء الوحيد الذي أمكنه فعله هو أن يتغاضى عن لجوء عبد القادر إلى مراكش عندما احتلّ الفرنسيّون تلمسان عام 1842. ومن مراكش استطاع عبد القادر أن يواصل سلسلة من الغزوات الجريئة. وفي محاولة يائسة للمّ شمل القبائل أطلق إشاعة أنّ سلطان مراكش انضمّ إلى حركته وأنّ الإنجليز أعلنت الحرب على فرنسا، وبناءً على ذلك سوف تنسحب كلّ القوّات الفرنسيّة. وتحرّك بوجويد لقتله، وشقّ طريقه خلال مراكش كاسحاً كلّ حرّاس الحدود من طريقه وطلب تسليم عبد القادر. ولحسن الترتيب رست سفينة حربية على شواطئ مراكش وأخذت تقصف بالقنابل مدينتي طنجة وموجادور، ممّا حرّك سلطان مراكش في النهاية ليعلن الحرب على فرنسا، ولكن في خلال أسابيع قليلة سحق جيشه كلية بقوّة فرنسية، وهذه الهزيمة برهنت على تأخّر العسكرية العربية وأنهتها، وطلب سلطان مراكش الصلح، ووافق على اعتبار عبد القادر خارجاً على القانون وصار عبد القادر في موقف يائس، لذلك قدّم عرضاً على أن يحكم كتابع لفرنسا ويدفع الضرائب ولكن الفرنسيّين رفضوا طلبه ولم يقبلوا إلاّ تسليم نفسه بدون شروط. بدأ الفرنسيّون التخطيط ضدّ القبائل برفع مخيماتهم وحرق سكّانها، ولكن هذه الأعمال الإرهابية أتت بنتائج عكسية بخلاف ما كان يتوقّعه الفرنسيّون.

ففي سنة 1845 برزت ثورة جديدة حدثت تلقائياً في كلّ أنحاء الجزائر، وترك عبد القادر مخبأه في مراكش، وجمع جيشاً آخر حوله واخترق بعيداً حتّى تشيلفف Chéliff وكتب إلى بوجويد قائلاً: ” سوف ننهك قواتكم وسوف يقوم الطقس بعمل الباقي “.([84])

3-2-4 فشل ثورة عبد القادر الجزائري:

إذا كان الفرنسيّون في الجزائر قد إنهكوا من مطاردة عبد القادر فهذا ليس حالة باريس التي أرسلت تعزيزات كثيرة صبّت في الجزائر بما يقرب ثلث الجيش الفرنسي وانشغل أكثر من مائة ألف رجل في اصطياد عبد القادر، واغلقت الشبكة وصار قادة عبد القادر يقتلون واحداً تلو الآخر، أو يقعون في الأسر، وانسحب عبد القادر مرّة أخرى إلى مخبئه داخل مراكش، وخشي سلطان مراكش من إثارة الفرنسيّين ضدّ بلاده، لذلك أمر بالقبض عليه أو طرده خارج مراكش، وفي ديسمبر 1847 أسرع عبد القادر بعبور الحدود، بعد مطاردته من القوّات المراكشية، ووجد نفسه في الحال محاطاً بالقوّات الفرنسية وناشد القلّة من أتباعه الذين وقفوا خلفه قائلاً: ” إنّ المقاومة انتهت ويجب أن تقبل أنفسنا ولو أنّ الله لم يعطنا النصر لأنّه قدّر أن تكون هذه الأرض تخصّ المسيحيّين ويجب أن نعترف “.([85])  

وعند استسلام عبد القادر أعطى تعهّد شخصي كلّ من الحاكم العام الجديد الفرنسي دوق دي أومالى Duc D’Aumole إبن لويس فيليب، والقائد العام الجنرال لامور سيزرير Lamoricière الذي خلق حديثاً بوجويد، أنّه سوف يرسل إلى قطر إسلامي ليقضي بقيّة حياته.

Duc d’Aumole خرج عن سلطته الإدارية تعاطف مع عبد القادر، وكتب إلى وزير الحربية قائلاً: ” لا أستطيع أن ألغي عمق ما حرّكني من وقاره وبساطته ولعب دوراً كبيراً، ولكنه سقط بطيئاً ولم يظهر أيّ شكوى ولا كلمة أسف … ولقد وعدته أنّ الماضي سوف ينسى كليّة”.([86]

ولكن لم يكن أحد أكثر من Trezel لا ينسى الهزيمة التي قاسى منها على يد السلطان المتمرّد، وعند وصول عبد القادر وأتباعه إلى طولون تمّ سجنهم في قلعة للجيش. وبدون جدوى كان عبد القادر يطالب ويحتجّ، إنّ إبن الملك وعده بإرساله إلى قطر مسلم. واستطاع Trezel أن يأخذ أمراً من الملك بالإحتفاظ بعبد القادر سجيناً في فرنسا، ولكن احتجاجات عبد القادر استطاعت أن تحرّك عدداً من أصحاب الضمائر الفرنسيّين بما فيهم بو جويد Bugeaud الذي طلب أن يعيش عبد القادر حرّاً في فرنسا. وجاوب عبد القادر بطريقته الخاصة التي لا تقبل الحلّ الوسط: ” لو أنّ كنوز العالم توضع في ذيل معطفي وتوضع في الميزان أمام حريّتي سوف أختار حرّيتي. إنّني لم أطلب فضلاً أو معروفاً، إنّني أطلب الإعدام وسوف لن أعطيكم كلمتكم مرّة ثانية وسوف أموت بها لعاركم “.([87])

في عام 1852 تغيّر النظام الفرنسي، وأصبحوا يشعرون بالتعاطف مع القادة الجزائريّين. حلّ لويس نابليون محل السلالة الحاكمة في بوربون، وفي أكتوبر 1852 قام الأمير الجديد بزيارة عبد القادر، وأخبره لويس نابليون بكلّ تواضع أنّه مهتم كثيراً بأنّ فرنسا لم تحترم كلمتها معه لمدّة خمس سنوات، وأمر بالإفراج عنه، وكُرّم كأسد من قبل الجمعية الفرنسية التي كانت منذ سنوات قليلة تطالب بدمه، وأقاموا له احتفالات وأوبرات وعروضاً حزبية على شرفه. وأصرّ عبد القادر أن يعطي صوته الإنتخابي إلى لويس نابليون ليصير إمبراطوراً في انتخابات نوفمبر، ورحل إلى تركيا في الشهر التالي بمعاش سنوي له كمنحة من الإمبراطور الفرنسي الجديد، لكن إقامته في تركيا كانت قصيرة وغير مريحة حيث قوبل ببرودة، وبعد إقامته هناك لمدة سنتين طلب الإذن من لويس نابليون لينقل إقامته إلى دمشق.

3-2-5 عبد القادر الجزائري في سوريا : نموذج التسامح

سوريا كانت في ذلك الوقت تعاني فترة من التعصّب الديني في عهد حكومة إبراهيم باشا الذي حطّمها بالمرستون وزير خارجية إنجلترا، وجاءت السلطات العثمانية واتبعت سياسة فرق تسد وحثّ المسلمين على استعمال العنف والإرهاب ضدّ المسيحيّين. ففي سنة 1860، بعد أربع سنوات من استقرار عبد القادر في دمشق، حدثت مذبحة للمسيحيّين العرب والأجانب من قبل الحاكم التركي. ولم يتردّد عبد القادر ثانية واحدة مع حرّاسه، خاصةً من الجزائريين، في الدفاع عن القنصل الفرنسي العام والقناصل الأوروبية وكلّ العاملين في القنصليّات الأوروبية الذين اتّخذوا من بيته ملجأ لهم. وذهب إلى الحيّ المسيحيّ الذي وقعت فيه المذبحة، وقام هو وأتباعه بإنقاذ المسيحيّين من أيدي القتلة، وأخذوهم بسلام إلى منزله. وعندما وصلت قصّة هذا الإنقاذ قام أربعة آلاف من الجمهور وساروا إلى بيته، وهدّدوا بإمساك المسيحيّين الذين بالداخل إن لم يسلّمهم. وبدون خوف تصدّى لهم وذكّرهم بأنّه حارب لمدّة خمس عشر عاماً ليدافع عن حقوق المسلمين واستقلال العرب ومنادياً بالإستعانة بآيات القرآن المقدّسة، وبتأثير كلماته اختفى الجمهور وعندما ذهب عنه الغضب قدّم عبد القادر خمسين قرشاً لمن يأتي له بأيّ مسيحي حيّ. وبهذا الإندماج بين الشجاعة والرشوة استطاع إنقاذ إثني عشر ألفاً من القتل، وانتشرت إنجازاته الشجاعة في أوروبا، وزاد لويس فيليب معاشه وأنعم عليه بالصليب الكبير لفيلق الشرق، وبالمثل أغدقت عليه الإنعامات من أمبراطور روسيا وبروسيا وملك اليونان، وأصبحت كلّ أفعاله حسنة في عيون القوى المسيحيّة. وحتّى إنّه اقترح في باريس أن يعيّن مندوب الملك في الجزائر، ولكنّه بالحكمة رفض قبول هذه الوظيفة المعقدّة.

وفي العشرين سنة الأخيرة من حياته تمتّع بمصاحبة الإنجليز الذين يحبّون العرب من ذوي الشأن العالي، مثل ريتشارد بيورتن وتشارلز دهوتي Richard Bunton & Charles Doughty، ونشر أعمال المفكّرين العرب المحبّبين إلى نفسه مثل محيي الدين إبن عربي الذي دفن بعد موته بجواره في مايو 1883.([88])

لقد اقترن الإستعمار الفرنسي للجزائر، ببداية المنافسة بين الدول الغربية على تنفيذ الخطط الإستعمارية في الشمال الإفريقي، إبتداء من المحيط الأطلنطي حتى خليج السويس ولم يكن لأهداف نشر الثقافة الغربية الحديثة واستمرّ ما يجاوز القرن، وناضل الشعب الجزائري في سبيل استقلاله رغم الشهداء الذين بلغ عددهم المليون شهيد.

4- الثورات القومية ومحاولة بناء النموذج الحديث للدولة:  

لقد بلغ مستوى التأثّر بالثقافة الغربية الحديثة ذروته مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ومع ظهور معالم الشيخوخة على الأمبراطورية العثمانية.

ففي أبريل 1909 كان عبد الحميد قد حكم ثلاثاً وثلاثين سنة تقريباً. وقد تزامن خرابها مع الحرب العالمية الأولى.

بدت الحرب العالمية (1914- 1918) للبعض نضالاً في سبيل الديمقراطية وللبعض الآخر حرباً لإنهاء الحرب. نشوب الحرب قابلته جماهير الأوروبيين بالترحاب ولكن هذا الشعور ما لبث أن تغيّر حين طالت الحرب، قليلون من الناس يستطيعون، بعد خمسين عاماً أن يعيّنوا النواحي الدستورية التي كان قيصر ألمانيا أقل ديمقراطية فيها من جورج الخامس ملك بريطانيا، فإنّ الحروب التالية جعلت شعارات 1914 سخيفة. بيد أنّ النزاع المتطاول الذي أدّى إلى سقوط أربع أسر أوروبية مالكة، ترك في أوروبا دولتين منتصرتين إسماً: فرنسا التي على الرغم من ضعفها بخسارة مليوني رجل استعادت الألزاس واللورين وكسبت مناطق جديدة فيما وراء البحار، وبريطانيا التي اصبحت أراضيها في نهاية الحرب أوسع منها في بدايتها وإن كان الزمن سيظهر كم كانت تلك التعويضات تافهة بالنسبة إلى جيل ضائع.

لكن مهما ضعفت بريطانيا وفرنسا، الا أنهما كانتا في وضع يمكنهما من تشريح الجثة العثمانية. وإذ كانت قد فقدت أطرافها الخارجية المسيحية فإنّ الإمبراطورية، التي تحمل السيف التركي والقرآن العربي، أصبحت مقسّمة على نفسها. إنّ الأتراك الذين سئموا الحكم والموت في سبيل أقليّات متذمّرة بدأوا يعملون بأنانية جماعية. أمّا العرب، الذين يئسوا من إيجاد الحماية أو الراحة المعقولة في دار السلام المتداعية، فقد قادهم سخطهم، أو الإغراءات الأجنبية، نحو الإنفصال والثورة.([89])

4-1 يقظة العالم العربي:

لقد انطلق أول محرّك لإيقاظ العالم العربي من دمشق([90]) وليس من مصر هذه المرّة، التي أصبحت منطقة عواصف ومشاغبات عندما توقفت من أن تكون مركزاً للخلافة، ولسبب آخر أيضاً يعود إلى فترة حكم إبراهيم باشا المستنير، بين سنة 1830 و 1840، لسوريا ولبنان وفلسطين التي خرجت من عصور الظلام في منتصف القرن التاسع عشر، وصارت على درجة كبيرة من النمو العقلاني يضاهي النمو الذي كان في مصر، التي كانت تربطها في تلك المرحلة علاقات خطيرة بتركيا وإنجلترا وكانت نوعاً ما معزولة عن شؤون أبناء عمومتها العرب، لقد شجّع إبراهيم باشا الإرساليات الغربية. وأنشأ نظام التعليم الإبتدائي الإسلامي في المدارس في جميع أنحاء القطر، بالإضافة إلى ثلاث مدارس ثانوية في دمشق والبيرة وإنطاكيا، وأدخل تعليم اللغة العربية والأدب العربي الذي أهمل أثناء الحكم العثماني. وعندما أجبر إبراهيم باشا على الخروج من سوريا سنة 1840 أقفل الأتراك المدارس الإسلامية والكليّات، ولكن لخوف الأتراك من ردّ الفعل في العالم الغربي، لم يجرؤوا على غلق مدارس البعثات الغربية المسيحيّة، وكانت هذه ميزة للمسيحيّين الذين امتلكوا مفاتيح خزائن للأدب العربي والتاريخ العربي، وعملوا على إيقاظ الفكر والضمائر العربية. وخرج من بين المدرسين العرب المسيحيّين اثنان من الشباب المفكّرين، هما ناصيف اليازجي وبطرس البستاني.

اشترك البستاني واليازجي وآخرون في ترجمة الإنجيل إلى اللغة العربية، وتأليف قاموس باللغة العربية وموسوعة عربية. وبعد مذبحة 1860، تمّ إنشاء أوّل جريدة سياسيّة تظهر في سوريا التي فيها ناقش وجادل بصبر طويل المساواة بين الطوائف الدينية والمعرفة التي تقود إلى التنوير وتضع حدّاً للخرافات. ومن أشهر إنجازات البستاني واليازجي إنشاء الجمعية الثقافية سنة 1847 وكانت مقتصرة على الأعضاء المسيحييّن، وبعد عشر سنوات تالية أصبحت تسمّى الجمعية الفنيّة السورية وأعضاؤها 150 عضواً من المسلمين والدروز والمسيحيّين. وكان إنشاء هذه الجمعية أول بيان ظاهري جامع للشعور الوطني، وكانت مرجع للحركة السياسية الجديدة التي أطلقت أول صرخة قوميّة، وفي عام 1868 كتب اليازجي قصيدة دعا فيها سادة العرب الحقيقيّين للإتحاد والتخلّص من ضغوط العثمانييّن واعتبرت هذه القصيدة كسلاح يستعمل في معركة القومية العربية الجديدة، كما ظهرت جمعيات أخرى عملت على إخراج السلطات التركية المحلية من خلال لصق الإعلانات على الجدران في بيروت ودمشق والسويداء وطرابلس، التي تدعو إلى مقاومة الأتراك، وكان هذا التحدّي للأتراك عمره قصيراً وصيحة حركة الفتيان العرب أخمدت في الحال بالتهديد التركي ولم تجد لها صدى معقولاً حتّى سنة 1908.

هكذا كانت الأحوال في سوريا الكبرى عندما صعد السلطان عبد الحميد إلى العرش سنة 1876 وهو آخر السلاطين العثمانيّين([91])، بالإضافة إلى ظروف السلطنة الداخلية المضطربة.

إنّ الصراع على السلطة، إضافةً إلى الفوضى المالية في الأمبراطورية العثمانية والثورات التي اشتعلت في البلقان، والإضطرابات التي حدثت في سوريا، دفعت الدول الأوروبية للتدخّل في أمور وممتلكات الإمبراطورية التركية واتخذت فرنسا وقوى أخرى مسيحيّة، المذبحة المسيحيّة التي حدثت سنة 1860 ذريعة للتدخّل في الإدارة الداخلية لسوريا، ولم يكتفوا بطرد الحاكم التركي الذي حرّض على المذبحة المسيحية، ولكنهم مدّوا شروطهم فيما بعد حدود الأرض على أنّه إذا لم يَحمِ الأتراك المجتمعات المسيحية سوف يقوم الأوروبيون بحمايتها، وأرسلت سفن حربية لحراسة مياه سوريا، ورست قوّة فرنسية في بيروت.([92]) إن هذه الحماية شكلت نواة يقظة للعالم العربي حيث تمّ من خلالها تأمين الحماية للطمحات المعرفيَّة، والتواصل مع الثقافة الغربية.

4-2 إصلاحات عثمانية تحت الضغط الأوروبي:

عقد مؤتمراً في القسطنطينية حضرته كلّ دولة مهتمة ” بالمسألة الشرقية ” ما عدا العثمانييّن أنّفسهم فإنّهم لم يدعوا إليه.

في مساء اليوم الذي عقد فيه المؤتمر لعب عبد الحميد لعبته: عيّن مدحت باشا، المقرّب من البريطانيّين، صدراً أعظم. وبينما كان سفراء أوروبا مجتمعين خطا السلطان خطوته الثانية، فقد أطلقت مدافع السفن العثمانية في القرن الذهبي مائة طلقة. بهت رجال الدولة المجتمعين، ولكن سير هنري إليوت، أكثر السفراء إطّلاعاً طمأنهم، وأخبرهم أنّ السلطان منح شعوب الإمبراطورية حقوقاً أكثر ممّا كان المؤتمر سيطلب للصرب والبلغار وأهل الجبل الأسود.

لم يكن الدستور الذي أقرّه عبد الحميد من النوع الذي يحتاج إلى إنتهاكه أوحتى إلى التبرّئ منه. لم تضعه جمعية تأسيسية بل لجنة وافقت على مسودّة أعدّها مدحت ثمّ قدّمتها إلى السلطان لتنقيحها أو رفضها. اتبع في وضع هذه الوثيقة نمط دستور 1831 البلجيكي، وظهر فيها تأثير ميثاق 1814 الدستوري الفرنسي (الذي أعاد آل بوربون) ودستور 1871 الألماني (الذي أسّس إمبراطورية بسمارك). إنّ الدساتير الأوروبية جميعاً نشأت من الدول المركزية. فالمادة 13 من الميثاق الفرنسي نصّت على أنّ شخص الملك ” مقدّس وله حرمته “([93])، وقد راق هذا النص لعبد الحميد كثيراً. ثمّ أنّ الدستور العثماني حول مادتين مهمّتين حفظتا سلطة السلطان، الأولى وهي المادة 113 أعطته حق نفي أي شخص يهدّد مصالح الدولة، والثانية أعلنت الإسلام دين الدولة العثمانية.

هاتان المادتان مكّنتا السلطان من إعلان الدستور العثماني لأنّ الأولى تكفلت بالتخلّص من الأفراد الخطرين كمدحت باشا، بينما أعطت الثانية الإسلام مركزاً خاصاً يبقي الأقليات المختلفة في أماكنها. إنّ الجماهير الإسلامية، كما أصاب السلطان في توقعه، ستؤيّده حتى النهاية. لم يكن الدستور خدعة كلّه، فقد حوى قيوداً قيّمة على سلطة السلطان، ونصّ على انتخاب جمعيّة وطنية من كل مناطق الأمبراطورية وفئاتها. لكن حتّى هذه الجمعية كانت محدودة المجال لأنّه كان للسلطان حق دعوتها إلى الإجتماع أو صرفها كما يرى ذلك ملائماً.

لم يعجب السفراء بالدستور ولكن أغضبهم أن يأتي إعلانه في فترة إجتماعهم، بيد أنّهم تابعوا مداولاتهم كأنّ شيئاً لم يحدث وكأنّ العثمانيّين يجب ألاّ يكون لهم رأي في مستقبلهم. وحين انقضى المؤتمر كان المؤتمرون قد تنازلوا لروسيا القيصريّة عن معظم ما طلبته على أنّ الدول ساعدت السلطان إلى حدّ ما، إذ أرته أنّه على حق في رأيه أنّ أوروبا عدوّة الإسلام، وأرت مدحت أنّه كان مخطئاً في ثقته بحسن نوايا أوروبا الغربية، وبذلك اقتربت نهاية الباشا.

استناداً إلى المادة 113 من الدستور، أمر عبد الحميد بوضع مدحت في باخرة وإرساله إلى أوروبا. وبعد بضع سنوات أرجعه إلى القسطنطينية، وجعله نجم الدفاع في قضية عمّه السلطان عبد العزيز التي أعيد النظر فيها، فقد غيرّ اثنان من الأطبّاء الذين وقّعوا التقرير الطبّي الأصلي رأيهما وأعلنا أنّ السلطان مات قتلاً، وأصدرت المحكمة (المؤلّفة من ثلاثة قضاة مسلمين وقاضيين مسيحيّين) حكمها بالإعدام على ثمانية من المتّهمين، ولكن السلطان عبد الحميد خفّف الحكم على مدحت إلى النفي إلى الطائف في الحجاز حيث كان من المؤكّد أن يهلك أو يقتل.

في غياب مدحت احترم عبد الحميد الدستور في بادئ الأمر. افتتح الجمعية في 4 مارس 1877 بخطاب قال فيه إنّه قرّر أن يؤسّس، على نفقته، مدرسة خاصة لتعليم الموظفين الإداريين لإعدادهم لأعلى المناصب الإدارية والسياسية، على أن يتمّ إنتقاء طلاّبها من بين جميع طبقات الرعية دون تمييز ديني، وأن تكون ترقيتهم بحسب كفاءاتهم.

كان النوّاب متحمّسين وهم يحيون مواطنيهم من مختلف أنحاء الأمبراطورية. رحّب الألبانيّون بالأكراد، والأرمن بالسوريّين، والتقى رجال الدين من شتّى الطوائف، وبحث الشعراء العرب وتجّار الحجاز في التربية والتجارة، واكتشف النوّاب جميعاً أنّ الأمبراطورية كانت تعاني الإنحطاط نفسه في كلّ أقاليمها. وجد السلطان وهو يراقبهم أنّ حديثهم حديث هواة، وأنّ علاجهم للوضع غير عملي. ولكن الجميع اشتركوا في اكتشاف شيء آخر خلال الأشهر العشرة التي تلت افتتاح البرلمان كانت الإمبراطورية محاصرة من روسيا. وحين تدفق المتطوّعون إلى القسطنطينية من كلّ أنحاء الإمبراطورية اكتشفوا فيما بينهم رابطة الدفاع عن الدين والدولة ضدّ المعتدين، وإذا رأى السلطان بلده في حالة حرب أمر بتعليق الدستور.([94])

احتفظ عبد الحميد، بولاء شعبه، حتى بعد أن اقتحم الروس ” بلفنا ” آخر حصن على الطريق إلى القسطنطينية في ديسمبر 1877. أثار مخاوف بريطانيا من التوسع الروسي، ودعا الأسطول البريطاني إلى البسفور لحماية المسيحيّين في مدينة مضطربة وفي الحقيقة لوقف تقدّم الروس والتهيئة لمؤتمر برلين في السنة التالية كان المؤتمر عملية إنقاذ، لم ترجع لعبد الحميد الكثير من أراضيه. وكان السلطان قد تنازل لبريطانيا عن جزيرة قبرص كي يكسب تأييدها. أمّا بريطانيا التي احتفظت بهذه الصفقة سرّاً فقد تنازلت لفرنسا عن تونس فدخلت إليها عام 1881 وبعد سنة استولت بريطانيا على مصر والسودان واعترفت فقط بالسلطة الإسمية للباب العالي. وأمّا النمسا فقد وضعت مقاطعتا البوسنة والهرسك تحت حمايتها، ومنحت رومانيا الإستقلال التام، بينما منحت بلغاريا إستقلالاً جزئياً.

لم تكن عملية الإنقاذ دائمة ولا شريفة، ذلك بأنّه لا يمكن أن يحقّق نجاحاً دائماً وشريفاً سوى تحوّل كلّي للمجتمع العثماني. إنّ أوروبا التي كانت متحدة يوم إجتماع سفراؤها في القسطنطينية أظهرت في مؤتمر برلين أنّها مجموعة دول بعضها عدو لبعض. أمّا بريطانيا التي أنقذت القسطنطينية فقد أصبحت، باحتلالها مصر وتأييدها كلّ أقليّة في الأمبراطورية العثمانية، ألدّ أعداء السلطان، لذلك تحوّل عبد الحميد نحو ألمانيا، فوصلت إلى كولمر فون درجولز، بعد أن تقرّر أن يجدّد المستشارون الألمان جيش السلطان خلال فترة خمسة عشر عاماً.

تزايد اعتماد عبد الحميد على الألمان في الآلات اللازمة لأمبراطوريته. في سنة 1888 تم وصل برلين وفيينا بالقسطنطينية بخط حديدي، وأعطيت الشركات الألمانية بعد ذلك امتيازات لمد خطوط حديدية تشقّ الأناضول ثمّ العراق إلى البصرة على الخليج الأمر الذي أفزع بريطانيا على أنّ المشروع الذي استأثر باهتمام السلطان هو الخط الحديدي الذي وصل دمشق بالمدينتين المقدّستين في الحجاز، إنّ هذا الخط الذي لم يكتمل في زمن عبد الحميد قد اختصر الرحلة إلى الحجاز، التي كانت تستغرق فيما مضى أربعين يوماً على ظهور الجمال واثني عشر يوماً بالباخرة عبر قناة السويس، إلى خمسة أيّام فقط بالقطار داخل الأراضي العثمانية كلّها. وقد تبرّع بجزء من نفقات هذا الخط المسلمون الذين رأوا أنّ القطار يسهل عليهم أداء فريضة الحجّ.

لعلّه من أجل توكيد تقويم السلطان لقوّة الإسلام أن وقعت حوادث مثيرة تزامنت مع احتلال مصر ووصول بعثة التدريب الألمانية. شبّت في السودان ثورة المهدي التي نجحت حيث فشل عرابي في مصر، وأثبتت أنّ الإسلام يستطيع دون مدافع حديثة أو خطوط برق أن يكون في القرن التاسع عشر قوّة لا تقاوم كما كان في القرن السابع.([95])

لقد أدرك السلطان قوّة الإسلام ولم يُعِرْ اهتماماً للدساتير وللتحوّل الديمقراطي. وقد أتى انتصار المهدي تأكيداً لإدراكه بيد أنّه لم يكن في مقدوره هو وأعوانه تقليد اندفاع المهدي لأنّه كان على رأس مجتمع عرف أنّه في وضع دفاعي.

فهذه الصورة المهترئة للأمبراطورية العثمانية من فساد ورشوة وعجز مالي وثورات قوميّة إنفصالية مدعومة من الغرب وأخرى مقاومة للإحتلال الأجنبي ونفوذ أوروبي واسع. ممّا دفع السلطان عبد الحميد لتجديد نفوذه الروحاني في العالم الإسلامي وكسب المسلمين في صفِّه.

وهكذا صار عبد الحميد تقياً وحرَّم شرب الخمر في بلاطه ورجال الدين صاروا أصحابه المستديمين وبدأت الكليّات تُدرّس فيها علوم الاسلام الدينية وتدريب الارساليات الاسلامية ولحساب العرب عيَّن عزت باشا من سوريا سكرتيراً له، وعيَّن قادة عرباً آخرين في أعلى المناصب الحكومية واختار حرّاسه الخاصّين من العرب والألبان لأنّهم غرباء عن القسطنطينية وأبعد ما يكونون عن التآمر عليه. ولكن بالرّغم من هذه التقاوة إتَّبع عبد الحميد طُرقاً منحرفة فلقد استخدم جيشاً من ثلاثين ألف جاسوس لتحريض القبائل وإثارة الفتنة والحروب بينها واغتيال  كل من يسبّب المتاعب.

4-3 مطالبة العرب بالإستقلال ومقاومة الطغيان:

بالنسبة للجمعيّات العربية في تلك الفترة لا نستطيع أن نقول أنّها كانت ممّن يسبّب المتاعب للسلطان، كالجمعية العلمية السورية وغيرها من الجمعيّات التي حملت على المطالبة باستقلال سوريا والمطالبة بجعل اللّغة العربية هي اللغة الرسمية في القطر حيث أنّها لم يكن لها أي  تأثير يذكر، فعندما قام مندوبو السلطان باقتفاء أثر الخارجين عن القانون لم يكن هناك أيّ ردّ فعل. وفي ذلك الوقت قام كاتب سوري هو عبد الرحمن الكواكبي من عائلة مسلمة معروفة من (البيرة Aleppo) ونشر كتابين وهاجم حكم العثمانيّين، وطالب بحركة عربية تقوم برسم خطّة الإستقلال ولكن خطبه الحماسية فشلت في إثارة رد فعل عربي له مغزى. وفي الحقيقة في هذا الجزء المحكوم بواسطة الباب العالي لم تحدث أي متاعب خطيرة.. فقط اليمنيون لم يعترفوا بأيّ سلطة للعثمانيّين عليهم منذ القرن السابع، وفي هذا المجال كسب اليمنيّون من نظام عبد الحميد كثيراً من الحكم الذاتي، أمّا الأقاليم العربية الأخرى كانت تخضع لحكم السلطان العثماني حيث قامت الحركة القومية العربية لمقاومة طغيان عبد الحميد ودفنت بسياسته العربية. ولهذا لم تكن مفأجأة إن كل المجهودات الشاقة التي قام بها اليازجي والبستاني وأتباعهما خمدت في النهاية.([96])

4-4 اليقظة التركية:

جاء تداعي السلطان عبد الحميد بتأثير من الأتراك وليس بتأثير من العرب([97]) ومع أنّ عبد الحميد كان لا يزال محاطاً بالرهبة في نظر ملايين المسلمين، العرب منهم والأتراك على السواء، إلاّ أنّه بدا لرعاياه المتعلّمين طاغية. إستخدم ألف عين وأساء إستعمال الإسلام في دعم حكمه الرجعي. أثبت صغار الموظفين أنّهم ألد خصومه، وكانوا يديرون البرق والبريد والسكك الحديد التي أراد السلطان أن يربط بها إمبراطوريته، تخرّج كثيرون منهم من كليات عسكرية زودتهم بأفضل تربية علمانية في أيّامهم، وتشرّب الثوريون القيم الغربية من أجانب عاشوا بينهم، أو من معلّمين أميركيّين أو فرنسيّين في مدن كالقسطنطينية وبيروت، أو من زياراتهم للخارج. عرف الأوروبيون حركة هؤلاء الشباب بإسم ” تركيا الفتاة “، أطلقه عليهم في فرنسا أمير مصري. إنّ الشباب الذين كانوا يجتمعون في المقاهي ليبحثوا في الأسباب التي جعلت إنجلترا وفرنسا متقدّمتين كثيراً على الشرق، والذين كانت الشرطة السريّة تلقي القبض عليهم فلا يكفون عن البحث في السجن، توّاقين إلى توحيد عناصر الإمبراطورية المتنافرة وإعادة تنظيمها بحيث تصبح قوّة في الشرق الأوسط تعمل في سبيل التقدّم. وصف مستقبلها الكاتب التركي ضيا جو كالب خريج الكلية العسكرية بقوله: ” إنّ البلاد العثمانية ستصبح أميركا الشرق الحرّة التقدّمية “([98]). كما أنّ أهالي نيو إنجلند وتكساس يشعرون أنّهم أميركيّون، كذلك على الترك والعرب واليونان والأرمن أن يشعروا أنّهم عثمانيّون.

انتشرت في أنحاء الأمبراطورية فرق تبشّر بهذه المثل النبيلة. أمّا الجماعة التي رتبت ثورة 1908، وسيطرت على الأمبراطورية عشر سنين، فهي ” جمعيّة الإتحاد والترقّي ” التي أُلِّفت في سلانيك أقرب المدن العثمانية إلى الغرب، وأكثرها تأثّراً به.

شكَّت لجنة الإتحاد والترقّي في سنة 1908 أنّ السلطان يوشك أن يبطش بها، فبدأت ثورة انتشرت بسرعة في أنحاء الأمبراطورية بفضل مصلحة البرق التي أسّسها عبد الحميد. وكانت قد أسّست فروع للجمعية في كلّ المدن الكبيرة. كان طلب التغيير شديداً إلى حدّ أنّ عبد الحميد وافق فوراً على طلب اللجنة ألا وهو إرجاع دستور مدحت. قال إنّه كان ينوي إرجاع الدستور طوال الوقت، ورحّب شخصياً بأعضاء الجمعية في البرلمان.([99])

قوبلت هذه الثورة بترحيب وابتهاج شديد في الأقاليم العربية في الإمبراطورية، وكما يبدو أنّ الشبّان الأتراك قاموا بالعمل الذي خشى القادة العرب القيام به أو الشيء الوحيد الذي يهمّ العرب هو أنّه حدث تغيير، وتخلّصوا من النظام القديم، والذي حلّ مكان النظام القديم ليس مهمّاً([100]). وتكوّنت جمعية عربية بمباركة وقبول (جماعة الإتحاد والترقّي)  لتوحيد العناصر للإخلاص للسلطان([101])، وحصل حادثان في شهر واحد دلاّ على تلك الروح الأخويّة، افتتاح سكّة حديد الحجاز التي ربطت دمشق بالمدينة وتعيين الشريف حسين أميراً على مكّة. فالسكّة الحديد كانت نافعة لأنّها مكّنت العثمانيّين من جنود ومدنيّين من الوصول إلى المنطقة الغربية من صحراء العرب دون المرور بقناة السويس التي يسيطر عليها الإنجليز وجعلت الحج آمن وأقلّ كلفة. أمّا تعيين أمير جديد على مكّة فقد كان من نوع إرجاع الشيء إلى أصله. أمضى الشريف حسين خمس عشرة سنة ضيفاً سجيناً عند عبد الحميد عاش في القسطنطينية عيشة هدوء وورع مشرفاً على تعليم أكبر أبنائه: علي وعبد الله وفيصل، انتخب عبد الله لتمثيل مكة في البرلمان العثماني الجديد، ثمّ نائباً لرئيس البرلمان، وانتخب فيصل لتمثيل جدّة.([102])

ولمدّة قصيرة تبدّد أمل الأقليّة من السوريّين الذين بقوا متخصّصين في المطالبة بمبدأ الحكم الذاتي للعرب.

4-5 التناقض بين العرب والترك:

شهر العسل للعلاقة بين الشبان الأتراك والعرب أصبح بارداً بسرعة في أوّل إنتخاب عقد في ظلّ الدستور، اكتشف العرب كيف هي حريّة النظام الجديد، حيث استنبطت أن (جماعة الإتحاد والترقّي) نتائج الإنتخابات التي أعطت 150 كرسيّاً للأتراك في البرلمان و 60 كرسياً للعرب بنسبة 5 إلى 2 في صالح الأتراك بينما في تعداد السكّان بنسبة ثلاثة إلى اثنين، كانت في عهد السلطان عبد الحميد لا تتجاوز الثلاثة كراسي للعرب ضد أربعين للأتراك. فاستعملت جماعة الإتحاد والترقّي التي لم يعجبها هذا الأمر، استعملت الدستور لجعل نتيجة الإنتخابات كما يريدون، وبدأوا يضعون على الأقاليم العربية نظام حكم مركزي محكم أكثر من الذي كان موجوداً في عصر السلطان عبد الحميد. فقد قادة المسلمين العرب آخر أمل في الحصول على حقوقهم وقامت حركة القومية العربية مرّة ثانية، وهذه أول مرّة تبدأ بعد اليازجي والبستاني ومعظم أعضائها الرئيسيّين من المسلمين وتكوّنت جمعيّات عربية سريّة بين سنة 1909 وسنة 1911 وكانت أهمها  ( القحطانية) وهو تنظيم كرّس لفكرة الازدواج بين الأتراك والعرب، فالجزء العربي يتمتّع بالحكم الذاتي، وجمعيّة أخرى تسمّى (الفتاة) التي تطالب بحكومة عربية للعرب في الأمور كلّها فيما عدا الأمور الخارجية، والدفاع الوطني، والتمست جمعيّة الفتاة وتسلّمت من المجنّدين فيها عهد الإخلاص حتّى الموت. وبالرّغم من هذه الاحتياطات إلا أنّ جواسيس جمعيّة الإتحاد والترقّي استطاعت أن تخرقها، فاضطرّت هذه الجمعية لإيجاد مأوى آمن لها في باريس للاستمرار في عملها. وهناك في أبريل 1913 عقد مؤتمر نوّاب عربي طرح على بساط البحث مطلب العرب وحاول الباب العالي إيقافه، لكن عندما رفضت السلطات الفرنسية التعاون مع الباب العالي أرسل مندوب سرّي ليتفاوض مع المؤتمرين، وكانت النتيجة التي أكّدتها إسطنبول أنّ اللغة العربية ستصبح اللغة الرسمية في الأقاليم العربية في الإمبراطورية ويلزم تعليمها في المدارس، والعرب سيمثّلون في مجلس الوزراء السلطاني، ويجب أن تكون لهم الكلمة الأولى في حكوماتهم المحليّة. وكان هناك وعد غير واضح أن يجعل إدارة الأقاليم العربية غير مركزية وغير تابعة للإدارة الأميرية.

وفي أغسطس من نفس السنة أصدر الباب العالي أمراً رسمياً بالتظاهر باعتماد إتفاق باريس إلاّ أنّه نقض أهم شروطه وبالأخصّ اللغة العربية.([103])    

 4-6 التحوّل إلى الديكتاتورية والعنصرية:

لقد بدأت الثورة في 24 يوليو 1908 وخُلِع السلطان عبد الحميد في أبريل 1909 وتسارعت وتيرة الأحداث في 1911 حيث غزا الإيطاليّون ليبيا آخر ممتلكات العثمانيّين في شمال أفريقيا وفي 1912 أوقفت دول البلقان ما بينها من مشاحنات وتقدّمت نحو ما أملت أن يكون ضربة قاضية، ودعم هجماتها استمرار البرود الأوروبي نحو أحلام جمعيّة الإتحاد والترقّي، كثيرون من الشباب الأتراك تعلّموا أن يعتقدوا أنّ السرّ في الرقي الغربي هو الرأسمالية المتحرّرة والعمل الحر، وانتظروا أن تساعد أوروبا النظام الجديد في القسطنطينية ولكن خاب أملهم، لم يجدوا مساعدة ولا تساهلاً وعلى الصعيد السياسي رفضت بريطانيا السماح للأتراك باستعمال مصر قاعدة لمساعدة ليبيا.

وفي سنة 1913 تحوّلت الجمعية المهزومة إلى دكتاتورية، ترأس أنور باشا الألمعي الضعيف الرأي، حكومة ثلاثية، العضوان الآخران فيها هما جمال باشا الصارم وطلعت باشا المُجِدّ، وكان شعارها الوحدة قائمة على سموّ العنصر التركي.([104])

نشأ على أثر ذلك التشريك، أو العنصرية التركية، ولم تكن أقل من العنصرية الألمانية في فيينا حيث اصطدم الألمان بالصرب، كذلك استمدّت العنصرية التركية من وسط آسيا حيث اصطدمت الشعوب التي تتكلّم التركية بروسيا الآخذة في التوسّع، ومن سلانيك على البحر الإيجي. وكما كثب هيوستن ستيوارت تشيمبرلين، الذي أصبح إنكليزياً، كتاباً مدرسياً عن العنصرية الألمانية، كذلك كان أول دعاة التتريك غير أتراك. ومن السخرية أنّ ثلاثة من دعاة العنصرية التركية المهمّين كانوا يهوداً أوّلهم آرثر لملي ديفيدز الذي وضع كتاب نحو باللّغة التركية حوى مقدّمة حاول فيها أن يبرهن أنّ الأتراك لا التتار كما عرفوا خطأ، هم الذين كانوا جزءاً من العنصر القفقاسي. والثاني أرمينيوس فامبري، الذي لم يكن صديقاً لتيودور هيرتزل فحسب بل أيضاً لعدد من المنفيّين الأتراك، تجوّل كثيراً في مناطق آسيا الوسطى التي يتكلّم أهلها اللّغة التركية فأثارت وقائع رحلاته الإهتمام في القسطنطينية وسلانيك. أمّا الثالث، ليون كاهون، فقد كان روائياً معجباً بجنكيز خان، وهو واضع نظرية تقول أنّ العنصر الطوراني الأصلي قد سبق قادمين كالسلت واليونان واللاتين. وقد كان كاهون، كفامبري، متحرّراً متحمّساً.

كانت الأفكار التي تشدّد على العرق واللغة غريبة عن أتراك الإمبراطورية العثمانية الذين يرون أنفسهم تقليدياً مسلمين فقط. أمّا لغتهم فكانت مزيجاً من التركية والعربية والفارسية كاللّغة الإنجليزية الحديثة التي هي مزيج من الأنجلو – سكسونية واللاتينية والفرنسية. ولكن استهوى آخرين من المفكّرين الأتراك مثل أحمد وفيق باشا حفيد يوناني اعتنق الإسلام، ومصطفى جلال الدين باشا وهو بولوني اعتنق الإسلام أيضاً. بدأ الأول طريقة الكتابة بلغة تركية بسيطة بدلاً من العثمانية المنمّقة، وكي يُظهر الفرق ألّف قاموساً تركياً – عثمانياً. وحاول الثاني في تنقيحه نظرية كاهون أن يبرهن أنّ الأتراك كانوا العرق الأصلي الذي جاء منه الأوروبيّون جميعاً، ووصف هذا العرق بأنّه ” طوراني – آري “. وتمثّل سياسة التحول إلى الغرب بالنسبة إليه عودة طبيعيّة إلى الأصل لشعب أصبح مشتبكاً، لسوء حظّه بثقافة الشرق الأوسط السامية.([105])

هذه العقائد – التي كوّنت مبرّراً سهلاً للفشل التركي – انتشرت بسرعة مشؤومة. لم يعد ضيا جو كالب يتصوّر أميركا الشرق الأوسط، بل أصبح يرى الأتراك شعباً منفصلاً وقابلاً للانفصال، مقيّداً بثقافة غريبة احتفظت بها طبقة الأفنديّة العليا لنفسها. إنّ الفجوة بين طبقة عليا وطبقة سفلى ليس، طبعاً ، خاصاً بتركيا، فقد كتب دزرائيلي ” لشعبين” في إنجلترا. على أن التفاوت بين الأتراك كان أشدّ كثيراً لأنّ ثقافة النخبة كانت أكثر غرباً، فقد استعار الأتراك ” مؤسّسات شعوب أجنبية وانتجوا منها حضارة زائفة بدلاً من خلق حضارة خاصّة بتطوير مؤسّساتهم الخاصّة “.

كان جو كالب يشير إلى شعبين أجنبيّين هما العرب والفرس. فالأتراك باعتناقهم الإسلام ربطوا أنفسهم إلى جهازه الواسع، تأثّروا كثيراً في رحلتهم غرباً عبر فارس بثقافة الهضبة الإيرانية القويّة، وأخذوا من العرب والفرس كثيراً من نحوهم ومفرداتهم. طالب جو كالب بنبذ ما أُخِذ عن الأجانب والعودة إلى المصادر التركية الصافية. كان جو كالب إنسانياً، وقد أكّد العنصرية التركية لأنّه شعر أنّ قومه كانوا ثقافيّاً محرومين. لم يتنكّر للثقافة الإسلامية ولكنّه طالب بدراسة دقيقة  للمؤسّسات الإسلامية والتاريخ الإسلامي كي تستطيع الحضارة التركية في نشوئها أن تقتبس ما يفيدها.

4-7 صراع القوميات في الأمبراطورية العثمانية:

عقولاً أقلّ دهاءً اندفعت إلى استنتاجات أكثر قسوة. بدلاً من النحو الأجنبي والأوزان الأجنبية أردوا أن يكبتوا الشعوب الأجنبية باعتبارها منحطّة أو هدّامة. إنّ العنصرية التركية التي أيّدتها دكتاتورية تركيا الفتاة أظهرت ارتداداً إلى كثير من أشكال القومية تبدأ كمحاولة كريمة لخدمة ما هو حسن في مجموعة ما والمحافظة عليه وتنتهي بتأكيد تفوّق تلك المجموعة([106]). لقد أخذ موقف كثيرين من المسؤولين العثمانيّين يتغيّر فبدلاً من معاملة العرب والأكراد كإخوة مسلمين، تصرّف بعضهم كمُنحطّين مسيطرين مؤكّدين على تمايز وتفوّق العنصر التركي ما جعل الإمبراطورية العثمانية تواجه صراعاً نهائياً مع صدوع رأسية في الوحدة الوطنية فالإمبراطورية العثمانية التي جمعت العديد من القوميّات والتي قاومت انفصال هذه القوميّات عنها، أضحت مع الحركة الطورانيّة قومية منفصلة تتغنّى بتفرّدها وتميّزها وتفوّقها على باقي القوميّات حتّى صحّ القول بأنّه زمن الثورات القومية المرتكزة على العنصرية تارة وعلى الرابط الديني تارةً أخرى ولا تمتّ بصلة ولا بتشابه مع ظهور القوميّات الوطنية في العالم الغربي المرتكزة على الجامع الوطني والحقوقي والدستوري، وهذا هو أساس الرابط القومي وأساس الفكرة القومية وليس أيّ رابط آخر.

5- الثورة العربية ومحاولة بناء دولة موحّدة:

لقد كان الإسلام رابطاً أقوى من الرابط القومي في المنطقة العربية، ولقد عمل هذا الرابط باتجاه مخالف لفكرة إنشاء دولة عربية مستقلّة. لكن تذمّر العرب من الإمبراطورية التركية والشعور بالتأخّر والعجز في وجه الغرب المتمدّن، والتوق إلى الرقيّ على أساس غربي حيث تمّ التعبير عن هذا التوق بإنشاء المدارس والكليّات الغربية وخصوصاً الأميركية في المدن العربية. وسفر الشباب إلى المدارس والجامعات الأوروبية حيث أعجبوا بالمنجزات الغربية حتّى وهم يقاومون سيطرة الغرب. كلّها عوامل دفعت لبلورة فكرة القومية العربية. بدعم من الغرب المسيحي ومواجهة مستميتة مع السلطان العثماني المسلم في حربه الجهاديّة ضد الدول الغربية.

5-1 علاقة الشريف حسين ببريطانيا:

كان المخطّط الأوّل للثورة العربية ” إيرل كتشنر ” وهو من أعظم رجال بريطانيا العسكريّين الذي غرق يوم بدأت تلك الثورة. فعندما اغلق الأتراك مضيق الدردنيل، لم يبقَ أمام الحلفاء سوى طريق القطب الشمالي إلى روسيا الغربية، وهو طريق بحري خطِر ولا يُعتمد عليه. في 5 يونيو 1916، بينا كان الطراد هامبشير يشقّ طريقه شمالي اسكتلندا وعلى ظهره الفيلد مارشال إيرل كتشنر، غرق دون أن يعثر عليه.

في اليوم الذي غرق فيه كتشنر قام جيش عربي مؤلّف من 1500 رجل، على بعد أكثر من ألفي ميل إلى الجنوب الشرقي، بإطلاق النار في الهواء من بنادق قديمة في الصحراء ذلك بأنّ أمير مكّة أعلن أنّ العرب لم يعودوا رعايا السلطان العثماني.

فكانت ثورة العرب الأولى في عهد التمدّن الحديث([107]). وبعد خمسة أيّام فوجئت الحامية التركية بهجوم بالبنادق على المباني الحكومية. وفي اليوم نفسه هجمت قوّة عربيّة أخرى على مدينة جدّة الواقعة على ساحل البحر الأحمر، وتقدّمت السفن الحربية والطائرات البريطانية لمساعدتها، وكان الفضل في التخطيط الدقيق لـ رونالد ستورس، السكرتير الشرقي في القاهرة الذي خلف هاري بويل، والمقدّم كلايتون مدير الإستخبارات العسكرية بمساندة الشريف الحسين بن علي من بني هاشم، الذي يرجع نسبه إلى الشهيد الحسين بن علي، وأصبح شريف مكّة العظيم أيّام السلطان عبد الحميد. أُجبر هو وأبنائه الأربعة: علي، عبد الله، فيصل وزياد، للعيش والاستقرار في أسطنبول حسب أوامر السلطان لأنّه لا يثق في هؤلاء الهاشميّين الذين أُخبر عنهم أنّهم أشدّ المتحمّسين للقومية العربية ولا يقبلون التسوية بأنصاف الحلول. ولم يجرؤ السلطان تنفيذ حكم الإعدام فيهم لانحدارهم من السلالة الطاهرة، سلالة النبي ولكن وضعهم تحت أعينه في بلاطه.

ولكن الشبّان الأتراك رأوا فيه، الرجل الشيخ المؤدّب المحترم الذي سوف يعطي حركتهم التأييد في تعيينه في وظيفة حكومية عالية في الأقاليم العربية، والتقاليد القديمة تتطلّب أن يكون شريف مكّة هاشميّاً منحدراً من سلالة النبي.

ولكن جمعيّة ” الإتحاد والترقّي ” تحقّقت بسرعة أنّها ارتكبت خطأً كبيراً بتعيينها الحسين بن علي شريفاً على مكّة، لأنّه بدأ بتأمين سلطانه على كلّ قبائل الحجاز خارج مكّة، ورؤساء القبائل قبيلة تلو أخرى أعلنوا ولاءهم للحسين، قبيلة عتبية وقبيلة حرب وقبيلة جهينة وقبيلة بن عطية وقبيلة حويطاط، وأعلنوا جميعهم الولاء للحسين وحمايتهم له.

أعلن الشباب الأتراك الذين زكّوه أنّ الحسين والحجاز تحت سيطرتهم وليست من أملاكه وسكّانها معرّضون للتجنيد في الجيش التركي، ولكن الحسين لم يوافق على هذه التعليمات، ولذلك أرسل الشبّان الأتراك حاكماً عاماً للحجاز ليحلّ محلّه، عندها هدّد الحسين بقيام القبائل بثورة ضدّ الحاكم الجديد ولذلك أُجبر الحاكم الجديد على الرجوع عن قراره.([108])

هكذا كانت بداية عام 1914 نقطة الغليان لثورة القومية العربية، ووجد الشريف حسين نفسه في وضع استراتيجي ومُسلّح بالسلطة الروحية اللاّزمة وبتأييد القبائل ليتخلّصوا من عبودية الأتراك وإقامة دولة عربية مستقلّة، بمساندة القوى العظمى في العالم، لهذا سلك الحسين طرق إغراء الإنكليز، لأنّه عندما كان مجبراً للإقامة في اسطنبول، كوّن إدارة قويّة وعلاقات دبلوماسية مخلصة مع الإنجليز وكان رسوله المختار ابنه الثاني عبد الله الذي كان نائباً في البرلمان التركي، ويبلغ من العمر ثلاثين عاماً، وكان داهية في السياسة وكانت رغبته العميقة في الإستقلال تجعله يرفض أيّ محاولة من الأتراك الشبّان للتحالف معهم بتقديمهم له أعلى المناصب في الحكومة.

في أوائل 1914 كان كتشنر المخطّط الأول للثورة العربية مقيماً في الوكالة البريطانية في القاهرة، وفي أحد أيّام فبراير فتحت بعد الظهر بوابة الوكالة لأمير من مكّة كان الأمير عبد الله، أبرع أبناء الأمير حسين شريف مكّة، وقد مرّ بمصر في طريقه إلى القسطنطينية ليقوم بواجبه كعضو في البرلمان العثماني، ونزل ضيفاً على الخديوي عبّاس، وقد جاء إلى الوكالة البريطانية ليرد زيارة كتشنر له في القصر الخديوي.([109])

أثناء الزيارة أثار عبد الله قضيّة الحجاز فلقد كان رجال تركيا الفتاة الذين كانت خطّتهم تجديد الإمبراطورية، يريدون توسيع سكة حديد الحجاز بمدّها من المدينة إلى مكّة ومدّ فرعين لها من المدينة إلى ينبع ومن مكة إلى جدّة، بيد أنّ الأمير حسين يعارض توسيع السكة لأنّها تقوي سيطرة الأتراك على مكّة.

كما انتهز عبد الله فرصة هذه الزيارة فوجّه إلى كتشنر السؤال الصريح التالي: ما هو موقف بريطانيا من ثورة عربية؟

كان عبد الله الإبن الثاني لرئيس ديني، إدعاءاته أكثر من قوّته، أمّا كتشنر، الإيرل والفيلد مارشال، فقد كان أهم حاكم في الشرق الأوسط، لا يستطيع أن يجيب عن سؤال صريح بصراحة، ولذلك اكتفى بقوله أنّ الصداقة التقليدية بين تركيا وبريطانيا تجعل من المستحيل على البريطانيّين أن يتدّخلوا في شؤونها الداخلية، والإضطراب في الحجاز شأن داخلي.

بيد أنّ عبد الله في ردّه على هذا الجواب الرسمي ذكّر كتشنر بما قامت به حكومة الهند البريطانية من بسط حمايتها على الكويت وقال: ألم يكن ذلك تدخّلاً في الشؤون العثمانية ؟

انتهت المقابلة دون أن يعد كتشنر بشيء، على أنّ كتشنر كان يعرف العالم الإسلامي.([110])

شاهد كتشنر الخطر المتنامي من تطوّر العلاقات الألمانية مع أقاليم الباب العالي. واعتبر أنّ هناك احتمالاً في حالة قيام حرب بين بريطانيا وألمانيا أن تدخل تركيا الحرب في جانب ألمانيا وتعلن الجهاد ضد احتلال الكفرة أراضي المسلمين، وبما أنّ كتشنر قضى وقتاً طويلاً في مصر والسودان، أثناء وقبل الثورة المهدية أخذ يرسم الصورة: لو أنّ العرب استجابوا لهذا النداء سوف يكون موقف بريطانيا في مصر وعدن، وكذلك تحالفها الجديد مع فرنسا في الجزائر وتونس موقفاً حرجاً، لذلك أخذ كتشنر ينقب عن هذا الإحتمال بإمعان، ولكن تقارب الحسين بدّد هذا الإحتمال. ولكن الأتراك كانوا يبذلون كلّ جهودهم لكسب الحسين بن على أكثر من كسب أي رمز آخر من الرموز العربية، لأصله النبيل ولتأمين دعوتهم للجهاد ويعلمون أنّ تحالف الحسين مع بريطانيا سوف يحطّم خططهم للجهاد.

لطالما أرعب البريطانيّين والفرنسيّين ما قد يحدث إذا ما أحيا السلطان العثماني الجهاد كما أحيا الخلافة، لهذا أرسل كتشنر رولاند استورس القنصل الخاص بالشرق الأوسط في الوكالة البريطانية ليرد الزيارة للأمير عبد الله ووالده ويحيطهم علماً بما يجري في الساحة الدولية، وتكلّم الأمير عبد الله بصراحة عن استعدادات والده وطلب من رولاند تسليح القبائل ببنادق ميكانيكيّة حديثة، لكن رولاند رفض الطلب للأسباب الدبلوماسية السابقة. ولم ينتظر الأمير عبد الله ووالده طويلاً، فمع بدء اشتعال الحرب بين بريطانيا وألمانيا أصبح كتشنر وزيراً للخارجية لشؤون الحرب في مجلس الوزراء البريطاني. وأرسل رسالة إلى عبد الله مفادها أنّ بريطانيا تحتاج إلى مساعدة العرب للتحالف معها. وهذه هي الفرصة التي كان ينتظرها الشريف حسين، لكن وجهة نظره لم تقابل بالقبول من كلّ أبنائه ووصلت رسالة كتشنر مكة في منتصف أكتوبر 1914 للترحيب بانضمام الشريف إلى بريطانيا وسبّبت هذه الرسالة مشكلة للحسين، فبالرّغم أنّه يفضل بريطانيا إلاّ أنّه كان صعب عليه أن يستقر على رأي لأنّه كان يصله المال على الأقلّ من ثلاث جهات (علاوة على المخصّصات العثمانية وما يتقاضاه من بريطانيا لقاء الأتعاب، ظلّ حتّى منتصف 1915 يتلقّى مساعدة مالية من ألمانيا). لقد كان لأبناء الحسين رأي في هذا الموضوع. عبدالله الذي أيد والده وأخبره أنه من خلال إتصالاته بجمعية الفتاة وجمعية العهد، أنّه لو صار الأتراك في حالة حرب سوف تقوم سوريا والعراق بإعلان استقلالهما بالسيف واقترح أن يتبع رسالة كتشنر على أن تضمن بريطانيا استقلال العرب إذا انضمّ الشريف حسين إلى بريطانيا وهزمت تركيا.؟([111])

أمّا فيصل، كان مديناً بكلّ ما يعرفه عن العالم للقسطنطينية حيث كان عضواً في برلمانها، ومطّلعاً على ما جرى في العالم في العقدين السالفين، رأى أنّ بريطانيا وفرنسا قد احتلّتا مساحات واسعة من العالم الإسلامي، وأنّ من المزعج جداً أنّهما لا تزالان تريدان المزيد، لذلك اقترح أن يتجرّع العرب مظالمهم وأن يحاربوا بإخلاص إلى جانب أخوانهم الأتراك المسلمين، فإن انتصروا كافأهم الأتراك بتلبية مطاليبهم المعقولة، وقد تتحوّل الأمبراطورية إلى مملكة مزدوجة تركية عربية، وأن خسروا قاتل الشعبان معاً عدوهما المشترك، وأكّد لوالده أنه مقتنع تماماً أنّ بريطانيا وفرنسا مصمّمتين على أخذ سوريا والعراق عندما يخرج منها الأتراك.

5-2 الشريف حسين يشترط دعم استقلال العرب:

إزاء الرأي المنقسم لابناء الشريف حسين، تريّث الشريف حسين وجاوب كتشنر أنّه سوف يكون من الممكن أن يقود فوراً أتباعه للثورة ضد الأتراك شرط أن تعطي بريطانيا وعداً بمساندة مؤثرة لاستقلال العرب، وكان جواب كتشنر لهذه الملاحظة في 13 أكتوبر 1914، أنّه في اليوم الذي تدخل فيه تركيا الحرب مع ألمانيا ضد بريطانيا، ففي مقابل مساندة الشريف حسين لبريطانيا ضدّ الأتراك فإنّ بريطانيا تضمن موقع الشريف العظيم وسوف تساند مجهودات العرب لنيل حريّتهم، كما كان هناك اقتراح أنّ بريطانيا ممكن أن تعترف بالشريف حسين كخليفة للمسلمين لو أعلن هو ذلك، وبهذا التشجيع الكبير جاوبه الشريف حسين وبدون مرواغة كما كان من قبل.

وأشار أنّه عندما يجمع قوّاته سيقوم بالثورة ضدّ الأمبراطورية العثمانية في أول فرصة. وبعد تأكيدات كتشنر للشريف وفي خلال أيّام قليلة من إعلان بريطانيا الحرب على ألمانيا فعل الباب العالي ما كان منتظراً أن يفعله، ففي نوفمبر 1914 أعلنت السلطة الدينية في القسطنطينية الجهاد، حاول الأتراك كسب موافقة ومشاركة الشريف حسين لينضمّ إلى الحرب المقدّسة، وحتى انّ جمال باشا الحاكم التركي الطاغية والحاكم العام على سوريا الكبرى أغمض عينيه عن الخطط التي كان يرسمها قادة القومية العربية في سوريا لخوفه من إزعاج الشريف حسين وأصدقائه ولكن كل هذه المجهودات بالنسبة للشريف حسين ذهبت سدى، أمّا بالنسبة لبعض قيادات المسلمين فقد لبّت نداء الجهاد.

لقد تعامل الحسين بن علي شريف مكّة مع الأتراك بحكمة وجاوب على حق إنفار باشا رئيس وزراء تركيا، وكذلك جمال باشا في سوريا للدخول في الحرب المقدّسة، وقال أنّه يرغبها ويتمنى لها النجاح، ولكن لا يستطيع أن يظهر ذلك لأنّ بريطانيا سوف تحاصر شواطئه وتجعل المجاعة تنتشر بين شعبه، وفي الوقت نفسه حشد قوّاته وأكّد للأتراك بأنّ رجال القبائل يتدرّبون وسيحاربون إلى جانبهم ليهزموا البريطانيّين الكفرة. ولم يأخذ الأتراك وقتاً طويلاً ليعرفوا من خلال أفعال الشريف حسين ما في نيّته.

دبّر فيصل ابن الحسين الإتصالات اللازمة مع الجمعيات السريّة العربية.

كانت النتيجة من هذه المباحثات بأنّ الجمعيّات السرّية لن تقوم بأيّ ثورة مفتوحة ضدّ الأتراك لحساب الإنجليز والفرنسيّين بدون ضمان إنجليزي واضح يضمن ويعترف باستقلال الأقاليم العربية. أصرّ السوريون – والكلمة تشمل جميع أولئك الذين يعيشون في سوريا وفي لبنان وفلسطين وشرقي الأردن – على استقلال العرب في كلّ المنطقة التي يكوّن المتكلمون بالعربية أكثرية سكّانها وعيّنوا حدودها كما يلي: شمالاً خط يمتد من مرسين عبر جبال طوروس وهضبة الأناضول إلى حدود إيران، شرقاً الحد الذي كان قائماً بين الإمبراطورية العثمانية وبين إيران والخليج العربي، جنوباً المحيط الهندي، وغرباً البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط لم يذكر شيء عن عدن التي كانت محميّة بريطانيّة، ولا عن مصر وشمال افريقيا، ولا عن اليمن التي كان لها إمامها، ولا عن وسط الصحراء العربية التي يتنازعها إبن الرشيد الموالي للأتراك وابن سعود الذي ارتبط بالحكومة البريطانية في الهند للدفاع عن نفسه.

وافق العرب على قيدين لاستقلالهم : معاهدة دفاعية تربط الدولة العربية المقبلة ببريطانيا، ومنح بريطانيا أفضلية اقتصادية في هذه الدولة.

بعد هذا الإتفاق أصبح الشريف حسين في موقف يستطيع أن يُملي شروطه على بريطانيا متكلّماً بإسم الوطن العربي، ولذلك كتب في 14 يوليو 1915 إلى سير هنري مكماهونSir Henry Mcmahon الذي خلف كتشنر في مصر ودعاه للموافقة على هذا الإتفاق.

في الواقع لقد كان الشريف حسين قبل الحرب العالمية الأولى (1914-1918) شديد الإخلاص للسلطنة العثمانية، كثير الحرص على وحدة الكلمة الإسلامية، وعلى تعزيز مقام الخلافة.

لذلك فإنّ تحوّله إلى الثورة على دولة الخلافة إنّما كان يعود إلى أسباب تبرّر عمله، وأهمّها ما حدث بعد الانقلاب العثماني سنة 1908 من الصراع بين العروبة وبين التركية الطورانية، وما خلف ذلك، في أعقاب الحرب العالمية الأولى، من عدوان على أحرار العرب وعلى بلاد العرب. وذلك بالإضافة إلى أسباب أخرى اقتصادية مدارها ما وقع في الحجاز ولا سيّما بعد مرور عامين على الحرب من الضائقة المالية على وجه عام، ومن المجاعة الشعبية في بعض الأنحاء.([112]) ذلك بأنّ معاش تلك البلاد إنّما كان يعتمد على الحج وعلى الموارد الخارجية.

أمّا بالنسبة إلى فيصل ثالث أبناء الحسين والمتردّدين الآخرين (ومن ضمنهم كثيرون من الضبّاط العرب في الجيش العثماني) جاء التحوّل إلى الثورة في سنة 1915. ذلك بأن جمال باشا، حاكم سوريا العثماني، اكتشف خلايا انفصالية في سوريا ولبنان، فحاكم أعضاءها محاكمة سريعة وشنقهم فوراً وعلناً. أثارت جثث العرب المتدليّة من المشانق، العرب المتردّدين وجعلتهم يكفّون عن اعتبار الأتراك إخوانهم في الدين، وما كان فكرة أصبح قضيّة تستحقّ أن يقاتلوا في سبيلها ويموتوا.

5-3 مذكرة مكماهون:

أرسل مكماهون المندوب السامي المسؤول عن محمية مصر المذكّرة التي حدّدت الشروط التي سيبدأ العرب بموجبها ثورتهم في اللحظة الملائمة. أوضح المندوب السامي أولاً أنّ تردّده الظاهر في بحث مسألة الحدود، إنّما سببه شعوره بأنّ ذلك البحث لم يحن وقته، لكن بما أنّ الحسين يعدّه أمراً جوهرياً فإنّه مفوّض من قبل حكومته البريطانية بإعطاء العرب بعض الضمانات.

تقول المذكرة أنّ بريطانيا تتعهّد بالاعتراف باستقلال العرب وبالدفاع عنه ضمن المنطقة التي حدّدها الشريف حسين مع بعض التحفّظات التي يتعلّق أهمّها: ضواحي كيليكيان وميرزين والاسكندرية The Cilician and Mersin.

  • لبنان والجزء الغربي من سوريا في الخط بين (البيرة Aleppo) ودمشق.

  • الجزء الجنوبي من العراق بين بغداد والبصرة.

  • الكويت الذي تربطه ببريطانيا معاهدة.

حدّدت التحفظات الخاصة بآسيا الصغرى وسوريا في الجملة المهمة التالية: ” إنّ مقاطعتي مرسين واسكندرونة، وأقساماً من سوريا واقعة إلى الغرب من مقاطعات دمشق وحمص وحما وحلب، لا يمكن أن يُقال أنّها عربية صرفة، ولذلك يجب أن تستثنى من التخطيط المقترح “.

تمّ التوصّل إلى إتفاق حول هذه الخطوط في أوائل 1916 وصارت الإستعدادات للحرب في الحجاز تتقدّم وانتهت سياسة اللين لجمال باشا إزاء القومية العربية، فطلب من الشريف حسين أن يرسل إبنه ” فيصل ” إلى دمشق كرهينة لحسن سلوك العرب. وافق الشريف حسين على ذلك، وفضّل أن لا يغامر بالاصطدام مع الأتراك الذي ربّما يخرّبون كلّ خططه، ولمدّة قصيرة انخدع الأتراك بهذه الخدعة وظلّوا في فترة سكون سلبية، ولكن في مايو 1916 فقد جمال باشا هذا السكون لفشل الجيوش التركية بأخذ مصر وفشله الشخصي في دق قادة القومية العربية الرئيسيّين المتآمرين في سوريا، ولم يستطع أن يكشف قادة الجمعيّتين السريّتين الفتاة والعهد، لذلك استعمل طريقة الترويع وقبض على واحد وعشرين من قادة المواطنين العرب في دمشق وبيروت الذين لم تكن لهم صلة بجمعيّات القومية العربية، ونفذ فيهم حكم الإعدام في 6 أيّار 1916.

في 10 حزيران 1916 هوجمت الحامية التركية في مكّة بنيران رجال القبائل، واستمرّت المعركة لمدّة ثلاث أسابيع وردّ الأتراك بنيران المدفعية التي لم يحتملها رجال الحسين. ولكن تدخّلت المدفعية المصريّة في جانب العرب، وسلّم الأتراك مكّة في 9 يوليو 1916 وسقطت جدّة بعد أسبوع في يد الحسين، وذهب عبد الله ليأخذ الطائف التي فيها الحامية التركية الرئيسيّة. وفي سبتمبر 1916 سقطت كلّ المدن الساحلية بما فيها القوّة الألمانية بواسطة وحدة من القوة البحرية البريطانية التي كانت تساند تقدم العرب على ساحل البحر الأحمر.

كان ثمن الثورة بالنسبة إلى العرب غالياً في المدى الطويل والقصير. دفعوا جميعاً هذا الثمن مع أنّ أقلّ من عشرة بالمائة منهم اشتركوا في الثورة. حتّى في الحجاز لم يكن الرأي العام وراء الحسين، ولكن خروجه على الأتراك وما تبعه من فرار الضبّاط العرب وبعض الضبّاط الأكراد من الجيش العثماني حطّم ما تبقّى من الفكرة العثمانية، وفتح الطريق في المدى البعيد إلى تركيا التركية. أمّا في المدى القصير فإنّ جمال باشا قضى بقسوة على الذين شعر نحوهم بالازدراء الذي شعر به البريطانيّين نحو الإرلنديّين الكاثوليك، فعذّب في فلسطين العرب الذين افترض أنّهم موالون لقضيّة الحلفاء وشنقهم، وعرّض لبنان الذي لا شكّ في تعاطفه مع الغرب لمجاعة أودت (بناءً على إحصاء قام به المبشرون الأميركيون) بنحو ربع سكّانه أو ثلثهم.([113])

5-4 إعلان الشريف حسين ملكاً على الأقاليم العربية:

في المقابل كان هناك من العرب من قدّم الدعم للأتراك كالإمام يحيى، إمام اليمن وابن الرشيد في نجد رئيس قبائل شُمّر والسنوسيون في سيرناكيه Cyrenaica وكان القبائل في السودان مهتمّين في مقاومة التعاون الإنجليزي الإيطالي أكثر من اهتمامهم بطرد العثمانيّين. وفي نجد خطب ابن سعود ببلاغة وكان خطابه سلبياً بالنسبة للثورة العربية ضدّ الأتراك لأسباب عائلية، ولمرارة المناقشة حول الحدود مع السعوديين لمدة خمس سنوات سابقة، ولذلك كان إعلان الحسين شريف مكة أنّه ملكاً على الأقاليم العربية، إعلاناً غير حكيم، ووجد إبن سعود كلّ هذا أيضاً وقاحة. وبالرّغم أنّ بريطانيا لم تعترف بهذا الإعلان إلاّ أنّها اعترفت به ملكاً على الحجاز. وأصرّ الحسين على تبني لقب ” ملك ” على الأقاليم العربية للتعامل مع جيرانه، وجابه ابن سعود هذه الاهانة واحتفظ بصفة مستمرة بمحاولة تحطيم هذا الطموح الهاشمي في أول فرصة.

طالب الشريف حسين بالسيادة على كل العرب وأصبح التقدّم إلى دمشق سبّاقاً بين العرب والجيوش المتحالفة، وقرّر أن يؤكّد مطالبه من خلال الدخول إلى سوريا أولاً وفقط بجيشه، وكَسَبَ السباق بقليل من الأيام ودخل دمشق في أول أكتوبر 1918 بترحيب من الشعب، واستحقّ هذا الترحيب ليس فقط لأنّه كسب السباق مع الإنجليز وطرد الأتراك المكروهين في دمشق، ولكن أيضاً لأنّ جيوشه المكوّنة من الجنود العرب المدرّبين الذين هجروا الجيش التركي، والبدو من رجال القبائل الذين ليست لهم خبرة في الحروب الحديثة، قطعوا ألفي ميل مشياً خلال أكبر صحراء في العالم، وقتلوا وحاصروا الحاميات التركية على طول الخط الحديدي بين الحجاز ودمشق وكان لهذا الأثر بقطع الإمدادات عن الجيش التركي في فلسطين وفتح الطريق أمام قوّات اللنبي للتقدّم من القدس. توِّجت هذه المجهودات باستسلام الأمبراطورية بعد أربع أسابيع في 29 أكتوبر 1918.

ثانياً – نشأة الدولة في العالم العربي:

1- إتفاقية سايكس – بيكو:

بعد استسلام الإمبراطورية العثمانية، هل سيستطيع العرب الحصول على الحريّة المنشودة، وتحقيق الرغبة بإقامة دولة عربية قائمة بذاتها ؟ بالرّغم من الانقسام العربي حول هذه الفكرة، ظلّ الشريف حسين يسعى لتحقيق هذا الهدف، لكن في إطار الشريعة الإسلامية وليس على غرار النمط الغربي الحديث، فمع سقوط الخلافة العثمانية أعلن نفسه خليفة للمسلمين وطالب بالسيادة على كلّ العرب.

وبالرّغم من وصول العرب إلى دمشق منتصرين تحت قيادة فيصل، ظلّ الشريف حسين يشعر أنّ هذا الابتهاج هو ابتهاج وقتي لما واجهه من صعوبات وشكوك، فتحويل رجال القبائل، الذين أُحضروا ليقاوموا، إلى مواطنين يحافظون على القانون، ويداومون في المكاتب الرسمية تحت إدارة الأتراك الرسميّين للحفا  ظ على حكومة منظمة، كان أمراً لا يخلو من المصاعب والعوائق. كما أنّ الشكّ في أنّ الإنكليز والفرنسيّين يرغبون في إطلاق يدهم داخل سوريا عندما يخرج الأتراك، كان أمراً يدعو إلى القلق، هذا القلق الذي أكّدته الوعود السريّة، وعد سايكس-بيكو ووعد بلفور Balfour Declaration.

1-1 المحادثات السريّة:

بدأت الحكومة البريطانية في المحادثات السريّة مع الحكومة الفرنسية لإقرار تقسيم أرض الهلال الخصيب. فرنسا تطالب بسوريا ولبنان لما لها من علاقات تجارية وثقافية مع السكّان المسيحيّين. وبريطانيا تريد فلسطين والعراق والخليج العربي، من الكويت إلى مسقط. وهكذا بعد مرور ستة أسابيع من إرسال آخر رسالة من مكماهون إلى الشريف حسين بدأ السيد مارك سايكس (Mark Sykes) من بريطانيا، والسيد جورج بيكو (Georges Picot) من فرنسا بالتخطيط لتقسيم الإمبراطورية العثمانية. وروسيا التي تحالفت مع بريطانيا كانت تطمع بإسطنبول وبوغاز البسفور، وقطعة كبيرة من شرق الأناضول، وفرنسا تأخذ كل سوريا وإقليم الموصل من العراق، وجزء من جنوب الأناضول، وتأخذ بريطانيا مصر وباقي العراق وفلسطين تكون تحت إدارة دولية من نوع يقرّر فيما بعد. ومن المفارقات في هذا الإتفاق أنّه تقرّر السماح للمنطقة التي تشكّل اليوم المملكة العربية السعودية واليمن، بتشكيل دولتين مستقلّتين، بينما تقرّر إخضاع المناطق، الأكثر تقدّماً ونضجاً، للحكم الأجنبي ” المباشر أو غير المباشر “([114]) وقد أفشت الحكومة  البلشفية الجديدة في روسيا تفاصيل هذا الإتفاق في محاولة لعرقلة حلفاء القيصر، مما سبّب إحراجاً كبيراً لبريطانيا نظراً لأنّ هذا الإتفاق يناقض الوعود التي كانت بريطانيا قد قطعتها للعرب، وهي التي تعهّدت بأن تؤيّد وتعترف باستقلال العرب في شبه الجزيرة العربية وفلسطين وشرق الأردن وسوريا والعراق، مقابل إسهام العرب في المجهود الحربي مع الحلفاء.

أسرع جمال باشا لإنتهاز هذه الفرصة لإيجاد الفرقة بين الشريف حسين وحلفاءه، وذلك بواسطة إرسال كتاب إلى فيصل اقترح فيه أن ينبذ العرب الجمعيّات الأوروبية الخائنة وينضمّوا إلى تركيا، لو فعلوا ذلك سيضمن النظام العثماني استقلالاً ذاتياً كاملاً للأقاليم العربية بعد الحرب. وشاور فيصل والده في ذلك وقام الشريف حسين بدوره بالتشاور مع Wingate الذي صار المندوب السامي البريطاني في مصر بدلاً من مكماهون. وأرسل Wingate رسالة إلى الشريف حسين، كتعليمات واردة من وزير الخارجية بلفور فحواها بأنّ الأتراك بخبثهم يحاولون إفساد أهداف القوى العالمية، وأنّ الثورة العربية يجب أن تتأكّد أنّ الإتفاقات ممكن تعديلها في صالح العرب الذين حاربوا بشدّة لنيل حريّتهم، وساعدوا بريطانيا في تحطيم عدوّها، لقد كان الشريف حسين سليم النيّة ليقبل هذه التأكيدات ولو أصرّ على إلقاء نظرة على هذه الإتفاقية لوجد أنّ المستندات تشير إلى تحقيق رغبات مصالح بريطانيا وفرنسا وروسيا على حساب ما يتوخّاه.

1-2 وعد بلفور:

لقد شكل وعد بلفور عقبة أساسية في مسيرة تشكل وتكوّن الدولة في العالم العربي لما حمله من تداعيات خطيرة على هذه المنطقة، التي لم تعرف الاستقرار نتيجة لهذا الوعد وتداعياته. لقد جاء وعد بلفور حصيلة لإتفاقية سايكس-بيكو، إلاّ أنّ أهميّته تفوق أهميّة هذه الإتفاقية كثيراً، بل من الصعب جداً اعتبار أنّ أي وثيقة غيّرت مجرى التاريخ تغييراً عشوائياً مثلما فعلت هذه الوثيقة. فالصراع العربي – الإسرائيلي هو في العالم المعاصر المشكلة الأولى التي يحتمل أن تفجّر حرباً نوويّة. وإذا حصل ذلك فإنّ من يبقى على قيد الحياة من المؤرّخين لا شكّ سيسجّل أنّ المشكلة كلّها ابتدأت برسالة مختصرة، بريئة المظهر، لا تزيد على 117 كلمة بالإنكليزية، وجّهها آرثر بلفور وزير الخارجية البريطاني إلى اللورد روتشيلد، في 2 تشرين الثاني 1917. ولعلّ الشاعريّة ستجعل هؤلاء المؤرّخين يشيرون إلى أنّ فلسطين التي كانت موضوع الرسالة كانت تبدو في ذلك الوقت قطعة مجهولة من سطح الأرض، يصعب على المرء أن يتصوّر أنّها ستلعب هذا الدور المدمّر، غير أنّها بلاد غنيّة بالرمزيّة الحادة، تقوم في وسطها هضاب أرمجدون الجرداء التي قُدِّرَ لها أن تكون مسرحاً للمواقف الفاصلة الكبرى. وقد كان نصّ هذه الرسالة على النحو التالي :

عزيزي اللورد روتشيلد يسعدني كثيراً أن أبلّغك نيابة عن حكومة صاحب الجلالة هذا التصريح بالعطف على مطامح اليهود وقد قدّم هذا التصريح إلى الحكومة ونال موافقتها: ” إنّ حكومة جلالته تنظر بعين العطف إلى إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين وستبذل قصارى جهدها من أجل تسهيل تحقيق هذا الهدف، على أن يكون مفهوماً وواضحاً أنّه لن يتخذ أيّ عمل يجحف بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية التي تعيش حالياً في فلسطين، أو بالحقوق والوضعية السياسية التي يتمتّع بها اليهود في أيّ دولة أخرى “. وأكون ممتنّاً إذا أطلعت الإتحاد الصهيوني على هذا التصريح. المخلص آرثر بلفور([115])

ففي السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر تدفّقت على بريطانيا أعداد من اللاجئين اليهود الذين هربوا من أوروبا الشرقية وقد شهدت شوارع لندن أحداث شغب وتظاهرات ضدّ هؤلاء اليهود، وأقرّ البرلمان قانوناً للأجانب فرض قيوداً على هجرة اليهود. وكان بلفور نفسه، رئيس الوزراء في ذلك الوقت، الشخص الذي دافع عن هذا القانون بعبارات ندد بها الصهيونيون بوصفها عداء فاضحاً للسامية موجهاً ضدّ الشعب اليهودي بأسره:

يمكن بسهولة تصوّر نشوء وضع لا يكون فيه من مصلحة حضارة البلاد وجود جالية كبيرة من الناس مهما بلغوا من المستوى في الوطنية والقدرة والجد ومهما كان اختلاطهم بالحياة الوطنية العامّة، تبقيهم أعمالهم فئة خاصة قائمة بذاتها لا تقتصر على مجرّد اعتناق دين يختلف عن دين الأغلبية الساحقة لمواطنيهم، بل لا يتزاوجون مع غيرهم على الإطلاق.([116])

تحمل الوثيقة إسم بلفور، إلاّ أنّ الحقيقة أنّ الصهيونيّين أنفسهم كانوا إلى حد كبير جداً هم الذين أوحوا هذا التصريح وصاغوه، ولا شكّ أنّ وعد بلفور يعتبر أبدع ثمرة للدبلوماسية الصهيونية، وهي في ذروة تأرجحها. إنّ الصهيونيّين الذين صاغوا هذا التصريح كانوا يرون فيه ميثاقاً لإقامة دولة يهودية، وأنهم بتظاهرهم بالحرص على حقوق الطوائف غير اليهودية في فلسطين، إنما كانوا يضعون في الواقع أساساً شرعياً لانتزاع هذه الحقوق منهم، وذلك بواسطة استخدامهم الذكي لكلمات: “المدينة” و “الدينية” و “السياسية”.)[117](     

لم يسقط القناع كاملاً عن الصهيونيين بانتصارهم هذا. فقد كان الوقت لا يزال مبكراً لرفع القناع، بل ظلوا ينكرون الغاية النهائية التي كان أصدقاؤهم وأعداؤهم على السواء يعزونها إليهم، وهي إقامة دولة يهوديّة. وقد حذر وايزمان الصهيونيون الأكثر منه تطرفاً فقال: ” لا بد من بناء فلسطين من غير انتهاك لحقوق العرب المشروعة، إن شعرة واحدة في رؤوسهم لن تُمَسّ “([118]). وقد ذهب وايزمان الى فلسطين ليؤكد للعرب أن “غايتنا ليست تسلم السيطرة على السياسة العليا لإقليم فلسطين. ولم يكن هدفنا في أي يوم من الأيام إخراج اي شخص من ممتلكاته.([119]) إلا أنه في الوقت الذي كان فيه وايزمان يوزع هذه التأكيدات على الأهالي كان ينقل حقيقة أفكاره في مراسلات مع بلفور:

إن العرب أذكياء وسريعو البديهة في الظاهر، وهم يعبدون شيئاً واحداً فقط ألا وهو القوة والنجاح … وإن على السلطات البريطانية… التي تعرف تماماً طبيعة العرب، أن تحرص دائماً على ألا يقع شيء يسيء الى العرب، وإلا فإنهم سيطعنون الجيش من الخلف. وإن العربي سريع في تقدير أي وضع من هذا القبيل ويحاول الاستفادة منه قدر الإمكان، فهو يصرخ ما أمكنه الصراخ ويحاول الابتزاز ما أمكنه ذلك. وقد سمعنا الصرخة الأولى عندما أُعلِن وعدك فقد أُلصِقت بهذا الوعد كل أنواع التفسيرات والتصورات الخاطئة. وقالوا إن الإنكليز سيسلمون العرب المساكين الى اليهود الأغنياء الذين يتربصون وراء جيش الجنرال اللنبي للانقضاض كالنسور على صيد سهل وطرد كل من عداهم من البلاد.)[120]( ومع هذا فلم يكن وايزمان في كثير من الأحيان يستطيع حتى في المواقف العامة أن يستر حقيقة آماله إلا بأرق ستار من السرية والمنطق والكلام المعسول، بل إن هذا الخطيب الذي يعتبر من أفصح الخطباء كان يبدو أحياناً وكأنه ينسى نفسه مثلما فعل عندما قال في خطاب عام ألقاه في لندن بعد إعلان وعد بلفور بسنتين فقط:

انني اؤمن بأن دولة يهودية ستقوم، ولكنها لن تقوم بالتصريحات السياسية وإنما بعرق الشعب اليهودي ودمائه. إن وعد بلفور هو المفتاح الذهبي الذي يفتح لكم أبواب فلسطين ويعطيكم الفرصة لصب كل جهودكم في البلاد. وقد طُلِب منا أن نحدد رغباتنا فقلنا إننا نريد أن نقيم في فلسطين أوضاعاً سياسية واقتصادية وإدارية تمكننا مع تطور البلاد من صبّ عدد كبير من المهاجرين، وأن نقيم أخيراً في فلسطين مجتمعاً يجعل فلسطين يهودية مثلما أن إنكلترا إنكليزية، أو أميركا أميركية. وآمل أن تكود الحدود اليهودية لفلسطين عظيمة مثل طاقة اليهود للحصول على فلسطين.([121])

ويبدو أن المؤرخين الصهيونيين كانوا أكثر فطنة من وايزمان، فقد حذفت هذه الفقرات الفاضحة من الطبعات المتأخرة للكتاب الذي وردت فيه. أما عن الجانب العملي، فقد وضع وايزمان مفهومين أساسيين ظلا منذ ذلك الوقت أساساً في السياسة الصهيونية, أولهما مفهوم الإطار الفارغ. وقد شرح وايزمان فيما بعد هذا المفهوم في سيرته الذاتية فقال: “لم يكن وعد بلفور سوى إطار علينا أن نملأه بجهودنا الخاصة، وهو سيتخذ المعنى الذي سنعطيه له، لا أكثر ولا أقل. ويتوقف احتمال إقامتنا لدولة ومتى نفعل ذلك على ما يمكن أن نعطيه لهذا الإطار من معنى بالمجهود البطيء والمكلف والشاق.” ([122])

أما المفهوم الآخر فهو مفهوم المراحل. فقد ألقى وايزمان كلمة في الاتحاد الصهيوني الانكليزي قبل إعلان وعد بلفور ببضعة أشهر، وتخلى في هذه الكلمة عن الفطنة والاحتراس كي يشرح هذا المفهوم: يجب أن تُبنى الدولة بشكل بطيئ وتدريجي ومنتظم وبكثير من الصبر ولهذا فإننا نقول إن غايتنا النهائية هي إنشاء مجتمع يهودي في فلسطين.

ومع ذلك فإن الطريق الى هذه الغاية يمر بسلسلة من المراحل المتوسطة. ومن هذه المراحل المتوسطة مرحلة آمل في أن تتحقق نتيجة للحرب، وهي أن تصبح بلاد فلسطين الجميلة تحت حماية دولة قوية وعادلة مثل بريطانيا العظمى. فتحت جناح هذه الدولة يمكن لليهود تطوير وضعهم وإقامة الجهاز الإداري … الذي سيمكننا من تنفيذ المخطط الصهيوني.([123])

أما ما سوف يتمكن الصهيونيون من القيام به في أرض فلسطين فهو لم يحصل إلا في وجه معارضة متزايدة في حدتها من جانب العرب الذين كانوا يعيشون هناك، ومع انتهاك الشروط التي نص عليها وعد بلفور الذي يحمي مصالح هؤلاء لو أنه فسِّر تفسيراً صحيحاً. إلا أن إمكانية إعتمادهم على بريطانيا القوية العادلة كي تساعدهم في القيام به لم يكن في نظر العارفين تفسيراً مفرطاً في التفاؤل للنوايا البريطانية. فما الذي يمكن أن يطمئن اكثر من التفسير الذي أعطاه مؤلف الوعد لوعده المشهور؟ فقد أكد رئيس الوزراء سرّاً لوايزمان بحضور بلفور، أن عبارة “الوطن القومي” إنما هي اصطلاح ملطق للدولة اليهودية.([124]) وربما قرأ وايزمان مذكرة سريّة صريحة قدمها بلفور للحكومة البريطانية وبحث فيها ميثاق عصبة الأمم، وتبنيه لمبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، وإصراره على اعتبار رغبات هذ المجتمعات “الأمم المستقلة” مثل سوريا ولبنان وفلسطين التي تحتاج الى مشورة ومساعدة إدارية الى أن تستطيع الوقوف على قدميها، عاملاً اساسياً في اختيار الدولة المنتدبة. فقد كتب بلفور في مذكرته:

هل نعني في حالة سورية مثلاً أن نستمزج بالدرجة الأولى رغبات سكانها؟ إننا لا نعني شيئاً من هذا القبيل … إن التناقض بين نص الميثاق وسياسة الحلفاء أشد وضوحاً في حالة “دولة فلسطين المستقلة” منه في حالة ” دولة سورية المستقلة “. فنحن في فلسطين لا نعتزم القيام حتى بشكليات استمزاج رغبات أهالي تلك البلاد الحاليين … إن الدول الأربع الكبرى ملتزمة بتأييد الصهيونية. فالصهيونية، على حق كانت أم على ضلال، خيّرة كانت أم  شريرة، ذات جذور ضاربة في التقاليد التاريخية والحاجات الراهنة وآمال المستقبل، وهي ذات مغزى أعمق من رغبات ومشاعر سبعمائة ألف عربي يسكنون تلك البلاد حالياً… خلاصة القول أن الدول الكبرى، فيما يتعلق بفلسطين، لم تصدر أي بيان بالحقائق لم تعترف بأنه باطل، ولم تصدر أي تصريح بسياستها لم تكن نيتها دائماً أن تخالفه، من حيث نصه على الأقل.([125])

1-3 رد فعل العرب:

سبّب إعلان وعد بلفور ذعراً وهلعاً في العالم العربي. انزعج الشريف حسين من الأمر وطلب تفسيراً من حليفه الانجليزي لما بدا مناقضة صريحة للوعود التي قطعت له، فكيف ان فلسطين التي لم تشملها رسائل مكماهون وهي من المناطق المتحفظ عليها قد ظهر أنها مهددة بالاستعمار من الخارج، وهنا أيضاً خُدع الشريف حسين بتأكيدات زائفة، فرئيس المكتب العربي في القاهرة، القائد هوجرات (Hograth) أرسل الى الشريف حسين رسالة وقد فوّض بأن يقول له: “لن يسمح بالاستيطان اليهودي في فلسطين الاّ بقدر ما ينسجم مع حرية السكان العرب السياسية والاقتصادية.” كان للتعهد تأثير في إعادة تحديد القسم الثاني الغامض من التصريح، وقد اعطى مستر تشرشل تطميناً مماثلاً لوفد عربي زاره وهو في القدس. رفض ان يوصي بالغاء التصريح ولكن أكّد ان القسم الثاني مهم كالقسم الأول: “اذا ثبت احد الوعدين ثبت الوعد الآخر. سنفي بالاثنين باخلاص. ادرسوا كلمات تصريح بلفور بدقة، ان فلسطين ستكون وطناً قومياًَ لليهود لا الوطن القومي. هناك فرق كبير بين المعنيين.ان تأسيس وطن قومي لا يعني دولة يهودية تسيطر على العرب.”)[126]( لم يكن في الظاهر شي مفاجئ في تأكيدات القائد هوجرات Hograth او سير هربرت صمويل أومستر ونستون تشرشل لأنها تتفق مع اهداف الحرب التي نشرها الحلفاء. وبعد شهر من زيارة Hograth للحسين أوجز الرئيس ولسن جزءاً منها بقوله: ” لن يسلم الشعب من سيادة الى اخرى بمؤتمر دولي أو تفاهم بين المنافسين والخصوم.”([127]) ولم يكن الصهيونيون المسؤولون أقل تطميناً للعرب.

وفي يونيو 1918 اعلنت وزارة الخارجية البريطانية ان الاقاليم التي تمّ تحريرها بمجهورات العرب أنفسهن، وهي الحجاز وعبر الأردن ستضمن لها الاستقلال التام والسيادة، أمّا الاقاليم التي تم تحريرها بمساعدة الانجليز مثل فلسطين والعراق سوف تحكم بحكومة مركزية، وأما الاقاليم التي لم تحرر بعد مثل سوريا فسوف تنال حريتها وإستقلالها.

بعد استسلام تركيا اعلن الفرنسيون والانكليز في بيان مشترك يعلن سياسة الحكومتين في الأقاليم العربية المحررة، ترتكز على وضع انظمة للحكم، تنبع من اختيار السكان المحليين، وتؤمّن الانصاف والعدل للجميع، وبهذا التصريح يمكنهم أن يتأكدوا ان اتفاق سايكس-بيكو، اصبح اتفاقاً ميتاً، وأن سوريا ولبنان والعراق وفلسطين وشبه الجزيرة العربية سوف يكونوا أحراراً في اختيار حكامهم، ولكن اتى التطبيق مغايراً تماماً فالحكومتين الانجليزية والفرنسية تقاسمتا فيما بينهما فلسطين والعراق وسوريا ولبنان وصار واضحاً عندما عيّن فيصل نفسه حاكماً في دمشق، أن الاتفاق صار عكسياً تماماً عن الوعود والاعلانات التي اعطيت للعرب، وعندما فشل فيصل في التأثير للتغيير على أرض الواقع سافر أولاً الى باريس ثم الى لندن للدفاع عن قضيته. واستقبله الفرنسيون ببرود وأخبروه أنهم لا يمكنهم أن يتعاملوا معه كأنه ممثل العرب، ولم يرغب الانجليز في التسليم بأي من مطالبه، خاصة أنهم قد أنشأوا حكومة بريطانية عسكرية في شمال العراق، كما التمسوا وجود النفط في الشمال، وقبل 1914 كان البترول الوحيد الذي اكتشف بكميات تجارية بواسطة شركة الزيت الانكليزية الفارسية، في شمال فارس ولكن عمليات الحفر عن البترول امتدت خلال حدود العراق الى “خانقين”، في منتصف الطريق بين بغداد وكركوك، والاهتمامات الانجليزية بالزيت كانت ناتجة عن أنه في أقصى شمال العراق تكمن ثروة من الزيت لم تستخرج بعد.)[128](

وهكذا بُذلت مجهودات كبيرة من لندن لحمل فرنسا على أن تسلّم بإقليم الموصل الى بريطانيا (فهذه النمطقة كانت مخصصة لفرنسا في اتفاق سايكس – بيكو). ولكن فرنسا شعرت أنها خدعت بوعد بلفور بإنكار اي مطالب لفرنسا في فلسطين، وكليمنصو رئيس وزراء فرنسا، لم يقم بأي تنازل لا لبريطانيا ولا للعرب. ولهذا عاد فيصل من لندن فارغ اليدين، وعندما وصل الى مؤتمر فرساي للسلام قطع فيصل الحديث عن الحلول الوسط، وكان الوحيد الذي أيّده، هو رئيس الوفد الأميركي Woodraw Wilson ، ولم تكن أميركا في ذلك الوقت لها تأثير يذكر في الشرق الأوسط، وكانت بريطانيا تصر على الاحتفاظ بالموصل وفلسطين، وأصرّت فرنسا لأخذ ما يمكن أخذه من سوريا وكانت المقايضة بين بريطانيا وفرنسا بأن توافق فرنسا على أن تحتفظ بريطانيا بالموصل وأن تكون دولة منتدبة على فلسطين، في المقابل تطلق يد فرنسا حرة في سوريا، أمّا بالنسبة للعرب فكل الذي انجزه الأمير مع كليمنصو هو تأكيد سلطات العرب على الاقليم بين العقبة والبيرة (Aleppo) شاملاً دمشق. وتأسيس لجنة مشتركة تزور الشرق الأوسط وتشاور السكان فيما يهمهم وتتكون اللجنة من ممثل بريطاني وممثل فرنسي وآخر أميركي، ولكن بريطانيا وفرنسا فضلا الخروج على أن يجدا نفسيهما يجابهان بتوصيات من مندوبيهم المعنيين التي ربما تتعاكس مع سياستهم.

وصار التشاور مع السكان والتوصيات يتلقاها فقط الفريق الأميركي الذي أسسه الدكتور هنري كنج  ومستر تشارلز كراين.

وقامت لجنة كنج-كراين بعملها بكل دقة وأوصت بانتداب مؤقت على سوريا فلسطين والعراق على ان يوكل الانتداب السوري الفلسطيني الى الولايات المتحدة الأميركية. ويكون فيصل ملكاً على سوريا. وان يوكل الانتداب على العراق الى بريطانيا وان يتم اختيارالملك باستفتاء عام ولمشكلة استيطان اليهود في فلسطين وجدوا تأسيس وكالة يهودية ضد خطة الصهيونية، وفي صالح منع الهجرة اليهودية.وبالنسبة لفرنسا فإن اللجنة كانت مقتنعة بشدة بالشعور السلبي للعرب ضد فرنسا.

رجع فيصل الى دمشق ووجد العرب في حالة غليان، والفتاة والعهد كوّنا مع بعضهما حزباً استقلالياً عربياً، ونتج عن ذلك هيئة نوّاب سورية وطنية، وبعد تكوينها، في سنة 1920، قرّرت المطالبة بالاستقلال لسوريا الكبرى ويكون فيصل ملكاً عليها. أصرّت هذه الهيئة على رفض وعد بلفور وإتفاق سايكس-بيكو، كما رفضت أيّ وصاية أو مساعدة فرنسية بأيّ شكل، وتبع ذلك عقد قادة العراق إجتماعاً مماثلاً وعقدوا العزم على اختيار عبد الله ملكاً، وكان جواب فرنسا وإنجلترا أن ما يقرّر وما يحدث غير ساري المفعول، وعقدوا إجتماع المنتصرين فيما بينهم في (سان ريمو) في إيطاليا لتقسيم النفوذ على الأراضي العربية فيما بينهم، الإنتداب على سوريا وفلسطين والعراق. فحصلت بريطانيا على مطالبها في الإنتداب على فلسطين والموصل والعراق والتزمّت بتطبيق وعد بلفور، في المقابل أخذت فرنسا سوريا كلّها بالإضافة إلى لبنان. وبهذا الإتفاق تمّ القضاء على حق فيصل والعرب حتّى من جزء من سوريا بما في ذلك (دمشق والبيرة Aleppo) وكان لم يمضِ بعد أكثر من خمسة شهور على تأكيد كليمنصو أنّ هذا إقليم عربي.([129])

وهكذا خسر العرب، وتحركت فرنسا لإثبات مكاسبها، وتحرشت بفيصل من خلال استعمال الخطوط الحديدية السورية لتقوية حاميتها في الشمال وسلّمت فرنسا إلى السلطات الرسمية في بيروت إنذاراً نهائياً تطلّبت فيه الإستسلام لقوّات الإنتداب، وأعتقد فيصل أنّ الإنجليز لا بدّ أن يشعروا بالتحريض على التدخّل، لكنهم راوغوا لمدّة كافية لإعطاء الفرصة للفرنسيّين بالوصول إلى دمشق، وبالرّغم من أنّ ” فيصل ” وافق على شروطهم ولكنّهم احتلّوا عاصمته، وحطّموا الملكيّة التي أقامتها سوريا، وطردوا منها الملك فيصل وأمروه أن يستقلّ أول قطار في صباح اليوم التالي. وهكذا كلّ تعهّدات بريطانيا وفرنسا لفيصل تمّ التنصّل منها.([130])

انفجرت موجة من المتمرّدين من قبائل الفرات في العراق، فأجبرت الحكومة البريطانية أن تعيد النظر في سياستها في العراق وتحيلها إلى مؤتمر خاص. وعقد مؤتمر في القاهرة في مارس 1921 برئاسة ونستون تشرشل الذي كان وزيراً للمستعمرات، وحضره نخبة من البريطانيّين المتخصّصين في الشؤون العربية بما فيهم المفوّض البريطاني المدني في العراق، لدراسة ما هي الطريقة المثلى لتحقيق السلام في العراق وتنمية اقتصاده. واتّخذ مؤتمر القاهرة قرارين، القرار الأول أن يُدعى فيصل ليعيّن نفسه ملكاً على العراق في استفتاء شعبي عام، وتسحب بريطانيا جيشها، على أن تعتمد على القوّات الجويّة للدفاع عن القطر وخطوط الإتّصال بالهند. وأمّا القرار الثاني فقد أُجبر عليه المؤتمر وهو الاعتراف بعبد الله أميراً على الأردن، وبذلك أبعد عبد الله ووالده عن ترتيبات فرنسا في سوريا، حيث أنّهما كانا قد عقدا العزم على استردادها بالقوّة وأرسل عبد الله لهذا الغرض جيشاً قوامه ألفا رجل، واتخذ طريقه إلى دمشق عبر الأردن، ولكن اعترض طريق هذا الجيش ضابط إنجليزي من الإدارة الفلسطينية، واستطاع أن يقنع عبد الله بالعدول عن خططه لإرجاع سوريا بقوّة صغيرة. وبما أنّ مؤتمر القاهرة المنعقد قرّر أن يكون عبد الله نفسه حاكماً على الأردن، ولذلك قرّر تشرشل ومستشاروه الإعتراف بعبد الله أميراً على الأردن تحت الإنتداب البريطاني.

وهكذا كفّرت بريطانيا عن سيئاتها بالنسبة لولدي الشريف حسين، ولكن الشريف بقي ثائراً، وبُذِلَت جهوداً لحثّه على قبول قرار (سان ريمو San Remo) بدون جدوى، ووضعت بريطانيا أمامه معاهدة للتحالف غير أنّه رفضها بصراحة، واعتبرها أنّها محاولة لتقديم رشوة له للتخلّي عن التعهّدات البريطانية.

توقفت المفاوضات فجأة في ربيع سنة 1924 وقفل الشريف حسين آخر باب في إمكانية مساعدته لأنّه كان مهتمّاً بإنقاذ عرب فلسطين من هجرة اليهود غير المحدودة أكثر من اهتمامه لإنقاذ عرشه، وبعد أسابيع قليلة، في أغسطس 1924 سار الوهابيون إلى الحجاز كغزاة، واحتلّوا الطائف. وطلب الشريف من بريطانيا تقديم المساعدة، لكن الحكومة البريطانية أغلقت الباب، واعتبرت أنّ هذا الكفاح هو شأن قبلي لا يهمّها كما كانت الحكومة البريطانية في الهند بجانب إبن سعود لأنّ الشريف حسين أثار غضب مسلمي الهند بخيانته للسلطان العثماني الخليفة من لحظة تولّيه على مكّة.

تنازل الشريف حسين لإبنه الأكبر علي، وكان يأمل من هذا التنازل وقف حمّامات الدمّ وأن يحضر إبن سعود للمفاوضة. لكن سار الوهابيّون وأخذوا مكة في أكتوبر 1924، وبعد حصار طويل سقط آخر معقل للهاشميّين في جدّة في ديسمبر 1925 واستسلم علي، وسلّم كل قطره لإبن سعود وذهب ليعيش في المنفى في العراق الخاضعة لحكم أخيه فيصل. أمّا الشريف حسين فقد غادر إلى قبرص التي كان يحكمها البريطانيّون. ([131])

في الحقيقة إن ارادة الشريف حسين ببناء دولة عربية موحدة كان أشبه بالحلم البعيد المنال، وما زال كذلك بالنسبة للقوميين العرب الذين تضاءلت أعدادهم بعد أن تحولت هذه القومية في بداية تكونها من حركة علمانية تتطلع الى بناء دولة المؤسسات، الى حركة اسلامية تنادي بالدولة الاسلامية منطلقاً للحكم، حيث هناك فرق شاسع بين المنطلقين، القومية العربية والقومية الاسلامية، مع العلم أن عبارة القومية لا تتطابق أصلاً في جمعها مع عبارة الاسلامية، حيث لا يجوز الجمع بينهما ومع ذلك فان هذه العبارة متداولة بكثرة في الأدبيات السياسية دون مراجعة ماذا تعني في الحقيقة، فعبارة القومية انطلقت مع نشوء الدولة الحديثة الغربية وهي مرتبطة بمفهوم المؤسسات وحكم القانون الوضعي وليست مرتبطة بحكم القانون الإلهي الذي ينفذ في الدولة الاسلامية. ومن هنا فان ارادة الشريف حسين ببناء دولة عربية موحدة تحت الرآية الاسلامية كان بعيد المنال لما تحمله هذه المنطقة من توجهات وآمال مختلفة حتى ضمن المنتمين للدين نفسه.

2- نكبة فلسطين:

شكّلت كارثة فلسطين سنة 1948 وضياع القسم الأكبر منها تحت الاحتلال الإسرائيلي، صدمة عميقة للعالم العربي بعامة، وللشعب الفلسطيني بخاصة، وما زالت أصداؤها تتجاوب حتّى الآن وانعكاساتها تؤثّر على مجرى الأحداث في المنطقة بمختلف الأشكال. وقد ساهم في عمق الإحساس بالخسارة المكانة الروحية التي تنفرد بها فلسطين لدى الديانتين المسيحيّة والإسلامية، بالإضافة إلى موقعها الجغرافي والسياسي والاستراتيجي في قلب العالم العربي وعلى تقاطع خطوط مواصلاته. وقد أدّت هذه النكبة إلى نتائج خطيرة على بنية الدولة في العالم العربي التي كانت حديثة العهد بالإستقلال وما زالت في بداية طريق بناء المؤسّسات السياسية والإقتصادية والإجتماعية. فهجرة عدد كبير من الفلسطينيّين، وسلسلة الحروب التي عرفتها المنطقة بعد نكبة فلسطين، أدّت إلى تغيرات سياسيّة في العالم العربي وخاصّةً أنّ هذه القضيّة كانت محوراً لصراع القوى الإقليمية والدولية، كما ساهمت الأعمال الفدائية والعسكرية إلى زعزعة أمن الدولة العربية الحديثة النشأة وهذا ما شكّل عامل سلبي في طور تكونها.

2-1 التقسيم والهجرة:

أصبحت فلسطين، بعد إنتهاء معارك 1948- 1949 وعقد إتفاقيات الهدنة بين عدد من الدول العربية وإسرائيل، مقسّمة إلى ثلاثة أجزاء: الجزء الأول منها، والذي تبلغ مساحته 20.770 كيلومتراً مربّعاً – أي ما يعادل 77.4 % من مساحة فلسطين – أقيمت عليه دولة العدو الصهيوني (إسرائيل)؛ والجزء الثاني، والبالغة مساحته 5878 كيلومتراً مربعاً – أي ما يعادل 20.3 % من مساحة فلسطين – والذي يطلق عليه (الضفّة الغربية)، ألحق بإمارة شرق الأردن وشكّل معها المملكة الأردنية الهاشمية؛ والجزء الثالث، والبالغة مساحته 363 كيلومتراً مربعاً – أي 2.3 % من مساحة فلسطين – والذي يطلق عليه (قطاع غزّة) ، وضع تحت الإدارة المصرية.

وبنتيجة الأحداث السابقة تشتّت العرب الفلسطينيّون في دول مختلفة عديدة، وانقسموا بالتّالي إلى ثلاث فئات هي:

– عرب الأرض المحتلّة: وهم الفلسطينيوّن الذين ظلّوا في المناطق التي وقعت تحت الإحتلال الإسرائيلي؛ ولم يهاجروا منها.

– اللاجئون الفلسطينيّون: وهم الفلسطينيّون العرب الذين أرغمتهم مجازر الصهيونيّين ووحشيّتهم وتآمر سلطات الإنتداب البريطاني، على النزوح عن أراضيهم واللّجوء إلى المناطق المجاورة سعياً لتأمين الحماية والأمن للأطفال والشيوخ والنّساء، وانتظاراً للعودة إلى بيوتهم مع إنتهاء الحرب وتوقّف القتال. إلاّ أن تطوّر الأوضاع العسكرية والسياسية في فلسطين اضطرّهم إلى البقاء في أماكن لجوئهم، والتي شملت الضفّة الغربية وقطاع غزّة وشرق الأردن وسورية ولبنان، في حين اتّجهت أعداد قليلة إلى العراق ومصر.

– سكّان الضفة الغربية وقطاع غزّة الأصليّون: وهم سكّان هاتين المنطقتين الذين نجت أراضيهم من الإحتلال الصهيوني في سنة 1948، ولم يضطرّوا إلى مغادرتها أو التشرّد عنها.

ولم يكن هذا الشتات للشعب الفلسطيني إلاّ حلقة أولى من سلسلة هجرات متعاقبة تلتها، دفعتهم إليها الظروف المعيشيّة القاسية التي واجهوها في أماكن لجوئهم. فتوجّهت أعداد كبيرة منهم بحثاً عن العمل في الدول العربية الغنيّة بالنفط – وخصوصاً الكويت – والتي كانت بدورها بحاجة ماسّة إلى اليد العاملة وأصحاب الكفاءات لمواجهة متطلّبات التنمية السريعة. وقد أصبحت تلك الدول من المناطق الرئيسيّة لوجود الفلسطينيّين. أمّا الحلقة الرئيسة الثانية من حلقات التشرّد والنفي التي عاشها الفلسطينيّون، فقد حدثت عندما احتلّت إسرائيل البقيّة الباقية من فلسطين في حرب 1967، ممّا أدّى إلى نزوح نحو 200 ألف من سكّان الضفة الغربية بصورة خاصة، وبعضهم للمرة الثانية في حياته، إلى الضفة الشرقية من الأردن.

2-1-1 في الأردن:

انخرط الفلسطينيّون في المملكة الأردنية الهاشمية، سواء منهم سكّان الضفة الغربية (نحو 36% من مجموع سكّان المملكة) أو النازحون عن الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة (نحو 32% من مجموع السكّان)، يدفعهم إلى ذلك الظروف الإجتماعية والإقتصادية القاسية التي تراكمت في أثر معارك 1948، وما نجم عنها من اقتلاع وتشرّد وتهجير وتبعثر القيادة الوطنية الفلسطينيّة وانهيار مؤسّساتها السياسيّة، بالإضافة إلى التهديد العسكري المباشر والمستمر الذي شكّله قيام إسرائيل بالنسبة إلى الأراضي العربية المجاورة.

وكانت الأمم المتحدة، في إثر المأساة التي حلّت بشعب فلسطين، قد اتخذت قراراً في 8 كانون الأول (ديسمبر) 1949 يقضي بإنشاء هيئة خاصة للعناية بشؤون اللاجئين تحت إسم ” وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيّين في الشرق الأدنى (الاونروا UNRWA) والمعروفة بإسم وكالة الغوث. إلاّ أنّ الإمكانات المادية والتنفيذية المحدودة التي وضعت في تصرّف هذه الوكالة، جعلتها عاجزة عن توفير الحدّ الأدنى من الحاجات المعيشيّة للفلسطينيّين في أماكن تهجيرهم ونفيهم. واقتصر عملها على تقديم معونات عينية غذائية وخدمات صحيّة متواضعة ومؤسّسات تعليمية إبتدائيّة وإعدادية ومهنيّة، شملت فقط اللاجئين المسجّلين رسمياً لدى دوائر وكالة الغوث والمقيمين في مخيّمات البؤس والشقاء. وتركّز القسم الأكبر من أعمال الغوث في الأردن حيث تجمّعت أكثرية اللاجئين الفلسطينييّن، وحيث اشتدّت الحاجة كثيراً إلى مختلف أنواع المساعدات المالية والغذائية والصحيّة.

وعلى الرّغم من فداحة الكارثة، وهول المأساة والضياع والتشرّد، فقد استأنف الفلسطينيّون في الأردن مسيرة الحياة اليومية متّكئين على الجروح ومشاعر الحنين إلى أرض الوطن، يدفعهم الإنتماء العربي القومي إلى الإيمان بوحدة المصير العربي سبيلاً لإسترجاع الوطن السليب. وشكّلت الجماهير الفلسطينية القاعدة العريضة للإقتصاد الأردني الناشئ، وأمّنت اليد العاملة في مجالات البناء والزراعة والصناعة الخفيفة، كما قدّمت الكوادر المدرّبة للوظائف الحكومية المختلفة، وخصوصاً في الجهاز التعليمي. وشكّلت رؤوس الأموال الفلسطينية التي أمكن إنقاذها من الاحتلال الإسرائيلي، على الرّغم من ضآلة حجمها (قدرت في ذلك الحين بنحو 30 مليون جنيه إسترليني)، نواة الحياة الإقتصادية في الأردن، وعزّزتها في السنوات التالية المداخيل التي كان يرسلها الفلسطينيون العاملون في دول الخليج العربي إلى عائلاتهم في الأردن. وأقبل الفلسطينيّون على التعليم اقبالا ما لبث أن سجّل أعلى النّسب بين الدول العربية، إذ رأوا فيه مجالاً للتعويض عمّا فقدوه من كيان سياسي ومورد إقتصادي ومكانة إجتماعية.

2-1-2 في سورية:

بلغ عدد اللاجئين الفلسطينيّين في سورية (1949) نحو 85 ألفاً، تجمّعت أغلبيّتهم في مخيّم اليرموك قرب دمشق، وفي جوار مدينة حمص. ومنحت السلطات السورية الوافدين الفلسطينيّين حقوقاً متساوية مع المواطنين السوريّين في جميع المجالات، بما فيها الخدمة العسكرية، مع الإحتفاظ بالهويّة الفلسطينيّة الأصلية. وكان قرار سورية بعدم منح الفلسطينيّين المقيمين على أراضيها الجنسيّة السورية ينبع من الحرص على حماية الكيان الفلسطيني وعدم السماح بتذويب الشعب الفلسطيني في مجتمعات لجوئه، وذلك على الرغم من المصاعب التي رافقت تطبيق هذا القرار في حالات السفر والتنقّل وغيرها. وقدّمت وكالة الغوث الدولية خدماتها المتواضعة في مراكز التجمّعات الفلسطينيّة، والتي أقبل المقيمون فيها بصورة خاصة على فرص التعليم المتاحة أمامهم ليعوضوا من خلالها ما فقدوه بنتيجة التشرّد والضياع.

2-1-3 في لبنان:

وفد إلى لبنان، بنتيجة حرب 1948 – 1949، نحو 100 ألف فلسطيني، معظمهم من سكّان مدن شمال فلسطين وقراه. وتوزّعوا على مخيّمات قرب صور وصيدا وبيروت وطرابلس وبعلبك، في ظروف معيشية قاسية للغاية، وحذت الحكومة اللبنانية حذو سورية في حجب الجنسية عن الأغلبية الساحقة منهم. وقد نشطت وكالة الغوث الدولية في تقديم المساعدات الممكنة، وخصوصاً في حقل التعليم والتغذية والرعاية الصحيّة. ونتيجة لوضع الدولة البنانية المبنية على توازنات دقيقة من التركيبة الطائفية، لم تستطع أن تستوعب بأمان وأن تضبط هذا الوجود مما شكل عامل سلبي على مسيرة هذه الدولة الحديثة العهد بالاستقلال.

2-1-4 في العراق:

لم يتجاوز عدد الفلسطينيّين الذين وفدوا على العراق في أعقاب حرب 1948، 5 آلاف شخص، تجمّعوا في مدينة بغداد. ولم تمتد عمليّات وكالة الغوث الدولية لتشمل العراق، إلاّ أنّ الحكومة العراقية أتاحت للفلسطينيّين على أراضيها وضعاً شبيهاً بما وفّرته الحكومة السورية، بما في ذلك الحفاظ على الهويّة الفلسطينية وعدم منحهم الجنسية العراقية.

2-1-5 في قطاع غزّة ومصر:

تبلغ مساحة قطاع غزّة الذي أمكن إنقاذه في حرب 1948 من الإحتلال الإسرائيلي، 363 كيلومتراً مربعاً، وهو عبارة عن شريط ساحلي ضيّق يمتدّ من شمالي مدينة غزّة حتّى مدينة رفح جنوباً. وقد تدفّقت على هذه الرقعة الضيقة من الأرض، وبنتيجة حرب 1948، أعداد كبيرة من الفلسطينيّين، فارتفع عدد سكّانها من 80 ألفاً في بداية سنة 1948 إلى نحو 300 ألف في سنة 1949، ممّا جعل قطاع غزّة يسجّل إحدى أعلى نسب الكثافة السكّانية في العالم. وإلى جانب ظروف التشرّد والتشتّت التي عانى منها اللاجئون الفلسطينيّون في قطاع غزّة، فقد تمكّنت إسرائيل من الإستيلاء على معظم الأراضي الزراعية التابعة لقرى القطاع، ممّا زاد في قساوة الأوضاع الإقتصادية وصعوبة الحصول على مورد رزق لإعالة هذا العدد الهائل من السكّان.

وقد أُخضع قطاع غزّة في بداية الأمر، وبحكم وجود الجيش المصري هناك، للحكم العسكري المصري الذي استبدل فيما بعد بإدارة مدنية تابعة للسلطات المصرية. وقدّمت وكالة الغوث الدولية خدماتها إلى اللاجئين المقيمين في المخيّمات المنتشرة في القطاع والذين اضطرّ العديد منهم، بسبب قساوة الظروف المعيشيّة هناك، إلى التوجّه للعمل في دول الخليج العربي لتأمين متطلّبات الحياة الضرورية لهم ولعائلاتهم.

بالإضافة إلى الدول العربية المجاورة لفلسطين، فقد توجّهت أعداد ضئيلة أيضاً إلى مناطق أخرى من العالم العربي، وإلى بعض الدول الأوروبية والأميركية. وكان الدافع الأساسي في التوجّه نحو الغرب هو التحصيل العلمي، أو الإلتحاق بأفراد آخرين من العائلة.

2-2 التغييرات السياسية في العالم العربي:

تفاعلت أصداء هزيمة 1948، وأنباء الخلافات السياسية العربية، وضعف القيادة العسكرية وتشتّتها، وفساد الأسلحة، والتدخّلات الأجنبية، في صفوف الشعوب العربية، وخلقت إحساساً بخيبة الأمل والنقمة على الحكومات التي كان لها دور في ضياع فلسطين. وشهدت الدول العربية المجاورة هزّات واضطرابات سياسية كانت، في مجملها، تعبيراً عن رفض الشعوب العربية لما حدث في حرب 1948. فقام في سورية عدد من الإنقلابات العسكرية، وحدثت اضطرابات في العراق (1948) وأزمة سياسية في لبنان (1951)، وجرى اغتيال الملك عبد الله في القدس (1951)، وقامت ثورة الضبّاط الأحرار في مصر (1952). وممّا ساهم في عدم استقرار المنطقة العربية أنّ عدداً كبيراً من أقطارها كان حديث العهد بالإستقلال، وما زال في بداية طريق بناء المؤسّسات السياسية والإقتصادية والإجتماعية والعسكرية لصيانة هذا الإستقلال وتدعيمه وحمايته. كما أنّ أطماع الدول الغربية ومخطّطاتها كانت، وما زالت، تضع المنطقة العربية ضمن مناطق نفوذها لأهمية موقعها الإستراتيجي من جهة، ولثرواتها النفطية من جهة أخرى. وقد اعتبرت الدول الإستعمارية الغربية – إنكلترا وفرنسا في البداية، ثم الولايات المتحدة لاحقاً – أنّ وجود الكيان الصهيوني على أرض فلسطين المحتلة يشكّل الدعامة الرئيسية لهذه المخطّطات التي ازدادت خطورتها مع ازدياد حدّة الحرب الباردة في الخمسينات بين المعسكر الغربي بزعامة الولايات المتحدة، والمعسكر الشرقي بزعامة الإتحاد السوفياتي. ويعتبر البيان الثلاثي (25 أيار/ مايو 1950) الصادر عن كلّ من إنكلترا وفرنسا والولايات المتحدة، بداية التورّط الأميركي الجاد في منطقة الشرق الأوسط، باعتبارها إحدى ساحات الحرب الباردة الرئيسيّة بين المعسكرين. وفي أثر هذا الإعلان، تلاحقت العروض من دول البيان الثلاثي لإقامة قيادة دفاعيّة للشرط الأوسط، برعاية هذه الدول، ومشاركة تركيا وإسرائيل وغيرهما من دول المنطقة، والتي تستهدف – في واقع الأمر – ربط الدول العربية بالنظام الدفاعي الغربي في مواجهة الإتحاد السوفياتي.

وفي ربيع سنة 1953، قام جون فوستر دالاس، وزير الخارجية الأميركي آنذاك، بجولة في منطقة الشرق الأوسط لـ ” جمع الحقائق” من أجل إقامة منظمة دفاعية إقليمية مرتبطة بالغرب. وفي بداية سنة 1954، وقّعت باكستان وتركيا – بتأييد ودعم أميركيّين – معاهدة دفاع مشتركة. وبعد ذلك بشهرين، قدّمت الولايات المتحدة إلى العراق مساعدة عسكرية واقتصادية بهدف ضمّه إلى المعاهدة السابقة. وقد تمّ ذلك في مطلع سنة 1955، ثمّ تبعته بريطانيا في حزيران (يونيو)، فإيران مع نهاية سنة 1955. وهكذا أصبح الحلف الباكستاني – التركي يعرف بـ ” منظمة الحلف المركزي “، أو حلف بغداد. أمّا الولايات المتحدة، فاكتفت بدعم الحلف عسكرياً واقتصادياً، من دون الإنضمام إليه. وفي المقابل لهذا الحلف تبرز أهمية ثورة 23 تموز (يوليو) 1952 في مصر التي أطاحت بنظام فاروق الملكي، وأعلنت النظام الجمهوري، والتي قادتها مجموعة من الضبّاط الأحرار بزعامة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وكان البعض من هؤلاء الضبّاط قد شارك في حرب فلسطين سنة 1948، وعانى شخصياً من فساد الأسلحة والذخيرة وسوء الإدارة وضعف القيادة. كل هذه الاحداث والتناقضات في الاهداف أثرت على بنية الدولة في العالم العربي وعجزها عن التقدم والتطور.

وعلى الرّغم من محاولة النظام الثوري في مصر الإحتفاظ بصداقة الدول الغربية والحصول على مساعدات اقتصادية وعسكرية منها، فإنّ الصدام كان مؤكّداً بين الطرفين، نظراً إلى تناقض المواقف والمصالح والسياسات، خصوصاً وأنّ الثورة المصرية تبنّت شعار استرجاع فلسطين هدفاً من أهدافها القومية الراسخة.

3 – التأثر بالنموذج الغربي في بناء الدولة في العالم العربي:

جاء على لسان ماكس ويبر أنه من الواضح أن كبار ملاك الاراضي في العراق كانوا في العشرينات والثلاثينات ما زالوا لا يشكلون أكثر من جنين طبقة أو “طبقة بذاتها”، أو مجرد “قاعدة محتملة لعمل مشترك”، أمّا في الاربعينات والخمسينات فقد تحوّل هؤلاء، وبشكل لا يدعو الى الشك، الى “طبقة لذاتها”، أي الى مجموعة مميزة وواعية لذاتها سياسياً. ولقد ساهمت عدّة عوامل في هذا التحوّل منها: التشكل السريع لمؤسسات الدولة الملكية، والكساد الاقتصادي العالمي في العام 1929، وسياسات تسوية الأراضي بين العامين 1932و1938، وحالات النقص الشديد في التزويد السلعي والتضخم اللولبي خلال الحرب العالمية الثانية والسنوات التي تلتها مباشرة، والهجرة الجماعية لليهود في أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات، والتدفق المفاجىء لأموال النفط بعد العام 1952، وتضاعف عدد سكان بغداد أربع مرات بين عامي 1922و1957. مع العلم أن طبقات العراق الملكي، وليس كل عناصرها المكونة بالضرورة، كانت طبقات قديمة بمنظور فترة ما بعد 1958، بقدر ما انها كانت، الى مدى بعيد، نتاجاً لارتباط البلاد التدريجي، عبر القرنين التاسع عشر والعشرين، بسوق الإمبراطورية البريطانية المعتمدة على الصناعة الضخمة. ففي ظل الحكم العثماني، كان العراق يتألف من مجتمعات متمايزة، مهتمة بذاتها، وذات روابط متبادلة واهنة، أما الصيغة الاجتماعية التي تتجه الى تكديس المال وتوسيع نطاق الملكية الخاصة، هي صيغة تكونت أساساً من خلال روابط العراق الجديدة نسبياً مع السوق العالمية المعتمدة على الصناعة الكبيرة، أو تكونت امتداداً للصيغ الاجتماعية الاقدم التي تربط قيمة الانسان بعراقة النسب أو بالعلم أو بالدين أو بالبسالة القتالية في الغزوات القبلية، كما أن هذه المجتمعات كانت خاضعة الى حد كبير لسيطرة الروابط المحلية والنظرات المستقبلية المحلية، وسيطرة الحرف اليدوية الصغيرة أو إنتاج زراعة الكفاف وخاضعة خارج المدن لصيغ ملكية الدولة والملكية العشائرية المشاعة. لقد كانت الملكية الخاصة، بمعنى ملكية حصة من وسائل الانتاج غير موجودة، خارج المدن العراقية وأراضيها التابعة لها مباشرة، وحتى الملكية في المدن كانت تقوم على اسس هشة، وبإستثناء ملكية “الوقف الذري”، كانت الملكيات معرضة لمصادرات متكررة. ففي بغداد المملوكية في العهد العثماني في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، كانت مراكمة الملكية أو الثروات، وروبما بإستثناء ما يخص العائلات المنسوبة الى مواقع دينية، أمراً غير آمن من حيث إمكانية التعرض لحسد أو جشع وطمع الباشوات الحاكمين. والمؤكد أن الطبقات كانت موجودة في المناطق الحضرية ولكن بشكل بدائي وفي بنى متوازية مع المجتمعات الدينية المعترف بها، ولكنها بقيت ذات طابع اقتصادي بحت ولم تكتسب مظهراً سياسياً.

في مطلع القرن الحالي لم يكن العراق شعباً واحداً أو جماعة سياسية واحدة. وهذا لا يعني الاشارة فقط الى وجود الكثير من الاقليات العرقية والدينية، فالعرب أنفسهم الذين يؤلفون أكثرية سكان العراق كانوا يتشكلون، الى حد بعيد، من جملة من المجتمعات المتمايزة والمختلفة في ما بينها والمنغلقة على الذات، بالرغم من تمتعهم بسمات مشتركة. إلا أن كثير من الوقائع والتأثيرات، بشكل مباشر وغير مباشر ساهم في نشر شعور قومي جديد، ومن بين هذا الكثير: تزايد عدد الشباب العراقيين الملتحقين بمدارس التعليم العالي التركية وخصوصاً بالاكادمية العسكرية في استامبول، وزيادة التعرض لطرق التفكير الأوروبية، ونمو التركية الجامعة، وتسارع ايقاع التتريك، وعدم التجاوب التركي نسبياً مع الاحتياجات المحلية، وانتشار الكتب والصحف، وتكاثر الاتصالات العربية – العربية، وظهور النوادي والجمعيات العروبية، والاهتمام الأكبر بالتاريخ العربي وتلا ذلك إستنهاض اللغة المشتركة والأصول الإثنية (العرقية) المشتركة لمعظم العراقيين. ولكن ما ساهم أكثر من أي شيء آخر في تقدم الشعور الجديد كان الغزو الانكليزي 1914-1918، أو بالأحرى المقاومة التي أثارها هذا الغزو، ووصلت نقطة الذروة في إنتفاضة 1920، وللمرة الأولى منذ قرون عديدة إنضم الشيعة والسنّة سياسياً. ولا يمكن القول بأن الثورة المسلحة التي إنتهى إليها هذا الغليان كانت ثورة قومية فعلاً، بل كانت أساساً شأناً عشائرياً حرّكه الكثير من الأهواء والمصالح المحلية، ولكنها أصبحت جزءاً من الميثولوجيا القومية، وبالتالي عاملاً هاماً في إنتشار الوعي القومي.

وعلى الرغم من أن الملكية الهاشمية كانت من صنع الانكليز فقد كانت خلال العقدين الأولين من عمرها مفعمة بروحية مناقضة أساساً لروحيتهم. ونظراً للتداخل الحميم الذي كان قائماً في البداية بين مصالح الأسرة الهاشمية ومصير حركة العروبة الجامعة، فإن التوجه العفوي الأساسي لهذه الملكية في الفترة 1921-1939 كان بإتجاه الذهاب –إلى المدى الممكن في ظروف تبعيتها للانكليز- في عملية بناء الأمة – الدولة في العراق. وفي إطار تحقيق هذا الهدف، ولمواجهة إحتياجاتها الادارية أيضاً من ناحية أخرى، فقد أضافت الملكية الكثير إلى ما هو موجود من مرافق تعليمية،([132]) مضيفة بذلك، أعداداً جديدة الى صفوف إنتلجنسيا الطبقة المتوسطة الجديدة، الحاملة الطبيعية للمشاعر الوطنية (القومية) وبثبات ملحوظ، لقد كان التشديد الرئيسي للسياسة الملكية يتركز على المهمة العاجلة والبالغة الصعوبة لإقامة روابط ثابتة من المشاعر المشتركة والأهداف المشتركة بين عناصر العراق المختلفة. ولا بد هنا أن نطرح السؤال التالي: كيف كانت ستكون هذه المهمة في إقامة دولة عربية موحدة؟ هذه الدولة التي كان يطمح لإنشاءها الملك فيصل. وكان الملك فيصل قد كتب في مذكرة سريّة له يقول إنّه: ” أقول وقلبي ملأن أسى أنه في إعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد كتلات بشريّة خيالية خالية من أي فكرة وطنية متشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة، سمّاعون للسوء، ميالون للفوضى، مستعدون دائماً للانتفاض على أي حكومة كانت، نحن نريد والحالة هذه أن نشكل من هذه الكتل شعباً نهذبه، وندربه، ونعلمه، ومن يعلم صعوبة تشكيل وتكوين شعب في مثل هذه الظروف، يجب أن يعلم أيضاً عِظَم الجهود التي يجب صرفها لإتمام هذا التكوين، وهذا التشكيل “.([133]) شعر الملك أنه لن يكون هنالك تقدم صلب بإتجاه دولة أصيلة من دون تقوية الجيش، ونظراً لأن الحكومة كانت أضعف بكثير من الشعب، كان هنلك في البلاد عام 1933 حوالي أكثر من 100 ألف بندقية بينما كانت الحكومة لا تملك غير 15 ألفاً فقط.([134]) فقد شك فيصل بقدرته على التعامل مع ثورتين مسلحتين تقومان في الوقت نفسه في منطقتين متباعدتين، وفكّر في أنه من الغباء القيام بإصلاحات هامة أو بمشاريع تطوير وتنمية من دون تأمين قوة حماية مناسبة، ولهذا كله فقد رأى فيصل في الجيش العمود الفقري لتكوين الدولة.([135]) وإستناداً إلى هذا، رفع فيصل في العام 1933 وهو العام الذي حصل فيه العراق على سيطرة كاملة لا تتجزأ على شؤونه الداخلية، قوّة المؤسسة العسكرية إلى 11500 رجل، بعد أن كان التعداد قد بقي ثابتاً على 7500 رجل منذ العام 1925.([136]) ومن خلال جهوده لإعادة تكوين العراق على أسس قومية تابع الملك فيصل مسيرته، مركّزاً إهتمامه لا على ما هو مرغوب فحسب بل على ما يمكن إنجازه عملياً في الواقع من إقامة الطرقات المعبدة، وتطوير آلة الإدارة وجهاز أمن الدولة ولحماية بغداد وجنوب العراق من الفياضنات المدمرة، بنيت السدود والخزانات المائية وكانت هذه الشاريع قد أصبحت ممكنة التنفيذ مع تدفق أموال الى خزينة البلاد لا سابق له، وكانت شركات النفط قد زادت إنتاجها بشكل حاد، فتطورت الاتصالات ومن بينها مقاسم الهاتف الآلي في بغداد والبصرة، ومحطة إذاعة لاسلكية قوية في أبو غريب، ومحطة تلفزيون في العاصمة، ناهيك عن الاصوات التي تبث من خارج العراق. لقد فعلت الادارة الملكية الكثير لتحضير العراقيين لحمل الصفة القوميّة، ولقد كانت الفكرة القومية لا تزال ضعيفة جداً في العام 1958 ومن المثير للاهتمام أن بعض العشائر الفلاحية التي قطعت علاقاتها بمشايخها وهاجرت الى بغداد لبدء حياة جديدة تجاهلت القوانين الحضرية ودخلت في مواثيق مكتوبة تربط في ما بينها لضبط سلوكها وحل نزاعاتها بالاعتماد على عاداتها العشائرية القديمة. لقد أراد الملك فيصل بناء دولة قومية عراقية حسب ما صرّح، ولكنها غير منفصلة عن التقاليد الاسلامية وحاول أن يرسي أسس السلطة لعائلته ولكن القوة المادية لم تساعد الملكية في النهاية، فالتوسع المستمر للطبقة المتعلمة أدى الى استمرار تآكل الولاءات التقليدية، ولكنه لم يؤدِّ بالضرورة الى استمرار نمو المشاعر القومية المرتبطة بالبيت الهاشمي. وهذا راجع الى بزوغ تيارات ايديولوجية جديدة، ومن بينها التيار الشيوعي بشكل خاص، بالاضافة الى أن التاج الملكي المعزول عن القوميين، زاد من ربط مصيره أكثر فأكثر بالانكليز ومشايخ العشائر، مما أدى هذا الى توسُّع التحالف ضد الملك.

كانت السلطة في العراق منذ تأسيس الملكية في العام 1921 مُتقاسمة بدرجات مختلفة بين البريطانيين والملك والضباط وظل الوضع كذلك حتّى ثورة تموز (يوليو) 1958، وتخلل هذه الفترة الثورة ضد البريطانيين في العام 1920، اضراب عام استمر 14 اربعة عشر يوماً في العام 1931، انقلاب بكر صدقي العسكري في 1936، ثم انقلاب عسكري مضاد في العام 1937، انقلاب رشيد عالي الكيلاني في 1941. وفي 1948 الوثبة وهي انتفاضة الجماهير المدنية ضد الحكومة الملكية، ولكنها ذات طبيعة اقرب الى ثورة الجياع. ثم في 1956 انتفاضة لردّ فعل للهحوم الثلاثي على مصر حتى 1958 تاريخ الثورة.)[137](

إذاً نستطيع القول بأن العراق باشر في هذه الحقبة بالرغم من كل الظروف فترة من الازدهار الإقتصادي والتقدم السياسي الذي لم يعرفه منذ الأيام الذهبية لعصر الخليفة العباسي، مشكلاً تناقصاً مع الوضع الفلسطيني الذي كان يزحف نحو المأساة في عشرات من السنين من حكم الأتراك الى وصاية الانكليز سنة 1918. فأعطى شمال العراق اكثر مما كان متوقعاً منه من انتاج البترول في بداية عام 1920 وحتى عام 1925، وأنشئت شركة البترول العراقية على انّها صاحبة الامتياز الحكومي الرئيسي. وبينما كان الذهب الأسود يصب من آبار الموصل وكركوك والبصرة في خط الأنابيب الى طرابلس وحيفا والخليج العربي، تبلورت دولة العراق، دولة غنية لعبت دوراً سياسياً فعّالاً بعد أربعة قرون من الحكم العثماني. وكان تقدم العراق يضاهي تقدم الدول العربية المجاورة. ونالت العراق الاستقلال قبل الحرب العالمية الثانية بالرغم من أن النظام كان بمساندة انجليزية واضحت عضواً كاملاً في عصبة الأمم في الوقت الذي كان فيه ينكر على عرب فلسطين تكوين حكم ذاتي. وهذا التفضيل المشهور كان بسبب نفوذ لنوري السعيد الطموح المتطلع الى بناء دولة حديثة على غرار الدولة الأوروبية، والذي حكم العراق بيد من حديد لمدة ثلاثين عاماً ولم يكن كالحاج امين الحسيني الفلسطيني الذي كان تعاونه مع السلطات البريطانية مستحيلاً.

3-1 نوري السعيد:

في عصر السلطان عبدالحميد في ديسمبر 1888 ولد نوري السعيد. تعلم نوري تعليماً تركياً حربياً وكان عمره اربعة عشر عاماً عندما التحق بالكليّة الحربية في اسطنبول، تزوج في عام 1910 من أخت زميله جعفر العسكري الذي بدوره تزوج أخت نوري السعيد. أرسل في الخدمة ضد المتمردين البلغار. وصار أول رجل عربي يستعمل الطائرة في الحرب العالمية الأولى. لم يكن نوري السعيد على وفاق مع الشبان الأتراك، وكان متفهماً جيداً لنحو النفوذ الألماني على الباب العالي. وعند ظهور عزيز علي المصري انضم الى جمعية العهد السرية العسكرية، وعندما قبض على عزيز علي المصري ووضع تحت المحاكمة وحكم عليه بالإعدام كان نوري السعيد من بين الذين ضغطوا على السفير الإنجليزي في اسطنبول ليتدخّل لإلغاء الحكم، وعندما أفرج عن عزيز تسلل نوري السعيد الى العراق محرِّكاً المتاعب ضد الأتراك. وفي ديسمبر 1915 رجع نوري السعيد الى مصر بدعوة من عزيز علي المصري، ولكن عندما استسلمت الحامية البريطانية للأتراك في كون العمارة، وفي ابريل التالي وطردت الدفاعات البريطانية منMesopotamia  ميسوبوتاميا أجبر على تخليه عن خططه في البدء بثورة في العراق ضد الأتراك وذهب لينضم الى الشريف حسين الذي احتلت قواته مكة. ولمدة سنة كان قائداً للمدفعية التي تساند جيوش أبناء الشريف حسين علي وعبدالله كقوة دفاعية في الحجاز بينما تقدم جيش فيصل تجاه الشمال من الأردن. وفي سنة 1917 إنضمّ إلى زوج أخته جعفر الذي هرب من الجيش السلطاني بعد تنفيذ حكم الاعدام في الوطنين السوريين سنة 1916 وانتقل من القوة الدفاعية الى القوة الهجومية كقائد في جيش قوات فيصل.([138])

وعندما دخل فيصل دمشق سنة 1918 عيّن نوري السعيد قائد حامية المدينة، واستطاع ان يحتفظ بالمدينة (دمشق) ضد مقاومة عبد القادر الجزائري رئيس اللاجئين الجزائريين في سوريا الذي حاول ان يتمسك بالمدينة بمساعدة الدروز، ولهذا رقي نور السعيد الى رتبة جنرال، ولكن مكافأته الكبيرة كانت ممثلة في رعاية فيصل فعندما سافر فيصل الى لندن في ديسمبر 1918 وبعد ذلك إلى باريس ليشترك في مؤتمر فيرساي للسلام رافقه نوري السعيد. وللمرة الثانية سنة 1920 كان نوري يمثل رئيس المستشارين لفيصل في مؤتمر سان ريمو عندما وقف الأمير آخر وقفة للمطالبة باستقلال العرب، وعندما أخرج فيصل من سوريا بأمر من الفرنسيين رافقه نوري السعيد في منفاه في فلسطين وعندما وصلت الأمور في العراق من سيّء إلى أسوأ في سوء الإدارة للمندوب البريطانيى (الكولونيل ولسن)، ثار ضباط فيصل في العراق مطالبين باستقلال العراق وتعيين عبدالله ملكاً على العراق، وعندما عقد مجلس شورى العراق في دمشق قبل مؤتمر سان ريمو توسل نوري السعيد إلى ولسن ليلفت نظره الى مطالب العراقيين الغاضبين ولكن دون جدوى. ففي سنة 1920 حدث ما لا يمكن تجنبه حيث ثارت قبائل وادي الفرات ضد الحكم الاستعماري البريطاني المباشر، واستمرت الثورة حتى أوكتوبر من نفس السنة. لقد عاصر نوري السعيد فترة المعاناة من أجل بناء دولة عربية ثم النضال من أجل قيام دولة عراقية.

3-2- فيصل ملكاً على العراق:

بعد احتلال الفرنسيين لدمشق في يوليو 1920، أخذت الثورة شكل الجهاد مما اضطر الحكومة البريطانية الى ارسال كوكس ليحل محل ولسن وسُمح للعراق بانتخاب ممثليه في البرلمان والحكومة. وصار الإنجليز الرسميين مجرد مستشارين واحتفظ كوكس بحق نقض القرار في الامور السياسية الكبيرة، وبهذا اتخذت خطوات متواضعة في طريق استقلال العراق وأوقف حمام الدمّ واستجاب مؤتمر القاهرة لطلب العراق بحكومة ملكية هاشمية، وقرر لصالح سياسته الإقتصادية دعوة فيصل ليقدم نفسه كي ينتخب في استفتاء عام ملكاً على العراق. فأعلن المؤتمر بوضوح الرغبة في استبدال الانتداب بعقد معاهدة تحالف مع العراق، فقبل فيصل العرض ونجح في الإنتخابات العامة، وعيّن رسمياً ملكاً على العراق في 27 آب 1921. فأصبحت العراق دولة ملكية ذات دستور وهذا كان أول مرّة في تاريخ العرب بعد موت النبي محمد أن يحل الدستور بدلاً من الخلافة.([139])

وبمجيء فيصل الى العراق كان لم الشمل السعيد بالنسبة لنوري السعيد لأنه كان بدون عمل في المنفى مع سيده فيصل، وقبل الدعوى التي جاءته ليكون رئيساً لهيئة الجيش العراقي، وجاءت الدعوة من زوج أخته جعفر الذي صار وزيراً للحربية في حكومة العراق.

ان انتخاب الأمير فيصل في بلد ليس له الرغبة أن يكون عنده سلالة حاكمة مستوردة من الخارج، بالرغم من أنها متحدرة من بطل العراق التقليدي الخليفة علي بن ابي طالب، كان يحتاج الى معاملة كبيرة مع الاصدقاء المخلصين الذين كانو يعيشون في الخيام، ليس هناك من شخص يستطيع تحقيق ذلك إلا فيصل نفسه منذ انتخابه حتى مماته سنة 1933 وقصة العراق صارت قصة شراكة وتفاهم قائمة بين رجلين هما فيصل ونوري السعيد، اللذين قدّما انضماماً نادراً ومشهوراً في الموهبة، فقدم نوري السعيد قيادة للطاقة المنظمة الذكية لإعادة ايقاظ العراقيين من نوم عميق، بينما فيصل نمّى المهارات السياسية واستطاع أن يكوّن وحدة مقاتلة موحدة من القبائل المتعادية اثناء ثورة العرب، لا يوجد اي رجلين في استطاعتهم إنجاز مثل هذا العمل في بناء دولة حديثة موحدة في العراق بين الحربين العالميتين الأولى والثانية سوى فيصل ونوري السعيد. بالتأكيد لا توجد أرض عربية أخرى عندها كل المشاكل والإنقسامات مثل العراق الذي هو بلد الاقليات والعنصريات والديانات، حيث كان سكان العراق اربعة اخماس عرب، وخمس الباقي من الاكراد ثلاثماية ألف منهم آشوريين. وفي محيط الديانات توجد الأقليات غير المسلمة، والمسلمون منقسمون بين الشيعة والسنة وهما في تنافس دائم، وحتى الأقلية المسيحية تتبع ست كنائس مختلفة.

وبالإضافة الى هذه الإنقسامات توجد المنازعات القبلية على امتلاك الاراضي وحقوق المياه التي حدثت بسرعة، وبالأخص في وادي الفرات. وعندما قدمت الحكومة اقتراح لمشروع توفير المياه لري الأراضي التي تملكها القبائل كانت هناك استيضاحات حدود مستمرة مع السعودية والكويت التي تطالب العراق بها والأكراد يطالبون بالانفصال وحكم ذاتي لدولتهم. وهكذا انتصر فيصل على كل هذه المشاكل وأسكت الأكراد بتمثيلهم في الحكومة العراقية، وتمّ تعويض القبائل وعقد اتفاقاً حدودياً مع السعودية، وأما المنازعات مع الكويت فظلت بدون حلّ.

3-3 العراق نحو الاستقلال والحداثة:

في الوقت الذي كان فيه نور السعيد قائداً عاماً للجيش العراقي ثم أصبح وزيراً من سنة 1925 الى سنة 1930 قام بتحديث القوات العراقية المسلحة، وقبل المساعدة التي قدمت من هيئة التدريس في كليات كاديت البريطانية لتنمية القوات المسلحة العراقية. واستغل فرصة وجود قطاع من قوات الطيران الحربي البريطاني في قاعدة الحبانية في العراق لتطوير سلاح جوي عراقي صغير ولكنه مؤثر. وهذا التعاون جاء بسهولة من البريطانيين.([140])

وكان فيصل ونوري السعيد يعرفان جيداً أنهما كلما تعاونا مع بريطانيا كلما انجز العراق استقلاله بسرعة، وكان يساعدهما السير بريسلي كوكس وجماعة من الرسميين الإنجليز الذين كانوا يرحبون برفع الولاية عن العراق في أقرب وقت ممكن. وزيادة على ذلك لم تكن العراق مثل فلسطين تخضع لاعتبارات استراتجية سياسية مثل وعد بلفور، وإعلان بريطانيا لامتلاك قواعد لحماية قناة السويس، فاقتنعت بريطانيا ان اهتمامهاتهم بالعراق ممكن ان تحميها مجموعة من القواعد الجويّة فقط .

لهذه الأسباب استبدل الانتداب البريطاني بمعاهدة تحالف في أول اكتوبر سنة 1922 والاختلافات فيما بعد لم تكن تخصّ مبدأ الاستقلال ولكن درجة السيطرة البريطانية التي تصرّ بريطانيا في الحيازة عليها.

كان هذا يعتمد على صلة نوري السعيد المتميزة بالمندوب السامي البريطاني في بغداد، فضاقت فجوة الخلافات بالتدريج بين وجهة النظر الانجليزية والعراقية في يناير 1926 ووقع اتفاق جديد في ديسمبر 1927 أعطى العراق مزيداً من الحكم الذاتي وفي يونيه 1920 عندما صار نوري السعيد رئيساً للوزارة في العراق لأول مرّة وقعّت معاهدة نهائية اشتملت على إعطاء العراق استقلالاً تام، ووعد من بريطانيا بمساندتها للدخول الى عضوية عصبة الامم، ومعاهدة عسكرية لمدة خمس سنوات تكون العراق مسؤؤلة عن الدفاع والشؤون الخارجية، ويسمح لبريطانيا استعمال القواعد الجويّة العراقيّة مقابل ارسال بعثات عسكرية لبناء القوات العراقية الحديثة وتقديم المشورة العسكرية.

بعد انتخاب العراق عضواً في عصبة الأمم واجه نوري السعيد مناورة من خارج مكتبه، من محامي شاب مجتهد ولكن غير مستقر وهو رشيد علي الكيلاني من الوطنيين الذين يطالبون بمزيد من الإستقلال، ولإستيعاب حركته عيّنه فيصل رئيس وزراء، ونور السعيد وزيراً للخارجية وكانت تجربة ناجحة.

مات فيصل في سبتمبر 1933 متأثراً بنوبة في القلب ولم تكن لنوري السعيد السيطرة فانغمست العراق في فوضى وعدم استقرار وجاءت وزارات وذهبت وزارات حتى أوكتوبر 1936 عندما قام ضابط طموح في الجيش العراقي هو الجنرال بكر صدقي وطلب تعيين حكمت سليمان رئيساً للوزراء واتفق معه على شلّ نفوذ نوري السعيد في قيادة شؤون الدولة. وأغتيل جعفر زوج أخت نوري السعيد ولجأ نوري السعيد الى مصر، ولكن في خلال  سنة اغتيل بكر وعاد نوري السعيد في يوم عيد الميلاد سنة 1938 ليصير رئيساً للوزراء للمرة الثانية ولكن مشاكل العراق لم تنته، ففي أبريل 1939 مات الملك غازي بن فيصل في حادث سيارة، وخلفه ابنه فيصل الصغير وكان عمره ثلاث سنوات تحت وصاية الأمير عبدالله بن علي بن الشريف حسين.

وجاء موت الملك غازي في أسوأ وقت للعراق حيث بدات الحرب العالمية الثانية تظهر غيومها على أوروبا وأصبح القادة السياسين العراقين في تنافس قوي بعضهم يؤيد الألمان والبعض الآخر يؤيد الإنكليز والحلفاء.

3-4 العراق مسرحاً للصراعات:

وعندما اشتعلت الحرب العالمية الثانية وفى نوري السعيد التزامه نحو الإنكليز طبقاً لمعاهدة 1920، وطرد البعثة الألمانية في بغداد وعلى رأسها Dr. Frtiz Grobba بالاضافة الى جميع الألمان الذين يعملون في العراق وأعلن بعزم أن العراق قلباً وقالباً سيساند بريطانيا كان Grobba يعمل جاهداً بتدبير مكيدة مع بكر ورشيد الكيلاني للوصول الى حكومة في العراق منحازة للألمان وازاحته لم توقف مكائد رشيد علي الكلاني واستقبال نوري السعيد لمفتي فلسطين حاج أمين الحسيني الذي حضر من منفاه نجحت بادئ الأمر في تعديل حقد الحسيني على الإنكليز وعلى كل عربي يساند بريطانيا، وركز رشيد علي الكيلاني جهوده لتحطيم وزارة نوري السعيد. وفي ربيع 1940 كل العناصر الداعمة لألمانيا قويت بنصر ألمانيا الكاسح في أوروبا، وصار الرأي السياسي العراقي منحاز بشدة الى ألمانيا، واغتيل رستم حيدر وزير المالية الصديق المقرّب لنوري السعيد، وظهرت مجموعة جديدة مؤيدة لألمانيا كانت تسمّى الميدان الذهبي، وهذه المجموعة تتكون من أربع قادة في الجيش وجنرالات في القوات الجوية وأجبروا مندوب الملك والواصي على العرش بتعيين رشيد علي الكيلاني رئيساً للوزراء وجعلوا نوري السعيد وزيراً للخارجية ولكن السلطة الفعلية في يد رشيد علي الكيلاني. وتعالت الأصوات والشعارات المرسومة على الجدران منددة بسياسة بريطانيا واصدقائها في العراق.

وكان سبب هذا الغليان يعود الى معاملة بريطانيا السيئة للفلسطينيين التي القى الضوء عليها المفتي الحسيني كما أن انتصارات ألمانيا في اوروبا جعلت كثيراً من العرب يشعرون ان بريطانيا لا بد ان تنهزم. وفي لحظات اليأس أخذ نوري السعيد بحث زملاءه في الوزارة على إعلان الحرب ضد أعداء بريطانيا بشرط ان تقوم الحكومة البريطانية تنفيذ سياسة الورقة البيضاء في فلسطين وكانت هذه مقامرة خاسرة من جانب نوري السعيد في كلا الحالتين كان رشيد علي الكيلاني وأصدقاؤه لهم الفوز فلو أن بريطانيا قبلت هذا الشرط وضغطت لقبول هذه السياسة سوف يكون هذا برهاناً على عدوان بريطانيا، ولو رفضت بريطانيا عرض نوري السعيد سوف يصيحون بخيانة وغدر بريطانيا للعرب، وعندما تمّ العرض على حكومة بريطانيا رفض تشرشل رئيس الوزراء البريطاني ان يعطي اي وعد او تأكيد بقبوله. وأسرع رشيد علي الكيلاني في إعلان أن بريطانيا  تملّصت من وعودها مرّة ثانية ، وبذل نوري السعيد جهوداً مضنية لإقناع زملائه الوزراء أنه مهما كانت بريطانيا تستحق اللوم على أدائها في فلسطين إلا أن نصر ألمانيا سوف يلفظ نهاية الحرية التي نالتها العراق.)[141](

وعندما فشل نوري السعيد استقال من وزارة الخارجية في ابريل 1941 وبدأت الحوادث الغريبة تسير بسرعة، أولاً بدا رشيد علي الكيلاني في محاولة ايقاف الفرق الانكليزية من عبور الأقاليم العراقية في طريقها الى الهند لتقوية الأماكن المهددة من تقدم الألمان في ليبيا واليونان . كما طلب رشيد علي الكيلاني من مندوب الملك والوصي على عرش العراق بسجن جميع القادة السياسين المنحازين الى بريطانيا، وان تقاطع العراق بريطانيا وتمضي معاهدة مع ألمانيا: لكن عبدالله الوصي على عرش العراق، وبالاستعانة بنوري السعيد وأصدقائه من الضباط في الجيش، رفض طلب رشيد علي الكيلاني وطرده من رئاسة الوزارة وعين وزير الدفاع طه الهاشمي رئيساً للوزارة وأعلن أن لا تغير في سياسة الحكومة العراقية.

لكن بعد بضعة أيام قام رشيد علي الكيلاني ومربعه الذهبي بمظاهرات، واستقال طه الهاشمي وظنّ رشيد على أنه  سيعود مرّة ثانية إلى رئاسة الوزارة وسيعزل مندوب الملك والوصي على العرش بقرار من الجمعية الوطنية.)[142](

ولكن في 2 مايو 1941 حوّطت قوات الجيش العراقي قوات الطوارئ البريطانية في الحبّانية التي قررت القتال لتجد طريقاً خارجيّاً لها. وفي نفس اليوم أعلن رشيد علي الكيلاني الحرب على بريطانيا، ولجأ نوري السعيد ومندوب الملك الى السفارة البريطانيّة ثم الأردن وسارعت بريطانيا للتغلب على المشاكل بسرعة البرق. وبانهيار فرنسا في المقاومة في أوروبا واحتلالها من قبل قوات هتلر اصبحت فيها حكومة موالية للألمان برئاسة مارشال بيتان وأصبح العراق والشرق الأوسط تحت تهديد النازية. وقام الملك عبدالله ملك الأردن بدون تردد بالإعتماد على الجانب البريطاني ووضع الفيلق العربي تحت أمرة بريطانيا ليكون قوّة للتدخل السريع الذي سار الى العراق في 12 مايو 1941، وفي نفس الوقت كان من غير المتوقع أن يمنع هجوم القوات البريطانية على الألمان في كريت من إمداد المربع الذهبي في العراق بالأسلحة التي وعدوهم بها.)[143](

3-5 مشروع الهلال الخصيب:

هذه الحادثة جاءت بالازدواج مع تقدم القوة البريطانية الصغيرة مع الفيلق العربي الذي جاء من الأردن، كان لها الفضل في انهيار رشيد علي الكيلاني بعد إعلانه الحرب على بريطانيا بعد أربعة أسابيع من ذلك وهرب رشيد إلى طهران وعاد نوري السعيد وعبدالله مندوب الملك والوصي على عرش العراق إلى بغداد. وفي الحال إستعاد مكتبه كرئيس للوزارة، ثم سافر الى القاهرة في مهمة فحواها الإقتراح على المصريين مشروع الهلال الخصيب بانضمام سوريا ولبنان وفلسطين، وسوف يفتح الباب لاي دولة عربيّة للانضمام الى المشروع. ولم يكن أمل نوري من هذا المشروع تكوين دولة عربية كبرى تحت القيادة الهاشمية فقط، ولكن كان امله انّ يحل مشكلة فلسطين لتكون ضمن تركيبة سوريا الكبرى واقترح في هذا الصدد ان تتمتع المجتمعات اليهودية بحكم ذاتي وبهذا يحصلوا على وطن قومي لهم وبإتحاد عرب فلسطين بإخوانهم في سوريا ولبنان سوف يحميهم من ان يصبحوا اقليّة في الدولة اليهودية، ولكن المصريين المنغمسين في عزلتهم عن الشؤون العربية لم يكترثوا لهذا المشروع، لأنه سوف يكرّس سيطرة العراق على العالم العربي وسوف ينقل مركز القوى العربي من القاهرة الى بغداد.

وإنتقد هذا المشروع بشدة من قبل الانكليز والاميركان ودول الكومنولث وأهمل من الجميع، وأجلت لندن وواشنطن مشكلة فلسطين لاستمرار الحرب مع ألمانيا، وبجانب انشغال بريطانيا كان لها وجهة نظر اخرى في الوحدة العربية، وجامعة الدول العربية التي تكونت من مصر والعراق وسوريا ولبنان والأردن واليمن والمملكة العربية السعودية، والتي كانت تتحالف في السياسة والحرب، ومركزها الرئيسي القاهرة، بدأت وجودها ونفوذها في اذار 1945.)[144](

اضطر نوري السعيد لقبول الانضمام الى جامعة الدول العربية، ووقّعت الدول السبع العربية ميثاق الجامعة بما في ذلك العراق الذي وقّع عنها نوري السعيد بعد ثمانية أشهر من استقالته للمرّة الثامنة من رئاسة الوزارة، وقبول نوري السعيد بجامعة الدول العربية كبديل لمشروعه الهلال الخصيب لا يعني انّه قبل القيادة المصرية للعرب.

وبالرغم من أنه كان خارج الوزارة في معظم الاوقات لمدة الأربع سنوات التالية إلا انه واصل الكفاح ضد مصر، وظل هذا الكفاح مستمراً حتى يوم مقتله سنة 1958، حيث استمر عبد الكريم قاسم يهاجم جمال عبد الناصر، وهذا الكفاح له جذوره في تاريخ العرب، وهذه المنافسة بين بغداد والقاهرة منذ انهيار الخلافة العباسية وقيام صلاح الدين بإتخاذ مصر قاعدة لتحرير فلسطين من الصليبيين.

3-6 التململ في العراق:

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بدأت العراق تتمايل من سيئ الى اسوأ وتأتي حكومات وتذهب حكومات، بينما اليهود يزيدون في الضغط على فلسطين الأمر الذي سبّب نمو شعور الكراهية ضد الإنجليز بسرعة، وبدأ التحرك لمراجعة معاهدة سنة 1930 التي أعطيت فيها الرخصة لبريطانيا لانتهاك حرمة سيادة العراق. ففي يناير 1948 ذهب صالح جابر رئيس الوزراء العراقي الى برطانيا ووقع معاهدة بورتسموث التي صممت لتجعل التحالف العراقي الانجليزي تحالفاً أقرب ما يكون الى المشاركة المتساوية، ولكن بمجرد إعلان التوقيع على هذه المعاهدة بدأ اسبوع من الارهاب والشغب وسبب مئات من الضحايا، واستقال صالح جابر، وأصبحت المعاهدة كأنها لم تكن. وبعد سنة تالية بعد انتصار اسرائيل على العرب قامت مظاهرات ضد الإنجليز مما اضطر نائب الملك لدعوة نوري السعيد لتكوين وزارته العاشرة. ولم يستطع نورى إلا القبول بالهزيمة بالنسبة لفلسطين وانضم الى رأي العرب السائد حول افضلية الرجوع الى حدود تقسيم الأمم المتحدة، وقرّر أن يركز على نمو الاقتصاد الداخلي وكوّن هيئة تنمية الاستثمار تحت رئاسته وتشتمل على مستشارين من الانكليز والاميركان ووزراء من العراق ليضعوا خططاً للمشاريع الكبيرة كالري والتحكم في فيضان دجلة والفرات.

والتي تموّل من دخل البترول، وتولّت هيئة التنمية عملها، وأنشأت السدود والقناطر والجسور وانتشرت بسرعة، وكذلك مشروعات الإسكان وحلّت المباني الحديثة محل مباني الطوب واللبن، وانجزت شبكة من الطرق المرصوفة بدلاً من طرق القوافل، وأنشأ سد سمراء على نهر دجلة الذي منع الفيضان السنوي من اكتساح كل اقاليم بغداد بالمياه، وسدود أخرى على نهر الفرات التي حولت آلاف الأفدنة الى اراضٍ زراعية. وفي العلاقات الخارجية عاد نوري السعيد الى مشروعه الهلال الخصيب القديم ولكن بتعديلات جوهرية. ولأن فلسطين احتلها اليهود ركز على اتحاد سوريا والعراق ولكن لم تنجح خططه، وبالأخص بعد قيام الثورة المصرية سنة 1952 وامتداد نفوذ جمال عبد الناصر على سوريا. وصوّتت سوريا للإنضمام الى مصر في وحدة الجمهورية العربية المتحدة وتركت نورى السعيد ليمهد لوحدة أحسن، وهو الاتحاد الفيدرالي بين الممتلكين الهاشميتين في العراق والاردن. جاء الاتحاد مع الأردن في العام 1958، الردّ الهاشمي على تأسيس الجمهورية العربية المتحدة، فلم يفعل إلا زيادة حدة الاستياء. وبدا يومها كما لو أن العراق يرهق نفسه بأعباء مالية – لا شكر عليها – لدعم الجيش الأردني، لا لشيئ إلا مصلحة أسرة حاكمة ([145]).

3-7 حلف بغداد:

في محاولة لبريطانيا سنة 1951 لخلق نظام دفاع شرق أوسطي لاحتواء العالم العربي، قوبلت هذه المحاولة بعدم استحسان في مصر أكثر مما قوبلت معاهدة ports mouth في بغداد، نظرت لندن وواشنجتن الى عراق نوري السعيد وتركيا التي حبذت أخيراً للانضمام لحلف الناتو لتأمين حماية حربية للأقاليم في شمال الشرق الأوسط على حدود الاتحاد السوفياتي.

وفي فبراير 1955 أجبر نوري السعيد لدخول حلف حربي مع تركيا، عرف بحلف بغداد، وبعد ستة أسابيع سلمت بريطانيا قواعد صافي العراق للجيش العراقي لإدارتها واحتفظت لنفسها بحق استعمالها للتمرين المشترك وبطلب من العراق، وترددت الولايات المتحدة في الموافقة على الحلف لآخر لحظة خوفاً من رد الفعل الصهيوني على تحالف العرب مع أميركا، ولكن باكستان وإيران انضمتا الى الحلف لتكمل خط الدفاع على حدود روسيا الجنوبية بالتوقيع على حلف بغداد مع بريطانيا، كان الرد على هذا زوبعة من الاحتجاجات في القاهرة ليس فقط لأن العراق نقض تعهداته الملتزم بها ضمن نطاق جامعة الدول العربية فحسب ولكن أيضاً لأن نوري السعيد وبريطانيا أوضحا بأنهما يرحبان بانضمام أي دولة عربية أخرى مثل سوريا والاردن، والخوف من احياء مشروع كالهلال الخصيب وهذا يعني الكثير بالنسبة لمصر، فهاجمت نور السعيد وعبدالله واتهمتهما أنهما اعداء الوحدة العربية وأنهما تحت نفوذ الامبريالية الغربية وانهما من اصدقاء اسرائيل.

وفي اذار عام 1956 حاولت بريطانيا أن تلعب دوراً ضد مصر بإرسال رئيس هيئة الامبريالية الانجليزية جارالد تمبلير Field Narshal, Garald Templer الى عمان في محاولة لانضمام الاردن الى حلف بغداد في مقابل تحديث الجيش الاردني ومده بطائرات حربية ومعدات                                                   ثار المحايدون ومحبو مصر في الأردن بتأثير من راديو القاهرة الذي أذاع بأن الأردن وقع تحت ضغط الامبريالية للدخول في حلف غربي، وأكتسحت أعمال الشغب كل الأردن، واستقال هزاع المجالي رئيس الوزراء المؤيد للانجليز ورجع تمبلر Templer خالي اليدين. تزايد عدد المستائين من سياسة نوري السعيد ووجدوا فيه كبتاً وإحباطاً لطموحاتهم، كانت الأمور السياسية تراوح مكانها يقابلها نمو اقتصادي، ولم يكن البرلمان العراقي اكثر من اداة بيد نوري السعيد واعضاء البرلمان ستون في المائة منهم يعينون من رؤساء الوزراء والوزراء السابقين والاربعون في المائة الباقية من الذين يقولون نعم لكل شيء تقرره الحكومة. وانقلب صالح جابر بعد رفض معاهدة بورتسموت إلى اشتراكي، وقام نوري السعيد بحل جميع الاحزاب السياسية وركز كل القوة في يديه، لكن عزلته كانت في ازدياد نتيجة لتزايد التأكيد الجماهيري لعبد الناصر وللنظام الجمهوري في مصر الذي كان له صدى في جميع الدول العربية.

3-8 سقوط الملكية في العراق:

وقع ما لم يكن في الحسبان عندما أمم جمال عبد الناصر قناة السويس متحدياً للغرب ومغلقاً لقناة السويس قبل اتخاذ قرار الردّ من قبل بريطانيا، كان نوري السعيد والملك فيصل الصغير في لندن عندما أعلن جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس، وفي الحال نصح نوري السعيد أنتوني إيدن بإتخاذ خطوات حازمة ولكن دون اشراك فرنسا او اسرائيل في الردّ المنوي اتخاذه. وبعد مدّة ظهر قبول هذه النصيحة وبدأت بريطانيا استخدام الضغط الدبلوماسي مع كل الدول التي لها قوة بحرية لتعمل على اقناع مصر بقبول بعض العناصر الدولية الادارية اللاحقة بتأميم قناة السويس. ونُصح نوري السعيد أن يقدم فرقاً لتقوية الجيش الأردني في حال إختيار اسرائيل احتلال الضفة الغربية. بينما كل الانظار متجهة الى السويس، قامت بريطانيا فجأة بالتخلي عن الضغط السياسي المتعدد وعمدت الى بناء قوّة حربية مشتركة مع فرنسا بموافقة سريّة وتأهب اسرائيلي للحرب.

وكان الاتفاق عند هجوم إسرائيل على سيناء سوف تصدر بريطانيا تحذيراً للطرفين للابتعاد عن قناة السويس ومعنى هذا التحذير في ذلك الوقت أن بريطانيا تأمر المصريين بالتراجع واخلاء سيناء للغزاة الاسرائليين وتسمح لهم بالتقدم اكثر من مائة ميل داخل الحدود المصرية.

واخبر نوري السعيد أن يحتفظ بفرق العراق خارج الاردن خوفاً من تحريك هجوم على الضفة الغربية. كانت هذه الدعوة لإسرائيل لمساعدتها باحتلال عشرين ألف ميل مربع من الأراضي المصرية مفاجأة للعرب. مما سبب العنف والشغب في جميع انحاء العالم العربي وخاصة في العراق التي لم يترك فيها أي فرصة للوطنيين المتطرفين والساخطين بالتظاهر ضد إسرائيل وانجلترا وفرنسا ونوري السعيد، ووقفت الحكومة العراقية بكل حزم ضد المتظاهرين. ولكن أجبر نوري السعيد على التسليم بعد الاعتداء على الشعور العربي العام والانضمام الى الرأي المنادي بإدانة اسرائيل وبهذه السياسة استطاع نوري السعيد أن يتفادى العاصفة حيث ظنّ انها هدأت وساد السكون.

وبالرغم من أنه كان يحذر من قادة الجيش الذين كانوا يخططون لسقوطه استمر في استخدامهم في مراكز النفوذ، ورفض أن يصدق أنه لن يقدر أن يستمر كما كان سابقاً وحتى عن سلامته الشخصية لم يظهر ما يقلقه مثل ما كان سابقاً ([146]).

وفي آخر اسبوع قبل ثورة عبد الكريم قاسم سنة 1958 تجاهل نوري السعيد الاحتياطات الأمنية التي لا تسمح لأي فرقة مسلحة بدخول بغداد حيث لم يبق أي قوّة مضادة للدفاع.

استغل عبد الكريم قاسم هذه الفرصة، وتحقق من أن فرقته هي الفرقة الوحيدة الموجودة في بغداد في تلك الليلة وكان لمدة سنتين يخطط لهذه اللحظة مع زملاء له في الجيش، وبعد استشاراته السريعة مع السياسيين المعروفين بمعارضتهم للنظام ومع المخابرات المركزية، ضرب عبد الكريم ضربته واحتل اذاعة بغداد وأعلن أن الثورة إنتهت وان الملك وعمه عبد الله ونوري ماتوا وأرسلت فرقة إلى القصر الملكي لتنفيذ الإعدام.

 ماذا حدث في تلك الليلة ؟

قتلت العائلة المالكة، أما نوري السعيد فقد قبض عليه في اليوم التلي متنكراً بزي امرأة، وقتل بيد رقيب من سلاح الطيران. وبعد دفته، سحبت الحشود الغاضبة جثته ثانية من القبر وسحلتها في الشوارع، مثلها مثل جثة ولي العهد المكروه، ثم شنقت الجثة ومزقت إرباً وأحرقت في النهاية.([147])

سادت إدارة الثورة كل مكان وراحت وحدات الجيش، واحدة بعد الأخرى، تهرع الى اعلان تأييدها أو تسلّمها الضباط الأحرار. وهكذا انتهت الملكية، وكانت بضع طلقات مدفعية كافية لإسقاطها. وبإستثناء مقاومة ابداها حرّاس بيت نوري السعيد، ما من يد ارتفعت دفاعاً عنها([148]).

بالرغم من هذه النهاية المأساوية للعائلة المالكة العراقية ولنوري السعيد رجل الدولة الذي لا يعرف التعب الا أنه لا يمكننا انكار الخطوات الكبيرة التي قام بها في مجال تحديث العراق، فمن خلال تعاونه مع بريطانيا بنى قوّة اقتصادية وحربية كبيرة ومهما بلغ العراق من تقدم في المستقبل فهو مدين لهذه الخطوات الكبيرة والأولى التي قام بها نوري السعيد.

لقد تمّ تحطيم حداثة نوري السعيد، فالعالم العربي تغيّر مساره عمّا بدأ به، كان الهدف الأول ثورة عربية ضد الأتراك، وكان الخلاف محصور بين الحداثيون المبهورين بالانجازات الغربية والمؤيدين لانشاء دولة حديثة ذات دستور وقوانين أو بدرجة أقل بين من إتخذ خط منفتح مع الغرب وصداقات ومصالح وسياسات واقعية مع الغرب وهذا ما حدث مع الملك فيصل ومع نوري السعيد بغض النظر عن نموذج الدولة والنظام، وبين السلفيين الذي يرفضون تتبع حداثة الغرب وكل علاقة مع الغرب ويحاولون الحفاظ على المصدر الديني للتشريع ويحافظون على الشعور بالعداء للغرب ومن هذا المنطلق ظهر الحزب الشيوعي وحزب البعث والناصريون.

وكان موضوع الخلاف يمثل جدل فكري إيديولوجي اكثر مما هو واقع ملموس يُستطاع تحقيقه، فالواقع العربي المتخلف والعمل السياسي المقيد بظروف تحد من فعاليته كانا سببان وجيهان لبطئ ظهور نواة دولة على ركيزة حديثة مماثلة للدولة الغربية، وليس لبطئ ظهور مثل هذه الدولة فقط بل استحالة ظهورها في العالم العربي مع كل ما يعانيه من مشاكل (واقتصر الأمر على التعامل مع الغرب والت-جاوب مع السياسات الغربية في محاولة للتحديث).

ومع خيانة فلسطين وسوريا ظهر حقد جديد على حداثة الغرب لا يرتكز هذه المرّة على تضارب فكري وعلى التمسك بالمبادئ الدينية فقط ولكن يرتكز على تضارب المصالح وعلى رفض سياسة فرض القرارات المجحفة بالحقوق وتزايد الحقد على من تعاملوا او تعايشوا مع الغرب وزاد الوضع تعقيداً وزاد الجسم المريض مرضاً ووصفت جرعات شفاء مختلفة للخروج من هذا الواقع منها الرأسمالية والتعاون مع السياسة الغربية ومنها الاشتراكية والتعامل مع الجهة الروسية ومنها الرجوع الى السلفية ومنها ما يبحث عن موقعه ومصيره ومرتبته بين اشقائه فزادت الخلافات والصراعات والتناقدات وزاد التعقيد تعقيداً.

4- طريق مصر نحو الجمهورية الحديثة:

إن من اكبر مشاكل بريطانيا في القرن التاسع عشر والقرن العشرين اثناء ارتباطها بالعرب، أنها لم تقرر ماذا تريد بالضبط من الشرق الأوسط، فلقد كان اهتمامها بالدرجة الأولى هو اهتمام تجاري فكان ممارسة حكمها هو لتأمين سلامة تجارتها وطرقها نحو الشرق الأوسط. وقال لورد بالميرستون: “لا نرغب في مصر لأنفسنا أكثر من وظيفة رجل له عقار في شمال بريطانيا واقامة في الجنوب، ويرغب في امتلاك كل الفنادق في الطريق الشمالي)[149](.

4-1 النفوذ البريطاني ومحاولة التحديث:

قبل ثورة الجنرال عرابي سنة 1882 كان حكم بريطانيا في مصر لا يعدو عن كونه مراقبة ميزانية وقبل عزل الباب العالي للخديو اسماعيل الذي اغرق مصر في الديون، التي زادت من ثلاثة ملايين إلى أربعة وتسعين مليون جنيه استرليني، وأجبرت مصر على بيع حصتها من قناة السويس لتسدد ديون المستثمرين الأوروبيين ولهذا قررت بريطانيا  وفرنسا وبعض الدول الأوروبية الأخرى وضع قيود شديدة على مصروفات الحكومة المصرية من خلال مجلس عالمي.

وبالرغم من أن الضباط البريطانيين كانوا يخدمون في جيش الخديو الا أن الفرق الانجليزية لم تحتل أي شبر من أرض مصر. لكن كل هذا تغيّر بعد هذيمة عرابي في التل الكبير في سبتمبر 1882 وكانت مصر ما تزال رسمياً جزءاً من الامبراطورية العثمانية. ولكن الباب العالي لم يبذل أي محاولة لإستعمال سلطاته، ووجدت بريطانيا نفسها أنها لا تدير ميزانية مصر فقط ولكن تدير كل القطر المصري في الحقيقة، وكانت الحكومة المصرية لا حول لها ولا قوة وكانت آلة في يد الخديوي ومعاملاتها التجارية معوقة بشروط التسليم التي منحتها الامبراطورية العثمانية للقوى الأوروبية في القرن السادس عشر. وهذه القوى العالمية لا تخضع الى القوانين المصرية واي جرائم أو مخالفات ترتكب من قبل هذه القوى يتم التعامل معها عن طريق قناصلهم وليس سوى ذلك، ونتيجة لذلك كانت جرائم النهب والتهرب من الضرائب وحتى الدعاية السياسية ترتكب في ظل حصانة الإقامة الاوروبية. وفي بعض الأحيان استطاع بعض المصريين أن يعيشوا خارج القانون بتسجيل أنشطتهم تحت حماية أحدى الشركات التي تتمتع بالحصانة الأجنبية، وقررت بريطانيا بمبادرة من رئيس وزرائها وليم جلادستون بأخذ خطوات تدريجية بمنح مصر نظاماً حكومياً تحررياً. ففي سنة 1884 عُيّن إفلين بارينج Sir Evelyn Baring وبعذ ذلك سمى لورد كرومر Lord Cromer في القاهرة قنصلاً عاماً من حكومة جلالة المحكمة على مصر ومعه سلطات ادارية للتعامل مع الخديوي بدون برلمان أو احزاب سياسية للتشاور. وشرع كرومر في تكوين معاهدة سياسية مصرية بمجهوداته الشخصية وبمساعدة جيش احتلال صغير وبخطوات كبيرة للسيطرة على الادارة المالية ووضع اوامر واضحة للخديوي ووزرائه بأن اي شخص يفشل في تنفيذ تعليماته سيجبر على الاستقالة، واظهر اهتماماً في تحسين وضع الطبقات الفقيرة ووضع حد لاستبداد الحكام وألغى السخرة ومنع جمع الضرائب بالقوة ووضع نظاماً جديداً للضرائب فأدخل نظام التقديرات وفرض ضرائب على الأغنياء ولا ضارئب على الفقراء وتمّ تحديث طرق الري ولأول مرة في مصر تمّ جدولة الدين العام.([150])

هكذا تبنّى المصريون نظام المستعمرين، وبخصوص التعليم فقد عَمِل كرومر على إعادة التعليم بشكل قاطع لأنه وجد فقط شكلاً واحداً للتعليم يرتكز على التعليم الديني والاسلامي الذي ظلّ لمدة اثني عشر قرناً في يد رجال الدين. ففرض نظام غير تقليدي في مصر وأنشأ مدارس خاصة مثل كلية فكتوريا في الاسكندرية([151]).

هذه السياسة كان ممكناً أن تكون اكثر فائدة لو أن اعتبارات اخرى لم تفعل ضد عمل بريطانيا في مصر، ففرنسا سجّلت معارضة للنفوذ البريطاني في مصر الذي أثّر في نفوذها الممتاز في مصر منذ قيام فرديناند يليسبس بإنشاء قناة السويس. إلا ان بريطانيا استطاعت تحت ظروف معينة نزع يد فرنسا في التدخل فيما تفعله بريطانيا في مصر وترك لها حريّة التصرف. وفي سنة 1904 تمّ حل هذه المشكلة، مشكلة بريطانيا – فرنسا، بتوقيع اتفاق ودي (Entente Cardial) التي فيه أقلعت فرنسا عن المطالبة بأي حقوق لها في مصر في مقابل أن تترك لها بريطانيا حرية التصرف المطلقة في مراكش. ولكن ظهرت بعد ذلك مشكلة بريطانيا تمثّلت بإتساع نطاق النزعة الوطنية المصرية،  ما أدى الى عزل كرومر وإحالته إلى المعاش سنة 1907 وخلفه سير إلدن جورست                       Sir Eldon Gord الذي حاول من ناحية مجابهة رغبة الحكومة البريطانية في التخلص من مسألة الوطنية المصرية وفي نفس الوقت حثّ الوزراء المصريين لتنفيذ سياسة بريطانيا في تأدية وظائفهم الادارية. ولكن السلطة عادت ثانية الى الخديو عباس حلمى الثاني مؤيداً بقوة من الاتراك ليكون الحاكم المطلق لمصر ومعارضاً قويّاً للنفوذ البريطاني وأعلن الحرب على القادة الذين يحملون افكاراً تحررية واستعمل الصحافة لمهاجمة الادارة الانكليزية([152]).

كان من حسنات كرومر اعطاء الحرية للصحافة، فإتخذ الخديو هذا السلاح لمهاجمة بريطانيا، وانصب سيل جارف من الشتائم ضد بريطانيا في معظم الصحف المصرية، وكان من نتائج هذه الحملة تحويل الرأي العام الشعبي ضد الرسميين البريطانيين الذين ساعدوا المصريين في التخلص من ظلم حكم الخديوي السابق وكان الرد البريطاني بتغيير المبدأ وإنشاء تجمعات قانونية محلية ومركزية لاعطاء الشعب حرية كافية للتعبير عن شؤونه. ولكن عباس حلمي حوّل هذه الميزة لمصلحته وصار الوطنيون في هذه التجمعات يهاجمون البريطانيين ويحرضون الشعب على استعمال العنف. ففي سنة 1911 إنقلبت مصر الى دولة الفوضى وتجردت بريطانيا من مسؤولياتها وفجأة توفي Grost وخلفه لورد كتشنر يمثل المندوب السامي البريطاني في مصر، وكان اللورد كتشنر ضابطاً مشهوراً وكان المندوب السامي البريطاني في السودان وكان يحب المصريين البسطاء ويكه السياسيين الذين يصوتون للخديوي ويبنون ثرواتهم على حساب الشعب. ولمدة الثلاث سنوات التالية منذ أن جاء الى القاهرة تعامل بشدة مع المحركين للرعاع وأعلن حمايته للفلاحين هذه الحماية التي أسسها كرومر المشهور من خلال تخصيص كل فلاح بخمس أفدنة وأدخل هذا القانون ليمنع طرد الفلاح الصغير من أرضه فجأة لعدم سداد ديونه للمودينين.

احتج كبار الملاك للأراضي على هذا القانون وفي الحقيقة لمدة سنتين بعد أن أخذ كتشنر مركزه كان كل شيء هادئاً بالنسبة لبريطانيا وكان هناك احتمال للانسحاب، ولتمهيد الطريق اعطت بريطانيا مزيداً من حرية التصرف الى التجمعات القانونية المركزية في سنة 1913 وكثر عدد الممثلين الشعبيين في هذه المجالس، ولكن بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى بعد ذلك بعام واحد انتهى بذلك أي احتمال للانسحاب البريطاني. وفي سنة 1914 انضمً السلطان العثماني الى قيصر ألمانيا في الحرب وأصبحت مصر وقناة السويس مهددة من القواعد التركية في فلسطين وأعلنت بريطانيا حمايتها على مصر وعزلت الخديوي عباس حلمي الثاني واستبدلته بعمه السلطان حسين كامل وبدأت تنظم الدفاعات عن مصر ضد الجيوش العثمانية وعاشت مصر طوال الأربع سنوات الحرب العالمية الأولى في حالة بؤس وكل حسنات كتشنر ذهبت هباء وكثير من عدم التفاهم سمّم العلاقة الانجليزية المصرية وكل العلاقات الطيبة التي بناها كرومر وكتشنر هدمت تماماً بواسطة الفرق البريطانية والرسميين المصريين الذين أعادوا السخرة باستعمال الفلاحين المصريين وحيواناتهم بإمداد جيوش الحلفاء بكل ما يحتاجون.

4-2 مصر على طريق الاستقلال:

بإنتهاء الحرب العالمية الأولى كان الشعور المصري قد وصل الى درجة الغليان ويحتاج فقط الى زعيم شعبي ليضعه على الطريق، وهذه الحاجة ظهرت في الزعيم سعد زغلول وهو قائد المعارضة في المجالس القانونية وعضو مقرب من لطفي السيد الفيلسوف المصري للأفكار التحررية المصرية منذ بداية القرن العشرين، وسعد زغلول ابن فلاح من الدلتا تزوّج من ابنة احد رؤساء الوزراء في عهد الخديوي عباس حلمى الثاني. وكان الخديوي عباس حلمى الثاني لا يثق فيه لأنه كان يعارض طموحاته، ولكن آراؤه التحررية جذبت كرومر الذي عينه وزيراً للمعارف في سنة 1906 وظل في هذا المنصب وزيراً للعدل. وفي سنة 1913 استقال على إثر خلاف وقع مع كتشنر وبعد استقالته عيِّن رئيساً للمجالس القانونيّة.

ومنذ ذلك الوقت استخدم حريته في العمل لتنمية ونشر نطريته في تدعيم الديمقراطية الحديثة في مصر لجعل مصر دولة علمانية حرّة، وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى طلب سعد زغلول من المندوب السامي البريطاني (Sir Reginald Wingate) وهو على رأس وفد من الممثلين الوطنين ان يتم استقلال مصر التام عن الحكم البريطاني، ولكن بريطانيا رفضت أن تناقش هذه الأمور مع غير الرسميين، فتقدم رشدي باشا رئيس وزراء مصر آنذاك باقتراح الى المندوب السامي أنه يستطيع الذهاب الى لندن للتحدث مع الحكومة البريطانية ولكن هذا الاقتراح رفض أيضاً.

انتهز سعد زغلول رفض بريطانيا لهذين المطلبين وعمل على تجميع الرأي العام، وكوّن حزباً يسمى الوفد تحت قيادته سنة ،1919 وأعلن تهديده لسلطان مصر (هذا اللقب لحاكم مصر الذي استبدل بواسطة الاتراك منذ سنة 1914 بدلاً من الخديوي) واتهم سعد زغلول سلطان مصر وحكومته بأنها لم تحرك ساكناً للمطالبة بالاستقلال، فقبض على سعد زغلول وزملائه المصريين ونفوا الى جزيرة مالطا. ([153])

وفي الأيام التالية نشب العنف في القاهرة والاقاليم المصرية وقامت ثورة 1919 ضد الاستعمار وقتل عدد غير قليل من المصريين بنيران القوات البريطانية، وقام الثوار بتخريب المكاتب الحكومية ووسائل الاتصالات والمواصلات، واستدعي Wingate وحلّ محله اللورد اللنبي الذي نفذ الأوامر باستعمال الفرق البريطانية وفي نفس الوقت افرج عن سعد زغلول ورفاقه وسمح لهم بالعودة الى مصر، وتبع هذا العمل بإعلان بريطانيا أنها مستعدة للمفاوضة على الاستقلال في اقرب وقت ممكن وأدى هذا الى الهدوء النسبي، لكن الحكومة البريطانية لم تحترم التوقيت المحدد للمباشرة بهذه السياسة بل عملت على التأجيل من خلال إرسال لجنة التقصي برئاسة Lord Milner، ولكن سعد زغلول وزملائه قاطعوا هذه اللجنة كما هوجمت هذه اللجنة من قبل الصحافة المصرية وبالرغم من كل هذا تم الإتصال بين لجنة Milner وسعد زغلول وزملاؤه في أوروبا أثناء عودتهم الى مصر، وكان نتيجة هذا اللقاء بأن أوصت لجنة Milner برفع الحماية عن مصر والتفاوض على الاستقلال بعقد معاهدة تحمي مصالح بريطانيا في مصر والتأكيد على أن الأعمال التي قام بها الانجليز نحو الفلاحين والطبقة العاملة في مصر سوف لا تلغى بعد الاستقلال، وقوبلت هذه التوصيات بالبهجة في مصر، ولكن بعد مرور أكثر من سنة من معرفة هذه التوصيات فشلت الحكومة البريطانية في الوصول الى اتفاق مع مصر على طرق ووسائل وضع هذه التوصيات موضع التنفيذ، وبالأخص أن رئيس الوزراء المصري آنذاك عدلي يكن باشا كان يخشى أن يقوم بأي إجراء الذي من شأنه أن يقاطعه سعد زغلول ويتهمه أنه استسلم للضغوط الانجليزية واستقال عدلي في نوفمبر سنة 1922 وقبض على سعد زغلول ونفي للمرّة الثانية وتبع ذلك اضرابات ومظاهرات، فأخذت بريطانيا المبادرة ورفعت الحماية عن مصر واعترفت أن مصر شبه مستقلة كالاقاليم التي تحت الانتداب مثل العراق وسوريا ولبنان واصبحت مصر اسمياً دولة علمانية ببرلمان مزدوج، أمّا قوات الاحتلال البريطانية فلها الحق بالبقاء في مصر لتمد الدفاع والحماية للمجتمعات الأوروبية، ولتحمي مصالحها في قناة السويس والسودان([154]).

في اذار 1922 أُعلن الملك فؤاد ملكاً على مصر بعد وفاة اخيه السلطان حسين سنة 1917 وأفرج عن سعد زغلول في سبتمبر 1923، وفي أول انتخاب دستوري فاز حزب الوفد بالأغلبية المطلقة برئاسة سعد زغلول وعادت المطالبة بانهاء الاحتلال والتواجد البريطاني في مصر واشتعلت المظاهرات وفي نوفمبر 1924 اغتيل سيرلى ستاك Sirlee Stack المندوب السامي البريطاني في الجيش المصري في القاهرة، لذلك قدّم اللنبي إنذاراً نهائياً الى سعد زغلول وطلب فيه أن تقدم الحكومة المصرية اعتذاراً عن هذه الجريمة وتقدم مرتكبي هذه الجريمة والمحرِّضين عليها للمحاكمة والعقاب، وتقدم تعويضاً قدره نصف مليون جينه استرليني يُدفع للحكومة البريطانية، وتحسب وحدات الجيش المصري من السودان في خلال 24 ساعة، وافق سعد زغلول على المطالب الثلاثة الأولى ورفض سحب وحدات الجيش المصري من السودان لكن بريطانيا استعملت القوة لإجلاء الوحدات المصرية من السودان ومنذ ذلك الحين صار لبريطانيا النفوذ الفردي في السودان، أمّا سعد زغلول فقط استقال بعد هزيمته وبالرغم من أن حزبه فاز في الانتخابات بالأغلبية المطلقة لم يسمح له بترأس الوزارة وفي سنة 1927 توفي سعد زغلول وخلفه مصطفى النحاس باشا، وهكذا كان شرف المفاوضات التي أدت الى كسب معاهدة استقلال مصر سنة 1936 تعود الى النحاس باشا بالرغم من أن وقفة سعد زغلول المتشددة طول العشرينات هي التي مهدت الطريق ([155]).

تم الوصول الى هذا الاتفاق في 22 آب 1936، ووقعت معاهدة تحالف بواسطة النحاس باشا وانطوني ايدن التي انهت احتلال بريطانيا لمصر، وسمحت فقط بوجود عشرة آلاف جندي بريطاني في منطقة قناة السويس الذين وجودهم لا يسبب إساءة لسكان المدن مثل القاهرة والاسكندرية واعترفت مصر أن قناة السويس ممر مائي حيوي وعالمي وفي المقابل اعترفت بريطانيا أن مصر دولة مستقلة ذات سيادة. وصار المندوب السامي سفيراً وألغيت الامتيازات الأجنبية في مصر بمعاهدة وقِّعت في منترو سنة 1937 لكن هذه الصداقة النسبية تحطمت بسرعة الحوادث التي تبعت نشوب الحرب العالمية الثانية وبالتحديد بعد ثلاث سنوات من توقيع المعاهدة، وللمرة الثانية وجدت بريطانيا نفسها تحارب عدواً قوياً يهدد قناة السويس وصارت مصر ثانياً أرضاً للمواقع الحربية وازداد أعداد القوات البريطانية عن التي سمح بها للبقاء في منطقة قناة السويس بمقتضى معاهدة سنة 1936 واحتفظ البريطانيون بقوات في معسكرات داخل القاهرة وحرّكوا جيوشاً كبيرة داخل مصر بأكملها لمواصلة الحرب.([156]

 4-3 الصراع المصري البريطاني:

في محاولة من الملك فاروق لتأكيد سيطرته على حكم مصر الذي كان لا يزال في العشرين من عمره، قام في شباط 1942 بدون مشاورة السلطات البريطانية بتعيين حسين سري باشا رئيساً للوزراء، ولكن السفير الانكليزي Sir Miles Lampson اراد أن يعيد النحاس باشا الى رئاسة الوزارة لأنه هو المهندس الذي وقّع معاهدة التعاون المصرية البريطانية سنة 1936، وليؤكد لفاروق أنه هو الحاكم الفعلي أمر قطاعاً مسلحاً من القوات البريطانية بمحاصرة قصر عابدين في القاهرة وببنادقه المصوبة نحو إقامة فاروق أجبره على قبول النحاس باشا رئيساً للوزارة هذا العمل غير المحتمل كان بداية النهاية بالنسبة للسيادة البريطانية على مصر، فعندما انتشرت أخبار هذه الاهانة قام شاب من ضباط المدفعية ومعه جماعة من الرفاق الضباط واقسموا على الانتقام وشكلوا جماعة لمساندة الملك هذا الضابط الشاب كان جمال عبد الناصر الذي مع الوقت صار واضحاً له ولرفاقه أن الملك فاروق مهتم كثيراً بالنساء والقمار أكثر من الدفاع عن وقاره وفرض سلطانه على مصر، لذلك عقد العزم على التخلص ليس فقط من الانجليز ولكن أيضاً من الملك والسياسيين والفاسدين حوله وكان جو الاستياء وقد كبر ضد الانجليز لذلك قامت بريطانيا بحسب قواتها من القاهرة سنة 1946 وقدمت عرضاً في السنة التالية لسحب كل قواتها من مصر حيث توصل Ernest Bevin وزير خارجية بريطانيا مع رئيس وزراء مصر آنذاك صدقي باشا على مسودة معاهدة التي بمقاتضاها تسحب بريطانيا قواتها من مصر، ولكن هذه المعاهدة تحطمت عندما فسرها المصريون على أنها تتضمن عدم قبول بريطانيا مطالبة مصر بوحدة مصر والسودان، وهذه المطالبة التي فشل الملك فؤاد في الحصول على الموافقة عليها من بريطانيا سنة 1922 والتي لم توافق عليها بريطانيا للمرة الثانية([157]). بعد خمس سنوات قدّمت بريطانيا الى مصر سنة 1951 عرضاً بدخول حلف دفاعي للشرق الأوسط يتكون من اتحاد بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا وتركيا ومصر، لكن كانت هناك ترتيبات وخلافات مهمة متعددة جعلت هذا الاقتراح غير منصف لمصر منها أن تركيا كانت تمتلك مصر اكثر من ثلاثة قرون وفرنسا تحكم بالقوّة الجزائر والمغرب وتونس وحكومة الولايات المتحدة إعتبرت أنها الزوجة الوسيطة الرئيسية لميلاد إسرائيل والى جانب هذا كانت بريطانيا تعامل العراق بلطف اكثر من مصر كما أن العراق كانت معرضة للخطر من الاتحاد السوفياتي وتحتاج الى حلف دفاعي مع بريطانيا لحمايتها. ومن ناحية أخرى ترى مصر أن اسرائيل عدوها الرئيسي وليس الاتحاد السوفياتي كما رأى الشعب وخصوصاً بين اواسط المتعلمين أنه من الأفضل تجنب الاصطفاف وجعل مصر موقع لمعارك وحروب الآخرين. وبناءً على ذلك قام الملك فاروق وحكومته التي يرأسها النحاس برفض المشروع البريطاني والغاء المعاهدة الانجليزية لسنة 1936 كما أعلن الملك فاروق السلطة المتحدة على السودان من جانب واحد.

وفي نفس الوقت قامت جماعات من الفدائيين المصريين بتشجيع من السلطات المصرية في النضال الخارج عن القانون ضد الفرق البريطانية والمنشآت الانجليزية في منطقة القناة .أما السودانيين فلقد رفضوا فاروق ملكاً عليهم وانكروا قانونية اعلان الغاء معاهدة 1936 من طرف واحد.

كان الرد البريطاني على اعمال الفدائيين، هدم قرية صغيرة ( كفر أحمد عبده) بمنطقة القناة و سوتها بالأرض لأن سكانها رفضوا تسليم بعض الفدائيين الذين اتهموا بقتل جنود بريطانيين في الاسماعيلية. وارتفعت موجة الاحتجاج في القاهرة التي قام فيها الثوار بحرق القاهرة، فحرقوا فندق شيبرد ونادي السيارات وبنك بركليز وقتلوا اثني عشر شخصاً من الاشخاص الذين اعتقدوا انهم يتعاونون مع الاستعمار البريطاني، وأخذ فاروق يحصد حصيلة الافكار الوطنية التي طورها في الثلاثة اشهر الاخيرة التي سبقت حادثة القرية في شهر يناير، وفي لحظة من الرعب أعلن الاحكام العرفية وطرد النحاس باشا وعدة وزراء آخرين معروفين بأنهم انضموا الى المظاهرات وعيّن على ماهر باشا رئيساً للوزراء وهو من المحببين الى البلاط الذي ادار عملية التفاوض مع البريطانيين وبسرعة وصلت المفاوضات الى طريق مسدود مع اصرار الملك فاروق على اعتراف بريطانيا بمطالبة في السودان كشرط مسبق للمفاوضات على القواعد الحربية. ظهر جلياً ان فاروق يتعمد انهيار المفاوضات ليجعل من المستحيل على بريطانيا سحب قواتها من منطقة القناة، لأنه أراد  من الفرق البريطانية حمايته عندما يحدث تهديد لمملكته.

4-4 سقوط الملكية وإعلان الجمهورية:

بعد ان استمرت المفاوضات العقيمة التي لايمكن تجنبها لمدة شهور متعددة، قرّر جمال عبد الناصر وزملاءه القيام بالضربة، وبرئاسة اللواء محمد نجيب، وهو شخصية محبوبة شعبياً ومحترمة في رئاسة الجيش المصري وله تقدير مميز في حرب فلسطين، ساد وترأس مجموعة الضباط الاحرار. وفي 23 يوليو 1952 أمسك نجيب وناصر زمام القوة باسم الجيش، وأمروا الملك فاروق بالتنازل عن العرش والرحيل عن مصر، وتردد فاروق أولاً متأملاً أن الجيش البريطاني سوف يتدخل لإنقاذه، وعندما لم يحدث ذلك رحل من مصر في 26 يوليو 1952 على متن يخته الملكي وبرحيله انتهى عصر الملكية في مصر حيث انه آخر حاكم لمصر منحدر من سلالة محمد علي.([158])

ولمدة الستة أسابيع الأولى احتفظ الجيش بالخليفة علي ماهر رئيساً للوزراء، ولكن في سبتمبر أمسك نجيب برئاسة الوزراء واحتفظ بقيادة الجيش وكل السلطة اصبحت في يد مجلس قيادة الثورة وعندم وضع الحكام الشبان اقدامهم الغيت الاحزاب السياسية القديمة وحلّت محلها جبهة التحرير الوطنية وقُبض على رؤوساء الاحزاب القدامى، ولإستكمال الثورة أُلغيت الملكية رسمياً سنة 1953 وصارت مصر جمهورية.

وغدا محمد نجيب اول رئيس للجمهورية ورئيس مجلس الوزراء وجمال عبد الناصر نائب رئيس الجمهورية ووزيراً للداخلية واستأنفت الجمهورية الجديدة المفاوضات مع البريطانيين حول القواعد الحربية في منطقة القناة وإعادة الطلب بالسلطة على السودان التي أصرّ عليها فاروق من قبل. لكن بريطانيا أغلقت هذا الموضوع بإعترافها باستقلال السودان. أما فيما يخص القواعد الحربية فكانت بريطانيا تميل نحو المحافظة الاستراتيجية مما زاد في الاعمال الفدائية ضد القوات البريطانية في منطقة القناة.

أما الموقف المستجد الذي نما بين ناصر ونجيب للسيطرة على السلطة زاد الوضع تعقيداً، حيث قرّر جمال عبد الناصر في شباط 1954 ان يظهر على العلن ويأخذ رئاسة مجلس الوزراء ويترك محمد نجيب فقط رئيساً للجمهورية ولكن بعد ثلاثة ايام من اعلان هذه التغييرات قامت مظاهرات في القاهرة تطالب بعودة محمد نجيب واضطرت الشرطة لفتح النار على الجماهير. وعاد نجيب رئيساً للوزراء وأعلن ناصر ان الثورة انتهت وسوف يرجع الجيش الى ثكناته وسوف تقوم انتخابات وتعود الحياة السياسية كما كانت. وهذا يعني انه سوف يعاد انتخاب الوفد وجماعات اخرى من القدامى وسوف يكون نجيب الاداة لإرجاعهم. وكانت المحصّلة تماماً كما خططها ناصر، ولمدة ستة أسابيع كانت مصر في اضطرابات وأعلن مجلس قيادة الثورة أن نجيب أصبح آلة في يد السياسين القدامى وأعلنت نقابات العمال الاضرابات ومقاطعة الانتخابات، وكانت هناك مظاهرات ضد انسحاب ناصر وكان نجيب لديه مؤيدون ايضاً ومعظمهم من بين طلاب الجامعة  وفي منتصف ابريل صار واضحاً ان مؤيدي مجلس قيادة الثورة أقوى بكثير فرضخ محمد نجيب ورضي ان يكون رئيساً عديم القوة حقيقة ومعتقلاً في قصر عابدين. وعاد جمال عبد الناصر رئيساً للوزراء الحاكم المؤثر وأعلن انه لن تجري انتخابات لمدة ثلاث سنوات وبعد أشهر اعتقل محمد نجيب في بيته فلم ترتفع همسة واحدة دفاعاً عنه.

بعد هذا قرّرت بريطانيا تغيير اهدافها الاستراتيجية بطلب إعادة تنمية وتطوير الفرق القتالية الانجليزية في جيوب صغيرة متحركة حول البحر الابيض المتوسط بدل من وضعها قوّة كبيرة مركزة في منطقة القناة. وفي سبتمبر 1954 أرسلت بريطانيا وفداً الى القاهرة لإنهاء المعاهدة الانجليزية المصرية قوبل هذا بالابتهاج والترحاب المصري وازدادت شعبية ناصر.

أصبحت سلطة ناصر تامة وإلتفّ لإزالة العقبة الباقية التي تهدد نظامه (الإخوان المسلمين) فحكم على المرشد الاكبر الجديد للإخوان المسلمين بالسجن المؤبد وشنق ستة من قادتهم، أما الاتباع فقد ترك للبوليس بتولى أمرهم على اثر محاولة اغتياله في احتفال شعبي عُقد في ميدان محمد في الاسكندرية بمناسبة سحب برياطانيا قواتها من مصر. لقد أحكم ناصر قبضته على الحكم واصبح عصره من أعظم العصور في مصر لما حمله من احداث وصراعات سياسية عالمية انعكست محلياً بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي، وصراعات ايدولوجية بين الرأسمالية والشيوعية، وعقائدية بين من يدعو الى الحداثة والتمثل بالغرب بإنشاء دولة حديثة مبنية على الديمقراطية وبين من هو متمسك بالسلفية، بالإضافة الى مسيرة السياسة المحلية التي تتلمس عادة المصلحة المحلية اذا لم نقل مصلحة استمرارية السلطة، كل هذا انعكس على فاعلية دور الدولة. لقد تحولت الدولة مع عبد الناصر من النظام الملكي الى النظام الجمهوري، كما جرى التحول من الرأسمالية الى الاشتراكية فجرت تغييرات جذرية في نظام الدولة المصرية، إضافة الى ذلك أصبحت مصر قوّة أساسية لهل حضورها على الصعيد الدولي وذلك من خلال كتلة عدم الانحياز وكان عبد الناصر ونهرو وتيتو وسكارنو على رأس هذه الكتلة.

5- استقلال الدول في العالم العربي:

تزامن استسلام فرنسا بقيادة حكومة فيشي الى المانيا مع ثورة الكيلاني في العراق للمطالبة بالاستقلال. فاتهمه البريطانيون بالعمالة لألمانيا وتم سحق الثورة بعنف لكن المخاوف بدأت تساور لندن من تكرار مثل هذه الثورة خاصة وانها اصبحت وحيدة في مواجهة المانيا بعد استسلام فرنسا والاتفاق الألماني السوفياتي حول تقاسم بولونيا. عندئذ كان لابد لها من إطلاق الوعود بالاستقلال لشعوب المنطقة خوفاً من أي تدخل ألماني خصوصاً وأن القوات الفرنسية الموجودة في لبنان وسوريا والت حكومة فيشي.

5-1 استقلال دول المشرق العربي:

5-1-1 استقلال لبنان:  

أصبح استقلال لبنان، بعد 22 تشرين الثاني 1943، حقيقة واقعة. وأخذ هذا الإستقلال يكتمل في السنة التالية، حين تسلّم لبنان، السلطة على الجمارك والأمن العام والشركات ذات الإمتياز ورقابة المطبوعات، وغير ذلك. فما جاء عام 1945 حتّى كان لبنان يتمتّع بمعظم الصلاحيات التي تتمتّع بها الدول ذات السيادة التامة. على أنّ فرنسا ظلّت محتفظة، في لبنان، بقيادة المجندين المحليّين الذين أطلق عليهم إسم ” Troupes spéciales “، كما ظلّت متمسّكة بفكرة استبدال الإنتداب الضائع بمعاهدة تضمن لها مركزاً ممتازاً في لبنان. وذلك بالرغم من مقاومة حلفائها لهذه الفكرة. وكان في 17 أيار 1945، أي بعد إنتهاء الحرب في أوروبا بتسعة أيّام، أن وصلت إلى بيروت فرق من الجنود السنغاليّين لتدعيم الجيش الفرنسي في لبنان. فأثار وصول هذه الفرق ردّة فعل عنيفة في البلدين،                إذ رأى اللبنانيّون من ورائه محاولة لفرض معاهدة مع فرنسا تحدّ من الإستقلال الجديد. فقامت الإضطرابات في لبنان، وتدخّلت بريطانيا في الأمر إلى جانب السلطات اللبنانية. وهكذا اضطرّت فرنسا إلى العدول عن فكرة عقد المعاهدة، وإلى الإنسحاب العسكري من لبنان، وتسلّمت الحكومة اللبنانية الفرق اللبنانية التابعة للجيش الفرنسي في أول آب 1945 فعهدت في قيادتها إلى الكولونيل فؤاد شهاب. وتمّ جلاء آخر جندي فرنسي عن الأراضي اللبنانية في 31 كانون الأول 1946.

5-1-2 استقلال سوريا:

بعد أن سيطر الحلفاء على المنطقة توتر الوضع مجدداً لأن فرنسا كانت تطمع بالحصول على مكاسب إقتصادية وثقافية وإستراتيجية، بينما كانت بريطانيا قد وعدت بإعطاء الاستقلال لشعوب هذه المنطقة لكن الوضع ما لبث ان انفجر بعد فشل المباحثات مع الفرنسيين الذين أرسلوا قوة عسكرية ما أدى الى اشتباكات دامية في دمشق. وعندما أقدم الفرنسيون على ضرب المجلس النيابي السوري تدخلت بريطانيا لوقف الاشتباكات ووجهت انذاراً لديغول الذي ما لبث أن أصدر وعداً بتسليم الجيوش الخاصة الى الحكومة السورية في 8 تموز عام 1945. لكن تحسن العلاقات الفرنسية البريطانية بعد وفاة تشرشل دفع سوريا الى تقديم شكوى الى مجلس الأمن الذي اتخذ قراراً نفذته فرنسا 31 آب بسحب جيوشها من سوريا. ([159])

5-1-3 سعي مصر للخلاص من الوجود الانكليزي على اراضيها:

حصلت مصر على الاستقلال عام 1922 باتفاق بين الملك فؤاد وبريطانيا التي احتفظت لنفسها بمكاسب كبيرة اهمها حق الوجود العسكري على قناة السويس بالرغم من مطالبة حزب الوفد بالاستقلال الناجز وانضمام السودان الى مصر([160]) .

قامت مصر بقطع علاقاتها مع ألمانيا عام 1939 ومع إيطاليا عام 1940 ثم ما لبثت أن اعلنت الحرب على المانيا، تدفعها الى ذلك الرغبة بالانضمام الى مؤتمر سان فرانسيسكو والحصول على الاستقلال التام عن بريطانيا. بالإضافة الى قضية جلاء القوات العسكرية الانكليزية كانت مصر تسعى لأنضمام السودان إليها، الأمر الذي كانت ترفضه بريطانيا وتصرّ في ذات الوقت على الإبقاء على مكاسبها في حماية قناة السويس، فقامت بتحريض حزب الأمة السوداني للتظاهر استنكاراً لإعلان مصر رغبتها بتوحيد بلاد النيل وأعلنت حق السوداني بتقرير مصيره. هذا ما أدى الى المزيد من الخلافات المصرية الانكليزية ولم تستطع مصر الحصول على تعديلات في إتفاقية 1936 حول قناة السويس بالرغم من شكواها التي تقدمت بها الى مجلس الأمن في آب 1947.

إثر ذلك أقدمت بريطانيا على تحويل المجلس الاستشاري السوداني الى جمعية تأسيسية تتمتع بحق السيادة على السودان في حزيران عام 1948 ما فوّت الفرصة على مصر بانضمام السودان إليها وتوحيد بلاد النيل. وزاد الأمر تعقيداً إثر الهزيمة التي لحقت بالجيش المصري في حرب فلسطين عام 1948 وتأكيد بريطانيا على ضرورة بقاء قواتها لحماية قناة السويس متذرعة بعجز الجيش المصري عن أداء هذه المهمة .

وفي تشرين الأول عام 1951 أقدمت الحكومة المصرية على اتخاذ قرار خطير قضى بإلغاء إتفاقية 1936 والمناداة بالملك فاروق ملكاً على مصر والسودان ما أثار ردود فعل عنيفة وتأزمت الأوضاع وعمت الاضطرابات حتى حصل حريق القاهرة الكبير في كانون الثاني عام 1952. واستمر الوضع حتى قيام ثورة الضباط الاحرار في تموز من نفس السنة وهي الثورة التي أطاحت بالملك فاروق والمعاهدة المصرية الانكليزية لعام 1936 لتفتح صفحة جديدة من تاريخ مصر.([161])

 5-1-4 الوضع في العراق:

كانت العلاقات الانكليزية العراقية حسنة طبقاً للإتفاقية الموقعة بينهما عام 1930 التي اعطت بريطانيا حق إقامة قواعد عسكرية في الشعيبة والحبانية مقابل السعي لإدخال العراق في عصبة الأمم. وعندما أعلن الكيلاني مطالبته بتعديل هذه الاتفاقية قضت بريطانيا على ثورته وفي عام 1948 توصل الطرفان بحسن نية الى تعديلات للإتفاقية رفضها الشعب بشدة فسقط صالح جبر وشكل محمد الصدر حكومة جديدة رفضت المعاهدة رسمياً. ([162]

 5-1-5 الوضع في الاردن:

أفضل العلاقات الانكليزية كانت مع الاردن بسبب الاطمئنان للنظام الملكي فيه وبسبب اعتماد الملك على مستشارين انكليز. وفي كانون الثاني عام 1946 أعلن وزير الخارجية البريطانية بيفن أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة إعطاء الاردن استقلالها على أن تحتفظ بريطانيا بوجود عسكري فيها مما سبّب رفض الاتحاد السوفياتي لأنضمام الاردن الى هيئة الامم المتحدة. وفي العام 1946 تم تتويج الأمير عبدالله ملكاً ليصبح الاردن المملكة الأردنية الهاشمية.([163])

 5-2 استقلال دول الخليج العربي:

5-2-1 نبذة تاريخية:

فرضت الطبيعة الجغرافية الصحراوية القاسية على شعوب الجزيرة العربية التنقل والترحال بين ارجائها بحثاً عن وسائل عيش أفضل فكانت الهجرات المتتالية باتجاه الغرب نحو الساحل الشرقي للبحر المتوسط، أو باتجاه الشمال نحو بلاد ما بين النهرين أو بأتجاه الشرق نحو السواحل الغربية للخليج العربي. فتناثرت على طول الشاطيء مجموعات من القبائل العربية تدير شؤونها بنفسها (آل خليفة من البحرين – آل نهيان في ابو ظبي – آل مكتوم في دبي والقاسمي في الشارقة وعجمان وآل ثاني في قطر.

سيطر البرتغاليون، منذ مطلع القرن السادس عشر على منطقة الخليج العربي وبنوا فيه عدة موانيء تنتشر على طول الشاطيء فضلاً عن قلاع وحصون لحماية التجارة البرتغالية بين البصرة والهند. وفي النصف الأول من القرن السابع عشر انسحب البرتغاليون من هذه المنطقة لتحل بريطانيا مكانهم كأكبر قوّة تجارية في العالم في ذلك الوقت.

5-2-2 الوجود البريطاني في الخليج:

بعد ان تمكنت بريطانيا من القضاء على النفوذ الأجنبي في الخليج العربي قامت بعقد إتفاقات بحرية وسياسية مع حكام المنطقة منذ نهاية القرن الثامن عشر (مع عُمان عام 1798) وبداية القرن التاسع عشر مع باقي الامارات وتناولت الاتفاقات البحرية شؤون القضاء على الغارات البحرية ومكافحة الرق والمحافظة على السلام والاستقرار في مياه الخليج عموماً. ([164])

أما الاتفاقات السياسية فقضت بتمثيل بريطانيا لكل من البحرين وإمارات ساحل عمان دولياً في الشؤون الخارجية ([165]). أما علاقة بريطانيا بقطر فقد كانت تحكمها اتفاقية عام 1916 التي تخلت الأخيرة بموجبها لبريطانيا عن سلطات سياسية واقتصادية واسعة. أما في ما يتعلق بالعلاقة مع الكويت فقد باشرت بريطانيا تولي شؤونها الدولية منذ العام 1899 تاريخ توقيع اتفاقية المنع أو التحريم المعقودة بين البلدين. كما تجدر الاشارة الى أن الكويت كانت تتمتع بوضع خاص اكثر امتيازاً من باقي امارات الخليج. في الفترة الواقعة بين 1820، 1853 كانت الاتفاقات المعقودة بين امارات الخليج وبريطانيا تتضمن إقامة تحالف عسكري وصداقة وذلك لتحقيق أغراض بريطانيا بضمان سلامة حركتها التجارية. وضمان استمرارية الحكم في الامارات العربية ([166]) أما في ما بين 1880 و 1916 فإن الاتفاقات المعقودة مع بريطانيا كانت تتضمن حماية بريطانيا لهذه الامارات وتولي شؤونها الدولية. (من هنا تعبير المحميات) ([167]).

ومنذ إكتشاف النفط في دول الخليج توطدت العلاقة بين بريطانيا وباقي الامارات العربية. فعززت بريطانيا اهتمامها السياسي بها ونقلت مركز المقيم السياسي البريطاني من بوشهر في إيران الى البحرين عام 1946([168]). ومن الجدير ذكره أن هذه الامارات كانت تتمتع باستقلالية شبه تامة في إدارة شؤونها الداخلية دون اي تدخل بريطاني يذكر. أما من الناحية الخارجية فقد كانت بريطانيا تحتفظ لنفسها بحق تسيير شؤون الامارات الخارجية وتمثيلها في كل علاقاتها مع الدول الاجنبية والمنظمات الدولية.

5-2-3 استقلال الكويت:

يعتبر عام 1756 بداية لتأسيس نظام الحكم لعائلة آل الصباح في الكويت حين نزح (مؤسس إمارة الكويت) من منطقة ” أم قصر” الى الكويت وهي تصغير لكلمة كوت بمعنى القلعة. واتخذها مقراً لآل الصباح الذين استمر حكمهم حتى اليوم.

أما علاقة آل الصباح ببريطانيا فتعود الى عام 1775 حيث كانت مقتصرة على العلاقات التجارية. وفي عام 1895، أقدم الامير مبارك على قتل اخيه الحاكم وتولى السلطة مكانه واستنجد بالقوات البريطانية لحماية نفسه. وتطورت العلاقة بين الحاكم وبريطانيا وترسخت بإتفاقية عام 1899 بالرغم من أنها ظلت تعترف ظاهرياً بحق السيادة الخارجية للوالي العثماني في البصرة([169]).

وهكذا حصلت بريطانيا على امتيازات واسعة في الكويت وتكرس بالتالي حكم مبارك الصباح وذريته من بعده. وخلال الحرب العالمية الأولى ساعدت الكويت قوات الحلفاء ودعمت الثورة العربية عام 1916 فاعترفت بريطانيا بها مشيخة مستقلة تحت الحماية البريطانية. وفي العام 1950 تولى الشيخ عبدالله السالم الصباح الحكم واستعاد السلطة القضائية من بريطانيا عام 1960 وفي العام 1961 أعلن استقلال الكويت. اعترض العراق على ذلك بأعتبار أن الكويت تشكل قائمقامية تابعة لولاية البصرة. عندئذ طالب حاكم الكويت بعودة القوات البريطانية لحمايته. فتدخلت الجامعة العربية وأرسلت قوات حفظ أمن عربية حلت محل القوات البريطانية المنسحبة وأصبحت الكويت عضواً في الجامعة العربية كدولة حرة مستقلة ([170]).

5-2-4 مرحلة التحضير لإستقلال الإمارت العربية:

في بداية العام 1968 أعلنت بريطانيا عزمها على الانسحاب العسكري من الخليج وإلغاء معاهداتها مع دول المنطقة في نهاية عام 1971. الامر الذي وضع حكام المنطقة أمام إستحقاقات طغت فكرة الاتحاد بين الامارات العربية على ما سواها بحيث يضم البحرين وقطر ومشيخات ساحل عمان السبع (أم القيوين – رأس الخيمة – أبو ظبي – الشارقة – دبي – الفجيرة – عجمان) وتم توقيع إتفاقية ” اتحاد الإمارات العربية ” في اجتماع عقد لهذه الغاية في دبي في 27 شباط 1968([171]) غير أن الخلافات ما لبثت أن وقعت بين اعضاء الاتحاد حول النقاط التالية:

-سلطات الحكومة الاتحادية.

-نسبة التمثيل في المجلس الوطني الاتحادي.

-مقر عاصمة الاتحاد.

-مبدأ التصويت في المجلس الاعلى.([172])

وفي محاولة لوضع حد للخلافات عقد في أبو ظبي بين 21 و 25 تشرين أول 1969 لكنه انتهى دون ان يتوصل المجتمعون الى اتفاق لحل القضايا المختلف عليها. الامر الذي ادى الى فشل هذا الاتحاد. عندئذ أبلغ ممثل بريطانيا السيد وليم لوس حكام الامارات استعداد بريطانيا للأعتراف باستقلال كل من قطر والبحرين وتوقيع معاهدة صداقة معهما كما تؤيد قيام اتحاد بين مجموع الامارات السبع وأعربت عن استعدادها توقيع اتفاقية صداقة معه.

5-2-5 استقلال الإمارات العربية المتحدة:

إزاء الفشل الذي لاقى مشروع ” اتحاد الإمارات العربية” وقبل أشهر من موعد الانسحاب البريطاني وجهت إمارة أبو ظبي دعوة لباقي الامارات لعقد اجتماع لدراسة دستور اتحاد الامارات العربية. وبعد إجراء التعديلات عليه بحيث يتلائم مع الإمارات السبع، عرض على حكام الامارات خلال الاجتماع المنعقد في دبي بتاريخ 18 تموز 1971 فنال موافقتهم وصدر الدستور الجديد تحت اسم ” الدستور المؤقت للإمارات العربية المتحدة ” غير أن إمارة رأس الخيمة تمنعت عن توقيع الدستور لخلافها حول نسبة تمثيلها في الاتحاد.

وفي 2 كانون الاول 1971 أعلن رسمياً قيام الامارات العربية المتحدة الذي يضم ست إمارات وفي احتفال رسمي انتخب حاكم ابو ظبي رئيساً للدولة الجديدة كما انتخب حاكم دبي نائباً للرئيس وفي السادس من الشهر نفسه انضمت الدولة الجديدة الى جامعة الدول العربية وأصبحت عضواً في الامم المتحدة بعد الموافقة على عضويتها في التاسع من الشهر نفسه.

وفي العاشر من شباط 1972 إنضمت إمارة رأس الخيمة الى الاتحاد وأصبحت العضو السابع فيه.

5-2-6 استقلال البحرين:

في الرابع عشر من آب 1971 تم الاتفاق بين حاكم البحرين والمقيم السياسي البريطاني قضى بإلغاء العلاقات التعاهدية التي تضمنتها إتفاقيتا 1880 و 1892 اللتان وضعت بموجبها البحرين تحت الحماية البريطانية. ووقع الطرفان إتفاقية صداقة جديدة مدتها عشر سنوات لتنظيم العلاقات ما بين الدولتين. وهكذا نالت البحرين استقلالها وانضمت الى جامعة الدول العربية في 11 ايلول 1971 واصبحت عضواً في الامم المتحدة في الحادي والعشرين من الشهر نفسه.

5-2-7 استقلال قطر:

في 2 ايلول 1971 أعلنت قطر دولة مستقلة ذات سيادة تامة ووقعت مع بريطانيا وثائق إنهاء إتفاقية عام 1916 السياسية وغيرها من الوثائق المكملة لها التي وضعت بموجبها قطر تحت الحماية البريطانية كما تمّ توقيع إتفاقية صداقة بين البلدين مدتها عشر سنوات شبيهة بالأتفاقية الموقعّة مع البحرين. وفي الرابع من الشهر نفسه صدر مرسوم قضى بإعتماد لقب ” أمير دولة قطر” بدلاً من تعبير ” حاكم قطر” . وهكذا اصبحت قطر دولة مستقلة انضمت الى الجامعة العربية في 11 أيلول والى الأمم المتحدة في الحادي والعشرين من الشهر نفسه.

5-2-8 العلاقات بين بريطانيا وعمان:

ترجع العلاقات بين عمان وبريطانيا الى تاريخ توقيع اول معاهدة تجارية وبحرية بين السلطان ابن أحمد والحكومة البريطانية الممثلة بشركة الهند الشرقية عام 1798 تم تجديد هذه المعاهدة عام 1951 حين أخذت صفة معاهدة صداقة وتجارة بين المملكة المتحدة وسلطنة عمان. ما يعني أن عمان لم تكن تحت الحماية البريطانية كالإمارات العربية. وهكذا استمرت علاقات الدولتين حتى بعد انسحاب بريطانيا من الخليج مستمرة على أساس المعاهدة المعقودة عام 1951. غير ان تطوراًَ داخلياً مهماً برز في العام 1971 حين أقدم السلطان قابوس بن سعيد على تنحية والده السلطان سعيد بن تيمور عن الحكم واستلام السلطة مكانه. وفي ايار 1970 تقدمت حكومة عمان الجديدة بطلب عضوية الى الامم المتحدة، فنالت الموافقة على ذلك في 7 تشرين أول عام 1971 وهذا التأخير يعود الى رجوع قضية تحرير عمان على جدول الجمعية العامة للأمم المتحدة الأمر الذي يتطلب شطبه قبل الموافقة على العضوية. كذلك فيما يتعلق بعضوية عمان في الجامعة العربية حيث انها اعتبرت عضواً فيها في 6 تشرين اول 1971.

5-2-9 استقلال اليمن:

كانت اليمن تابعة للسلطة العثمانية. وبعد زوالها أعلن الإمام حاكم اليمن استقلال بلاده.([173]) حكم العثمانيون ساحل اليمن منذ العام 1545. وفي عام 1936 نزل الزيديون المتمركزون في الجبال واحتلوا صنعاء متخذينها عاصمة لليمن الموحدة. بقي الوضع على حاله عام 1728 حيث حصل تمرد في لحج وكان هذا بداية انقسام اليمن. وعندما تدخلت قوات محمد علي في الجزيرة العربية تمركزت قوات بريطانية في عدن ولحج عام 1839. استعاد الاتراك السيطرة على صنعاء عام 1871 لكنهم اضطروا لإخلائها عام 1904 نتيجة المقاومة الشديدة. لكنهم عادوا ووقعوا إتفاقاً مع الإمام يحيى يعترفون له فيه بزعامة الطائفة الزيدية وإدارة المنطقة الساحلية ([174]) وبعد هزيمة العثمانيين استتب الوضع للإمام يحيى فوطد سلطته على المناطق الساحلية والجبلية وعمد الى مهاجمة حدود عدن لإرغام بريطانيا على التخلي عن ميناء الحديدة .

وعندما وقع الخلاف السعودي اليمني، ضمت السعودية منطقة عسير ما أضطر الإمام الى مهادنة الانكليز وبدأ مفاوضات معهم لكنه مالبث أن وقع ضحية مؤامرة اغتيال فخلفه ابنه الذي استمر على مبادئ أبيه حتى وفاته عام 1962 فخلفه إبنه بدر. لكن الاوضاع في المنطقة العربية كانت تشهد تحولات جذرية أبرزها مشروع الوحدة بين سوريا ومصر.

طالت حركة التغيير اليمن، فقام عبدالله السلال بانقلاب أطاح بالإمام وأسس الجمهورية العربية اليمنية في أيلول 1962 فوقعت اليمن في أتون الحرب الأهلية بين أنصار الملكية وتدعمهم السعودية. والجمهوريين الذين تدعمهم مصر. استمر هذا الوضع حتى عام 1967 تاريخ حرب الأيام الستة بين إسرائيل والدول العربية. وفي عام 1970 تمت المصالحة الوطنية وتألفت حكومة وطنية اعترفت بها السعودية ومصر. ([175])

أما اليمن الجنوبية فكانت تؤلف مع اليمن الشمالية وحدة سياسية حتى عام 1728 تاريخ تمرد لحج حيث قام وكيل الإمام بالانفصال عن المناطق الشمالية فساندته بريطانيا تحقيقاً لمآربها في السيطرة على المنطقة. واحتلت عدن عام 1839 كونها افضل ميناء بحري على طريق الهند.

عرفت اليمن اضطرابات عدة كانت معظمها موجهة ضد الوجود الانكليزي. ظهرت رابطة أبناء الجنوب عام 1952 وتحولت الى رابطة الجنوب العربي وطالبت بتوحيد شطري اليمن. واستمرت الاضطرابات عام 1956 وعام 1957 واستمرت الى ان اقتنعت بريطانيا بضرورة توحيد عدن والداخل بعد أن كانت قد قسمتها في أوائل الخمسينات .

تزامن إعلان الجمهورية العربية اليمنية في الشمال عام 1962 مع تأليف المجلس التشريعي في الجنوب للمصادقة على قانون العمل، فقامت المظاهرات لكن بريطانيا مضت في خطتها بضم عدن وإمارات الجنوب في كانون الثاني 1963. فكان الرد اليمني بإعلان المقاومة الشعبية بقيادة الجبهة القومية، الى ان انهار الاتحاد الذي بناه الانكليز عام 1967 فاضطرت الحكومة البريطانية الى الاعتراف باستقلال اليمن الجنوبية في تشرين الثاني عام 1967.([176])

وهكذا أصبحت اليمن يمنين بنظامين مختلفين الأول يغلب عليه الطابع القومي العربي في الشمال والثاني اعتنق الماركسية في الجنوب. وقعت احداث دامية بين شطري اليمن عام 1972 وعام 1979 لكنه تبين للطرفين استحالة الاطاحة بأحد النظامين في الظروف العربية والدولية التي كانت سائدة.

5-3 استقلال الدول العربية في شمال أفريقيا:

بعد ان استطاع الرئيس عبد الناصر الخلاص من الوجود الانكليزي في قناة السويس عصفت في معظم الدول العربية رياح القومية العربية وبدأت المناداة لتوحيد الأمة في المحيط الاطلسي الى الخليج العربي. وفي سبيل تحقيق هذا الحلم لابد من الخلاص من القوى الاستعمارية التي تحول دون تحقيقه. لهذا كان من اول انعكاسات عملية السويس عام 1956 تفاقم الاوضاع وانفجارها في معظم الدول العربية في شمال افريقيا.

5-3-1 استقلال تونس:

كانت تونس تحت الحماية الفرنسية منذ العام 1886، وفي عام 1934 أسس الحبيب بورقيبة حزب ” الدستور الجديد ” الذي ضم صغار البرجوازيين وفئات من الشباب يغلب عليها الطابع القومي والديني. وعلى أثر بعض الاحداث قامت القوات الفرنسية بطرد الحبيب بورقيبة خارج البلاد عام 1938، ما أتاح الفرصة للباي ” منصف ” فرض نفسه زعيماً للتيار الوطني التونسي، بالرغم من تعاونه مع قوات المحور التي احتلت تونس عام 1942. لكن الأمور تبدلت عند عودة الفرنسيين الى تونس عام 1943. فما كان من الجنرال جوان Juin إلا أن خلعه من الحكم مخالفاً بذلك بروتوكول الحماية الموقع عام 1881 وسمح للحبيب بورقية بالعودة الى البلاد، الذي بدأ بالدعوة للتعاون الفرنسي التونسي أملاً بالوصول الى حل معهم. لكنه ما لبث ان انتقل الى القاهرة سنة 1945 متزعماً لجنة تحرير المغرب العربي. أبدت الحكومة الفرنسية في عام 1950 نيتها بإعطاء الاستقلال الى تونس، وتم تشكيل حكومة وطنية برئاسة محمد شانيك كخطوة اولى على هذا الطريق لكن الحبيب بورقيبة (زعيم المعارضة في المنفى) راح يطالب بوضع خطة عمل للوصول الى الاستقلال الناجز لكن الجالية الاوروبية بدأت بالالتفاف على مضمون الاستقلال بالدعوة الى تقاسم المقاعد في المؤسسات السياسية والادارية بين الاجانب والتونسيين، كما طالبوا بضمان حقوقهم عبر القانون الدولي وليس القانون الداخلي لتونس.

إن مطالب الجالية الاوروبية ساهمت في توسيع قاعدة المعارضة حيث انضم الباي لها ايضاً. وقامت الحكومة الفرنسية، في محاولة منها لتهدئة الاوضاع، بعرض بعض الاصلاحات في النظام البلدي ومن ثم بالدعوة الى سيادة مشتركة تونسية فرنسية لضمان حقوق الرعايا الاجانب في تونس. وتزامن هذا العرض مع استقلال ليبيا ومع نهوض التيار القومي العربي بعد إعلان مصر إلغاء إتفاقية سنة 1936.

هذه الظروف دفعت بالمقاومة لحمل السلاح ضد الفرنسيين ووجه الحبيب بورقيبة دعوة لمجلس الامن المنعقد في باريس لمناقشة القضية التونسية، ما دفع بالحكومة الفرنسية الى اجراءات تصعيدية منها: منع إجتماعات حزب الدستور الجديد، توقيف بورقيبة في حزيران سنة 1952، توقيف محمد شانيك رئيس الوزراء مع أربعة من وزرائه.([177])

هذه الاجراءات أدت الى تصعيد العنف الذي اجتاح معظم المدن التونسية ضد الفرنسيين الذين كانوا لا يزالون يعانون من هزائمهم في الهند الصينية. وهكذا بعد توقيع معاهدة السلام حول فيتنام، قام بيار منديس فرانس يرافقه المارشال Juin بزيارة تونس ليعلن من قصر قرطاجة حق تونس بالحكم الذاتي هذا الاعلان صدقته الجمعية العمومية الفرنسية بالأغلبية. وبدأت المفاوضات بين الطرفين التي انقطعت بسبب إستقالة حكومة منديس فرانس لتبدأ مع حكومة Edgar faure وتنتهي الى توقيع بروتوكول في نيسان 1955، من خلال هذا البروتوكول نالت تونس: استقلالاً ذاتياً واسعاً، انحصر النشاط الفرنسي بالقطاعين الاقتصادي والمالي فضلاً عن القطاع العسكري.

في هذا الوقت تطورت الاحداث في المغرب ونتج عنها عودة السلطان من منفاه ونيل المغرب لاستقلالها. فقام بورقيبة بالاتصال بالفرنسيين حول موضوع الحماية لتونس، والاعتراف باستقلالها مع إبقاء قاعدة بنزرت العسكرية. وفي 25 اذار تم انتخاب الجمعية التأسيسية التونسية وتم تكليف الحبيب بورقيبة بتشكيل الوزراة الذي ما لبث أن ازاح الأسرة الحسينية عن السلطة لتصبح تونس جمهورية في تموز 1957 وليصبح بورقيبة رئيساً لها.

كانت العلاقات الفرنسية التونسية على خير ما يرام لولا الاحداث التي رافقت استقلال الجزائر. واهم الازمات حصلت عند خطف الفرنسيين للطائرة التي كانت تقل أحمد بن بيلا من الرباط الى تونس عام 1956. استغل بورقيبة هذا الحادث للمطالبة بالجلاء الكلي للقوات الفرنسية عن تونس. وتقدم في الوقت نفسه بمشروع مشترك مع ملك المغرب للوساطة حول القضية الجزائرية. ونظرا للرفض الفرنسي حضنت تونس الثورة الجزائرية وبهذا أصبحت ملجأ للثوار الجزائريين ومقراً لقيادتهم وعلى أثر الغارة الفرنسية على قرية تونسية (سيدي يوسف) احتج بورقيبة بشدة وطالب بإعادة النظر بالإتفاق الفرنسي التونسي حول قاعدة بنزرت وتحييد تونس عن الصراع القائم بين الجزائر وفرنسا ([178] ).

هذه القضية لم تحل إلا بعد عرضها على الجمعية العمومية للأمم المتحدة التي أتخذت قراراً تمنت فيه عى فرنسا الاعتراف للتونسيين بقدراتهم على إدارة شؤونهم بأنفسهم .

5-3-2 القضية المغربية:

إن القضية المغربية وإن كانت تشبه في فصولها القضية التونسية إلا انها اكثر تعقيداً وذلك بسبب الصراعات  الداخلية من جهة وانقسامها بين فرنسا وإسبانيا من جهة اخرى فالصراعات الداخلية تمثلت بانقسام الرأي العام المغربي حول الوجود الاجنبي، بعد الحرب العالمية الثانية ومع موجة التحرر الوطني حاول الفرنسيون إستباق الأمور بإيصال أجانب الى السلطة السياسية الوطنية عبر الدعوة للإنتخابات العامة والبلديات. رفض المغاربة هذه الانتخابات وعلى رأسهم حزب الاستقلال المدعوم من السلطان محمد بن يوسف الذي أعلن بوجوب إجراء إصلاح في المغرب ينهي نظام الحماية المفروض منذ العام 1912.

عند عودة السلطان من فرنسا تصدى له الجلاوي باشا، متهماً اياه بهيمنة حزب الاستقلال عليه. الجلاوي باشا كان يلقى دعمه من موظفين فرنسيين وقبائل بربريَّة فتعاون مع الجنرال جوانJuin  بإستقدام فرسان من البربر الى معابد فاس والرباط مع حملة توقيع عرائض من عدد من الزعماء مطالبة بتنحية السلطان. وإستجابة لذلك، عمدت الحكومة الفرنسية الى نفي السلطان محمد بن يوسف سنة 1953 الى كورسيكا ومنها الى مدغشقر فخلفه عمه محمد بن عرفه عم السلطان في الحكم، لكنه لم يلقَ تأييداً إلا في الاقليم الفرنسي بينما الاقليم الاسباني بقي على ولائه للسلطان المخلوع واستمرت الدعوة له في جميع الاجتماعات العامة والجوامع. ([179])

على الصعيد الداخلي اظهرت حملة الاغتيالات الواسعة التي نظمتها المقاومة المغربية عجز القوات الفرنسية عن ضبط الامور وإعادة الأمن والاستقرار .

على الصعيد الدولي لاقت القضية المغربية تجاوباً ملحوظاً من قبل جامعة الدول العربية والاسلامية، وعلى صعيد الامم المتحدة جرت عدة محاولات لعرض القضية المغربية لكنها اصطدمت جميعها بالموقف الفرنسي، باستثناء الدعوة الى تنمية الحرية السياسية في المغرب عام 1952. ترافق ذلك مع احداث داخلية في المغرب اضطرت فرنسا لتغيير سياستها وأدت لعودة السلطان محمد بن يوسف الى بلاده عبر فرنسا 1955 حيث اجرى مفاوضات تم الاتفاق بموجبها على حق المغرب بالاستقلال وحق محمد بن يوسف بتشكيل حكومة تسعى لإنشاء دولة المغرب الحرَّة. عند عودته للمغرب نودي لمحمد بن يوسف ملكاً للمغرب تحت اسم محمد الخامس الذي كلف السيد بكاي بتشكيل حكومة جديدة لإجراء المفاوضات مع الحكومة الفرنسية. ونتيجة لهذه الاتفاقات تولت إسبانيا سياستها تجاه محمد الخامس ولجأت الى نفس اسلوب الفرنسيين.

بالرغم من التوصل لإتفاقات مع فرنسا فإن العلاقات ما بين البلدين شهدت بعض التوتر من حين لآخر. حين بدأت النزاعات في الريف المغربي ومطالبة حزب الاستقلال بضم إقليم شنغيوا (موريتانيا حالياً) للمغرب. والقضية الجزائرية كانت ايضاً من اهم اسباب بعض الخلافات مع الحكومة الفرنسية، خصوصاً قضية خطف طائرة بن بيلا ورفاقه ورفض فرنسا توسط المغرب لحل القضية الجزائرية.

5-3-3 القضية الجزائرية:

حكم الفرنسيون الجزائر حكماً مباشراً منذ العام 1830([180]وكانوا يتعبرونها جزءاً من الاراضي الفرنسية فصلها البحر المتوسط. لذا كان الوجود الاوروبي في الجزائر كثيفاً خصوصاً ان الجالية الفرنسية تجاوزت 12% من مجموع السكان وكانت هذه الجالية تتمتع بنفوذ سياسي كبير في جهاز الحكم المركزي في باريس كان الرأي العام الجزائري منقسماً ما بين إصلاحيين وأصوليين حول مستقبل الجزائر وعند سقوط الاصلاحيين في إنتخابات سنة 1947 بدأ نفوذ الأصوليين بالنمو والتعاظم على حساب الاصلاحيين والاحزاب الوطنية الجزائرية. هكذا بدأت أولى العمليات العسكرية في تشرين الأول سنة 1954 وكانت هذه الحركة تدعو لبناء دولة الجزائر الديمقراطية الاشتراكية على مبادئ إسلامية.

وقد بدأت بعملها على مستويين:

  • داخلي: عمل عسكري ضد الاستعمار

  • دولي: عبر الاتصال بالعالم الخارجي لتأمين الدعم الدولي للقضية وكذلك تم توزيع العمل وتنظيمه حيث تولى جيش التحرير الوطني العمل العسكري وتفرغت جبهة التحرير الوطني للعمل السياسي التي اتخذت القاهرة مقراً لها بزعامة أحمد بن بيلا. فكان الصراع عبر محاولات تدويل القضية الجزائرية. لكن ت

  • تمسك الطرفين أدى الى مزيد من القتل والدمار في الجزائر ومن الطرفين، خصوصاً أن فرنسا رفعت عدد جنودها العاملين في الجزائر من 80 الى 220 الف جندي ([181]) أبدت الحكومة الفرنسية بعض اللين باستبدالها ” سوسيتل” بالجنرال كاترو. الامر الذي أثار حفيظة الجالية الفرنسية هناك التي تعتبره مسؤولاً

  • التفريط بسوريا ولبنان وهو الذي فاوض محمد الخامس في مدغشقر. قامت المظاهرات من الجالية الفرنسية ضد تعيين كاترو ما دفع بالحكومة الفرنسية لاستبداله بروبير لاكوست المعروف بالشدة والحزم الذي رفع عدد الجيش الفرنسي من 220 الى 400 الف جندي ودعا لإجراء إنتخابات عامة ومن ثم إجراء

مفاوضات مع ممثلي الجزائر المنتخبين. الأمر الذي رفضته جبهة التحرير من القاهرة، ما شكل سببا من أسباب اشتراك فرنسا في الحملة الثلاثية.

بعد ذلك خوّل المجلس الوطني للثورة الجزائرية لجنة التنسيق والتنفيذ حق تشكيل حكومة جزائرية مؤقتة كانت برئاسة فرحات عباس نالت هذه الحكومة تأييد العديد من الدول وحركات التحرر وفي الأمم المتحدة ايضاً. أمام هذا النجاح السياسي الباهر انهارت جميع الاعمال العسكرية التي نفذها الاستعمار الفرنسي. بالرغم من اصرار فرنسا على إعتبار قضية  الجزائر قضية داخلية ولا يحق لهيئة الامم المتحدة التدخل فيها، فقد استطاعت بفضل تبني كتلة الدول العربية والآسيوية لها من أن تطرق أبواب المنظمة الدولية منذ عام 1955. واستمرت هذه الحال من الرفض الفرنسي حيث تاريخ قصف قرية سيدي يوسف في تونس من قبل الطيران الفرنسي. هذا التوسيع في العمليات العسكرية كان له صداه وأثره في مستقبل القضية الجزائرية لأن العديد من الدول اتخذت منه ذريعة لتغيير موقفها خصوصاً الولايات المتحدة التي رأت أنه كلما تأزم الوضع في شمال أفريقيا اتاح الفرصة لتوسيع النفوذ السوفياتي فيها ولذا كان لا بد من استيعاب المشكلة قبل فوات الأوان، وهكذا دعمت الولايات المتحدة تونس في شكواها ضد فرنسا في نيسان 1958. نجحت الحكومة الجزائرية المؤقتة في الحصول على اعتراف العديد من الدول بها. ما ادى الى انقسام العالم حول المسألة الجزائرية وأثر ذلك كثيراً على الداخل الفرنسي، الذي اصبح لزاماً عليه الاعتراف بحق الجزائر بالإستقلال. فقام الجنرال ديغول بخطوته المهمة وقراره المهم ايضاً الذي تأخر بعض الوقت نظراً لتعقيدات الوضع الفرنسي الداخلي. بعد ذلك تقدمت الحكومة المؤقتة من هيئة الأمم المتحدة عام 1960 بطلب إجراء إنتخابات عامة تحت إشرافها، لكن المنظمة الدولية رفضت إجراء ذلك لكنها أكدت في نفس القرار على حق الشعب الجزائري في الحرية والسيادة والوحدة، وفي الأول من تموز 1962 اعترفت فرنسا بإستقلال الجزائر ([182]

 6- قوى النفوذ الجديدة وبناء الدولة الديمقراطية:  

في التاريخ الحديث استطاعت السلطنة العثمانية فرض سلطتها في عموم المنطقة العربية منذ العام 1516 إضافةً إلى أنّها استطاعت التوغّل حتّى أواسط أوروبا. لكن التطوّر الذي عرفته هذه الأخيرة، لاسيّما في ثورتها الصناعية، دفع بها لأن تغزو العالم بعد أن أجبرت السلطنة على الإنكفاء عن قسم كبير من مناطق نفوذها في أوروبا، وأن تبني مملكة مترامية الأطراف من المستعمرات وأن تفرض على السلطنة أيضاً حق التدخّل في شؤون بعض المناطق الخاضعة لها. إنّ التطوّر والنموّ اللذين عرفتهما أوروبا ترافقا زمنياً مع مرحلة التراجع والضعف التي لحقت بالسلطنة العثمانية حتى عُرفت بالرجل المريض في القرن التاسع عشر.

إنّ حالة الضعف هذه لم تؤدِّ إلى تفتيت السلطنة أو تجزئتها نظراً لإصرار أوروبا وبريطانيا تحديداً على المحافظة على الأمر الواقع ما مكّنها من التدخّل في شؤون المنطقة سياسياً واقتصادياً. إذا كانت أوروبا قد سعت للحفاظ على واقع الأمر في منطقة الشرق الأوسط فهذا لا يمنع حدوث بعض الإختراقات لهذا المبدأ لاسيّما عند تفاقم النزاع بين الأوروبيّين أنفسهم وهذا ما تفسّره الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون بونابرت بهدف قطع طريق المستعمرات في الشرق عن بريطانيا ردّاً على سياستها المناهضة للثورة الفرنسية ولمبادئها ومحاولات القضاء عليها بتأليب أوروبا المحافظة ضد الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر (1789).

في الواقع كانت هذه الحملة بمثابة ناقوس الخطر الذي أيقظ بريطانيا على أهمية هذا المعبر الحيوي الذي من خلاله يمكن التحكّم بالصراع ومصادر إقتصاديّات العالم بأسره. لم تتوقّف نتائج الحملة العسكرية على مصر عند ما تركته من أثر في مصر أو على مسار الأحداث الداخلية في فرنسا وأوروبا لا بل إنّها تعدّت إلى أكثر من ذلك بكثير وهو البعد الإستراتيجي لهذه المنطقة ولدى شقّ قناة السويس اكتسبت هذه المنطقة أبعاداً إضافية أخرى إذ اصبحت الممرّ الحيوي والوحيد ما بين أوروبا الصناعية وآسيا وأفريقيا حيث مصادر الطاقة والأسواق التجارية. بعد قناة السويس هناك مضيق باب المندب الذي يفصل البحر الأحمر عن المحيط الهندي. ومضيق هرمز الذي يفصل بين الخليج العربي والمحيط الهندي أيضاً. وأهميّة هذا المضيق تضاعفت عند اكتشاف آبار النفط المورد الرئيسي للطاقة في العالم.

إنّ الكثير من التحليلات السياسية التي تتناول موضوع المنطقة العربية لا تعطي الأهمية الكافية لموضوع خلافة السلطنة العثمانية التي تلاشت مع انتهاء الحرب العالمية الأولى والتي كانت تعتبر بمثابة امتداد لسلطة الدولة الإسلامية.

بدأ اضمحلال السلطنة العثمانية بسلخ المناطق الأوروبية عنها ثمّ برسم سلسلة من القواعد التجارية لبريطانيا العظمى (مالطا، قبرص، مصر، عدن وصولاً إلى الهند) ثمّ فرض حقوق حماية الأقليّات على السلطنة نفسها للتدخّل في شؤونها الداخلية. وكان لسيطرة بريطانيا الإقتصادية أثر في السياسة الدولية ولدى السلطان الذي ما لبث أن أصبح مرتهناً لها. وهكذا وقعت أولى آبار النفط المكتشفة في العالم بيد بريطانيا لقاء تخلّيها عن ديونها على السلطنة (نفط الموصل).

إنّ إنتصار الحلفاء في الحرب العالمية الأولى (1914- 1918) أتاح لفرنسا وبريطانيا فرصة وضع اليد على المنطقة العربية واقتسامها طبقاً لما نصّت عليه إتفاقية سايكس – بيكو سنة 1916.([183]) وقد ساعدهما في تنفيذ هذه السياسة إنشغال روسيا بهمومها الداخلية بعد الثورة البلشيفية (أكتوبر 1917) وانسحاب الولايات المتحدة الأميركية من عصبة الأمم وانكفائها ضمن حدود القارة الأميركية. غير أنّ الأمر لم يدم طويلاً إذ ما لبثت الحرب العاليمة الثانية أن قضت على القوى الإستعمارية التقليدية (فرنسا وبريطانيا) لتفسح في المجال أمام قوى جديدة تتحكّم منذ ذلك التاريخ بالقرار والسياسة الدولية، هذه القوى هي الإتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية.

لم تكن فترة الإنتداب طويلة إلاّ أنّها تركت آثاراً مهمة انبثقت عنها مجموعة من الدول وتمت عمليّة رسم الحدود بين الدول الحديثة وهكذا ولدت في المنطقة:

  • دول تغلب عليها الإنقسامات الطائفية (لبنان).

  • دولة غنيّة الموارد محدودة الطاقة البشرية (السعودية، الكويت، الإمارات).

  • دول ذات كثافة سكّانية محدودة الموارد (سوريا، الأردن، العراق).

  • إسرائيل التي مثّلت امتداد النفوذ الغربي داخل العالم العربي.

إزاء هذا الوضع كان هناك ردود فعل تمثّلت بالحركات السياسية الداعية لتوحيد المنطقة العربية وحركات سياسية داعية لتوحيد منطقة الهلال الخصيب، أطلق عليها إسم الحركات القومية (قوميّون عرب، بعث أو قوميّون سوريّون) استطاعت هذه الحركات أن تنتشر في العديد من الدول العربية نظراً لما تلاقيه دعوتها للوحدة من صدى لكنّها لم تستطع تحقيق طموحاتها لأسباب متعدّدة منها:

  • وجود حركات ذات أهداف مضادّة لا تتناسب طموحاتها مع مبدأ التوحيد.

  • قيام كيانات حديثة شكّلت عائقاً بوجه التوحيد.

  • قيام إسرائيل مع ما يشكّل ذلك من عامل إستنزاف عند الدول العربية من خلال الحروب المتلاحقة التي وقعت (الصراع العربي – الإسرائيلي).

وتجدر الإشارة أنّ الصراع العربي – الإسرائيلي تزامن مع صعود الثنائية القطبية واحتدام الصراع بين الجبارين، الإتحاد السوفياتي والولايات المتحدة فيما عرف بالحرب الباردة والتنافس على هذه المنطقة ليس باعتبارها فقط مورداً للنفط وحسب بل مسرحاً للتنافس والصراع بينهما لتوسيع دائرة نفوذهما والتحكّم بالممرّات الإستراتيجية. والواقع أنّ أمن منطقة الخليج، التي هي جزء من منطقة الشرق الأوسط يؤثّر إلى حدٍّ كبير على الأمن الغربي عامّة والأوروبي خاصة ما حدا ببعضهم إلى اعتبار الخليج بمثابة القلب. فمن يسيطر عليه يسيطر على العالم. وانطلاقاً من هذا الواقع كان موضوع وراثة السلطنة العثمانية، لا يزال مطروحاً بإلحاج بإعتبار أنّ المركز لا يزال شاغراً وهو ما يعرف بـ ” المسألة الشرقية “. وهكذا ارتبط هذا الصراع (الصراع العربي – الإسرائيلي) بالصراع الدولي حيث توافقت السياسة الأميركية مع طموح إسرائيل لإخضاع المنطقة تحت سيطرتها لاسيّما بعد تصاعد الأهمية العظمى لدور النفط في رسم السياسة الإقتصادية في العالم. هذا من جهة ومن جهة ثانية شكّل الإتحاد السوفياتي مصدر دعم وتمويل للحركات القومية التقدمية في العالم العربي فكان الصراع شرق – غرب وعرفت المنطقة خلال هذه الفترة الزمنية حروباً عديدة منها بين العرب وإسرائيل: حرب فلسطين 1948، حرب السويس 1956، حرب الأيام الستة 1967 وحرب تشرين 1973 والحرب اللبنانية حيث كان لإسرائيل الدور البارز فيها وحرب الخليج الأولى ولم تكد تنتهي الحرب العراقية – الإيرانية حتّى كانت الإنهيارات تتوالى في العالم الإشتراكي وبزوال الإتحاد السوفياتي باتت الدول العربية الصديقة مكشوفة أمام الإندفاعة الأميركية خصوصاً بعد تخلّي غورباتشوف عنها الأمر الذي عزّز مقدرة الولايات المتحدة الأميركية على إعادة ترتيب النظام الدولي الجديد وفقاً لما تقتضيه مصالحها، فأصبحت تمثّل قوّة النفوذ الجديدة التي تملك خطط ومشاريع تغيرية جديدة ظهرت هذه الخطط بعد بروز الخلافات بين العراق ودول الخليج والكويت وتبلورت بعد أحداث 11 ايلول، ونفذت من خلال الحرب التي شنّتها في آذار 2003 والإنهيار التام لنظام صدّام حسين واحتلال العراق، تحت عنوان محاربة الإرهاب ونشر الديمقراطية، فهل الهدف هو تغيير نماذج الدول العربية وتحويلها من نماذج سلطوية إلى نماذج ديمقراطية، أم أنّ جدول أعمال الإدارة الأميركية المعلن وغير المعلن أوسع من ذلك بكثير ؟

القسم الثاني/أمثلة من نماذج الدول في العالم العربي
أولاً – نموذج الدولة اللبنانية: ليبرالية في نظام طوائفي:

ان بنية المجتمع اللبناني على درجة كبيرة من التعقيد، فالجماعات الدينية تشكّل الوحدات الأساسية في تكوينه،وقد اكتسبت، في سياق التطور التاريخي لهذا المجتمع، كيانات سياسية تتمتع بشبه استقلال ذاتي. فالدولة اللبنانية تبدو كاتحاد بين جماعات دينية _ اجتماعية _ سياسية، تتقاسم سلطتها وتشارك في حياتها السياسية، وتحتل مستويات غير متوازية في تركيبة السلطة، تحددها قدراتها الذاتية والدعم الخارجي الذي ترتكز عليه. فالتوازن السياسي، الذي قامت عليه الدولة؛ غير مستقر، ومعرّض للخلل تحت تأثير عوامل داخلية وخارجية.([184])

ينتمي نموذج الدولة اللبنانية نصاً، الى النموذج الليبرالي الا انه يتميز بواقع مغاير تسيطر  عليه العصبيات المذهبية والعائلية والاقلوية التي  اعادت انتاج بنيتها التقليدية تحت غطاء ايديولوجي من النصوص الدستورية المستمدة من الدساتير الاوروبية والتي أُلصِقت بواقع مغاير عن الواقع الاوروبي ولا يتطور بالضرورة بنفس السياق الذي تطور فيه المجتمع الاوروبي في انتقاله من الاقطاعية الى الرأسمالية نظراً لان الشرط التاريخي المسبق لولادة الدولة البرجوازية الديمقراطية في اوروبا قد تمثل من انبثاق الانسان الفرد المتفلت من عصبياته البدائية وهذا ما يفتقده المجتمع اللبناني. ولعل الحرب الاهلية التي اندلعت عام 1975 خير دليل على هشاشة هذا النموذج من الدول الذي اقتبس الليبرالية وابقى على عصبياته المذهبية، العشائرية، الطائفية، فبرزت مؤسسات المجتمع  الاهلي من بنى تقليدية راسخة، (عشائر، عائلات، طوائف) حيث ظنّ البعض ولو لفترة انها ثلاشت واندمجت في مؤسسات الدولة العصرية التي حاولت إرساء قواعدها التجربة الشهابية، وحلّت هذه المؤسسات مكان الدولة، التي تلاشت امام الميليشيات الطائفية واعادت الى الاذهان  السمة البارزة لمنظور بنية الكيان  اللبناني، الا وهي الحروب الاهلية التي تكشف عمق ورسوخ البنى التقليدية، هذه الحروب التي كانت تنبثق عنها دائما صيغة توازن العصبيات على قاعدة “لا غالب ولا مغلوب” ضمن حدود ما تسمح به المعادلات الاقليمية والدولية وهذا ما يطرح التساؤل حول كيفية انتقال المجتمع اللبناني من مرحلة العصبيات المذهبية والعائلية والطائفية الى مرحلة الدولة وذلك من منطلق المنهج القائل بضرورة رؤية ما هو قائم بقوانينه العامة كشرط مسبق لصياغة ما يجب ان يكون والا تحوّل اي مشروع لبناء دولة الى نمذجة مستعارة قد تصلح لمجتمعات اخرى ولكنها لا تتلائم مع الواقع بمعطياته التاريخية والبنيوية.

وهذا لا يعني الخروج بالمطلق عن القوانين العامة لتطور مجتمعات البشرية، بل يعني ان اي طرح فكري لتغيير بنى المجتمعات يجب ان ينطلق من قراءة معمقة لهذه المجتمعات بالذات لرؤية تمايزها او تطابقها مع مجتمعات اخرى، واكتشاف الادوات والوسائل  التنظيمية الملائمة لهذا التغيير، ونوع الدولة الملائمة، مع الاخذ بعين الاعتبار تجارب بقية الشعوب التي طرحت على نفسها مهمة بناء دولة قادرة على حل مشاكل مجتمعها.

ان الكيان اللبناني قد تميز بتفكك دولته وتلاشيها امام الميليشيات  الطائفية وذلك نتيجة اندلاع الحرب الطائفية فيه سنة 1975، وهذا ما يطرح تساؤلا حول اسباب هشاشة هذا النموذج من الدول، ان هذا يردنا حتما الى الجذور التاريخية لمحاولة بناء هذا النموذج، “نموذج الدولة الحديثة”، منذ المحاولة الاولى التي بدأت مع (الامير بشير  الشهابي الثاني 1788-1840 وحتى المحاولة الاخيرة، قبل حرب عام 1975، التي انتهت مع الدولة الشهابية (الرئيس فؤاد شهاب وامتداد تجربته 1958-1968 وبين هاتين المحاولتين يرتسم التاريخ السياسي للكيان اللبناني.

فإذا بنيت المحاولة الاولى بالتحالف مع قوى خارجية للوقوف بوجه السلطنة العثمانية،الا ان  رسوخ العصبيات، وارساء صيغة الغالب والمغلوب، ادى الى شطر البلاد قائمقاميتين، واذا كانت صيغة 1861 ارست توازن العصبيات على صيغة لا غالب ولا مغلوب وذلك بتنصيب حاكم مسيحي ولكن غير لبناني الا انها عمليا قد قلصت من غلبة الدروز الى درجة التوازن بحيث تم القضاء على الاقطاع وشرّعت الملكية الفردية، هذا الاقطاع الذي كان يشمل الاغلبية الدرزية والاقلية المسيحية،وهذا ما انعكس غلبة للمسيحيين.

وقد تم تنظيم لبنان كسنجق عثماني، له استقلاله الذاتي، يحكمه حكام اجانب وفقا لنظام منبثق من وضع شاذ، جعلوه اساسا لحياة طبيعية واستمر من سنة 1861 حتى الحرب العالمية الاولى.

وعندما حل الانتداب، كان هم الانتداب الاول، كسب المغانم واخضاع البلاد لسيطرته على الطريقة الاستعمارية ، فحكمها ليس حسب شرعة عصبة الامم، اي في سبيل بلوغها  الحياة المستقلة المحترمة والديمقراطية الصحيحة، بل حكمها حسب روح نظام 1861، وذهنية القرن التاسع عشر، فكرّس التفريق الديني، كاساس للتمثيل الشعبي، بدل ان يعمد الى ازالة التفرقة القديمة ويحل الوحدة القومية مكانها عملا بمبادئ الحضارة الغربية نفسها.

فالمشاريع التي حملها الغرب على المجتمعات العربيّة بشكل عام، بالرغم من الفوائد الثقافيّة التي نُقلت الينا والتي لا تنكر،وبالرغم من تعزيز ممارسة الحريات العامة، الا انها قد ارتسمت بسلبية مزدوجة:

_ قطع السيرورة التاريخيّةلتطور البنى القديمة وولوج الحداثة بشكل طبيعي.

_ عدم اقامة سلطات وبنى غربيّة جديدة كما كان يتمنى ذلك معظم المثقفين في المجتمعات العربيّة، المتشبثين بالنماذج الغربيّة التي لم يطبقها الغرب على بلادنا كما طبقها في أوروبا، أو على الاقل لم تتم اي محاولة لتطبيقها، حتى نقول أنّه، لقد جرت المحاولة وباءت بالفشل، وهذا ما انعكس انتقاصاً من الديمقراطية.

اذا، ًلقد أتت الديمقراطية منقوصة في لبنان، باعتبار الطوائف الدينية، تشكّل هيئات وسيطة بين المواطن والدولة، والحرية معززة باطار النظام الطوائفي وليس خارجه.

وقد جاء ميثاق 1943 ليرسي صيغة الغالب والمغلوب ايضاً، وقد خرجت الطائفة الدرزية مع هذا الميثاق المغلوب الاكبر، فبعد ان كان امراء الدروز أسياد لبنان، انتقلت هذه السلطة من الدروز الى الموارنة في سنة 1770، وترسّخت في ميثاق 1943، وبعد ان كان الدروز الشريك الاساسي للموارنة ايام المتصرفية، لم يبقى لهم سوى منصب وزير في دولة 1943 فتكرّست حصة كل طائفة وترسّخت بالقوانين. وقد  ولد الاستقلال في هذا المهد من التمييز الطائفي بالاضافة الى التفسخ القومي والانحراف المناقبي بين ايدي الساسة من ابناء المدرسة العثمانية الانتدابية ومن اهل الاقطاع الذين اندمجوا واصبحوا من اهل الادارة (منذ 1861) فنقلوا الاقطاعية اليها، وانعكست الصورة بخلفيتها التاريخية والاجتماعية والاقتصادية، (تمييز وعدم مساواة بين المواطنين) وابقت على هذه الصورة فئة من الاثرياء والاقطاعيين، احتلت مراكز القيادة ومقاعد الحكم في السلطتين التنفيذية والتشريعية، فئة فهمت الاستقلال ضربا من السيطرة العابثة والاستقلال بدون رقيب، وراحت تتعاطى بالشؤون العامة والادارة والثروات الوطنية، كأنها فريسة او غنيمة وقد رأت هذه الفئة ان الاطار القديم ملائم مصالحها، فوطّدته ورفعت الرواسب الطائفية والرجعية الى مرتبة الصفات العامة والتقاليد الثابتة، فغرس في نفس المواطن ان يرى وطنه من خلال طائفيته، ودولته، من خلال نائبه الطائفي ووظيفته ومصالحه. وحقوقه، من خلال حصة طائفتة من كوتا الادارة والاعمال والشؤون العامّة. وهكذا تركز التعصب الطائفي في المجتمع اللبناني بدل ان يتركز الانتماء الوطني.

وانعكس هذا التعصب على نموذج الدولة هشاشة، هذه الهشاشة التي تكمن في الابقاء على العصبيات التي لم تتفتت كما حدث في الغرب، كحصيلة لتطور تاريخي لبنية المجتمع الاقطاعي الذي فرز مع نمو البرجوازية، الانسان الفرد. هذه الفردنة هي التي ميّزت المجتمع الغربي الرأسمالي على كافة المستويات ومهّدت لقيام الدولة اليمقراطيّة الغربيّة:

– فعلى المستوى الاقتصادي برزت الملكية الفردية من داخل المجتمع الاقطاعي، وواكب نمو التجارة الخارجيّة عبر البحار اقتلاع الفلاح عن وسيلة انتاجه (الارض) ونزوحه الى المدينة ليبيع قوة عمله بدل أن يبيع انتاجه من الارض.

– وعلى المستوى السياسي برز المواطن الفرد (citoyen  ) الذي أصبح في علاقة مباشرة مع الدولة الجديدة، بدون وساطة العائلة والعشيرة والطائفة، وهو مواطن يتمتع بحقوق الانسان الفردية ويلتزم بواجبات المواطنيّةالتي تفرضها الدولة والتي تقف عند حدود حرية الآخر وعند حدود المصلحة العامة.

– وعلى المستوى الفكري والفلسفي، برزت الانسانوية كمذهب يحتل فيه الانسان المفرد مكان الله الذي كان مسيطراً في الفلسفات السابقة. فالانسان هو الذي يصنع التاريخ بدل العناية الالهية،وهذا ما عبّرت عنه الفلسفة العقلانيّة الجديدة، انطلاقاً من كوجيتو ديكارت وصولاً الى فلسفة التنوير التي مهدت للثورة الفرنسيّة.

خلاصة القول: ان الشروط التاريخيّة لنشوء نمط الانتاج الرأسمالي في أوروبا ارتبطت بمعطى بنيوي داخلي، تمثل هذا المعطى بظاهرة الفردنة وولادة الانسان المفرد على انقاض التجمعات والعصبيات السابقة. ان ظاهرة الفردنة هذه كانت غائبة عن بنية مجتمعنا العربي، بسبب التركيبة العصبية التي تميز بها مجتمعنا الشرقي عبر التاريخ، والتي كانت تحول دون ولادة الانسان الفرد على قاعدة التطور الداخلي للمجتمع العربي بمعزل عن الاحتكاك بالغرب، وذلك على كافة المستويات والصعد:

– فعلى الصعيد الاقتصادي، تميّز النظام الاقتصادي العثماني الذي كنا جزءاً منه حتى عهد قريب، بغياب الملكية الفردية للأرض، واحتكار هذا الشأن من قبل الدولة المركزية التي كانت تقطع الارض لولاة أو لعصبيات محليّة لفترة محدودة، وهو نظام الديرليك ثم نظام الالتزام المقاطعجي الذي لا يسمح بنمو قوة اقتصادية مستقلّة خارج نطاق الدولة المركزية. ولم يتم ادخال الملكية الفردية على هذا النظام الاقتصادي الا في اواخر العهد العثماني وبفعل التغلغل الأوروبي في جسم الامبراطوريّة العثمانيّة.

– وعلى الصعيد السياسي، تميّز النظام السياسي العثماني بتمركز السلطة في شخص السلطان، يسانده في الحكم جيش انكشاري من أصل مسيحي مقتلع الجذور من عصبيته الأصليّة ويدين بالولاء للسلطان كجسم غريب عن المجتمع. ومن هذا الجسم تدرّج الولاة الذين يستتبعون العصبيات من خلال عائلات مقاطعجيّة. فالمواطن المفرد لا وجود له بالنسبة للدولة المركزية الا من خلال عصبيته العائليّة.

_ على المستوى الفكري، بقي الفكر الديني الاسلامي مسيطراً، ومن خلاله يتم التعامل مع كتل دينيّة أخرى ( أصحاب الكتاب والملل )، مما أعاق ولادة عقلانيّة انسانوية كما في الغرب تضع الانسان المفرد مكان الله.

اذاً لقد انعكس التعصّب على نموذج الدولة هشاشة،فاءذا كانت هشاشة النموذج تكمن في الابقاء على العصبيات التي لم تتفتت كما حدث في الغرب فان هذه الهشاشة قد ترسخت في القوانين وفي الحلول  المطروحة على مدى الزمن.

1- تركيبة لبنان المجتمعية:

إن وطن صغير كلبنان يقطنه شعب قليل العدد عدا مهاجريه الذين يفقون المقيمين فيه، يتألف من فسيفساء من السكان، لا يزال بسبب موقعه الجغرافي يتقبل الغزاة والفاتحين واللاجئين، منذ غابر العصور حتى يومنا هذا، من القبائل الحامية والسامية (4000 سنة قبل المسيح) الى المصريين (1500 سنة ق. م.) الى الاشوريين (القرن التاسع ق.م.)، الى الكلدانيين (القرن السادس ق.م.) الى الفرس (القرن الخامس ق.م.) الى اليونان المقدونيين والسلجوقيين (القرن الرابع ق.م.)، الى الرومان (من القرن الثالث الى القرن السابع)  الى العرب (من القرن السابع الى القرن السادس عشر) وما تخلل ذلك من دخول الصليبيين (من أواخر القرن الحادي عشر الى اواخر القرن الثالث عشر، الى العثمانيين (من القرن السادس عشر حتى القرن العشرين) وما تخلل ذلك من غزوات قصيرة النفس من قبل فرنسا (بونابرت سنة 1799) والمصريين (محمد علي باشا وابراهيم باشا، سنة 1831-1840) وبعثة الجيوش الاوروبية 1860، الى الحرب الكونية الاولى والانتداب الفرنسي (1918 الى 1943) وحلول الجيوش الحليفة في الحرب الكونية الثانية (1940الى 1945) الى دخول الجيش الاميركي في تموز سنة 1958 الى دخول الجيش الاسرائيلي والسوري تلك الفتوحات والغزوات والمداخلات الاجنبية تركت في لبنان خليطاً من الاجناس والسكان، فيهم من الاموريين والكنعانيين والآراميين والمصريين والحثيين والاشوريين والعبرانيين والعرب والفرنجة وحديثاً من الارمن والاوروبيين شرقاً وغرباً والفلسطينين ومتفرقات اخرى تكاد لا تحصى.

وعندما يكون عدد سكان لبنان على ما هو عليه، يأخذ دخول الاغراب بالكميات التي حصلت مع ما تجره من مستجدات خاصة ومتباينة وبالازمنة المتقاربة، دوراً نسبياً هاماً في التأثير على تركيب مجتمعنا، من النواحي القومية والنفسية والاقتصادية ، بحيث يسعنا القول إن تكويننا الاهلي لم يعرف بعد حتى جيلنا الحاضر، وعلى المدى التاريخي اللازم، الاستقرار الذي تحتاجه بلاد ما لتنعم بالانسجام لكي تثبت على حال مجتمعي مشترك وتركز على طابع وطني موحد.

الى جانب هذه الفسيفساء الاثنيّة يجمع لبنان فيسفساء اخرى دينية ولا تؤلِّف واحدة منها اكثرية المواطنين لتضفي بعددها لوناً غالباً على المجموع او طابعاً شاملاً الامر الذي يجعل من أرض لبنان ميداناً لتنافس الاقليات التي كثيراً ما ضعضعت الوحدة السياسية التي رعتها الاسر والحكومات التي تعاقبت على تدبير شؤون البلاد منذ مطلع القرن السابع عشر.

1-1 الصراع والتنافس بين الجماعات: 

لعلّ التطور غير المتوازن للطوائف اللبنانية قد لعب دوراً في هذا التنافس في العملية السياسية، وعكس تنوّع الآراء والاولويات لدى الجماعات اللبنانية.([185]) فالدروز والموارنة شهدوا التغيّر الطائفي والسياسي او الاثنين معاً في جبل لبنان في عهد الامارة وبعده. أما في لبنان ما بعد 1920 فإن أهم أبعاد العلاقة المارونية السنيّة بمظهريها الخلافي والوفاقي على السواء، كان متعلقاً بعروبة لبنان ما قبل الاستقلال، وهي العروبة المتغيّرة مضموناً وتفسيراً. إن تطور العلاقات بين الطوائف في لبنان مرّ بسلسلة متتالية الحلقات من التغيّر المتواصل، كما تغيّرت فيه الخلافات بسبب التطورات الداخلية من جهة وعدم استقرار الوضع الاقليمي الذي أثّر في الوضع اللبناني من جهة ثانية. ولعلّ احدث مظهر من مظاهر التحوّل الطائفي هو تبلور الوعي السياسي الطائفي وسط الطائفة الشيعية منذ أوئل السبعينات، فكانت نتيجة ذلك أن أصبح للمسلمين الشيعة برنامجهم السياسي الخاص والمتميز على الصعيد الداخلي وكذلك على الصعيد الخارجي منذ مطلع الثمانينات تحت تأثير إيران الاسلامية، فالطائفة الشيعية قبل هذا، لم تكن مرتبطة باتجاه سياسي او إيديولويجي معيّن كما كانت الحال بالنسبة الى الطائفة السنيّة، كذلك، فإن طرح الطائفة الشيعية لم يكن نتيجة علاقات طائفية وسياسية، كما كانت الحال بالنسبة الى الدروز والموارنة في لبنان ما قبل 1920، أو السنّة والموارنة بعد 1920.  إن الفرق بين الشيعة وسواهم من الطوائف، خصوصاً بالنسبة الى العملية السياسية، هو أن تعبئتهم الطائفية والسياسية والتبدلات الاجتماعية التي شهدتها الطائفة الشيعية جاءت متأخرة وفي زمن التغيّر وعدم الاستقرار السريعين داخلياً وإقليمياً.

ومما يزيد الامور تعقيداً انه منذ منتصف القرن التاسع عشر نشأت بعثات علمية وتربوية تنتمي الى العديد من الدول الاجنبية، أسست معاهد ومدارس راحت تنشر بواسطتها اللغات والعلوم والافكار المتنوعة فتزيد، الى جانب الفوائد الثقافية التي لا تُنكر – بلبلة المجتمع،  وتضارب الاتجاهات فيه او على الاقل تزيد تباينها فتشتد الحواجز الداخلية العقلية والنفسية بين فئات الوطن المتباعدة.

والى جانب الفسيفساء الدينية برزت في اواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين فسيفساء اخرى قومية تراوحت بين من يدعو للقومية اللبنانية وبين من يدعو للقومية السورية وبين من يدعو للقومية العربية.

مضمونها الصراع على السلطة، فالمسيحيون يرفضون بشكل عام الانخراط في قومية ذات اغلبية مسلمة لتخوفهم من ان يكونوا من “أهل الذمة” او مواطنين درجة ثانية في المجتمع ذات الاغلبية الاسلامية ويتمسكون بلبنان كوطن مسيحي لهم في شرق مسلم.  وهذا انعكس برفض هذا الواقع (اهل الذمّة) من خلال استمداد سلطتهم من الغرب هذه السلطة التي لن يتمكنوا من الحصول عليها من الداخل العربي المسلم فلقد عاشوا قرون عديدة يعانون من الاضطهاد.

أما المسلمون بشكل عام وبعض المسيحيين الذين لهم امتداد في الداخل المسلم كانوا ينادون اما بالقومية السورية او بالقومية العربية نظراً لاستمداد سلطتهم عبر التاريخ من هذا الداخل بالاضافة الى ان انتقال السلطة في لبنان من الدروز الى الموارنة لم يكن نتيجة مستمدة من الداخل العثماني بل كان نتيجة تنصّر العائلة الشهابية الحاكمة مع أبناء الامير ملحم التي تنتمي اصلاً الى المذهب السني، بالاضافة الى الديناميّة التي تمتعت بها الطائفة المارونيّة.

فعندما تنازل الامير منصور اخ ملحم عن الحكم وخلفه الامير يوسف الماروني المذهب بدا عهد الشهابيين النصارى، وسجّل بهذا نقطة تحول في تاريخ الامارة وشكل جدلاً تاريخياً ما زلنا نعاني منه حتى اليوم ولعلّ الحدث الابرز الذي أثر في تاريخ لبنان كان سقوط بشير جنبلاط الزعيم الدرزي سنة 1825([186]) الذي أعلن العصيان على الامير بشير الشهابي الثاني. على ان ثورة الشيخ بشير باءت بالفشل وبقضاء الامير بشير على منافسة القوي،  الواسع الثراء أصبح هو وحده السيد المطاع في لبنان لكنه في الوقت نفسه قضى على الزعامة الدرزية الفعالة الوحيدة في ذلك الوقت وبذلك سدد ضربة الى مكانة الدروز وهذا لم يغفره له الدروز ابداً ، وإذ ضعفوا وصاروا بلا قيادة احجموا عن التعاون الفعلي في شؤون الامارة منتظرين فرصة سانحة للثأر. ويقول المؤرخ كمال الصليبي “ولئن صح القول بأن الامير بشير المسيحي إنما سحق الشيخ الجنبلاطي الدرزي،  لا لأنه درزي بل لانه كان خصماً سياسياً عنيداً إلا أن الدروز حملوا الامر على غير محمله. وما كانت سياسة الامير بشير، في ما بعد،  إلا لتجعلهم ممعنون في النظر اليه كعدو مسيحي لطائفتهم”.([187])

1-2 محاولة بناء الدولة الحديثة:

وفي محاولة لبناء الدولة الحديثة اتخذ ابراهيم باشا من الامير بشير حليفاً له لمقاومة السلطنة العثمانية ولفتح بلاد الشام وتحرير البلاد العربية من النير العثماني وذلك ليقيم دولة موحدة كبرى على اسس وانظمة جديدة مستمدة من الانظمة الغربية ومن روح الثورة الفرنسية بنوع خاص، فمنيت اول محاولة لنمذجة الدولة بالفشل فالارتباطات الخارجية لها أثمان داخلية أثارت نقمة الدروز. لقد استطاع الامير بشير بواسطة تحالفاته مع قوى خارجية ان يتمكن من أخصامه في الداخل في ظل الاوضاع الاقطاعية واحتفظ لنفسه بإمارة لبنان اثنين وخمسين سنة لكن التزاماته وارتباطاته الخارجية ادت في النهاية الى سقوطه والى انهيار الامارة وانجراف لبنان في الفوضى ولعل في هذه التحالفات المارونية – الخارجية ما يثير القلق لدى الطوائف الاخرى حتى اليوم التي تنظر الى الداخل المسلم في استمداد سلتطها بالرغم من علاقاتها الخارجية، فالطرح القومي لم يكن سوى انعكاس لمصالح الجماعات وكان العنوان الظاهر للصراع على السلطة والمنافسة عليها في لبنان. والخلاف على مسألة حدود الكيان لم يكن سوى واجهة حول من سيستلم السلطة داخل هذا الكيان، كما ان اي مشروع ينادى له يبقى فاشلاً في مجتمعنا الشرقي ما دام الانسان الفرد لم يتفلّت من عصبياته كشرط مسبق لنجاح اي مشرووع وبإمكان الدول العربية اذا ارادت هذا النجاح ان تبدأ كل من كيانها الخاص بتطوير الفرد لا بقمعه، أي ضمن الامكانيات المتاحة. لقد كانت الدعوة القومية العربية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، بالنسبة للبنان وسوريا بشكل خاص، حركة علمانية، إذ كان المناديين بها يرغبون في تجريد فرنسا من سلاحها الاقوى وهو وجود الاقليات المسيحية والاقليات الاسلامية المنشقة التي كانت تلجأ الى فرنسا لحمايتها. ولقد كانت السياسة الاستعمارية التي اتبعتها دولتا فرنسا وانكلترا، خصوصاً في سعيهما للحلول محل السلطنة العثمانية في دول المشرق، وقد لجأتا في سبيل بلوغ مآربهما الى شتى طرق الخداع، فعملتا ظاهراً على احتضان الحركات الاستقلالية المتنامية المتنافسة في مصالحها ووعدتها جميعاً وفي آن واحد بالتأييد والمعونة. ولقد أسفر التطور العام الذي طرأ على لبنان في عهد المتصرفية ان سعى المفكرون المسيحيون على الاخص الى إقرار بعض المبادئ التي يقوم عليها تعاون اسلامي-مسيحي وقد تبيّن لهؤلاء ان فكرة القومية التي عرفتها اوروبا بصبغتها العلمانية هي السبيل المجدي. وكانت فكرة القومية قد سبق لها ان تفشّت في أنحاء السلطنة العثمانية في النصف الاول من القرن التاسع عشر فظهرت اول الامر في الولايات البلقانية، حين ثار العرب واليونان ضد الحكم التركي مطالبين بالاستقلال، ثم اقتدت بهؤلاء شعوب البلقان الاخرى. وكانت هذه الشعوب جميعها مسيحية([188]) تناضل ضد حكم إسلامي.  فاتخذت فكرة القومية عندها، بطبيعة الحال، صبغة دينية واحدثت الثورات المسيحية في البلقان ردة فعل عند المسلمين، فهبّوا للدفاع عن سطوة الاسلام وقامت الاضطرابات الدينية في مختلف الاقطار العثمانية. مما زاد في نقمة الرعايا المسيحيين على الدولة. وكانت الحكومة العثمانية، في هذه الاثناء قد باشرت في التنظيمات (1839-1976) وبدا لهم ان أفضل سبيل الى ذلك هو في تعزيز قومية عثمانية علمانية.  إلا ان النزعة العثمانية هذه لم تلق نجاحاً عملياً. إذ رفض غلاة المسلمين قبول مبدأ المساواة بين المسلمين وغير المسلمين الذي قامت عليه النـزعة. أما الرعايا المسيحيين فداخلهم الشك في النيّات الكامنة وراء حركة الاصلاح. ففيما استهدف الاسلام علناً إبقاءهم في منـزلة وضيعة، أنذرت النـزعة العثمانية بحرمانهم من الامتيازات التي كانوا يتمتعون بها كزمييّن ضمن النظام الملّي. لذلك أصرّ المسيحيون في البلقان والاناضول والولايات السورية على الاحتفاظ بامتيازاتهم القديمة،  كما اصروا على المزيد من هذه الامتيازات، ومن الاستقلال الذاتي في الولايات المسيحية، الى ان تبلغ هذه الولايات الاستقلال التام.([189])

وكانت الشعوب المسيحية في ديار السلطنة على تفاوت في احوالها كما في قدرتها على تحقيق اهدافها الانفصالية فكان العرب واليونان والبلغار والرومان، في البلقان يتميزون، بعضهم من بعض باللغة والتقاليد القومية، كما كانوا يتميزون من الاتراك باللغة والتقاليد والدين. ولما كانت بلادهم قريبة من أوروبا المسيحية، مصدر العون، سُهل عليهم نسبياً. أن يثوروا على السلطنة وهكذا استطاعوا جميعاً مع الزمن ان يفوزوا بالاستقلال. وكان الارمن ايضاً يتميزون، كشعوب البلقان باللغة والتقاليد والدين.  إلا أن وجودهم في كليكيا وأرمينيا، في الاناضول بين الاتراك والاكراد، جعلهم، جغرافياً، بمعزل عن اوروبا.  فلما ثاروا على السلطنة ، طالبين الاستقلال، لم يصعب على العثمانيين سحق ثورتهم. فذبحوا وشُتتوا.([190])

وكان المسيحيون في الولايات السورية في الوضع نفسه الذي كان فيه الارمن من حيث وجودهم في الجزء الاسيوي من السلطنة العثمانية ومن حيث صعوبة حصولهم على المساعدة العسكرية من أوروبا. زد على ذلك انهم، بخلاف الارمن والشعوب المسيحية في البلقان، لم يتميزوا من جيرانهم إلا بالدين، إذ لم تكن لهم لغة خاصة بهم بل كانوا يتكلمون اللغة العربية كغيرهم من أهل البلاد. وكان المسيحيون في الولايات السورية يعيشون مع المسلمين في المدن والارياف، فلم يستطيعوا المطالبة بكيان وطني مستقل، لأنه لم يكن لهم ايضاً وطن خاص بهم.  وحاولت الاكثرية المسيحية في جبل لبنان، بين 1840 و 1860، أن تجعل من ذلك القطر وطناً قومياً مسيحياً، بمساعدة فرنسا وغيرها من الدول الكاثوليكية، فأثارت هذه المحاولة ردة فعل عنيفة عند الدروز أدّت آخر الامر، الى مذابح 1860.([191])

واستمر الموارنة في شمال لبنان، في عهد المتصرفية في اعتبار لبنان وطناً مسيحياً قبل كل شيء وازدادوا نقمة على نظام المتصرفية الذي قضى بأن يكون المتصرف من غير اللبنانيين، ثم انهم نددوا بتصغير لبنان وأصرّوا على ان يشمل البقاع وبيروت ومنطقتي طرابلس وصيدا. وفي 1908 وضع المحامي الماروني بولس نجيم، في باريس،  كتاباً يشرح فيه القضية اللبنانية المسيحية فقال:

” لكي يتاح للبنان ان يلعب في سوريا الدور العظيم الذي اسنده إليه التاريخ والطبيعة،  اقتضى القيام بإصلاح عملي جبار، اولّه إعادة النظر في حدوده.  فنظاما 1861 و 1864 شوّها لبنان وسلباه بعضاً من أخصب مناطقه.  وفوق ذلك كلّه، حرماه من مرفأ بيروت الكبير،  بوضع هذا المرفأ تحت إدارة الباب العالي المباشرة.  وهكذا،  فلم يعد للتجارة اللبنانية الناشطة المزدهرة منفذ الى البحر. والباب العالي لا يسمح بإنشاء مرفأ جديد على الساحل اللبناني.([192])

وكان أن وجد اللبنانيون انفسهم، وهم المكثارون في رقعة صغيرة تضيق بهم… فكل سنة تمر تشهد هجرة آلاف اللبنانيين من سكان الجبل. إذاً، هنالك مشاكل خطرة تستدعي إيجاد حلول لها.  والاصلاح السياسي أصبح ضرورة قصوى. فالمجتمع يتطور اكثر فأكثر نحو الديمقراطية، وباتت الحاجة ماسة الى إنشاء مؤسسات تتلاءم مع هذا التطور… وقد أصبح هذا الاصلاح ملّحاً،  خصوصاً ان جماعة “تركيا الفتاة” تسعى الى إلغاء استقلال لبنان الذاتي… فمن الضرورة ان تتدخل الدول التي ضمنت هذا الاستقلال للدفاع عنه وتنفيذ هذا الاصلاح. لكن المشكلة الاهم والاكثر إلحاحاً هي توسيع حدود لبنان. فقوى الوطن اللبناني الفاعلة الحيّة يجب الافادة منها في سوريا نفسها،  عوض ان توزع على أربعة أنحاء المعمورة”. ومن أجل هذا يجب ان تضم اولاً بيروت والبقاع الخصب. ثم بلاد بشارة وعكار والحولة ومرجعيون، الى أراضي المتصرفية”([193]). وهنا اتطرق للقول الذي يتبنّى فكرة اقتطاع اجزاء من سوريا وضمها للبنان،

في الواقع لم يكن هناك من دولة سورية لكي يقتطع منها لأن الدول العربية كلها نشأت حديثاً كدول مستقلة، علماً بأن مفهوم الدولة هو حديث في المنطقة العربية.

كما ان نظام الامارة الذي كان منذ مطلع القرن السابع عشر والذي تأثر بالحكم المعني والشهابي (أمراء الدروز)، كان قد شكّل وحدة سياسية تبسط سلطتها على منطقة تبتدئ بقمم جبال لبنان الشرقية وتمتد حتى البحر وهي منطقة لا تختلف في حدودها عن لبنان الحديث.

مع العلم ان اليونان والرومان اول من اطلق اسم سوريا على البلاد الشامية وبقي هذا الاسم مصطلحاً غربياً حتى أواسط القرن التاسع عشر، حين دخل في المصطلح العربي والعثماني وفي 1864 صدر نظام الولايات الجديد،  فاصبحت ولاية دمشق (ولاية سوريا). وكان العرب يطلقون اسم سورية في الاصل على القسم الاوسط من وادي العاصي (عند حمص وحماه)  دون غيره من البلاد الشامية([194]) ولقد كان بين الامير بشير الثاني وبين محمد درويش باشا والي دمشق عداوة يعود سببها الى أن درويش باشا طمع في البقاع اللبناني.([195])

لكن حوادث 1860 كانت عبرة للمسيحيين في مناطق الجنوب المختلطة، إذ أدرك هؤلاء على أثر ما ألّم بهم في تلك السنة، ان استمرار بقائهم ينطوي على تسوية وفيما رأى بعضهم ان إنشاء دولة لبنانية صالحة للبقاء يستدعي توسيع الحدود القائمة، أيقن المتبصرون منهم ان ذلك لن يجدي، في السياق الطويل، ما لم يقم تعاون وثيق بين المسيحيين والمسلمين في البلاد الموسّعة، ذلك ان المناطق المراد ضمها الى المتصرفية كانت ذات أغلبية مسلمة.

وكانت في لبنان، في عهد المتصرفية، فئات مسيحية من غير الموارنة لم تحصر همها في توسيع لبنان وضمان كيانه بل ذهبت الى أبعد من ذلك، فشمل ولاؤها الوطني سوريا كلّها، ذلك ان الروم الارثودكس والروم الكاثوليك. من اللبنانيين كان لهم الكثير من الاخوان في مختلف المناطق السورية، كما كان للموارنة اخوان في حلب وغيرها من المدن السورية الكبرى. وكان لكل من هذه الطوائف الثلاث نظام كنسي يرتكز على الكرسي الانطاكي المشتمل على جميع الانحاء السورية ما عدا فلسطين، التابعة لكرسي القدس. وكان هذا وحده كافياً لتوحيد قضية المسيحيين في الولايات السورية جميعاً. لـذلـك، ففيما واصل الموارنة عموماً تكريس جهودهم للبنان، انضم بعض النافذين منهم الى الروم الارثوذكس والروم الكاثوليك، في اعتبار سوريا كلها وطناً لهم ومع مرور الايام،  نمت عند هذه الفئة من الوطنيين المسيحيين فكرة القومية السورية التي تخطّت الاعتبارات الدينية والطائفية لتحتضن المسلمين والمسيحيين السوريين على السواء وكان من مقاصد هذه القومية العلمانية، القائمة على اللغة العربية والتراث الثقافي المشترك بين السوريين جميعاً، ان تضع تلك الصيغة المتوخاة للتعاون المسيحي – الاسلامي الذي رأى فيه الكثيرون الضمان الاكبر للمسيحيين في البلاد.([196])

 1-3 الانتماء القومي والانتماء الديني:

كان لظهور الفكرة القومية صلة وثيقة باليقظة الادبية العربية التي قامت في لبنان في عهد المتصرفية. ولعلّ اوّل من نادى بها المفكر البحّاثة بطرس البستاني. ففي الصحيفة الاسبوعية “نفير سوريا” التي صدر العدد الاول منها في 1860، دعا بطرس البستاني الى التآخي بين مسيحيي سوريا ومسلميها.  وفي 1870 أصدر البستاني مجلة الجنان وجعل شعارها “حب الوطن من الايمان” وكانت عبارة “الوطن” عند البستاني ورفاقه، تعني سوريا. لكنها كانت “سوريا” غير منفصلة عن التراث الثقافي العربي. وهكذا التقت فكرة القومية السورية، منذ اول ظهورها، بفكرة العروبة. وفي القسم الاخير من القرن التاسع عشر، شدّدت الاوساط الادبية والعلمية التي نشأت حول الكلية السورية الانجيلية في بيروت، والتي سيطر عليها فكرياً المرسل والبحاثة الاميركي كرنيليوس فانديك، على عروبة سوريا، وربما، كان بتأثير فانديك، لعنايته العميقة بالتراث العربي، ان تطورت “سوريا” البستاني شيئاً فشيئاً، الى عروبة المفكرين اللاحقين به من المسيحيين اللبنانيين، امثال ابراهيم اليازجي ويعقوب صروف وفارس نمر ولم يكن الا في اواخر  القرن التاسع عشر ان برزت فكرة القومية العربية وأخذت تنضج في أذهان بعض المفكرين اللبنانيين المسيحيين من الجيل الناشئ وكانت هذه الفكرة، بمفهومها الاصلي، لا تتميز بوضوح عن فكرة القومية السورية التي قال بها البستاني. وكذلك، لم تتنافَ “عروبة” إبراهيم اليازجي ورفاقه مع القومية اللبنانية السائدة بين المسيحيين في لبنان، وخصوصاً الموارنة. فالقومية العربية التي نادى بها المفكرون المسيحيون تحدّث، في ذلك الوقت، العصبية الدينية السائدة بين المسلمين، كما تحدّث فكرة القومية العثمانية التي ينادي بها زعماء الاصلاح في الاستانة، من دعاة المركزية، وحاولوا فرضها على جميع البلاد الخاضعة للسلطنة. لكنها لم تتعرّض للقومية اللبنانية. فلا عجب، والحالة هذه، ان يتعاون، احياناً، دعاة القومية العربية الاوائل، من المسيحيين، مع دعاة الاستقلال اللبناني إذ كانت الغاية من الفكرتين واحدة، وهي تعزيز مقام المسيحيين في الولايات السورية.

ومما لا يجوز قوله هو أن القومية العربية، في الاصل، ابتكار لبناني مسيحي محض.  فالفكرة، كما دعا اليها ابراهيم اليازجي ورفاقه من اللبنانيين المسيحيين،لم تعجز عن إيجاد من يعبّر عنها لدى بعض المعاصرين من المفكرين المسلمين، وفي طليعتهم عبد الرحمن الكواكبي من حلب (1825-1902).  وبالرغم من ولاء المسلمين العرب للسلطنة العثمانية وتحسّسهم، حتى اوائل القرن العشرين، بالوحدة الدينية والسياسية مع المسلمين الاتراك، فقد كانت هناك بين الفئتين كراهية متأصّلة لم يصعب على القوميين العرب الاوائل من المسيحيين استغلالها.

لكن الظروف التي سادت أواخر القرن التاسع عشر لم تساعد على انتشار القومية العربية بين المسلمين العرب،  ففي 1875، ثار البلغار على السلطنة، بمساندة روسيا. فجاءت ثورتهم هذه برهاناً واضحاً على فشل حركة الاصلاح العثمانية في اجتذاب ولاء الرعايا المسيحيين للدولة.  وكان في السنة التالية ان تبوأ عبد الحميد الثاني كرسي السلطنة،  فأدار ظهره الى المبادئ العلمانية التي نادى بها زعماء الاصلاح، وراح يعزز من جديد العنصر الاسلامي في الدولة ليأسه من ولاء المسيحيين. وقد شدّد على سلطته كخليفة المسلمين وتزعم حركة الوحدة الاسلامية التي كانت منتشرة آنئذ بين صفوف الشعب ثم انه ابدى عناية خاصة بالمسلمين العرب.  فقوي ولاء هؤلاء للدولة، ولم يبق هناك ما يغريهم بالتعاون مع مواطنيهم المسيحيين على تحقيق الانفصال الجزئي أو الكلّي عن السلطنة العثمانية.  وفيما ظلّ عبد الحميد الثاني سلطاناً، ظلّت القومية العربية، في الاكثر حركة انفصالية في سوريا تحظى قليلاً ان حظيت، بتأييد المسلمين.  لكن الحال تغيّرت بعد 1908. ففي تلك السنة جرى الانقلاب على السلطان عبد الحميد، فأعيد الدستور العثماني الذي كان قد أُلغي في 1878.([197])

وفي السنة التالية خُلع عبد الحميد، واجلس اخوه محمد رشاد مكانه، فتسلّم الحكم قادة حزب “الاتحاد والترقي”  وهم من ورثة حركة الاصلاح في القرن التاسع عشر. وكان هؤلاء قد تخلّوا عن فكرة القومية العثمانية التي نادى بها زعماء الاصلاح الاوائل واستعاضوا عنها بفكرة القومية التركية. فقالوا بتفوق الاتراك عنصرياً على غيرهم من الشعوب الاسلامية وغير الاسلامية في السلطنة العثمانية، وشدّدوا على ان مهمة القيادة في السلطنة العثمانية وفي دنيا الاسلام انما تقع على عاتق العنصر التركي المتفوق. وكان من شأن هذه الدعوة أنها ابعدت الشقة بين العرب وبين الاتراك والدولة العثمانية التي كانوا يسيطرون عليها. هذا فضلاً عن ان حزب “الاتحاد والترقي”  قد سعى ليس الى المزيد من المركزية فقط بل ايضاً الى تتدريك جميع رعايا السلطنة، مسلمين وغير مسلمين على السواء، وسرعان ما جمعت سياسة “حزب الاتحاد والترقي” هذه، في الولايات السورية، بين المسيحيين والمسلمين. إذ لم يمض وقت طويل حتى بدت تباشير حركة قومية عربية بين مسلمي سوريا،  اتخذت لها مراكز ناشطة في دمشق وحلب وبيروت. كانت هذه الحركة صنواً للحركة التي نادى بها المسيحيون في تشديدها على اللغة والتراث العربي كأساس للوحدة القومية.  لكن سرعان ما بدا لبعض المسيحيين ان هنالك صعوبات تلوح في الافق، ففيما اصرّ رفقاؤهم المسلمون، نظرياً، على علمانية الحركة القومية العربية ،  كاد ان يستحيل عليهم، عملياً، فصل العروبة عن الاسلام.

وكان من شأن التأييد الاسلامي للقومية العربية بعد 1909 انه أدخل تغييراً جذرياً على طبيعة الحركة واتجاهها.  فالحركة التي عبّرت، في طورها الاول، عن نزعة الاقليّة المسيحية في الولايات السورية الى الانفصال، وتخوفها من حركة الوحدة الاسلامية التي نادى بها جمال الدين الافغاني ورفاقه وتبنّاها السلطان عبد الحميد،  لم يكن لها حظ كبير في النجاح.  فلما تسلّمت الاكثرية الاسلامية قيادة الحركة، اصبحت القومية العربية قوة خطيرة لا يمكن لحكومة الاستانة ان لا تحسب لها حساباً وكان بعد 1909، أن تأسست الجمعيات السرية في المدن السورية الكبرى،  فأخذت تُجري اتصالات مع الدول الاجنبية وتعد العدة لانفصال العرب عن السلطنة العثمانية وفي الوقت نفسه، توقفت القومية العربية عن الاهتمام الجدي بالمبادئ العلمانية، بعد ان اصبح المسيحيون أقلية في الحركة فكرّس القوميون الجدد جميع جهودهم ضد سياسة التتريك والمركزية التي اتبعتها حكومة الاستانة. ثم انهم شرعوا يتطلعون الى أبعد من توحيد الولايات السورية وفصلها عن السلطنة، فتحدثوا عن إنشاء امبراطورية عربية شاملة تضم جميع البلدان الاسلامية الناطقة بالعربية.

وإذا بدأت النـزعة القومية العربية،  بقيادة المسلمين،  تتخذ شكلها الجديد. كان لا بد من ان يتبدل موقف المسيحيين تجاهها.

وكان بين هؤلاء من آثر الاستمرار في تأييد الحركة، خصوصاً في المناطق التي كان المسيحيون فيها أقليّة. أما في لبنان، فسارع المسيحيون، وهم أغلبية السكان في ذلك الوقت الى إعلان تحفظهم من حركة اصبحت القيادة فيها للمسلمين.  فمع وحدة الهدف التي جمعت في الاساس بين القوميين اللبنانيين المسيحيين والقوميين العرب، وهي مقاومة الحكم العثماني والمطالبة بالاستقلال التام، رأى القوميون اللبنانيون ان الوحدة العربية الشاملة التي هدف القوميون العرب اليها تنذر بحالة يؤثر عليها استمرار الحكم العثماني. ففي ظلّ السلطنة- العثمانية، نعم اللبنانيون بامتيازات حرصوا اشد الحرص على التمسك بها. فماذا كان يضمن لهم بقاء هذه الامتيازات في ظل امبراطورية عربية؟

إذاً قبل 1880 لم يكن هناك من حركة قومية عربية واسعة بمعنى انه لم يكن هناك مشاركة اسلامية فيها فلقد كانت محصورة جداً، وكان اغلبية المسلمين يتبنون فكرة القومية العثمانية حتى وصول حزب (الاتحاد والترقي) الى الحكم الذي تخلى عن القومية العثمانية التي تضم جميع المسلمين واستبدلها بالقومية التركية.

وهنا نستطيع ربط الاتجاه العربي القومي العلماني مع الفتح المصري لبلاد الشام لمناهضة الحكم العثماني، فإذا كانت فكرة القومية نشأت في سوريا لتعزيز مقام المسيحيين في البلاد العربية،  فإن ابراهيم باشا في احتلاله لبلاد الشام حرّر النصارى، فزال “الغيار” عنهم وأخذوا ينافسون المسلمين في ميادين التجارة التي كانت فيما سبق وقفاً عليهم وحدهم، كتجارة الحبوب والماشية وهكذا قويت شعبية ابراهيم باشا عند نصارى بلاد الشام،  فيما ضعفت عند المسلمين، إذ حرص هؤلاء على ان لا يشاركهم اهل الذمة بامتيازاتهم المتوارثة.

كما أن غزوه لبلاد الشام كان يهدف الى تحرير البلاد من النير العثماني وإقامة دولة عربية موحدة كبرى حديثة على أسس وانظمة جديدة مستمدة من الانظمة الغربية ومن روح الثورة الفرنسية بنوع خاص وهذا ما قاومته الدولة العثمانية والمنضوين الى القومية العثمانية فوجد في الامير بشير الشهابي الثاني حليفا له.

ونلاحظ ان فكرة القومية اللبنانية والقومية السورية والعربية العلمانية قد بدأت تتبلور في منتصف القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بالرغم من جذورها التي تعود الى نهاية القرن الثامن عشر مع غزو نابليون بونابرت لمصر 1798. فالقومية من حيث نشأتها هي طرح غربي وروّادها الاوائل تأثروا بالغربيين،  إذا لم نقل تقمصوا افكارهم، ألم يكن لتباشير الانبعاث الادبي العربي صلة وثيقة بجهود المراسلين الاميركيين وفي طليعتهم عالي سميث (1801/1857)  وكرنيليوس فانديك (1818 – 1895)  الذي شدّد على عروبة سوريا،  أولم يتبلور النص الكياني اللبناني في كنف النص الاستشراقي الفرنسي وهنا يجب ان نميز بين الوحدة السياسية التي كانت قائمة (الامارة) وبين الفرادة والخصوصية الواردة في النص الاستشراقي. لان الوحدة السياسيّةهي سابقة لطروحات الفرادة والخصوصيّة المنطلقة من الاستراتيجيّة السياسيّة الفرنسيّة للمنطقة بالرغم من تلاقي النص الاستشراقي والواقع السياسي.

كما يجب ان نميّز بين الوحدة السياسية وبين الانتماء القومي كما يجب ان نُظهر الاهمية التي لعبها الدين في نشوء هذه القوميات بالرغم من ان القومية التي نشأت في الغرب هي متفلّتة من العصبيات وهي نقيضة الدين ، أما في مجتمعاتنا اندمجت القومية مع العصبية حتى صحّ عندنا القول بأن الدين أفيون الشعوب.  وإذا كانت الامبراطورية العثمانية لم تستطع ان تبني النموذج الحديث وان تتفلّت من عصبياتها الامر الذي سهّل بتصدعها فإن حلول الدول الحليفة مكان الرجل المريض قد رسّخ هذه العصبيات.

2- تبلور النظام الطوائفي

2-1 نظام القائمقاميتين (اتفاق 7 كانون الاول سنة 1842):

قضى هذا النظام بتكريس الفاجعة الوطنية  التي حصلت في الحوادث الدامية اذ شطر الجبل شطرين، قائمقامية مسيحية يديرها قائمقام مسيحي تمتد من طرابلس الى طريق الشام وتضم المتن (بدون الشمال وجبيل) مركزها بكفيا. وقائمقامية درزية تمتد من الضفة الاخرى من طريق الشام الى صيدا مركزها بيت الدين.

نظام شكيب افندي سنة 1845

ابقى على القائمقاميتين ولكن أردفتا بميثاق وضع بين الدروز والموازنة في 21 حزيران 1845. وبمجلسين، لكل قائمقامية مجلس، يتألفان من مندوب عن القائمقام،  واربعة قضاة وخمسة مستشارين يمثلون  الطوائف (سنيان، درزيان، مارونيان، روم ارثوذكس 1، شيعي 1)([198])ويختارهم المطارنة والعقال من كل طائفة. وبهذا التدبير الجديد يبدأ تاريخ التمثيل الطائفي في لبنان.

2-2 نظام المتصرفيّة:بروتكول 1861 المعدل سنة 1864:([199])

نقض هذا البروتوكول الانظمة السابقة وابدلها بنظام موحد، ولكنه لم يكن افضل منها لجهة مصلحة البلاد ودفعها  الى طريق التقدم والوحدة والرقي الدولي، واهم ما جاء فيه، يوضح معايبه واضراره.

– حرمان لبنان من حدوده الطبيعية بسلخه عنه بيروت وصيدا وطرابلس والبقاع ووادي التيم وعكار.

– تنصيب متصرف مسيحي غير لبناني لادارة جبل لبنان وهنا تبرز صيغة، لا غالب ولا مغلوب، بحيث ان الحاكم المسيحي لم يكن لبنانيا وهذا انتصار للدروز على الموارنة  بالاضافة الى كون الحاكم مسيحي وهذا انتصارا مارونيا على الدروز كون الامارة التي آلت الى الموارنة سنة 1770 مع الامير يوسف كانت بداية عهد الشهابيين النصارى([200]) ونهاية الامارة الدرزية من هنا كان اصرار البطريرك الماروني يوسف حبيش في اوائل ربيع 1841 ان يكون خلف الامير بشير الثالث اميراً لبنانيا مارونيا، لكن البطريرك رفض المرشح للامارة من قبل الدول الكبرى، وهو الامير حيدر ابي اللمع، والمقبول ايضاً من الدروز، أملاً منه بعودة الامير بشير الثاني الى الحكم([201]) ولكن ما لبث ان انتهى عهد الامارة، في 13 كانون الثاني 1842، بعد احداث دامية بين الدروز والموارنة.

– إنشاء مجلس ادارة واحد، مؤلف من اثني عشر عضوا ينتخبه مشايخ القرى وليس الاهلون.

– تأليف المجلس على قاعدة التمثيل الجغرافي الطائفي وهي نواة التمثيل النيابي الساري حتى يومنا هذا (كسروان والبترون: مارونيان – جزين: ماروني وسني ودرزي – المتن: ماروني وروم ودرزي وشيعي – الشوف : درزي – الكورة : روم ارتوذكسي – زحلة : روم كاثوليك).

– تحديد مساحة الاقضية الادارية وحدودها على اساس الاكثرية الطائفية من سكانها، لا على اساس الفواصل والمسافات الطبيعية

– واخيرا تدخل الدول الاوروبية رسميا في هذا الاجراء، اذ انها هي التي وضعت صيغة النظام مع الدولة العثمانية وعدّلته ثم وقعته.

وهكذا نرى في كل تلك الحلول، ان الدول التي تبرعت لحماية لبنان وتنظيم شؤونه، عملت في الواقع على اعطاء ضعفه وازماته الداخلية قاعدة قانونية مؤسسية بشكل يضمن لها سبل التدخل  واقدمت كل دولة على رعاية طائفة من اللبنانيين (فرنسا: الموارنة – انكلترا: البروتستانت والدروز – روسيا: الروم الارتوذكس تركيا: الدروز والمسلمين).

لم يكن من شأن التدابير التي وضعت حتى سنة 1864 ان تسفر عن حل للمعضلة اللبنانية بل زادتها تشويهاً وتأزماً لاسيما بسلخ الاراضي الحيوية عن لبنان واضعافه اقتصاديا ونزع الحكم الوطني منه واقامة حكم اجنبي فيه ودفعه في حياته العامة على درب الطائفية، حيث سهُل العبث به بحرية وسهولة.

ففي 6 ايلول سنة 1864([202])، صدر في الاستانة عن السلطان العثماني نظام جبل لبنان الاساسي فورد فيه:

” لما كان الاجل المضروب مدة ثلاث سنوات للنظام الذي وضع للقرار الذي تقدم صدوره بخصوص ادارة جبل لبنان تحصيلاً  لاسباب رفاه وأمن الرعية التابعين دولتي العليّة القاطنين والمستوطنين الجبل المذكور وكان من المقرر انه عند انقضاء المدة المعينة يُعاد التذاكر في مقتضى الحال وقد انقضت الان، فقد جرى التعديل والتنقيح في بعض المواد الواردة في لائحة هذا النظام، وعند عرضها على جانب سلطنتي الاشرف والاستئذان فيها تعلقت إرادتي  السنيّة الشاهانية باجراء مقتضاها على هذا الوجه وبموجبها لزم اعلان النظام المذكور على المنوال الآتي بيانه:

المادة الاولى: يتولى ادارة جبل لبنان حاكم مسيحي ينصّبه الباب العالي ويكون مرجعه اليه رأسا.

المادة الثانية: يكون لكل الجبل مجلس اداري مركزي مؤلف من اثني عشر عضوا مبعوثين من المديريات وتكون قسمتهم على المديريات بالنسبة الاتية :

(1) و (2) ان كلا من مديريتي كسروان والبترون تُرسِل عضواً مارونياً

(3) ومديرية جزين مارونياً ودرزياً ومسلماً

(4) مديرية المتن مارونيا وروما ارتوذكسياً ودرزياً ومتوالياُ

(5) الشوف درزياً

(6) الكورة روما  ارتوذكسياً

(7) زحلة روما كاثوليك

المادة الثالثة : يقسم الجبل الى سبع دوائر  إدارية وهي :

(1) الكورة بما فيها الجهة السفلى وباقي قطع الارض المجاورة وسكانها على مذهب الروم الارتوذكس – ما عدا بلدة القلمون الكائنة على الساحل وكل سكانها تقريباً من المسلمين.

(2) الجهة الشمالية من لبنان بما فيها جبّة بشري والزاوية وبلاد البترون

(3) الجهة الشمالية من لبنان بما فيها بلاد جبيل وجبة المنيترا والفتوح وكسروان ذاته حتى نهر الكلب

(4) زحلة وضواحيها

(5) المتن بما فيها الساحل المسيحي واراضي القاطع وصليما

(6) الاراضي الكائنة في جنوبي طريق الشام حتى جزين

(7) جزين والتفّاح

يكون في كل من هذه الدوائر مأمور اداري يقيمة الحاكم ويختاره من الطائفة الغالبة سواء بعدد سكانها او اهمية املاكها.

وتنص المادة السادسة: يكون في الجبل ثلاث محاكم ابتدائية تؤلف كل محكمة من قاضٍ ونائب يقيمة الحاكم ومن ستة مدافعين رسميين تنتخبهم الطوائف وفي مركز الحاكم مجلس قضائي اعلىمؤلّف من ستة قضاة يختارهم ويوليهم الحاكم من الطوائف الست : المسلمين، السنيين والمتاولة والموارنة والدروز والروم الارتوذكس والروم الكاتوليك ومن ستة مدافعين رسميين تنتخبهم كل هذه الطوائف ويضاف اليهم قاضٍ ومدافع رسمي من المذهب البروتستانتس والاسرائيليين كلما كان لاحد من هاتين الطائفتين مصلحة في الدعوى.

وتنص المادة 16: يشرع في اقرب ما يمكن باحصاء الاهالي محلا محلا وملة ملة ويمسح كل الاراضي المزروعة.

كان ذلك سنة 1864 في عهد الحكم العثماني وعلى اثر احداث 1860 وتدخل الدول الاوروبية.

3- الدولة اللبنانيّة ونظامها السياسي:

3-1 الدستور والميثاق:

بعد اكثر من نصف قرن، على صدور بروتوكول 1861، المعدّل سنة 1864، اي في 23 من ايار 1926، اصدر المفوض السامي الفرنسي الدستور اللبناني فجاء في مادته الخامسة والتسعين.

“بصورة مؤقتة، وعملا بالمادة الاولى من صك الانتداب والتماساً للعدل والوفاق تُمثّل الطوائف  بصورة عادلة في الوظائف العامة وبتشكيل الوزارة دون ان يؤول ذلك الى الاضرار بمصلحة الدولة” ونصت المادة السادسة والتسعون من الدستور نفسه :

“توزّع الكراسي في مجلس الشيوخ وفاقا لاحكام المادة الـ 22 والـ 95 على الطوائف بالنسبة التالية : 5 موارنة، 3 سنييّون، 3 شيعيون، 2 ارتوذكس، 1 كاثوليك، 1 درزي،1 اقليات”.

تلك هي المواد الدستورية التي وضعها المفوض السامي الفرنسي وعاش اللبنانيون في ظلها طوال عهد الانتداب، أي طوال ربع قرن. وفي الخامس والعشرين من شهر ايلول سنة 1943 تقدم رياض الصلح، اول رئيس لاول وزارة وطنية في عهد الاستقلال، ببيانه الوزراي الاول، محدد موقف السلطات الوطنية الاستقلالية من أهم القضايا والشؤون العامة البارزة آنذاك.  وبعد ان ذكر الاستقلال وتنظيمه وتنظيم الحكم الوطني تطرق الى الطائفية، فقال ما حرفيته :

“ومن اسس الاصلاح التي تقتضيها مصلحة لبنان العليا معالجة الطائفية والقضاء على مساوئها، فان هذه القاعدة تقيد التقدم الوطني من جهة وتسوِّد سمعة لبنان من جهة اخرى، فضلا على انها تسمم روح العلاقات بين الجماعات الروحية المتعددة  التي يتألف منها الشعب اللبناني، وقد شهدنا كيف ان الطائفية كانت في معظم الاحيان اداة لكفالة المنافع الخاصة، كما كانت اداة لايهان الحياة الوطنية في لبنان ايهانا يستفيد منه الاغيار ونحن واثقون انه متى غمر الشعب الشعور الوطني الذي يترعرع في ظل الاستقلال ونظام الحكم الشعبي، يقبل بطمأنينة على الغاء النظام الطائفي المضعف للوطن”([203])

ويتابع رياض الصلح بيانه فيقول :

” ان الساعة التي يمكن فيها الغاء الطائفية هي ساعة يقظة وطنية شاملة مباركة في تاريخ لبنان وسنسعى كي تكون هذه الساعة قريبة باذن الله ومن الطبيعي ان تحقيق ذلك يحتاج الى تمهيد واعداد في مختلف النواحي وسنعمل جميعا بالتعاون، تمهيدا وإعداداً، حتى لا تبقى نفس الا وتطمئن كل الاطمئنان الى تحقيق هذا الاصلاح القومي الخطير”0 إلا ان الحكم الوطني مع موقفه المبدئي هذا وفي 9 تشرين الثاني 1943 عندما عدّل الدستور ومحا منه آثار الحكم الانتدابي اكتفى عند تعديل المادة 95 بشطب العبارة التي تشير الى صك الانتداب وابقى على باقي احكام المادة فاصبحت كما يلي :

“بصورة مؤقتة والتماسا للعدل والوفاق، تمثل الطوائف بصورة عادلة في  الوظائف العامة وبتشكيل الوزارة دوان ان يؤول ذلك الى الاضرار بمصلحة الدولة” اي ان شيئا في اساس المادة 95 لم يُعدل وفي 3 تموز 1944، ألّف رياض الصلح الوزارة الاستقلالية الثانية وألقى بيانه الوزاري فأتى على ذكر الطائفية مجددا،  فقال ما حرفيته:

“ان اوضاع الماضي وكثير منها ما قام على غير المصلحة الوطنية المجرّدة، لا تصلح كلها للبنان في  عهده الاستقلالي الدستوري القائم. فلا بد من ادخال التحوير والتبديل على هذه الاوضاع بحيث تلائم هذا العهد وبحيث تلبَّي طموح لبنان الى التقدم والمجد. فهنالك قيود داخلية تعوق لبنان عن السير الى الامام بالسرعة التي يستطيعها. ولعلّ اثقل هذه القيود، النظام الطائفي، وقد زادتنا تجارب الحكم في الاشهر التسعة الاولى معرفة بثقل هذا القيد لذلك ستكون الطائفية اول ما نعالجه في اوضاعنا ولن نكتفي في معالجتها بالعمل في الحقل القانوني بل سيكون علاجنا لها اعمق اذ نعمل في استئصالها في النفوس”.

“اننا نريد ان نقيم بناء هذا الوطن في النفوس على اساس الوطنية والاخلاق الفاضلة التي تأمر بها الاديان جميعها والتي يعلّمها العقل والحكمة الانسانية المجرّدة، والمدرسة هي اصلح تربية لغرس الفضائل ولالقاء البذور الصالحة في النفوس وعلى ذلك ستكون عنايتنا بالمعارف عناية واسعة عميقة”([204]).

وبعد مرور حوالي الخمسين سنة على الاستقلال، فأين نحن اليوم من النظام الطائفي المؤقت، وحتى تكتمل الصورة القانونية لنموذج الدولة اللبنانية لا بدّ لنا ايضا من ذكر آخر ما عُدِّل فيما يتعلق بالصيغة الطائفية المتجذرة في النصوص مع العلم  ان النصوص والقوانين في ظل غياب التوازن بين الاطراف، يسهُل تحريفه وتجاوزه.

فالدستور اللبناني المعدل سنة 1990 يأتي على ذكر الموضوع الطائفي في لبنان في مواد جديدة لم تكن واردة في الدستور القديم، علماً ان في الدستور القديم اكثر من مادة متعلقة بالموضوع لاتزال سارية المفعول. كالمادة التاسعة والمادة العاشرة.

المادة 9: حرية الاعتقاد مطلقة والدولة بتأديتها فروض الاجلال لله تعالى تحترم جميع الاديان والمذاهب وتكفل حرية اقامة الشعائر الدينية تحت حمايتها على ان لا يكون في ذلك اخلال في النظام، وهي تضمن ايضاً للاهلين على اختلاف مللهم احترام نظام الاحوال الشخصية والمصالح الدينية.

المادة 10: التعليم حرّ ما لم يخل بالنظام العام او يناف الآداب او يتعرض لكرامة احد الاديان او المذاهب ولا يمكن ان تُمَس حقوق الطوائف من جهة إنشاء مدارسها الخاصة على ان تسير في ذلك وفقا للانظمة العامة التي تصدرها الدولة في شأن المدارس العمومية.

انّ اختلاف وجهات النظر بين الطوائف حول تاريخ لبنان، وحول محتوى الناهج التعليميّة التي يتلقّاها الطلاب، قد جعل من هذه المادة حاجزاً ثقافياً يزيد الهوة اتساعاً بين اللبنانيين. ان أول ما يلفت نظر الباحث في تاريخ لبنان الحديث، هو تعدد قراءات هذا التاريخ، تعدد الطوائف والقوى السياسيّة، بشكل يؤدي الى خلاف جذري في زاوية النظر التي تتم عبرها قراءة المنعطفات التاريخية الكبرى من قبل هذه الطائفة او تلك، أو تقويم شخصيات لبنان التاريخية ودورها في تاريخ لبنان. ان هامش التناقض والتعارض كبير جداً بالنسبة لمرحلة حكم الامير بشير الشهابي الثاني مثلاً، بالنسبة لزاوية النظر التي تتناول تلك المرحلة، ففي حين ينظر اليه مؤرخو الموارنة على أنه بطل لبنان” القومي “و”مؤسس” الدولة الحديثة، نجد أن مؤرخي الدروز والمسلمين ينظرون اليه نظرة سلبية، اذ يعتبرونه مسؤولاً عن اختلال التوازن الذي حصل في جبل لبنان في القرن التاسع عشر وأدى الى انتقال الغلبة والسلطة من الدروز الى الموارنة. ان هذا المثل، من بين عدة أمثال يمكن الاشارة اليها، يؤكد ملاحظتنا حول النزاع القائم بين مختلف الطوائف والقوى في لبنان بالنسبة لتاريخ بلادنا.

كما ان اعتبار المجتمع اللبناني مكوّناً، في الوقت نفسه، من مواطنين ينتمون مباشرة للدولة، ومن جماعات اجتماعيّة_سياسيّة (الطوائف الدينية) تشكّل هيئات وسيطة بين المواطن والدولة، قاد واضعي الدستور الى تبني نصوص متناقضة مع بعضها البعض احياناً.([205]) فالمادة 12 من الدستور التي تقول ان: “لكل لبناني الحق في تولي الوظائف العامة، لا ميزة لأحد على الآخر الا من حيث الاستحقاق والجدارة…” هي مادة عطّلتها المادة 95. ولكن حتى نظرية التمثيل العادل الذي نصّت عليه المادتان، القديمة والحديثة، اذا كانت تهدف الى انصاف الطوائف كمجموعات، الا أنها لا تنصف الافراد، كمواطنين، من حيث حقّهم المبدئي والطبيعيي بالوصول الى المراكز العامّة. فتوزيع المراكز السياسية على الطوائف مثلاً، وحصر عدد منها في طوائف معينة، كان له مع سوء الممارسة، أثر سلبي على سير النظام، فكان من العوامل الداخليّة لانفجار الوضع عام 1975.

أما المقدمة التي أضيفت الى الدستور بموجب القانون الدستوري الصادر في 21 ايلول 1990، فقد تناولت الموضوع الطائفي، في الفقرة “ح” من المقدمة التي تنص على ان إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني اساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية. وجاءت الفقرة ي من المقدمة، التي تنص على أن “لا شرعيّة لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك”، لتتجاوز كل ما يمكن أن يساء تفسيره في المواد المتعلِّقة بالطائفيّة، حيث لا يمكن لقاعدة العدد أن تعمل في لبنان على نحو ما هو الحال في الديمقراطيات التقليدية.واذا كانت الديمقراطية تعني الأكثرية العددية،فان ذلك يطبَّق عندما تكون هذه الأكثريّة سياسية وليست دينية، والا تحوّلت الى ديكتاتوريّة وهيمنة، باسم أكثريّة طائفيّة معينة. لأنه مع الأكثريّة السياسية، يصبح بالامكان تطبيق القاعدة  الأساسيّة في الديمقراطيّة التي هي التناوب. اذ ذاك يمكن للمواطن أن يغيّر اختياره السياسي بالانتخاب، وينتقل من حزب الى حزب بين الأكثريّة والأقليّة اذا اراد. لكن ذلك لا يمكنه أن يحصل مع الأكثريّة الدينية في لبنان، لأنه عندما يكثر عدد احدى الطوائف أو يطغى، فأن اللحاق بهذه الأكثريّة يفترض تغيير الطائفة. اذاً، فان اعتبار الجماعات الدينية تشكّل الوحدات الأساسية في تكوين لبنان، هو أفضل من الهينة العددية الدينية المرادفة للديكتاتورية، كما أن الوصول للحداثة، واعتبار الفرد الوحدة الأساسية في تكوين لبنان، وارتباطه المباشر بقوانين دولته وليس بقوانين طائفته، طبعاً هو افضل من المشاركة الطوائفية.

أما المادة 19: فلقد كرّست الحل السياسي وأرسته على أسس دستورية، فنصت هذه المادة المتعلقة بإنشاء المجلس الدستوري لمراقبة دستورية القوانين، على حق “رؤساء الطوائف المعترف بهم قانونا” بمراجعة هذا المجلس في ما يتعلق حصراً بالاحوال الشخصية وحرية التعليم الديني، وذلك بالاضافة طبعا، الى الجهات الاخرى التي يحق لها القيام بالمراجعة مثل رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء وعشرة أعضاء من مجلس النواب. فإعطاء رؤساء الطوائف اللبنانية، المعترف بهم قانونا، حق مراجعة المجلس الدستوري هو عنصر جديد وملفت في الأحكام الجديدة لان المراجعة المتعلقة بحقوق الطوائف، حتى في الموضوعات المحصورة، كانت تتم تقليديا عبر ممثلي هذه الطوائف في السلطة. أما في النص الدستوري الجديد فقد اصبح بامكان اي رئيس من رؤساء الطوائف اللبنانية، المعترف بهم قانونا، أن يراجع، بصفته تلك وبصورة مباشرة المجلس الدستوري.

 بصرف النظر عن ملاءمة هذا الاجراء او عدمها، فالمهم هو ان الدستور يوفر لرؤساء الطوائف اللبنانية اشتراكاً مباشراً في بعض القرارات عبر مراجعة المجلس الدستوري. فهل ان هذا الاشتراك يحصر حق الطوائف ورؤسائها ام انه يوسّعه ؟

ولكن لا شك في ان مثل هذا الاجراء الذي ينشئ سابقة دستورية من حيث تثبيت حق المراجعة لرؤساء الطوائف، ولو في مجالات محددة مثل الاحوال الشخصية والتعليم الديني – انما يطرح في الوقت نفسه تساؤلا حول مبدأ العمل على الغاء الطائفية السياسية، الذي تشدد عليه وعلى آليته المادة 95 من الدستور المعدلة سنة 1990

ومع العلم بان مفهوم الطائفية  السياسية المطلوب معالجته، منفصل عن الحق الذي تعطيه المادة 19 لرؤساء الطوائف بمراجعة المجلس الدستوري، إلا أن أي مراقب محايد للدستور اللبناني لا يمكنه الا ان يتساءل عن مدى الانسجام بين النصين : من جهة مادة تثبت حق رؤساء الطوائف، ومن جهة ثانية مادة اخرى تنص على الغاء الطائفية السياسية.

وكذلك مدى الانسجام بين المواد التقليدية السابقة والمادة 95 الحديثة، باعتبار ان الطائفية السياسية المطلوب العمل على إلغائها، لا تشكل سوى جزء من الوضع الطائفي ككل.

فجميع المواد الدستورية، القديمة والحديثة، التي تأتي على ذكر الطائفية لها ترجمات سياسية فالمساهمة في الحياة العامة هي ممارسة سياسية الا اذا كان المقصود بالطائفية السياسية هو التمثيل الطائفي في المؤسسات على صعيدي الحكم والوظيفة فهل المطلوب الغاء هذا الجانب وترك الجوانب الاخرى المتعلقة بحقوق الطوائف وبرؤسائها؟ وهل نبلغ الهدف المنشود في الديمقراطية والمساواة؟ في كل الأحوال لقد خضع إتفاق الطائف أيضاً للتجاذب الطائفي في تفسيره وتطبيقه، فجُمِّد في عهد الوصاية السورية في الكثير من مواده وصار موضوع خلافي بعد إنتهاء الوصاية السورية وكل طرف يريد تفسيره وتطبيقه بما يتناسب مع توجهاته ومصالحه ونستطيع القول بأن الدولة اللبنانية لم تتوصل بعد الى صيغة نهائية مقبولة من الجميع.

للطائفية وجوه عدة، منها السياسي والقضائي والاداري والاقتصادي والتشريعي والتربوي والتعليمي  والمجتمعي.

يتعلق الوجه السياسي بتخصيص الطوائف بمناصب ثابتة في السلطة، كرئاسة الجمهورية للموارنة، ورئاسة مجلس النواب للشيعة، ورئاسة مجلس الوزراء للسنة، وتوزيع الحقائب الوزارية على عدد من الطوائف، بنسب متفاوتة حسب حجم الحكومة وعدد اعضائها، وفي السلطة التشريعية كتوزيع المقاعد النيابية، مناصفةً بين المسلمين والمسحيين، وحصصاً على الطوائف بنسب معتمدة عرفا او وفق احصاء لا يطلّع عليه سوى العارفين باسرار الغيب.

يتعلق الوجه القضائي بأن يكون هنالك محاكم توزّع العدالة بين الناس ولا سلطة للدولة عليها، الا عند اختلافها في الاحكام. صلاحياتها وقف على قطاع من المواطنين من طوائف معينة، دون المواطنين الاخرين. سبع عشرة مؤسسة قضائية طائفية الى جانب القضاء العدلي، منها ما تقع محاكمه العليا خارج لبنان.

ويتعلق الوجه الاداري بتوزيع المناصب في الادارات والمؤسسات والمصالح العامة، انصبة تكاد تكون إرثية على الطوائف بنسب، كتلك التي تتبع في توزيع المقاعد النيابية والحقائب الوزارية ويتعلق الوجه التشريعي بمنح الطوائف حق التشريع في حقوق عدة اهمها الاحوال الشخصية، كالارث عند المحمديين، والوصية والنفقة والوصاية والزواج انعقادا وانحلالا واصول المحاكمات لدى المحاكم الدينية.

ويتعلق الوجه الاقتصادي، ليس فقط بالأوقاف بل ايضا بإنشاء المؤسسات الصناعية والتجارية التي  تحاول وقف التوظيف فيها والافادة من خدماتها على ابناء طائفة من الطوائف دون الاخرى، قدر ما تستطيع ويتعلق الوجه التربوي التعليمي، على إضفاء الطابع شبه الرسمي على مؤسسات التعليم الخاص الطائفي، بتخصيصه بالمساعدات الضخمة وإخراجه عملياً من رقابة الدولة، لا بل باخضاع المناهج والكتب لاعتبارات طائفية او سلطة  الطوائف، اكثر مما تخضع لمتطلبات العالم التربوي العام والاعتبارات الوطنية الجامعة.

ويتعلق الوجه المجتمعي، بتوزيع قسم من ميزاينة الدولة على مؤسسات الطوائف الاجتماعية من مستشفيات ومستوصفات وجمعيات وأندية، فتحرم منها المؤسسات العامة التي هي في امس الحاجة اليها.

ويشترك في أكثر من وجه، قيام الاحزاب السياسية الطائفية التي تقف في وجه الحريات الخاصة والعامة وبوجه الدولة ومؤسساتها وتهدم الاسس الديمقراطية كل ذلك هو الطائفية، او يجوز ان نكتفي بإلغاء وجه منها والمحافظة على الباقي؟ إن إلغاء الطائفية  السياسية وحدها لا يفي بالمطلوب اي ببلوغ المساواة والديمقراطية.

اما المادة 22 تنص على ما يلي :

مع انتخاب اول مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي يستحدث مجلس للشيوخ تتمثل فيه جميع العائلات الروحية وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية.

ان هذه المادة مع الفقرة (ح) من المقدمة ومع المادة 95 المعدلة كما سنرى متروكة للمستقبل. انها أحكام  للمستقبل ما دامت شروط اعتمادها غير متوافرة.

فمتى يتم انتخاب اول مجلس للنواب على أساس وطني لا طائفي ؟

المادة 24 تفيدنا جزئيا عن ذلك حين تقول:

“… والى أن يضع مجلس النواب قانون انتخاب خارج القيد الطائفي، توزع المقاعد النيابية وفقا للقواعد الاتية…”

فمتى سيقدم مجلس النواب على وضع قانون انتخاب خارج القيد الطائفي؟ المادة 95 من الدستور تفيدنا بدورها جزئيا عن ذلك حين تقول: “على مجلس النواب المنتخب على اساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين اتخاذ الاجراءات الملائمة لتحقيق الغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية، تضم بالاضافة الى رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء شخصيات سياسية وفكرية واجتماعية…”.

ان ثلاث مجالس انتخبوا حتى الان على اساس المناصفة ومع ذلك فان الاجراءات الملائمة لتحقيق الغاء الطائفية السياسية لم تتخذ من قبل هذه المجالس، بعدما تبين ان الاجواء العامة في البلاد لا تساعد على ذلك. فتأجل البحث في الموضوع من تلقاء ذاته، واصبح تنفيذ احكام المادة 95 من الدستور مؤجلا الى موعد غير محدد.

فالمادة 95 تنطوي مبدئياً على الالية الاساسية المتعلقة بمعالجة موضوع الطائفية في لبنان بعد ان كان النص القديم موجزا، ولا ينص الا على  انه ” بصورة مؤقتة والتماسا” للعدل والوفاق تمثل الطوائف بصورة عادلة في الوظائف  العامة وبتشكيل الوزراة دون ان يؤول ذلك الى الاضرار بمصلحة الدولة “.

فأصبحت المادة 95 المعدّلة تنص على تدابير محددة، وعلى برمجة معينة لتحقيق الغاء الطائفية السياسية، والعملية تتضمن شقين : الاول خطة مرحلية والثاني تشكيل هيئة وطنية وبما ان هناك خطة مرحلية، فهذا يعني ان هناك مرحلة انتقالية، في المرحلة الانتقالية :

– تمثّل الطوائف بصورة  عادلة في تشكيل التمُثّل الوزارة.

– تلغى قاعدة التمثيل الطائفي ويعتمد الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكرية والامنية والمؤسسات العامة والمختلطة وفقا لمقتضيات الوفاق الوطني باستثناء وظائف الفئة الاولى فيها، وفي ما يعادل الفئة الاولى فيها. وتكون هذه الوظائف مناصفة بين المسيحيين والمسلمين دون تخصيص اية وظيفة لاية طائفة مع التقيد بمبدأ الاختصاص والكفاءة.([206])

أما الهيئة “فمهمتها دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بالغاء الطائفية وتقديمها الى مجلس النواب والوزراء ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية”.

من النصوص التي استعرضنا نستنتج العجز عن ولوج دولة القانون والمؤسسات ويتضح لنا ان حكام لبنان في عهد الباب العالي والانتداب والاستقلال وما بعده قد عللوا ابقاء النظام الطائفي بضرورات الوفاق بين الجماعات اللبنانية. كما يتضح لنا ان العثمانيين والفرنسيين والقيّمين اخيراً على اتفاق الطائف كانوا يعلمون ان هذا النظام لا تبنى عليه دولة وتستقر وانه لا بد ان يكون تدبيراً مؤقتاً كما لا يجوز بناء الوطن على اساس خطر فكيف نفسر استمرار هذا الاساس؟

ان لاستمرار هذا الاساس سببين وجيهين :

الاول : الابقاء على المنافع الخاصة، وهو سبب داخلي.

والثاني: تأمين مصالح القوى الاجنبية المتصارعة، وهو سبب خارجي.

السبب الاول يلقينا لقمة سائغة بين يدي المستغلين من  السياسيين، الذين يضحون بالوطن وبحياة الشعب في سبيل  منفعة مادية او معنوية، والسبب الثاني يلقينا لقمة سائغة بين يدي القوى الاجنبية المتصارعة فتتخذ لها منفذا في  ارضنا وتسيطر علينا بالتفرقة والتباعد، وتؤمن مصالحها وغاياتها .

3-2 الطوائف دويلات ضمن الدولة:

ان الطائفية، تضع بين المواطنين وبين الدولة، انتماءاً وسيطاً، وهو الانتماء  الطائفي، لا بل تضع الانتماء الطائفي قبل الانتماء الوطني، وبالنتيجة يحل الانتماء الطائفي محل الانتماء الوطني، وبالنهاية يحول ذلك دون بلوغنا كجماعة مستوى الوعي الوطني.

فالمواطن اذ يرى انه لا يسعه مخاطبة الدولة – المؤسسة التي تُجسِّد قانونا الوطن ولا يسعه التعامل معها والاشتراك في حياتها ونشاطها الا من خلال طائفته، ينكفئ على طائفته تلك باعتبارها الباب الرسمي للوصول الى الدولة “الوظيفة والوزارة والتمثيل الشعبي” فيصبح هذا الانتماء الى الدولة ومن بعدها الوطن والمجتمع، انتماءً غير مباشر عن طريق الطائفة، تؤلف فيه الطائفية الدرجة الاولى والوطنية الدرجة الثانية.

ومع الوقت ونظرا لاستغلال هذا الوضع يتضخم دور الطائفية ويتضاءل دور الانتماء الوطني لا بل يتضخم الاول على حساب الثاني، فيعظم شأن الانتماء الطائفي في اذهان المواطنين ويصغر شأن الانتماء الوطني وهذا ما حصل حتى اليوم. الى ان يؤدي بنا الحال في وجه يكاد يكون شاملا، الى حلول الانتماء الطائفي مكان الانتماء الوطني وهكذا تصبح الطائفة سدا منيعا يحول دون ارتقاء الجماعة الى مستوى الوعي الوطني وتحول دون شعورها بالروابط الجامعة بين الافراد على قدم المساواة فتعطل او تعرقل العمل الخلاق المشترك في سبيل المصير الواحد.

كما ان تركيز الدولة، على اسس تقسيمها غنائم طائفية، يستدعي طبعا انهماك اللبنانيين بمراقبة بعضهم البعض، كي لا تحرز طائفة من المناصب والمنافع اكثر مما حدّده لها التوازن العددي، بدل انشغالهم بقضاياهم الاساسية فيشتتون قسطاً كبيراً من جهودهم وطاقاتهم المشتركة، ويتلهون عن التنبه الى المصالح العليا والاخطار المحدقة بهم في الداخل والخارج.

كما ان تلك المراقبة الدائمة تصبح عاملا مستمرا للتصادم كما هو حاصل ابدا اذ يصبح نقل موظف او ابداله مشكلة وطنية.

ومن جهة اخرى ان اعتماد الانتماء الطائفي اساسا لقيام الدولة، يعني اعتماد نسبة عددية معينة للطوائف اي ان هذه النسبة لن تتدبل والا انقلبت القاعدة الوطنية التي يقوم مجتمعنا السياسي عليها الا اذا لجأنا الى تحاشي الاحصاءات او تزويرها، وهو امر لا يمكن اقراره، او الى حرمان بعض المواطنين حقوقهم، كالمغتربين، مخافة اختلال التوازن.

واخيراً  ان اعتماد النظام الطائفي يحول دون تحقق الديمقراطية الصحيحة، فالديمقراطية مساواة بين المواطنين، وفرص التقدم والنجاح امامهم، في حين ان الطائفية تفترض منذ نقطة انطلاقها، حدوداً لا يجوز لابناء الطوائف الاخرى تعدّيها، سواء في عدد المراكز ام في درجاتها، كما ان النظام الطائفي يحول دون ظهور القوى الحزبية، غير الطائفية او على الاقل يعيق ظهورها الى وقت لا يمكن تحديده، لاسيما وان القوى السياسية الطائفية تتمتع بحماية قانونية لا تتمتع بها القوى الحزبية، فالطائفة مثلا لها مقاعد نيابية إلزامية، أما الحزب غير الطائفي فليس له اية ضمانة. ان الترويج لضرورة التلازم المطلق بين الوجود الوطني والوجود الطائفي يعني ان لا كيان للبنان خارج هذا النظام الطائفي وان الترابط بينهما عضوي ومصيري الى درجة ان زوال النظام الطائفي في نظر حملة لوائه يجر معه الى زوال لبنان وان اختل توازنه انهارت الاوضاع العامة وتعرض الوطن لشتى المخاطر، فالالتباس بين النظام والكيان قاعدة يكررها اركان النظام الطائفي في جميع المناسبات وتحت هذه الفرضية تدخل الوحدة الوطنية القائمة على توازن رضى زعماء الطوائف. فالطائفة كمتحد سوسيولوجي ترجح دائما عند اللبنانيين على المتحد الوطني ومفهوم الارتباط في الدولة. وظلّ الولاء للطائفة يسبق الولاء للوطن ويغلب عليه، فالطائفة  هي الباب الذي يدخل منه المواطن الى تعاطيه مع الاخرين والى الدولة والمؤسسات العامة ” فالجماعات الروحية التي يتألف منها الشعب اللبناني ” كما سمّاها البيان الوزاري الاول لحكومة الاستقلال الاولى، والتي طُلب منها ان تكون الجسم الوسط الرابط بين المواطن والوطن بينه وبين الدولة، بينه وبين باقي المواطنين، من خلال التمثيل الشعبي وتأليف الحكومات، وتولَّيه هذه او تلك من الوظائف، وترقيته او عدمها وفي حياته الشخصية بفعل قوانين الاحوال الشخصية التي تحكم ولادته، مرورا ببلوغه وزواجه وموته وإرثه، ومحاكم احوال الشخصية ومدارسه وجامعاته ومؤسساته الصحية والاجتماعية والرعائية،0000 فلم تكن يوماً ذلك الجسم الوسيط، ولم تكن حلقة الربط والمشاركة بل اصبحت الجسم الحاجز، الفاصل بل يصح تسميتها دويلات ضمن الدولة ولقد كرّس هذه الدويلات القرار رقم 60/LR الصادر في 13 اذار 1936 والمعدل بالقراران رقم 146 و 53/ LR وهذا الاخير قرر عدم تطبيق القرار رقم 60/LR على المسلمين، لقد نص هذا القرار الذي سنّه المفوض السامي دي مارتيل والذي له مفعول القانون على الاحكام التالية :

1- ان الطوائف المعترف بها قانونا كطوائف ذات نظام شخصي هي الطوائف التاريخية التي تملك صكا تشريعيا يحدد تنظيمها ومحاكمها وشرائعها.

2- ان مفعول الاعتراف بطائفة ما هو اعطاء النص الذي يتضمن نظامها قوة القانون بحيث يستفيد تطبيقه من حماية السلطات العامة.

3- ان لكل طائفة من الطوائف المعترف بها نظاماً خاصا بها يتضمن :

– تسلسل درجات الرؤساء الروحيين والموظفين الدينيين وطريقة تعيينهم وصلاحياتهم.

– تشكيل المجامع والمحاكم والمجالس واللجان، الخ… وصلاحية كل منها.

– التشريع المختص بالاحوال الشخصية في جميع ما يتعلق بشرائع الطائفة الدينية

– طريقة ادارة ممتلكات الطائفة

– الصلاحية المختصة بالمحاكم الدينية وأصول المحاكمة فيها.

– تعاليم الطائفة الدينية والواجبات الادبية المفروضة على المنتمين اليها.

4- ان تلك الطوائف الدينية تتمتع بالشخصية المعنوية وكذلك ضمن كل منها الجماعات المذهبية المستقلة المختصة بالتعليم وبالاعمال الخيرية والتي يخضعون لنظام طوائفهم الشرعي في الامور المتعلقة بالاحوال الشخصية اما اللبنانيون المنتمين الى طائفة ليس لها قانون احوال شخصية او الذين لا ينتمون يعترف لهانظام الطائفة بأهلية الحصول على حقوق وواجبات تختلف عن حقوق الطائفة وواجباتها وكذلك الرهبانيات.

5- ان اللبنانيين المنتمين الى الطوائف المعترف بها ذات الاحوال الشخصية الى اي طائفة، فانهم يخضعون للقانون المدني في الامور المتعلقة بالاحوال الشخصية.

ولكن هذا القانون الذي افترض وجوده  القرار رقم 60/L.R. بالنسبة الى غير المنتسبين الى طوائف، فلم يرَ النور بعد. حيث كانت المحاولة الاخيرة في عهد الرئيس الياس الهرواي. وهكذا يكون المشترع اللبناني واقع في تناقض خطير وفي فراغ تشريعي كبير. فمن جهة ، يُقرّ مبدئياً بحق اللبنانيين في أن يعيشوا خارج الطوائف لكنه عملياً لا يقر لهم بذلك إذ انه لم يُسِن لهم القانون الذي يرعاهم فأجبرهم عن طريق الفراغ التشريعي الى الرجوع قسراً الى حظيرة الطوائف المعترف بها. هذا ما يدل على أن الانتداب الفرنسي كان أفضل من الحكم الوطني بشأن الحريات العامة، الا انه ، لا ينفي مسؤولية هذا الانتداب في تكريس ما يتضارب مع مبدأ مساواة المواطنين وحقهم بالخضوع لتشريع واحد يطبّق على الجميع.

اذاً، لقد تجّذرت خصائص المجتمع المتعدّد الطوائف، التي لم تقف عند حدود الأحوال الشخصيّة، بل انها طبعت بطابعها مجمل نواحي الحياة العامة. اذ فضلاً عن التوزيع المعروف في مناصب الدولة كلها، الحكومية والنيابية والادارية والعسكرية والقضائية، وفي جميع المؤسسات والمصالح المستقلة والمختلطة، فان القطاع الخاص كله متأثر بهذا الطابع. فللطوائف جامعاتها ومعاهدها ومدارسها(الكسليك، البلمند، المقاصد، الحكمة)، ومستشفياتها(مستشفى الجعيتاوي، مستشفى الروم، مستشفى المقاصد، مستشفى الزهراء)، ولها مؤسساتها الاجتماعية ومعاهد التمريض ودور العجزة الخاصة بها، ولها مجالس وهيئات تنطق باسمها (اللقاء الاسلامي، المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى، المجلس الاعلى لطائفة الروم الكاثوليك، الرابطة المارونية، رابطة الروم الأرثوذكس، رابطة المسيحيين الشرقيين، الخ)، وكان لها تجمعاتها حتى داخل المجلس النيابي(تجمّع الموارنة المستقلين، تجمع النواب السنّة في بعض مراحل الحرب)، هذا فضلاً عن بعض الاحزاب ذات التكوين الطئفي: الكتائب، الكتلة الوطنية، الوطنيون الاحرار، حزب النجادة) وما أفرزته الحرب من تنظيمات طائفية، تحوّل بعضها الى أحزاب منظمة دخل ممثلوها الى مجلس النواب(حركة أمل، حزب الله).

إذاً على اساس نص الدستور اللبناني ونص القرار رقم 60/L.R. المعدل – صدرت تشريعات طبقت المبادئ التي وردت فيهما في الامور العامة، من جهة، (التمثيل النيابي – التمثيل الحكومي – الوظائف العامة – الاعياد الرسمية)، وفي داخل الطوائف من جهة اخرى.

تسود التشريعات التي تتعلق بتنظيم الطوائف داخلياً مبادئ مهمة،  اولها ان لكل طائفة – وهي شخص معنوي حقوقي عام في نظر النظام اللبناني – حقاً مطلقاً في سن الشرائع والانظمة التي تتعلق بها وثانيها انه على الدولة ان تعتبر تلك النصوص في مرتبة القوانين قوة ونفاذاً فتضع القوى العامة في تصرف سلطات الطوائف لحماية تلك النصوص وتطبيقها، وثالثها ان حقول التشريع الطائفي واسعة جداً فهي لا تشمل الشؤون الدينية فحسب، بل تتعداها الى احوال المواطنين الشخصية والى المؤسسات التربوية والاجتماعية وعلى ضوء هذه المبادئ،  أخذت الطوائف تتصرف وتبني دويلتها داخل الدولة.

فصدر بتاريخ 2 نيسان 1951، القانون الشهير الذي زاد من صلاحيات المحاكم الكنسية في أمور الاحوال الشخصية، وفي الواقع كان الهدف الاساسي من هذا القانون تحقيق المسواة بين صلاحيات المحاكم الدينية المسيحية وصلاحيات المحاكم الشرعية الاسلامية، لأن صلاحيات الأولى كانت محدودة بالنسبة لصلاحيات الثانية، وكان من الصعب جداً نزع بعض صلاحيات المحاكم الشرعية الاسلامية لتحقيق هذه المساواة، فاتُّفق على زيادة صلاحيات المحاكم الدينية المسيحية. وقد جاء على حساب المحاكم المدنية التي نُزعت منها صلاحيات النظر في الامور التالية: المهر، التبني، الوصاية على القاصر، فرض وتقدير النفقة للوالدين والاولاد، فرض وتقدير التعويض عند الحكم ببطلان الزواج أو فسخه، حفظ الاولاد وتربيتهم حتى اكتمال سن الرشد أي ثماني عشرة سنة كاملة، البنوّة وشرعيّة الأولاد ومفاعيلها، انشاء الوقف الخيري المحض والديني الصرف، وادارته، الخ.  وقد احتج المحامون، على هذا القانون بإضراب دام اشهراً طويلة،  دون نتيجة، لا بل تألب ضدهم في خندق واحد، رجال الدين المسلمون والمسيحيون على السواء. وقد حددت المادة الاولى منه هدفه ومجال تطبيقه، فنصت على أنه يختص”بتحديد صلاحيات المراجع المذهبية لجميع الطوائف المسيحية والطائفة الاسرائيلية وتنفيذ أحكامها وحل الخلافات التي تنشأ فيما بينها أو بينها وبين سائر المراجع المذهبية أو المحاكم المدنية اللبنانية”.

” ولا شك أن قانون 2 نيسان قد أسهم في تعميق النظام الطائفي الذي تجذّر تدريجياً في بنية المجتمع اللبناني”.([207])

فابتدأت به سلسلة خطوات تثبّت النظام الطائفي.

فبتاريخ 13/1/1955، صدر المرسوم رقم 18 الذي يتعلق بتنظيم دوائر الافتاء والأوقاف الاسلامية التابعة للطائفة السنيّة. وقد عدِّل بموجب القرار رقم 5 تاريخ 2/3/1967 الصادر عن المجلس الشرعي الاسلامي الاعلى.

والملفت للنظر هو القانون الذي صدر بتاريخ 28 ايار سنة 1956،ومنح الهيئة المختصة في الطائفة السنيّة حق تعديل المرسوم الاشتراعي رقم 18، اذ نص على أنه” يحق للمجلس الشرعي الاسلامي الأعلى أن يعيد النظر في جميع أحكام المرسوم الاشتراعي المذكور، وأن يعدّل ما يراه ضروريّاً منها لتحقيق الغاية الاساسية منه، وتكون قراراته في هذا الصدد وفي كل ما يتعلق بالافتاء وبتنظيم الطائفة الدينية وادارة أوقافها نافذة بذاتها على ألا تتعارض مع أحكام القوانين المتعلقة بالانتظام العام”.

وبموجب هذا النص، اتخذ المجلس الشرعي الاسلامي الاعلى قراراً، في 2 آذار 1967، عدّل فيه المرسوم الاشتراعي رقم 18. وقد اعتبر الدكتور ادمون ربّاط أن المرسوم الاشتراعي رقم 18، المعدَّل بقانون 28 أيار 1956، قد منح المجلس الشرعي الاسلامي الأعلى سلطة موازية لسلطة مجلس النواب اللبناني، في المجال الذي حدّده هذا المرسوم الاشتراعي، وهذا لا يتلاءم مع مبدأ السيادة الوطنية.([208])

وبتاريخ 19/12/1967 صدر القانون رقم 72/67، وهو يتعلق بتنظيم شؤون الطائفة الاسلامية الشيعية في لبنان، وقد اعترف بوجودها واستقلالها الذاتي في بعض المجالات. وطبقاً للحق الذي أعطي للطائفة السنيّة بتعديل المرسوم الاشتراعي رقم 18، منحت الطائفة الشيعية حق تعديل هذا القانون(المادة31).

أمّا الطائفة الدرزية، فقد تمّ الاعتراف باستقلالها الذاتي في القانونين الصادرين في 13 تموز 1962. وينص القانون الاول في فصله الأول على استقلال الطائفة الدرزية بشؤونها الدينية،أما القانون الثاني فقد نص على انشاء المحلس المذهبي للطائفة الدرزية، وصلاحياته وطريقة انتخابه وادارته. وقد نصت مادته الأولى على”تولي المجلس المذهبي للطائفة الدرزية شؤون الطائفة الزمنية والمالية، وتمثيلها في الشؤون العائدة لكيانها الاجتماعي والسهر على رفع مستواها والمحافظة على حقوقها”.

ان القوانين التي نظمت شؤون الطوائف الاسلامية في لبنان، ضمنت لها استقلالاً ذاتياً في ادارة شؤونها الدينية والاجتماعية والمالية، على غرار الاستقلال الذاتي الذي اكتسبته الطوائف الأخرى منذ قرون، فأصبحت جميع الطوائف في لبنان تشكّل كيانات سياسية، معترفاً بها رسميّاً، داخل كيان الدولة الموحدة.([209])

إن النصوص القانونية اللبنانية العامة منها والخاصة بكل طائفة تعكس صورة نموذج الدولة اللبنانية، فهي ترّكز التكوين الوطني على قاعدة التعددية الدينية الطوائفيّة، بمعنى ان المجتمع اللبناني لا يعتبر مجموعة مواطنين يرتبطون ببلدهم مباشرة بل مجموعة كيانات دينية طائفية يتكون منها الجسم الوطني، وتلعب دور الوسيط بين المواطنين والوطن ومؤسساته الرسمية منها والخاصة. فتظهر الكيانات الطائفية كل منها في كيانها المستقل والسيد سواء في داخله او في علاقاته الخارجية وله قياداته الهرمية ودورة وجوده الذاتية ومؤسساته الشاملة اقساما واسعة من نواحي الحياة ونشاطاتها فتظهر الفيدرالية الطائفية كتعايش بين الطوائف على ارض مشتركة، فتنظم علاقاتها بطريقة تحافظ كل منها على شخصيتها الذاتية وتحدد ظروف تعاملها مع الطوائف الاخرى بما يضمن تمثيل كل منها في الحكم ويعيّن حصتها من الخيرات والخدمات العامة وهذا لا يعني اننا ارتقينا الى تقاليد الديمقراطية في البلدان العريقة التي تعتمد المشاركة، فالمشاركة في تلك البلدان حققت التسوية بين المجموعات الدينية واللغوية او الاثنية وحافظت على المساواة بين الافراد لذلك لا ينشأ عند الفرد المواطن عقدة الغبن الشخصي فليس في سويسرا ما يحول دون وصول اي فرد الى رئاسة المجلس الفدرالي وفي بلجيكا الى رئاسة الحكومة. كما تحتل كل طائفة في لبنان، رتبة في الهيكل الوطني، فمنها ما يأتي في المنزلة الاولى ومنها ما يقع في المنزلة الاخيرة سواء من حيث تحديد افرادها او من حيث دورها وحصتها في الشؤون العامة فلبعضها امتيازات وافضليات على سواها وانصبة اهم في المراكز المصيرية، لا بل ذهب هذا التفاوت الى درجة ان بعضا منها لا يُقرّ له باي حق محدد خصوصا على صعيد المشاركة في الحكم. فالامتيازات المرتبطة بالعددية يجعل من الطوائف في حال صراع وتناحر دائم حول بعض القضايا الحساسة، كمشكلة المجنسين وموقف الطوائف المسيحية من الموضوع ومشلكة المغتربين وموقف الطوائف الاسلامية من هذا الموضوع.

3-3 الدولة اللبنانيّة في علاقتها بالدين:

إن هذا التركيب المعقد بخلفيته التاريخية الاجتماعية والاقتصادية بالاضافة الى تكريسه في النصوص القانونية انعكس على نموذج الدولة اللبنانية.

كما ان وقوع لبنان تحت تأثير الدول الاجنبية بشكل مديد وشبه متواصل من السيطرة العثمانية الى سيطرة الدول الغربية لا سيما أثناء المتصرفية ثم الاستعمار الفرنسي ثم أيام الاستقلال بعد تفجّره، بروز مشكلة الشرق الاوسط والوجود الاسرائيلي والسوري وتدخل الدول المؤيدة لاسرائيل وتدخل اسرائيل وسوريا وتأثيرها على الشأن الداخلي كلّ هذا شكل او لعب دوراً كبيراً في تشكيل نموذج الدولة اللبنانية وفي استمراره ، كما ان انقسام البلاد الى دينين رئيسيّين متّجهين أحدهما الى الغرب والآخر الى البلاد العربية اتجاهاً إيمانياً ثقافياً وسياسياً وقيام رجال الدين بادوار سياسية حاسمة واستعداد النظام السياسي للتأثر بالنـزاعات والمصالح الطائفية لارتباطه بها، وفشل الدينين المسيحي والاسلامي في التفاعل وخلق تيار روحي ايجابي، ونمو الانتماء الديني الطائفي الى بديل عن الانتماء الوطني كل هذا يشكّل نموذج الدولة اللبنانية.

وعلى الرغم من ذلك، ان الدولة اللبنانية لا تعتنق معتقداً دينياً معيناً فلقد رأينا في المادة التاسعة من الدستور ان الدولة في احترامها بين الاديان ولا تفضّل واحداً منها على آخر فهي ليست كعدد من الدول العربية – دولة دينية.

فإذا نظرنا الى مواقف الدول العربية من الدين نراها تعتنق رسمياً في دساتيرها ديناً معيناً كما ان الدول الملكية التي لا يوجد فيها دستور تخضع لاحكام الشريعة الدينية، فالمجتمع العربي بوجه عام سائر في خط الدعوة الدينية فالدول تتبنى دينها الرسمي في الدستور. والممالك سواء اكان لها دستور ام لا، تعلن جميعها أنها دول تسير على الشريعة الاسلامية سيراً كلياً في تصريف شؤون الحكم والرعيّة ومع ذلك الاعلان المبدئي لا بدّ من التمييز في مواقف تلك الممالك في هذا المجال فمنها المتطرف، كالسعودية ومنها المتسامح كالاردن والمغرب.

كما ان الدولة اللبنانية ليست علمانية فهي تعتمد الانتماء الديني كمرتكز لتوزيع المناصب العامة وهي تفرق هكذا بني المواطنين وحقوقهم وواجباتهم حسب انتسابهم الى هذا الدين او ذاك، لا بل الى هذه الطائفة أو تلك من كل دين.

كما ان الدستور اللبناني – مع عدم اختياره ديناً من الاديان – يؤمن بالله ويقدم له الخضوع والاجلال فالدولة اللبنانية ليست إذن علمانية، إذ أنها غير حيادية بل تتخذ موقفاً ميتافيزيائياً بإقرارها الإيمان بوجود الله وتأدية الاحترام له وبالتالي بعدم مساواتها بين المؤمن وغير المؤمن، وبالرغم من هذا الموقف الميتافيزيائي فإن التعددية الدينية أعطت هذا النموذج طابعاً متفلتاً مختلفاً عن الانغلاقية الاوتوقراطية ذات اللون الواحد وانعكست حرية متفلقة من الضوابط في بعض الاحيان واعطت هذا النموذج من الدول طابعاً خاصاً، وهكذا تبدو الطائفية نظاماً دستورياً قائماً بذاته يقع بين العلمانية والتيوقراطية. فمع مساواتها بين الاديان وعدم انتسابها الى واحد منها تعتمد الدولة اللبنانية الانتماء الطائفي لتوزيع المواطنين وتحديد حقوقهم. والدستور اللبناني إذ تخلى عن تحديد دين الولة، كما هو معتمد اجمالاً في الدول العربية إنما وقع في شرك النظام الطائفي وكرّس مبدأ “الكوتا”  الطائفية هذا من الناحية القانونية اما الواقع الاجتماعي فإن لبنان الحيادي في موقفه من الاديان ابتلى بالشقاق الطائفي، فإذا بالاحزاب السياسية والمدارس الخاصة والجميعات الخيرية والخدمات الاجتماعية تخضع للاعتبارات الطائفية واكثر من ذلك ان القضايا العامة تبلى في معالجتها بالداء الطائفي فيستعصى احياناً حلّها او تنجرف الى ما هو غريب عن جوهرها وما تفرضه المصلحة العامة.

وبالرغم من أن لبنان، بفضل تكوينه البشري وانفتاحه الحضاري، الذي يمّكنه ان يكون السبّاق في تحقيق الدولة المتحررة من القيود الطائفيّة،  إلا ان الوضع القانوني والظروف الواقعية،  أقعدته عن القيام بدوره، فلبنان مؤهل من حيث تكوينه وطاقاته البشرية والروحية والثقافية لتحقيق الدولة المتفلّتة من الطائفيّة والتحوّل الى قوة جذب كبرى تشدّ البلاد العربية الاخرى لتحقيق مثل تلك الدولة.

فكل النماذج التي اعتمدتها الدول العربية من اشتراكية ورأسمالية وماركسية لم تستطع ان تنشل هذه الدول من المشاكل البنيوية التي تعاني منها والسبب الرئيسي في هذا الفشل يعود الى رسوخ العصبيات العائلية والعشائرية والطائفية هذا الواقع الذي استطاع الانسان الفرد في الغرب التفلّت منه كشرط مسبق لقيام الدولة الحديثة.

3-4 الدولة اللبنانية والحرية:

ان عدم اقامة سلطات وبنى غربية جديدة كما كان يتمنى ذلك معظم المثقفين العرب المتشبثين بالنماذج الغربية التي لم يطبقها الغرب على بلادنا كما طبقها في أوروبا، أو على الاقل لم تتم محاولة تطبيقها، انعكس انتقاصاً من الديمقراطية، الا انه في المقابل لا يمكننا انكار الفوائد الثقافية الجمة التي نقلت الينا بالاضافة الى تعزيز ممارسة الحريات العامة التي أُقِّرت في اطار النظام الطوائفي وليس خارجه،  فإذا استثنينا العامل الطائفي والمذهبي المترسّخ في القوانين وفي الممارسة فإن كل العناصر الاخرى متوفرة لينطبق النموذج الليبرالي على نموذج الدولة اللبنانية من حرية وانفتاح ومبادرة فردية.

وهذا مترسّخ فيه منذ عهد الامارة حيث كانت الاحوال في لبنان، على عكس ما كانت في غيره من البلاد العثمانية،  مؤاتية للتقدّم والتطور فقد ضَمنَ اللبنانيون تحت حكم الامراء،  قدراً من الحرية لم يعرفه سواهم من رعايا السلطنة العثمانية.  فكم أدهش السائح فولني،  في القرن الثامن عشر، ان يرى لبنان، على صغره ووعورة أرضه، يغصّ بالسكان، حتى وازت كثافتهم فيه اكثر المناطق  الفرنسية ازدهاراً وقال: ” كيف لنا تفسير مثل هذا الرخاء في أرض ضيقة كهذه؟ إنني لا أجد من سبب له، بعد التأمل والتفكير، إلاّ شعاع الحرية الذي يسطع هناك”.([210])

” وشعاع الحرية ” هذا كان يضمن سلامة الارزاق والاعناق لا لرعايا الامراء اللبنانيين وحدهم بل للزائرين والمقيمين الاجانب ايضاً، بمن فيهم السياح والمبشّرون والتجار والعملاء السياسيون وهكذا اصبح لبنان اكثر اجزاء السلطنة انفتاحاً على التأثير الخارجي وكان اعتماد نصارى البلاد على الغرب ومودتهم له سبباً في تقبل افكار اوروبا وطرائق حياة شعوبها.([211])

وقد ترسّخت هذه الحرية في القوانين العثمانية والانتدابية والاستقلالية.

فصدر دستور 1876 الذي كرّس المساواة والحريات العامة لجميع رعايا السلطنة.

وصدر في تموز 1909 قانون الغى الترخيص المسبق لإصدار الصحف واستعاض عنه بالتصريح البسيط تحت طائلة العقوبات من غرامات وتعطيل.

وأيام الانتداب اكتفى القرار رقم 2464 الصادر في 6/5/1924 بإخضاع إصدار الصحف والمجلات الى تقديم بيان بذلك،  لنظارة الداخلية ودفع تأمين مالي جرياً على التقييد التشريعي الليبرالي الفرنسي. وحتى أيام الحرب، لم يغيّر المفوض السامي هذا المبدأ الليبرالي،  بل استعاض بتدابير اخرى،  كتشديد العقوبات وأحكام الرقابة.

أما دستور 23 أيار 1926 تناول موضوع الحريات بالمواد التالية:

المادة 8: الحرية الشخصية مصونة وفي حمى القانون ولا يمكن ان يُقبض على أحد او يُحبس او يُوقف الا وفاقاً لاحكام القانون ولا يمكن تحديد جرم او تعيين عقوبة الا بمقتضى القانون.

المادة 9: حرية الاعتقاد مطلقة والدولة بتأديتها فروض الاجلال لله تعالى تحترم جميع الاديان والمذاهب وتكفل حرية إقامة الشعائر الدينية تحت حمايتها على ان لا يكون في ذلك إخلال في النظام العام وهي تضمن ايضاً للأهلين على اختلاف مللهم احترام نظام الاحوال الشخصية والمصالح الدينية.

المادة 10: التعليم حر ما لم يخلّ بالنظام العام او ينافي الآداب او يتعرض لكرامة احد الاديان او المذاهب ولا يمكن ان تُسمى حقوق الطوائف من جهة انشاء مدارسها الخاصة،  على ان تسير في ذلك وفاقاً للانظمة العامة التي تصدرها الدولة في شأن المعارف العمومية.

المادة 13: حرية إبداء الرأي قولاً وكتابة وحرية الطباعة وحرية الاجتماع وحرية تأليف الجمعيات كلها مكفولة ضمن دائرة القانون.

المادة 14: للمنـزل حرمة ولا يسوغ لاحد الدخول اليه الا في الاحوال والطرق المبيّنة في القانون. المادة 15:  الملكية في حمى القانون فلا يجوز ان يُنـزع عن أحد ملكه إلا لأسباب المنفعة العامة في الاحوال المنصوص عليها في القانون وبعد تعويضه منه تعويضاً عادلاً وقد جاء في مقدمة الدستور اللبناني الصادر

21/9/1990، الفقرة و – النظام الاقتصادي حر يكفل المبادرة الفردية والملكية الخاصة .

مرّت الحرية والديمقراطية اللبنانية في مراحل متفاوتة منذ القديم وحتى اليوم وعاشت التقلبات ومع ذلك كلّه لا بدّ من القول، بكل موضوعية، بأن لبنان وبالرغم من بعض الانتقادات والمآخذ على بعض التشريعات، يبقى واحة الحرية والديمقراطية في نطاق الاطار الطوائفي، في هذه البقاع من الدنيا لكن رياح الارهاب والاستبداد تهب على هذه الواحة وتهددها بالمخاطر، ومن ابرز الامثلة الحية على التناقض بين لبنان ومحيطه هو موضوع الصحافة اللبنانية التي تسبّب بأزمات عديدة بين لبنان والدول العربية الاخرى، من جراء وجود حريات صحافية في لبنان لم تعرفها دول الجوار فالصحف اللبنانية كانت تنقل الى قراء تلك الدول مواضيع سياسية واجتماعية وفنية وثقافية عن واقع بلد مختلف، فكان المسؤولون يعمدون باستمرار الى منع الصحف من الدخول، علماً بأنها بحاجة الى الاسواق العربية من اجل استمرار مورد الاعلانات للمنتوجات الاستهلاكية الاجنبية التي كان اصحابها يطمحون بالوصول اليها عبر الصحافة اللبنانية. وبالتالي لم يكن من مصلحة الصحافة اللبنانية ان تواجه قرارات المنع هذا.  فاضطر بعضها الى تقديم تنازلات لأنظمة الحكم وإقامة ارتباطات خاصة معها، مما جعل جزءاً من الصحافة اللبنانية عشية الحرب، عام 1975، على صورة النـزاعات العربية وهي كانت عديدة وعنيفة في الستينات ومطلع السبعينات. فكان قسم منها يدور في لبنان وعبر صحافته. وكان الرئيس اللبناني، في مؤتمرات القمة العربية في تلك الفترة يُواجه من قبل الجميع تقريباً بمآخذ على الصحافة.  مما اضطر الحكومة اللبنانية الى تعديل قانون المطبوعات لجهة مساواة الرئيس الاجنبي بالرئيس اللبناني ومعاقبة التعرض له (قانون المطبوعات عام 1962).

وإذا تجاوزنا موضوع حرية التعبير، فإن الصحف اللبنانية كانت تنقل الى القارئ صورة عن الوضع السياسي اللبناني لا يعرفها ولم يختبرها في بلاده. فكان يقرأ عن جلسات المجلس النيابي والمواجهة بين المعارضة والحكومة، والتصريحات السياسية أو المقالات الصحافية التي تنتقد المسؤولين بعنف. وتتحدث الصحافة اللبنانية عن تغيير الحكومات وإجراء الانتخابات النيابية وانتخاب رئيس للجمهورية كل ست سنوات والتناوب على السلطة بالرغم من الشوائب الاخرى للنظام اللبناني ولممارساته وكانت الصحف تلك تنقل ايضاً صورة عن الحياة الاجتماعية اللبنانية المتحررة،  في مختلف نواحيها وهي شديدة التناقض مع المجتمعات العربية.

وما كان ينطبق على الصحافة بالامس ينطبق اليوم على البث التلفزيوني الفضائي، علماً بأن هذا الاخير هو أخطر من الكتابة الصحافية وبخاصة في مجال التنافس والبحث عن الاثارة في عدد من البرامج، والاقتداء بتلفزيونات الغرب،  من قبل بعض معدّي البرامج اللبنانيين.

إن لبنان الستينات ومطلع السبعينات ومن جراء نتائج ازدهار اقتصادي وانفتاح ثقافي وفني وسياحي لا سابق له، وصل الى ذروة التناقض مع واقع بعض المجتمعات العربية وانظمة الحكم فيها، وإن ذلك هو واقع الحال عشية حرب حزيران 1967 وغداتها ويوم حصلت اول ازمة خطيرة مع الفلسطينين، ذات التأثير المباشر على مجمل الوضع اللبناني، وهي التي انتهت بتوقيع اتفاق القاهرة في تشرين 1969 والتي وضعت حداً لاستقالة الحكومة التي دامت سبعة اشهر. وكان ذلك هو الوضع ايضاً يوم وقعت الاصطدامات بين الجيش الاردني والفلسطينين في الاردن في صيف 1970 وتدفق المقاتلين الفلسطينيين الى لبنان، واستقرار كامل اجهزة وقيادات الثورة الفلسطينية فيه ابتداء من ذلك التاريخ، وفي وقت كان الفريق الحاكم يتبدل في لبنان في انتخابات رئاسة الجمهورية في ايلول من السنة ذاتها.

فالاستقرار اللبناني الذي بدأ بالترسخ بعد عام 1958 ومجيء فؤاد شهاب الذي حاول بناء الدولة الحديثة ما لبث ان أخذ هذا الاستقرار يتلقى انعكاسات عدم استقرار المنطقة ونزاعاتها، ليس لأن لبنان بلد مجاور لاسرائيل ومعادٍ لها فقط، بل بسبب بعض الممارسات السياسية الطائفية الداخلية بعد عام 1970 بصورة خاصة، أسهم الى حد كبير بالوصول الى مرحلة التقصير عن مواجهة ما كان يجري.

فهل لما حصل علاقة بعدم استقرار المنطقة ونزاعاتها فقط؟ أم أن ما حصل يرتبط ايضاً بنموذج الدولة اللبنانية ؟

لا شك بأن النموذج الليبرالي المبني على الطائفية يتصف بالهشاشة وقد شكّل الارض الخصبة لتفجّر الصراعات ولكن لا يمكننا ان نعتبره السبب الرئيسي المفجّر للوضع في تلك الاثناء. فبالاضافة الى الاسباب الخارجية المفجِّرة للصراع، اعتبر النموذج اليبرالي المبني على الطائفية، احد الاسباب الداخلية، المترافق مع سؤ الممارسة، التي انعكست عدم توازن في المشاركة الطوائفية على صعيد السلطة. فكلٌ يتسابق للفوز بالامتيازات وكل يحلم بان يكون هو المسيطر، فالمسيحي يريد الدولة القومية المسيحية كحق له في شرق اسلامي والمسلم يريد الدولة القومية الاسلامية وان يكون المسيحي فيها من أهل الذمة. كما ان لامتدادات العديد من الطوائف اللبنانية، خارج الحدود اللبنانية أثره السلبي، فاذا نجح بعضهم في الاستقواء بالخارج على بعض الداخل فان ذلك ينعكس سلباً على النظام الطوائفي وقد كانت في ممارسات الحرب وطروحاتها المختلفة ما يشير بوضوح الى هذه الحقيقة، حتى صحّ القول بوصفها دويلات ضمن الدولة. فلا بد لهذه الدويلات اذا ارادت الحد من المخاطر المحدقة بهذا النظام الليبرالي الطوائفي ان تنظر الى الداخل اللبناني لقطع الطريق امام العوامل الخارجية لتفجّر الصراعات، وتعزيز المشاركة الطوائفية على صعيد السلطة، لتخطي الطائفية في النظام الطوائفي.

ثانياً- نموذج الدولة السورية:

ان النماذج السياسية الثلاث التي سادت في القرن العشرين تتوزع عبر العالم وهذه النماذج رغم التناقض بين بعضها البعض الذي نراه للوهلة الاولى ولكنها جميعا تقف على فلسفة واحدة الا وهي الحداثة.

واذا كانت تقف على فلسفة الحداثة فاين نحن في العالم العربي الذي لم يعرف الحداثة من هذه النماذج الثلاث ؟ واين هي الدولة السورية وتحت اي نموذج نستطيع ادراجها ؟

نظرا لطبيعة النظام السوري القائم على الحزب الواحد الحاكم لا  نستطيع ان ندرج الدولة السورية في سياق النموذج الليبرالي، كما نظراً لطبيعة النظام القائم على حكم اقلية برجوازية صغيرة وعسكر يجعل من النموذج الماركسي عاجزا عن شرح الواقع فبالرغم من دخول بعض الافكار الماركسيه  الى عقيدة حزب البعث بعد ان نجح انقلاب 1963 واستطاعت اللجنة العسكرية ان تستولي على السلطة وتعيد بناء حزب البعث عقائديا بالاستعانة ببعض المفكرين الماركسيين كحمود الشوفي الدرزي الذي إنتخب امينا قطريا في ايلول 1963 وبعد ان تم اسبعاد عفلق والبيطار مؤسسا حزب البعث (ويزعم بعض الكتّاب ان هذا الاستيلاء على الحزب قد تم بشكل كامل لدرجة ان الحزب لم يعد له اي صلة بالحزب الذي انشأه عفلق، ولهذا  يجدر به ان يسمى البعث الجديد)،([212]) الا انه لا نستطيع ان نقرأ نموذج الدول من خلال النصوص القانونية في الدول العربية وانما انطلاقا من سوسيولوجيا المجتمع. فالأحزاب الاشتراكية والشيوعية لم يكن مسموحا لها بالنشاط السياسي، بعد ان تسلم البعث زمام السلطة فعندما تم تشكيل الجبهة الوطنية التقدمية في 7 اذار 1972 بعد عدة شهور من المساومة حول بنود ميثاقها والسلطة المتاحة لاعضائها. وبالاضافة الى البعث، الذي سيطر بالضرورة على الجبهة كانت الجبهة تضم في عضويتها كلاًّ من الحزب الشيوعي والاتحاد الاشتراكي العربي (وهو بقايا التنظيم الناصري من ايام الوحدة) والحركة الاشتراكية العربية (بقايا حزب اكرم الحوراني) وحركة الوحدويين الاشتراكيين (ناصريين بعثيين سابقين) ورغم ان هذه  الحركات صارت جزءا من الجبهة الا انه لم يكن مسموحاً لها بالنشاط السياسي في صفوف الجيش او الطلبة  فقد احتفظ حزب البعث بالعمل في هذين المجالين وحده.([213])

اذاً فإذا استبعدنا النموذجين الليرالي والماركسي في نموذج الدولة السورية فهل نستطيع ادراجها ضمن النموذج التوتاليتاري وما هو هذا النموذج ؟

1- النموذج التوتاليتاري:

1-1 التوتاليتارية والديكتاتوريّة:

علينا ان نميز مفهوم التوتاليتارية عن عدة مفاهيم قريبة منه ولكن لا علاقة لها به كمفهوم الديكتاتورية وانواع الاستبداد والفاشية وغيرها فهو مفهوم حديث جدا وخاص بمرحلة الحكم النازي في المانيا والستاليني في روسيا فتجربة الامبراطورية العثمانية مثلا لا نستطيع ادراجها في سياق النموذج التوتاليتاري كما ان موسوليتي نفسه، الذي طالما راقت له عبارة الدولة التوتاليتيارية لم يحاول اقامة نظام توتاليتاري تام([214]) واكتفى منه بان أرسى ديكتاتورية الحزب الواحد. بعد الحرب العالمية الاولى جازت القارة الاوروبية موجة من الحركات شبه التوتاليتارية والتوتاليتارية، تظهر العداء الشديد للديمقراطية وتؤيد الديكتاتورية كما عمّت الحركات الفاشية كل بلدان اوروبا الوسطى والشرقية تقريبا كما انبثقت ديكتاتوريات مماثلة غير توتاليتارية، قبل الحرب في رومانيا وبولونيا وفي الدول البلطيق وفي المجر والبرتغال وفي اسبانيا فرانكو، بيد أن النازيين، الذين ما لبثوا يملكون حدساً اكيدا في تقصي الفروق ما بين الديكتاتوريات الانفة راحوا يسترسلون في تأويلاتهم حول جوانب التقصير لدى حلفائهم الفاشيين، بينماجعل اعجابهم الحقيقي بالنظام البولشفي في روسيا (وبالحزب الشيوعي في المانيا) دون زيادة او نقصان – احتقارهم الاعراق التي تتكون منها شعوب اوروبا الشرقية.([215]) وان رجلا واحدا نال احترام هتلر دون غيره وهو “ستالين العبقري” ([216]) وبالمقابل ومن خلال خطاب خروتشيف امام مؤتمر الحزب الشيوعي العشرين، ان ستالين ما كان ليثق الا برجل واحد، وان هذا الرجل الفرد كان هتلر.([217])

والمهم في الامر ان الديكتاتوريات غير التوتاليتارية في كل من هذه البلدان الاوروبية الصغيرة كانت سبقتها حركات توتاليتارية : اذن لما بدا ان التوتاليتارية كانت هدفا  طموحا للغاية، حتى اذا انتهت من تنظيم صفوف الجماهير واعدتها بالفعل  لاستلام زمام السلطة فتولتها، اجبر حجم البلاد الاقصى الطامع الى التوتاليتارية على التناغم مع تراسيم اكثر إلفة، كأن تقتصر سلطته على ديكتاتورية الطبقة او الحزب. اما الحقيقة البسيطة فهي ان هذه البلدان ما كانت لتملك العدد الكافي من الجهاز البشري الذي يخولها الاستبداد التام وما يستتبع ذلك من خسائر بشرية فادحة. ولما كان الطغاة في هذه البلدان الصغيرة، فاقدي الامل من افتتاح اراضي ذات اعداد سكانية اكبر وجدوا انفسهم مجبرين على اتباع نهج معتدل نسبياً خشية ان يفقدوا افراد رعيتهم المعدودين.([218])

وذلك هو نفس السبب الذي الزم النازية باقل قدر من التماسك وبأدنى درجة من البطش من صنوها النظام الروسي، وذلك منذ اندلاع الحرب العالمية الثانية وحتى انتشار النازية في انحاء اوروبا بكاملها، بل ان الشعب الالماني نفسه لم يكن كثير العدد حتى يسمح بتنمية شكل هذا النظام الجديد كليا تنمية كاملة. والواقع ان المانيا ما كان يمكن لها ان تشهد استبداداً توتاليتارياً تاماً الا في حال انتصارها في الحرب، ولو تم ذلك لكان اوجب تضحيات يعجز عن تقديرها المرء ليس في حق “الاعراق الدنيا” فحسب بل في حق الالمان انفسهم وفق مخططات هتلر.([219]) ايا يكن الامر، فان المانيا لم تقارب على اقامة نظام توتاليتاري حقيقي، الا بعد ان وفرت لها الحملات الشرقية جماهير بشرية عظيمة، باتت معها معسكرات الاعتقال والابادة ممكنة (على العكس من ذلك فقد تبدى ان مخاطر النظام التوتاليتاري ماثلة بصورة مخيفة في البلدان التي ألفت الاستبداد الشرقي التقليدي، كالهند والصين، ها هنا المادة الاولية التي لا تنضب في سبيل  تغذية الاستبداد الكلي، وآلياته، التي لا تلبث تراكم : السلطة وتدمر البشر، وهذا الشعور الغالب لدى ” انسان الجمهور” بانه غير ذي نفع ولئن كان ظاهرة جديدة كليا في اوروبا، اذ لبث ينبع من بطالة الجموع ومن النمو الديمغرافي الذي لحق بها في اثناء المئة وخمسين عاما الاخيرة، فإنه ظل يسود هنالك منذ غابر العصور في حالة عميمة من احتقار قيمة الحياة البشرية) لا يمكن للمرء ان ينسُب اعتدال الحكم او إتّباعه اساليب في التسيُّد اقل دموية، الى محض الخشية من انتفاضة شعبية، انما هو النقص الفادح في السكان الذي يشكل تهديدا جديا للاستبداد التام والحق ان النظام التوتاليتاري يكون ممكنا في حال توفر له فائض في السكان([220]) او يمكن ان تكون مستخدمة دون ان تؤول الى اقلال في السكان مفجع، على اعتبار ان النظام الانف متميز عن الحركة التوتاليتارية.([221])

1-2 أسس ومبادىْ النظام التوتاليتاري:

لقد حاولت العديد من المدارس الفكرية ان تعمل على قراءة التوتاليتارية كضرورة لفهم الظاهرة النازية وهي ظاهرة حديثة لا وجود لها في العصور الوسطى ومن اهم هذه المدارس مدرسة فرانكفورت الالمانية التي كانت معادية للنازية حيث هرب معظم مفكريها سنة 1936 من المانيا عندما تسلمت النازية زمام السلطة وكان من ابرز رموز هذه المدرسة Adormo Herbert Makyouse – Habermas الذين حاولوا فهم التوتاليتارية. ريمون آرون تحدث عن التوتاليتارية وهو ليبرالي اما من اهم من كتب حول التجربة  النازية والتوتاليتارية فهي المفكرة الالمانية Hannah Arendt  التي وضعت اسس ومبادئ النظام التوتاليتاري وحاولت معالجة وتفسير هذا النظام من خلال مقارنته بالنظام الهتلري (النازي) والستاليني خلال وبعد الحرب العالمية الثانية. فما هي هذه الأسس ؟

  • الفردنة: (مجتمع حديث = علاقة المواطن مباشرة مع الدولة دون وساطة)

  • تفكك العصبيات القديمة: يصبح كل فرد في عالم قائم بذاته وهذا مواكب للمجتمعات المتقدمة صناعيا وتقنيا، ان الليبرالية التي شرطها في الاساس الفردنة تحولت الى وحدات صغيرة اسمها افراد وغير مسيّسيين لانه تم الطلاق بين الذين تم انتخابهم وبين القاعدة وتحولت كتلة من هذه الافراد الى اكثرية صامته لم تذهب الى صناديق الاقتراع للتصويت بل استنكفت عن التصويت وساهمت في الاقلال من نسبة المشاركة. شعب غير مسيس من السهل تحويله الى:

  • قطيع من المؤيدين يمكن له ان ينتخب هتلر او غيره ومن هنا اهمية

  • الايديولوجية وهو عنصر هام في التجربة التوتاليتارية على عكس الديكتاتورية التي لا تحتاج الى الايديولوجية.

ولقد كان هذا الواقع الحتمي من الغرابة وعدم التوقّع بحيث راح النقاد يعزونه الى السمة المرضيّة والعدميّة في نتاج اهل الفكر المعاصرين والى مازوشية تكون نموذجية لدى خاصة المثقفين، او شيء من التعاكسية ما بين الروح والانطلاقة الحيوية ” والعداء ما بين الروح والحياة”.

وتقول Hannah Arendt هذا التحليل غير صحيح، هناك شروط، والالمان ليسوا مرضى (فقد كان هؤلاء المفكرون، المثال المحض الصارخ والناطقين الاوضح والاصرح باسم ظاهرة أعم بكثير). فما هي هذه الشروط :

  • خلق عدو وهمي او حقيقي ، الخطر كان اليهود واصبح كل مواطن الماني معني بهذا الخطر – وهذا يؤدي الى خلق =

  • المخابرات السياسية، حيث على كل مواطن ان يبرهن عن ولاءه للوطن من خلال علاقة مع ضابط مخابرات، يطلِعُه على كل جديد مما يؤدي الى =

  • تفريغ للدولة من السلطة، ان الحركة السياسية التي جعلت من الوطن في خطر واستولت على السلطة حيث اصبح الوزير والنائب وغيره لا معنى له الاهم منه المخابرات السياسية.

اذاً هذه هي العناصر باختصار التي تؤلف التوتاليتارية لتفسير التجربة الستالينية بعد موت لينين ولتفسير التجربة الهتلرية في المانيا، فهل هذه العناصر تستطيع تفسير نموذج الدولة في سوريا، فاذا استثنينا العنصر الاول والثاني نجد ان كل العناصر الاخرى موجودة وهذا ما سوف نثبته من خلال مقاربة الوقائع العملية المأخوذة من (السوسيولوجيا الاجتماعية السورية) لنرى مدى تطابق نموذج الدولة السورية مع الاسس التوتاليتارية التي طرحتها Hannah Arendt كما ان العنصر المفقود: “الفردنة ” هو شأن كل الدول العربية التي تدعي بانها تنتمي الى احد النماذج الحديثة : النموذج الليرالي او الماركسي او التوتاليتاري وهي بالحقيقة تنتمي الى نموذج ليبرالي أو الى نموذج ماركسي او الى نموذج توتاليتاري ولكن مع التحفظ.

فنموذج يدّعي مثلا انه مستوحى من النموذج الليبرالي كلبنان ولكن تركيبة المجتمع الاهلي لاتزال ترتكز على العيل والعشائر والطوائف، من هنا علينا ان لا نكتفي بالمستوى الحقوقي في عملية تحليل هذه النماذج.

فحذف عنصر الفردنة الذي هو اساس  الحداثة تجعل من عملية نقل هذه النماذج الى مجتمعات غير مفردنة وغير حديثة، عملية منتقصة يشوبها  الفشل .

حاولت Hannah Arendt تحديد الظروف التي ادت او ممكن ان تؤدي الى نشوء النظام التوتاليتاري في اي دولة او مجتمع.

1-2-1 مجتمع بلا طبقات:

تسعى الحركات التوتاليتارية الى تنظيم  الجماهير، وغالبا ما تفلح في ذلك، بخلاف الاحزاب القديمة القائمة على المصالح والتي تهتم بالطبقات والناشئة في غالبيتها في امم اوروبية، وبخلاف ما تذهب اليه الاحزاب في البلدان الانكلوساكسونيه من حيث اهتمامها بالمواطنين ذوي المصالح، وبتأثير الاراء العامة في مسار الشؤون المحلية، واذا كانت كل الجماعات السياسية تنسب الى مراكز قوى نسبية في المجتمع فان الحركات التوتاليتارية تتبع قوة الاعداد وحدها.([222])

ما من سمة ادل على الحركات التوتاليتارية بعامة، واكثر تمييزاً لقادتها الممجّدين، سوى العجلة والسهولة المدهشتين اللتين يطوى معهما ذكر الحركات الانفة وقادتها، وتستبدل بأخرى وآخرين. فما انجزه ستالين بجد، وخلال سنوات كثيرة وعبر صراعات داخلية متصلبة وامتيازات هائلة اقلّه باسم سلفه (وذلك من اجل ارساء شرعيته باعتباره وريث لينين السياسي)، حاول حلفاء ستالين القيام به دون اي امتياز، باسم سلفهم  العتيد مع ذلك فقد تسنّى لستالين ان يتصرف بحقبة من الزمن طالت ثلاثين عاما، وكان في متناوله جهاز دعاية ضخم، كان لا يزال مجهولا في زمن لينين، لطالما اعانه في تخليد اسمه الامر ذاته ينطبق على هتلر الذي جعل من نفسه، إبان حياته، موضع افتتان مزعوم لا يُقاوم،([223]) حتى اذا هُزِم ومات. اغفل ذكرَه الناس اغفالا تاما، فبات لا يؤدي اي دور، حتى في صفوف الفرق الفاشية الجديدة والجماعات النازية الجديدة في المانيا. ولا شك  ان لهذا الطابع الزائل صلة بتقلب الجماهير المأثور وبالمجد الذي يُوكل اظهاره اليها، بل ان ذلك ليجد تفسيره في الهاجس التوتاليتاري بالحركة الدائمة : فالتشكيلات لا تلبث في السلطة الا بمقدار ما تظل في حركة، وبمقدار ما تدفع كل ما يحيط بها الى الحركة.([224])

ثم انه من الخطأ الافدح ان ينسى المرء بحجة هذا التزعزع، ان الانظمة التوتاليتارية ايا كان احد سلطانها، والقادة التوتاليتاريين، طالما بقوا على قيد الحياة، إنَّ هؤلاء ” يبسطون سلطتهم مستندين الى الجماهير” حتى النهاية([225])، على ذلك فان هتلر بلغ السلطة بصورة شرعية ووفق قاعدة الاغلبية الحاكمة،([226]) وما كان له ولستالين ان يستمسكا بزمام سلطتهما على شعوب عريضة بأسرها، وان يصمدا في وجه أزمات داخلية وخارجية عديدة، لو لم يكونا حائزين على رضا الجماهير وثقتها وما كانت دعاوى موسكو، ولا حملة التصفية في ” روهم” ممكنة الوقوع لو لم تكن الجماهير أيدت ستالين وهتلر.([227])

لقد حددت Hannah Arendt مفهوم الجماهير على الشكل التالي :

– تنطبق عبارة جماهير على الذين عجزوا، إما لعددهم الكبير او للامبالاتهم من الانخراط بالشأن السياسي او في اي تنظيم قائم.

– الجماهير توجد في كل البلدان وتشكل اكثرية شرائح الناس الحياديين واللامباليين سياسيا الذين نادرا ما ينتخبون او ينتمون الى احزاب.

– يجب ان يكون لدى الجماهير الرغبة في الانتظام السياسي، أي الاحساس بالفراغ السياسي والرغبة بالعودة والانتماء الى تنظيم أو حزب يعيد الفرد الى المشاركة بالشأن العام.

 ان ما ميّز انطلاقة الحركة النازية في المانيا والحركات الشيوعية في اوروبا بعد العام 1930،([228]) هو انها اجتذبت اليها أنصاراً من هذه الجمهرة من الناس اللامبالين في الظاهر، والذين كانوا موضع رفض من الاحزاب الاخرى جميعها، لاعتبارهم غاية في البلادة او الحماقة، مما يصرف النظر عنهم. وكانت النتيجة ان غالبية المنتسبين اليها كانت مشكَّلة من اناس لم يتسنى لهم الظهور على الساحة السياسية من قبل. وهذا مما سمح بادخال مناهج للدعاية السياسية جديدة كلياً، وما سوّغ اللامبالاة ازاء حجج المعراضين، ونشأ عن ذلك ان هذه الحركات لم تجد نفسها خارج نسق الاحزاب ورافضة اياها بالجملة فحسب، بل انها اهتدت الى زبائن كثيرين ايضا لم يكونوا قد مُسُّوا من قبل نظام الاحزاب ولا افسدتهم الاخيرة على الاطلاق. لذا لم تحتج الحركات التوتاليتارية هذه الى دحض الحجج التي كان المعارضون يوجهونها اليها. بل آثرت التهديدات بالموت المنتظمة بديلة من الاقناع، والارهاب على القناعة ومضت تزعم ان الخلافات انما تنشأ من مصادر عميقة، وطبيعية، وتستمد من جذور اجتماعية او نفسية، تكون عصية على رقابة الفرد، وعلى المنطق بالتالي. على ان هذا كان يمكن ان يتحول ضعفاً لو انها رضيت بالمنافسة الصادقة مع غيرها من الاحزاب، كما ان الامر عينه كان يمكن ان يصير قوة لو انها كانت واثقة في تعاملها مع اناس كان لهم من الاسباب ما يجعلهم معادين لكل الاحزاب.([229])

1-2-2  فشل الديمقراطيّة:

حددت Hannah Arendt الظروف التي افسحت المجال أمام نشوء الحركات التوتاليتارية:

– فشل الديمقراطية ادى الى بروز ثغرة في النظام الديقمراطي، فمن اسس الديقمراطية ان يشارك الشعب بغالبيته في الحكم وانتماء افراده بمعظمهم الى هذا الحزب او ذاك، اما الواقع فهو عزوف عدد كبير من الشعب عن المشاركة بالشأن السياسي واحتكار العمل السياسي من قبل فئة اصبحت النخبة السياسية علماً انها اقليّة، فأصبحت الأقلية هي التي تحكم بأسم الاكثرية فيما الاكثرية الصامتة مغيّبة. هذه الجماهير بالنسبة للنظام الديمقراطي هي عديمة الاهمية، محايدة وصماء في الحياة السياسية، استندت الحركات التوتاليتارية على هذه الثغرة لمهاجمة النظام البرلماني كونه نظام زائف لا يؤمن بقاعدة الاكثرية وضرورة تمثيلها في الحكم بقدر ما يؤمن بمؤسساته الخاصة.

لقد كان من شأن نجاح الحركات التوتاليتارية في جذب الجماهير اليها ان دق ناقوس الحزن بالنسبة لوهمين تولَّيا الديمقراطيات بعامة، والامم الاوروبية ونظام احزابها بصورة خاصة. اما الوهم الاول فكان يقضي بان يشارك الشعب في غالبيته، مشاركة فعّالة في الحكم، وان يتعاطف افراده جميعهم مع هذا الحزب او ذاك. على عكس من ذلك، فقد بينت هذه الحركات التوتاليتارية ان الجماهير المحايدة سياسيا واللامبالية يسعها بيسر ان تكون الغالبية في بلد ديمقراطي. وبالتالي، فان الديقمراطية يمكن ان تعمل وفق القواعد التي لا تعترف بها عملياً الا اقليَّة في حين ان الوهم الثاني الذي لبثت الحركات  التوتاليتارية تهاجمه بعنف يرى أن هذه الجماهير عديمة الاهمية، باعتبارها محايدة حقا ولا تشكل سوى لوحة  الاساس الصماء في حياة الامة السياسية. ثم، جعلت الحركات التوتاليتارية تبيّن ما كان يعجز اي عضو، مما يشكل الرأي العام، عن اظهاره : ذلك ان النظام الديمقراطي يستند الى الاستحسان والتسامح الصامتين اللذين تبديهما الشرائح الصماء واللامبالية من السكان، بمقدار استناده الى المؤسسات والمنظمات البيّنة والمرئية في البلاد. ثم ان الحركات التوتاليتارية يوم اجتاحت البرلمانات بدا احتقارها للنظام البرلماني ظاهرة تشوش محضة : فالواقع انها نجحت في اقناع الغالبية العظمى من السكان ان الاغلبيات البرلمانية طالما كانت مزيفة ولا تتلاءم بالضرورة مع الحقائق الوطنية، مقوِّضة بذلك الكرامة البشرية وثقة الانظمة التي ما ونيت تعتقد بقاعدة الاغلبية بمثل ايمانها بمؤسساتها المخصوصة.([230])

إن الحريات الديمقراطية القائمة على أساس المساواة لا تكتسب معناها الا عندما ينتمي المواطنون الى جماعات تمثلهم وتشكل في ذاتها هرمية اجتماعية وانهيار نظام الطبقات ادى الى انهيار نظام الاحزاب اذ كانت قائمة على مصالح الطبقات فسقوط وانهيار الاحزاب ادى الى فقدان دعم المحايدين اذ لم تهتم بمصالحهم كما وعجزت عن ضم المحايدين من الجيل الجديد، نتيجة عدم تحقيق الاحزاب للآمال المتوقعة وزوال وطئ ودور الحزبيين، تشكل جمهور من الخائبين وازدادت النقمة الامر الذي أدَّى الى ولادة جمهور لا مبالي. لقد كان من شأن انهيار الطبقات ان افضى بصورة آلية الى انيهار نظام الاحزاب نفسه، ولما كانت هذه الاحزاب قائمة على المصالح لم يسعها ان تمثل مصالح طبقة من الطبقات. على ان بقاء هذه الاحزاب كان يستدعي اهتمام أعضاء  الطبقات القديمة التي جعلت تأمل، أيَّا كان الامل ضعيفا، بأن تستعيد موقعها الاجتماعي السالف والتي ظلت مجتمعة، ليس بسبب أنه كان لها مصالح مشتركة، بل لانها ظلَّت تأمل باستردادها كاملة، وعليه، فقد صارت الاحزاب اكثر احتفالا بعلم النفس والايديولوجيا في اساليبها الدعائية وباتت اكثر تبريرية فاكثر واقرب ميلا الى الحنين في مقاربتها السياسية. الى ذلك، كانت هذه الاحزاب فقدت دون علم، دعم هؤلاء المحايدين، الذين لم يكونوا اهتموا بالسياسة لانه كان لديهم الانطباع بانه لا يوجد اي حزب يهتم بمصالحهم، ثم ان اولى علامات انهيار منظومة الاحزاب على صعيد القارة الاوروبية، لم تكن انشقاقات اعضاء الحزب القدامى عن حزبهم، انما كانت العجز عن ضم المحازيين اليه من الجيل الجديد، وفقدان رضى الجماهير غير المنظمة عنه ودعمها الصامتين: والدليل على ذلك ان الجماهير هذه راحت تنفض عنها بلادتها ومضت انى كان حيث تسنى لها فرصة للتعبير، تعلن عن معارضتها العنيفة الجديدة.([231])

وهكذا تحولت الاغلبيات التي كانت لا تزال تغفو في ظل كل الاحزاب الى جمهور كبير وحيد عديم الشكل، ممثل من افراد موتورين. لم يكن لهذه الاغلبيات اي قاسم مشترك فيما  بينها، أقلّه الوعي الغامض بان آمال المنتسبين الى الاحزاب كانت عبثا، حينئذ، لا يعود المرء يبالي بالكيفية التي تمت فيها ولادة هذا التضامن السلبي المرعب، وبأي شكل كان الواقع المفروض والقوى القائمة مكروهة: بالنسبة للعاطل عن العمل كان الحزب الديمقراطي – الاجتماعي، وبالنسبة لصغار المالكين الذين حرموا ملكيتهم، كان حزب من الوسط او من اليمين، وبالنسبة للطبقات الوسطى والعليا القديمة، فكان اليمين المتطرف التقليدي. وسرعان ما تضخم جمهور هؤلاء الناس الخائبين واليائسين عامة، في كل من المانيا والنمسا، بعد الحرب العالمية الاولى، حين فاقم التضخم والبطالة تصدّع المجتمع الذي اعقب الهزيمة العسكرية. أن كل الدول التي كانت أُقيمت، قبيل الحرب، كانت نسبة ضخمة من مواطنيها على هذه الحال وراحوا يؤيدون الحركات  المتطرفة، في فرنسا وايطاليا على سبيل المثال، منذ اندلاع الحرب العالمية الثانية.([232])

 1-2-3 مبدأ الفردنة:

لقد حددت Hannah Arendt العوامل التي ادت الى ظهور عصر الجماهير: بمبدأ الفردنة Atomisation واللامبالاة والعدمية.

رغم ان الفردية ميَّزت مسلك البورجوازية في المجتمعات الاوروبية، لم يحاول احد التوتاليتاريين تدمير الهوية الفردية للجماهير فالانعزال والنقص في العلاقات الاجتماعية والتشقق بين الطبقات لا يلحمه الا الشعور بالانتماء، لذا فمن العوامل الاساسية لنمو التوتاليتارية ان تكون المجتمعات حديثة والافراد مبعثرين وبهذا تتشكل الحركات التوتاليتارية من تنظيمات جماهيرية تضم اليها افراد مبعثرين ومعزولين ويفترض بهم الولاء اللا محدود لحركتهم وتعمل الحركات التوتاليتارية على خلق الظروف المؤاتية لتجريد  الفرد من الروابط الاجتماعية بحيث لا يشعر بالنفع الا من خلال انتمائه الى حركة او حزب.

لطالما اشار المحللون الى ان الحركات التوتاليتارية تفيد من الحريات الديمقراطية، وتفرط فيها، في سبيل ان تحسن القضاء عليها غير ان الامر ابعد من ان يكون محض مهارة شيطانية من جانب القادة، او حماقة صبيانية من قبل الجماهير. ولئن صحّ ان الحريات الديمقراطية قامت على اساس من المساواة بين جميع المواطنين امام القانون، الا انها لا تكتسب معناها ووظيفتها العضوية الا حالما ينتمي المواطنون الى جماعات تمثلهم، اوتشكّل في ذاتها هرميّة اجتماعية وسياسية. والحال ان انهيار منظومة الطبقات، وهي التفريع الاجتماعي السياسي الوحيد السائد في الامم الاوروبية، كان احد الاحداث الاكثر مأساوية في تاريخ المانيا.([233]) وكما كان هذا الانهيار مؤاتيا لانطلاقة النازية، بمثل ما كان  غياب التفريع الاجتماعي في صلب الاعداد الهائلة من سكان الارياف في روسيا (هذا الجسد الكير والرخو، العديم التربية السياسية والذي يكاد يكون ممتنعا على الافكار الجديدة بتشريف الفعل.([234]) صار لدى انقلاب البولشيفيين على نظام كيرنسكي الديمقراطي. على ان الظروف التي مرَّت بها المانيا في المرحلة السابقة لهتلر هي أدلُّ على المخاطر التي يتعرض لها الغرب بصورة ضمنية، (الانهيار المأساوي في منظومة الطبقات) بينما عيّنت الاحداث في روسيا  بوضوح الوجهة التي يمكن ان تسلكها الانقلابات الثورية المحتومة في بلدان آسيا. ومن المنظار العملي، فانه لاطائل من ان تعتمد الحركات التوتاليتارية ترسيمة النازية او البولشيفية وان تنظم الجماهير باسم العرق او باسم الدين، او ان تتظاهر باتباع قوانين الحياة او الطبيعة ام الجدلية او الاقتصاد.([235])

لطالما كانت الحركات التوتاليتارية احوج الى ظروف خاصة تكون فيها  الجماهير مفتتة ومشظاة، منها الى غياب بنية في مجتمع يتشكل من الجماهير. ذلك ما يتضح تماما للمرء إذ يقارن بين النازية والبولشيفية اللتين نشأتا، كل في بلدها على التوالي، في ظروف غاية في الاختلاف. وفي حين كان ستالين مجبرا على خلق المجتمع المتشظي هذا خلقا اصطناعيا، (وهذا اقرب الى النموذج السوري)، في سبيل ان يحوِّل الديكتاتورية الثورية التي ارساها لينين الى نظام توتاليتاري كلياً، كانت الظروف التاريخية في المانيا هي التي مهدت السبيل امام النازيين لصنع ديكتاتوريتهم الخاصة.

لقد حالت الطبقات والقوميات الجديدة دون مباشرة ستالين السعي الى تهيئة البلاد للنظام التوتاليتاري، فقد كان ستالين مجبرا على تصفية ما تبقّى من سلطة السوفياتات، باعتبارها عضوا رئيسيا في الهيئة التمثيلية الوطنية، وتؤدي دورا فاعلا في المجتمع وتحول دون جعل سلطة الحزب مطلقة، كل ذلك بهدف ان ينشئ جمهوراً مشتتا وعديم الهوية.

كما انه شرع في تقويض السوفياتات الوطنية اذ شكّل خلايا بولشيفية الى حيث انضم كبار الموظفين في اللجان المركزية.([236]) وما كاد العام 1930 يحل حتى كانت آخر آثار المؤسسات القديمة قد تلاشت وافسحت في المجال امام بيروقراطية الحزب: تلك كانت ذات نزعة شديدة في حين لم تكن نوازعها الى الروسنة مختلفة  في شيء عن نوازع النظام القيصري، مما جعل البيروقراطيين الجدد لا يخشون من القليل من الإعداد.

اذاً انتقل النظام البولشيفي الى تصفية الطبقات، وشرع لأسباب ايديولوجية ودعائية في الانقضاض على الطبقات المالكة بادى الامر: الطبقة الوسطى الجديدة ربيبة المدن، والمزارعون. ومن ثم اجريت تصفية طبقة العمال وفي سبيل تتويج كل هذه الاجراءات جاءت تصفية البيروقراطية التي كانت قد ساهمت اي اسهام في تنفيذ كل التصفيات السالفة. وقد استغرق ستالين سنتين، من العام 1936 حتى العام 1938، للتخلص من الارستقراطية الادارية والعسكرية في المجتمع السوفياتي،  ما جعل كل مجالات المجتمع تؤول الى ايد جديدة، المكاتب والمصانع والهيئات الاقتصادية والثقافية والحزب والمكاتب العسكرية في المجتمع السوفياتي، وحالما فرغ من ازاحة نصف عديد الادارة، المنتمين الى الحزب او غير المنتمين اليه، أجهز على تصفية خمسين بالمئة من اعضاء الحزب وثمانية ملايين شخص على الاقل.([237])

لم يسبق الاستبداد التوتاليتاري حركة توتاليتارية في روسيا كما حصل في المانيا. فلقد  استوجب تنظيم الحركة التوتاليتارية وخلق الظروف الايلة الى تناميه خلقاً مصطنعاً، بغية جعل الولاء، ولاء الفرد والجماعة – تاماً وذلك هو الاساس النفساني في الاستبداد التام. في حين ان ولاء كهذا لا يمكن توقعه الا من كائن بشري معزول بالكامل، كائن مجرد من روابطه الاجتماعية، التي تصله بعائلته واصدقائه ورفاقه او محض معارفه فرد لا يستشعر نفعه الا من خلال انتمائه الى حركة او حزب.

ان انتزاع  السلطة، في اي بلد من بلدان  العالم، ليس غاية في ذاته بل هو وسيلة محضة لغاية، الى ذلك فان انتزاع السلطةن في اي بلد من بلدان العالم، ليس الا مرحلة انتقالية ولم تكن نهاية الحركة على الاطلاق، على ان هدف الحركة العملي هو ادماج اكبر عدد ممكن من الناس في تنظيمها ووضعهم في حال دائمة من الحركة، اما في ما خص الهدف السياسي الذي يمكن ان يكون خاتمة الحركة، فلا وجود له.

1-2-4 تحالف (النخبة-الشعب) وصياغة الأيديولوجية:

لقد حددت Hannah Arendt العوامل التي ادت الى ظهور عصر الجماهير بمبدأ الفردنة واللامبالاة والعدمية فاذا استطاعت الفردنة ان ترسي الولاء غير المشروط الذي يبديه المناضلون وان توسِّع حلقة الجماهير التي تخاطبها الانظمة التوتاليتارية فكيف استطاعت ان تستقطب النخبة ؟

تلك اللائحة البارزة من الرجالات البارزين الذين طالما اعتبرتهم التوتاليتارية من عداد المتعاطفين معها ورفاق دربها واعضاءها  المنضوين فيها بانتظام اولئك الذين كانوا غادروا المجتمع من تلقاء انفسهم، قبل انهيار الطبقات فيه فكانوا مستعدين لاستقبال الجماهير والرعاع الذين كانوا بدورهم نتاجا ادنى سالفا من حكم البرجوازية، ففي العشرينات كانت الايديولوجيات، الفاشية والبولشيفية والنازية قد صيغت والحركات التي قادها جيل ما يدعى “بالجبهة” من قبل اناس كانوا نشأوا قبل الحرب، ولبثوا يتذكرون تلك المرحلة بصورة مميزة  دون ان يغفلوا عن الحقد الذي طالما اوحى به اليهم، كما لم يخفوا واقع حماستهم يوم اندلعت الحرب العالمية الاولى. لم يكن هتلر والفاشلون وحدهم من ركعوا شاكرين الله لما انعمه على اوروبا اذ عمتّها التعبئة العامة منذ 1914.([238]) حتى ان هؤلاء لم يكونوا ليحركوا ساكناً ولم يلوموا انفسهم لكونهم لقمة سائغة للحملات الدعائية الوطنية المتعصبة وللشروح الكاذبة حول طابع الحرب الدفاعي المحض. إذاً قضى النخبة الى الحرب والامل المدغدغ يحدوها في ان كل ما تعرفه عن الثقافة، وعن نساجة الحياة، ربما يضيع في ” زوابع الفولاذ” (إرنست يونغر). وفي المعجم الذي انتقاه “توماس مان” بعناية، باتت الحرب بمثابة توبة وتطهُّر ” كانت الحرب اكثر ما يُلهم الشاعر، لا النصر في ذاته”. وبحسب عبارات طالب ينتمي الى تلك الفترة، “فان ما يهم، هو ان يكون المرء مستعداً دوما للتضحية”، او بحسب تعابير عامل شاب ” فانه سيان ان يعيش المرء سنوات اكثر او اقل، انما الاهم ان يكون لديه ما يبرر به حياته”.([239])

وبالطبع وقبل ان يعلن مثقف نازي موقفه قائلا ” كلما سمعت كلمة ثقافة سحبت مسدسي”، كان الشعراء قد اعلنوا اشمئزازهم من” قذارة هذه الثقافة” وجعلوا يطلقون دعوتهم، على المنوال الشعري نفسه، الى “البرابرة والزنوج والهنود، ويا انتم جميعا، لكي تدوسوها بأرجلكم”.([240])

هذا الاستياء الحاد حيال فترة ما قبل الحرب ومحاولات الاصلاح السالفة بالاغراق في العدمية” والاستياء الآنف كان قد عبَّر عنه نيتشه، وسريل، وباريتو، ورامبو، وت اي لورانس، ويونغر، وبريخت ومالرو، وباكونين ونيتشاييف، والكسندر بلوك. وجل ما  دعا اليه هؤلاء هو نسيان كم إنَّ الاشمئزاز يسعه أَن يكون مسوغا في مجتمع اتخمته الايديولوجيا والاخلاقية البورجوازيتان.

ولكن جيل الجبهة، وبعكس توجيهات مرشديه الروحيين، كان منصرفا بكليته الى الرغبة في ان يعاين فناء كل عالم الامان المزيف والثقافة المزيفة والحياة المزيفة وكانت هذه الرغبة من الشدة بحيث انها تجاوزت، في وضوحها وصداها، كل المحاولات السابقة التي طالما رمت الى تحويل القيم (المحاولة النيتشوية) والى اعادة تنظيم الحياة السياسية (كتابات سوريل)، وانبعاث الاصالة البشرية (باكونين)، او الى الهيام بالحياة حتى الهوس، وذلك بالمضي في نقاء المغامرات التغريبية (رامبو) وعلى هذا  بات التدمير العديم الشفقة، والفوضى والخراب العميم، فيما حازت على صدراتها الاسمى في المجتمع.([241]) (الطبقة البرجوازية).

ومما يؤكد على صدق هذه المشاعر، هو ان قلة قليلة من ممثلي هذا الجيل أوتي لها الشفاء من حماستها حيال الحرب إثر اختبارها فظائعها اختباراً واقعيا ذلك ان الناجين من حرب الخنادق لم يصيروا دعاة سلام. انما آثروا نوعا من الاختبار من شأنه ان يفصلهم، على حد اعتقادهم فصلا نهائيا عن محيط الاحترامية الكريه. كما لبث هذا الجيل يتذكر الحرب متمثلا اياها باعتبارها استهلالا اكبر لانهيار الطبقات وتحولها الى جماهير وصارت الحرب بعسفها الثابت والمجرم، رمز الموت، “المساوي الاكبر”.([242])

أصبحت الحرب الدليل الاكبر على انهيار الطبقات التي تحولت الى جماهير كما ادت الحرب الى المساواة الكبرى من خلال الموت، فمحت الخلافات العميقة الفردية مع خروج النظام العالمي الجديد برزت الحاجة الى المساواة والعدالة والرغبة في تجاوز حدود الطبقات. فإنسان ما بعد الحرب وجد نفسه منغمسا في تفاهة الوظائف الاجتماعية ومجرد من امكانية التغيير الجذري لذا اتى انتسابه الى الحركات التوتاليتارية كحلّ للخروج من العدمية والفراغ. فالانتساب الى النشاط التوتاليتاري يجيب على السؤال التالي: من اكون ؟ ففي حين ان المجتمع يجيب انت ما تبدو عليه تجيب الحركات التوتاليتارية: انت ما تفعل.

هذه الحركات جذبت اليها النخبة المثقفة وعامة الشعب على السواء اذا اعتمدت على الارهاب الذي صار نوعا من الفلسفة التي تعكس حالة الحرمان والحقد والبغض، لذا اتى تحالف النخبة والعامة لتدمير المجتمع الراقي فالتعصب الثوري الذي قاد هذا التحالف استدعى تدمير كل المعتقدات تدميراً جذريا والقضاء على القيم والمؤسسات الموجودة والسبب الذي دفع الى هذا التحالف  هو ان النخبة وعامة الشعب مثّلا الطبقات التي أزيلت من اطار الدولة، وزوال اي معنى او هدف لحياته وانجرافه في العدمية، دفعه للبحث عن هدف لم يجده الا من خلال الحركات التوتاليتارية التي اظهرت سيئات النظام البرلماني ومدى ما ينمِّي في الفرد اللامبالاة، فيما عملت من ناحية اخرى على توعية الجمهور وانتشاله من العدميّة الغارق بها.

وكان هتلر في السنوات الاولى من توليّه مهامه لم يتوان عن ايقاظ مشاعر جيل الجبهة هذا حين ادرك ان ترميم الوضع الاوروبي بات يهدد طموحات الرعاع([243]) تهديداً جديا للغاية.

اما الجماهير التي تاقت نخبة ما بعد الحرب الى الانغماس فيها، فلم تكن حريصة على التمايزات الوطنية البتّة. ومن المفارقات، ان الحرب العالمية الاولى كانت أبطلت المشاعر الوطنية الصادقة، ففي الفترة الزمنية ما بين الحربين، كان من الاهمية بما لا يقاس ان ينتمي المرء الى جيل الخنادق، وسيان الجهة حيث كان، وسواء كان المانيا ام فرنسيا.([244]) حتى ان النازيين ارسوا كل دعائيتهم على اساس من هذه الرفاهية غير المحددة، على اساس “جماعة المصبر” هذه، وأفلحوا في كسب عدد كبير من منظمات قدامى المقاتلين، وذلك في بلدان اوروبا قاطبة، واثبتوا في ذلك كم باتت الشعارات الوطنية عبثية، حتى في صفوف اليمين، الذي جعل يستخدمها لما تنطوي عليه من عنف اكثر من كونها ذات محتوى وطني.

ان عناصر الثقافة بعد  الحرب لم تكن جديدة فتم تواصلها مع الماضي، اذ كان باكونين قد اعترف في ما مضى قائلا: ” لا اريد ان اكون انا، اريد ان اكون نحن”.([245])

في حين ان نيتشاييف مضى يبشر بإنجيل “الانسان الملعون” الذي ليس له مصالح شخصية، ولا شؤون خاصة، ولا مشاعر، او ارتباطات او ملكية وليس له حتى اسم يخصُّه بالضبط.”([246])

وتلك كانت الغرائز المعادية للانسانية، والمعادية لليبراليين، والمعادية للفردانيين والمعادية للمثقفين، الغرائز التي اثارها جبل الجبهة الذي ما ونيّ يمدح العنف مدحا طناناً وروحيا ويعلي من شأن القوة والقساوة والحال ان النخبة الامبريالية كانت اثبتت، في ما مضى، بصورة خرقاء  ولكن “علمية”، ان صراع الكل ضد الكل انما هو مبدأ الكون، وان التوسع الاستعماري هو ضرورة نفسانية قبل ان يكون وسيلة سياسية، وان الانسان ينبغي له ان ينقاد وفق قوانين كونية مماثلة.([247])

هذا التحالف بين النخبة والرعاع كان يهدف لتدمير المجتمع الراقي، لكن بعد ان استولت الحركات التوتاليتارية على السلطة، اخذت تعمل على إزاحة كل فريق المتعاطفين هؤلاء، أنّى تسنى لها ذلك، وذلك قبل ان تمضي الانظمة الى اقتراف جرائمها الافظع. اذ ان المبادرة الفكرية والروحية والفنية توازي بخطورتها مبادرة الرعاع الى الجريمة، كما ان كلا منهما أخطر بكثير من المعارضة السياسية المحضة. إن الاضطهاد المتواصل والمنظَّم الذي ما لبث يمارسه قادة الجماهير الجدد ازاء كل اشكال النشاط الفكري العليا، يستمد تسويغه من علل اعمق من مجرد إحساسهم الطبيعي ازاء كل ما يعجزون عن فهمه. ذلك ان الاستبداد الكلي لا يتسامح ازاء المبادرة الحرَّة في اي من مجالات الوجود، ومن الطبيعي بالتالي، الا يتسامح إزاء اي نشاط لا يسعه التنبؤ به. حتى اذا بلغت التوتاليتارية السلطة، أبدلت كل المواهب  الحقَّة، اية كانت درجة تعاطفها معها، بهؤلاء  الحمقى الذين يُشكل افتقادهم الى الذكاء والروح الخلاّقة، خير ضمان لولائهم.([248])

ان تنبؤات ماركس المتفائلة، والتي تختفي بمقتضاها الدولة مفسحة في المجال امام مجتمع دون طبقات، لم تكن اكثر تطرفا ولا اكثر رسالية مما شرعت في الدعوة اليه الحركات التوتاليتارية.

واذا كان بردياييف محقاً اذ يقول ” بأن الثوريين الروس كانوا توتاليتاريين على الدوام”، فلأن الجاذب الذي مضت روسيا السوفياتية تمارسه على رفاق الدرب المفكرين من النازية والشيوعية على السواء، كان مردّه الى ان “الثورة في روسيا كان ديناً وفلسفة ولم تكن محض صراع يتعلق بالجانب الاجتماعي والسياسي من الحياة”.([249]) والواقع ان تحول الطبقات الى جماهير وانهيار هيبة المؤسسات السياسية وسلطتها، كانا قد انشأ في بلاد اوروبا الغربية ظروفا مشابهة للتي كانت سائدة في روسيا. ثم انه ليس من قبيل المصادفة ان شرع الثوريون الغربيون بدورهم في اعتماد هذا التعصب الثوري، على النموذج الروسي الخالص، الذي يستدعي لا التبديل في الظروف الاجتماعية او السياسية، بل تدمير كل المعتقدات تدميرا جذريا، والقضاء على القيم والمؤسسات الموجودة. اما الرعاع فكانوا اكثر افادة من هذه الحالة الجديدة محققين تحالفا مؤقتا بين الثوريين والمجرمين، وهو تحالف كان قائما منذ زمن بعيد وسط ملل ثورية عديدة في روسيا القيصرية، غير انه كان مجهولا من قبل حلقة الشعوب الاوروبية وفي الحالتين كانت القوة والتهديد مرادفة للثورات .

ان الافراد المتذرين ساهموا في وصول الحزب النازي. كما ان تحالف الحزب البولشيفي والحزب الاشتراكي الثوري انجح ثورة 1917، فكيف تم ذلك؟

لقد نشأ الحزب البولشيفي في روسيا القيصرية في اواخر القرن الماضي في اوساط الانتلجنسيا المثقفة الثورية (التي خرج منها معظم الزعماء التاريخيين لثورة 1917، ثم نجح في كسب الطبقة العاملة الصناعية منذ ثورة عام 1905 . ولكن لم يكن لهذا الحزب جذور في الريف الذي كان لا يزال يضم الغالبية الكبرى من السكان. فكان الحزب الاشتراكي الثوري هو القوة الثورية المسيطرة على الريف. وانعكست هذه الاوضاع في صفوف سوفيات 1917. اغلبية بولشيفية في المدن، واغلبية اشتراكية ثورية في الريف.

الا ان التاريخ “الرسمي” الذي كتب فيما بعد في عهد الستالينية وهو المصدر المتداول في اليسار العربي – يخفي هذا الواقع. بيد ان الحزبين تلاقيا في معاداة النظام خلال الحرب العالمية الاولى، (كما عادت النخبة والشعوب الالمانية انظمتها في نفس الفترة)، ثم تحالفا اثناء الثورة على اساس تبني برنامج اصلاح زراعي جذري يتلخص في توزيع الارض الزراعية على جميع الفلاحين العاملين تقريبا على قدم المساواة. وجدير بالذكر ان هذا البرنامج لم يكن اصلا برنامج الحزب البلشفي، بل برنامج الحزب الاشتراكي الثوري. فالحزب البولشيفي نما بعيدا عن مشاكل الريف. فاكتفي في هذا الشأن حتى ثورة 1917 باعلان الموقف النظري للاممية الثانية، وهو الغاء الملكية الفردية للارض واحلال ملكية الدولة محلها.

وكان هذا الموقف ناتجا عن ظروف تطور الرأسمالية في الغرب المتقدم، حيث ازدهرت الرأسمالية المركزية على اساس ثورة بورجوازية (او اصلاح وتطور أديا في نهاية الامر الى الاوضاع نفسها) فقضت على الهيمنة الاقطاعية السابقة. وقد ادى ذلك الى هجرة واسعة للمدن صحبت حركة التصنيع الباكر، لدرجة ان سكان الريف اصبحوا اقلية قليلة. وترتب على هذا التطور من الجانب السياسي تخلي الفلاحين عن مواقفهم الثورية السابقة فأصبحوا ” رديف اليمين” ضد الثورة الاشتراكية المقبلة وتختلف هذه الامور عما كانت عليه في روسيا وعما لا تزال عليه في العالم الثالث المعاصر حيث لم تحدث ثورة برجوازية او تطور رأسمالي مركزي.

ان عبقرية لينين الثورية سمحت له بادراك هذا الفرق، فتبين فورا برنامج الاشتراكية الثورية واتخذ ” مرسوم الارض” المعروف وبنى تحالفا “فلاحيا متيناً ثم استمر هذا التحالف خلال عقد العشرينات على ان الحزب البولشيفي لم يتحرر تماماً من ايديولوجيا “المعاداة للفلاحين” السائدة في الاممية الثانية، الامر الذي يفسر في نهاية الامر قراره التعسفي اللاحق، اي خيار ستالين في اوائل الثلاثينات احلال الجمعيات التعاونية المتقدمة ” الكولخوز” محل نمط الانتاج العائلي. ومن المعروف ان هذا التحول اقتضى قمع معارضة الغالبية العظمى من الفلاحين وليس معارضة اقلية ” الكولاك” كما يدعي التاريخ السوفياتي الرسمي. فكان الهدف الحقيقي لعملية انشاء الجمعيات تمويل التصنيع، من خلال اخضاع الفلاحين لنظام ” تسليم الانتاج الاجباري” وهو في حقيقة امره استغلال وهذا ما ادى الى ازمة زراعية عنيفة عانى منها الاتحاد السوفياتي كما ان كسر التحالف الشعبي هذا ادى الى القضاء على الديقمراطية الشعبية الثورية التي كانت تسود في الاتحاد السوفياتي قبل الثلاثينات وأرسى التوتاليتارية حيث عمل ستالين على بلورتها.

فاذا كان  تحالف – النخبة الشعب اسقط الدولة الديمقراطية في المانيا واذا كان تحالف الاحز اب (العمالية – الفلاحية) انجح ثورة 1917 في روسيا فان ثورة تشرين 1963 السورية كانت انقلابية عسكرية فتم التحالف ضد الدولة بشكل سلبي، تحالف، كل طرف فيه لديه اهداف منفصلة عن الاخر.

2- النظام السوري والتوتاليتاريّة:

2-1 الانقلابات والاستيلاء على السلطة:

لقد  خطط حافظ الاسد هو ورفاقه في اللجنة العسكرية للاستيلاء على السلطة في سوريا، عن طريق انقلاب عسكري تقليدي، بمعنى ان يتم تجميع زمرة من الضباط تتمكن في اليوم المحدد من توجيه ضربة على درجة من القوة بحيث تطيح بالحكومة. ولكن نظرا لعدم توفر حركة جماهيرية ثورية تحت امرتهم فقد كان عليهم ان يحصروا خطتهم في نطاق الحدود الضيقة لنادي الضباط والثكنات المتمردة التي كانت هي مجال العمل السياسي للقوات السورية المسلحة منذ 1949.

وكان ثمة اساليب مألوفة للانقلابات السورية : فالمتآمرون كانوا يعلمون ان عليهم ان يسيطروا على الكسوة وقطنا فهما المعسكران اللذان يحميان المشارف الجنوبية للعاصمة دمشق وان اللواء المدرع السبعين هو اداة جوهرية، وان حمص التي هي مقر الكلية العسكرية ينبغي تحييدها، وانه يجب الاستيلاء على اذاعة دمشق لإعلام الشعب بان عهدا جديدا قد بدأ، فكل ثورة تحترم نفسها لا بد لها من بيان رقم “1” مصاغ بلغة مثيرة.

ورغم ان اعضاء اللجنة انفسهم كانوا خارج الجيش بسبب التشكيلات بعد الانفصال عن مصر، وغير ذوي تجربة، وفي سن غضّة (كان عمر حافظ الاسد يومها واحدا وثلاثين عاما)، الا ان هدفهم لم يكن بعيد المنال. كان النظام الانفصالي الذي استهدفوا اسقاطه يرتكز على طبقات ومصالح اضعفتها التقلبات العنيفة منذ الاستقلال: كحرب فلسطين، والانقلابات العسكرية التي تلتها، وصعود الاحزاب الراديكالية، والهزة التي احدثها اتحاد مصر وسوريا. فالرئيس القدسي ورؤساء الوزارات الثلاث الذين خدموا في ظله خلال الثمانية عشر شهراً التي عمّرها نظام الانفصال – (وهم الدكتور معروف الدواليبي، والدكتور بشير العظمة، وأخيرا خالد العظم الذي كان قد اصبح عجوزا ومريضا) قد فقدوا ارادة ممارسة الحكم الى حد كبير. وقال الاسد فيما بعد: ” كانت حكومة بلا شعب، وبلا جيش، كان حكمهم حكم طبقة انتهت ايامها”.([250])

وكانت هذه هي آخر مرة يظهر فيها في الحكم وجهاء المدن الذين ظلوا طيلة عهد الاتراك والفرنسيين وسنوات الاستقلال الأول، هم أسياد سوريا الحقيقيون ولكن منذ 1962 لم يعد باستطاعتهم السيطرة على اجهزة الدولة، ناهيك عن هيئة الضباط، كما لم تكن لديهم القوة لقمع اعدائهم القدامى مثل البعث الذي راح ينتظم من جديد.

وكان على القدسي ايضا ان يتحمل وطأة غضب عبد الناصر. فقد راحت اجهزة دعاية القاهرة تشن على الحكومة السورية هجمات يومية صاخبة، بينما انصبت في سوريا عبر الحدود اللبنانية النفّاذة، الاموال والمتفجرات وشيكات العملاء المصرية واصبح التدخل المصري سافرا الى درجة ان سوريا اشتكت عبد الناصر، الى جامعة الدول العربية. ولكن تهديد عبد الناصر  الغاضب بالانسحاب من الجامعة اذا أيّدت الشكوى المقدمة ضدّه، قد سحق الموضوع وترك نظام القدسي الكسيح يواجه عجزه بنفسه.

وهكذا تبيَّن ان الاطاحة بمثل هذا النظام المترنح لن تكون صعبة الى حد الاستحالة. الا انه كان يتعين على اللجنة العسكرية ان تجد حلفاء مناسبين، وكان الضباط حينذاك منقسمين الى خمس فئات رئيسية: فهناك فئة ما يسمون بـ ” الضباط الدمشقيين” الذين حطموا الوحدة والذين كانت معنوياتهم قد بدأت تنهار تماماً كمعنويات الحكومة التي جاوؤا بها، ثم فئة اكرم الحوراني التي حشرت بعض مواقعها منذ قضية توقيع الحوراني على البيان الانفصالي، ثم فئة الناصريين وهي كثيرة العدد وكانت تمسك بمناصب قيادية هامة ولكن كان لها وضع شاذ باعتبار ان الحكومة التي تخدمها كانت على اسوأ علاقة ممكنة مع الزعيم المصري، ثم هناك فئة المستقلين الذين لا يرفعون رآية احد، واخيرا فئة البعثيين التي تنتمي اليها اللجنة العسكرية السرية.

ثم تساءلت هذه اللجنة مع اي فئة يمكنها ان تتحالف ؟

“فالضباط الدمشقيون” هم العدو والحورانيون لا يمكن الاقتراب منهم ايضا لا لانهم انحازوا الى الانفصاليين وانما لان اللجنة العسكرية كانت ترمي فيهم المنافسين لها، وهكذا لم يبق امامها سوى الناصريين والمستقلين وكانت نتيجة المفاوضات السرية ان تجمعت عصبة مؤلفة من ستة رجال في اواخر 1962 وهم: الاسد وعمران وجديد والحريري وقطيني والصوفي ولكن كانت لديهم اهداف مختلفة. فالحريري يريد انقاذ مستقبله لانه على خلاف مع السلطة. والناصريون يريدون اعادة عبد الناصر، بينما كانت اهداف اللجنة العسكرية اكثر تعقيدا وطموحاً، فهي وحدها بين الفئات الاخرى كانت تملك كيانا متماسكا، وقيادة موحدة وبرنامجاً. فهي تهدف اولا الى اعادة البعث الى السلطة وثانيا الى ان يضع اعضاؤها انفسهم على طريق الصعود من جديد، وبعد ذلك فقط ينظر في امر قضية الوحدة العربية الى الامام ولكن ما لبث ان تحقق نصر الانقلاب في ليلة 7-8 آذار 1963 حتى قام البعثيون بانقلاب آخر ضد الناصريين في 2 ايار من نفس السنة وبعد ان انهت اللجنة العسكرية الناصريين كان هدفها التالي والاكثر سهولة هو مجموعة الضباط المستقلين الملتفين حول اللواء زياد الحريري الذي كان قد صار وزيرا للدفاع ورئيساً للاركان كذلك. وعندما غادر الحريري  القطر في 23 حزيران 1963 على راس وفد الى الجزائر استغلت  اللجنة العسكرية غيابه لتقوم بتطهير ونقل خمسة وعشرين من اهم مؤيديه، وعرضت على الحريري نفسه كمكافأة ترضية، وظيفة ملحق عسكري في واشنطن، ولكنه اختار التخلي عن السياسة والتقاعد في المنفى وبهذا اصبحت اللجنة العسكرية السريّة هي التي تدير شؤون البلد فعليا مع الابقاء على نفسها خارج دائرة الضوء ووضعت واجهة حكم للنظام بصورة مدنية تديرها كما تشاء .

وبدأ العمل على اعداد الجماهير وادخال العقيد الى الجيش لخلق ” الجيش  العقائدي” وانشاء الشرطة السرية واحتقار الديمقراطية البرلمانية.

ولم يمضي وقت طويل حتى تم الامساك بقيادة حزب البعث والقضاء على الطبقات، بتحطيم قوة ونفذ النخبة من أبناء المدن، وتأميم الشركات، فالنظام التوتاليتاري يحوّل الطبقات الى جماهير على الدوام ويضع بديلا من نسق الاحزاب، حركة جماهيرية تنقل مركز السلطة من الجيش الى الشرطة السرية .

فكانت الخطوة الاولى وضع المنطلقات النظرية، ووضعت الوثيقة ذات الصفحات الستين التي تبنّاها المؤتمر واعدها الحلفاء الماركسيون للضباط ولاسيما ياسين الحافظ وكان عنوانها فخماً وطناناً: “بعض المنطلقات النظرية”.([251]) وقد اشغل ضباط اللجنة انفسهم بالمقاطع الخاصة بالعلاقات بين الحزب والجيش فقد كانوا حساسين من تهمة اختطاف حزب عفلق التي وجهت اليهم وأُعلِنت المنطلقات واعتبرت ان تشبُّع الجيش بالعقيدة السياسية لا يقل اهمية عن التدريب العسكري نفسه.

ورفّعت تلك المنطلقات النظرية الحزب رسميا الى مكانة الحزب القائد في المجتمع السوري الذي تلتف حوله المجموعات والقوى السياسية ذات التفكير المماثل والمكانة التي تلي وتتبع البعث، من العمال، والفلاحين والطلبة والنساء والشبيبة وما شاكل باعتبارها ادوات بناء ” الديمقراطية الشعبية” التي استهدف البعث انشاءها. وبالمقارنة مع ذلك هوجمت الديمقراطية البرلمانية على الطراز الغربي باعتبارها مجرد واجهة ” للاقطاع” والبرجوازية الكبيرة ورفضت باعتبارها  عاجزة عن فتح الطريق للتحول الاشتراكي. وهكذا زُرعت بذور مؤسسات ستقوم في دولة  البعث في وقت لاحق كما وضِعت الاسس النظرية لحرب قاسية على وشك ان يشنها القادمون الجدد على طبقات الملاك في المدن.

نستطيع ان نلاحظ ان الطريقة التي تم فيها القضاء على الطبقات هي اقرب مشابهة للنموذج الروسي منها للنموذج الالماني حيث كانت الظروف التاريخية هي التي مهدت السبيل امام النازيين لصنع ديكتاتوريتهم  الخاصة على ان الظروف التي مرت بها المانيا في المرحلة السابقة لهتلر هي ادل على المخاطر التي يتعرض لها الغرب بصورة ضمنية (الانهيار المأساوي في منظومة الطبقات). بينما جعلت الاحداث في روسيا تعيِّن بوضوح الوجهة التي يمكن ان تسلكها الانقلابات الثورية المحتومة في بلدان آسيا. وفي حين ان الجماهير كانت اساس في نجاح الحركة التوتاليتارية في المانيا كما كانت وسيط لوصول البولشيفيين الى الحكم (قبل ان تنحرف الديمقراطية الشعبية الثورية  التي كانت مبنية على تحالف الحزب البولشيفي والحزب الاشتراكي وتتحول الى توتاليتارية بطريقة مصطنعة ومركّبة).

الا انه في النموذج السوري لم تتوفر حركة جماهيرية مماثلة مشاركة في انجاح ثورة 1963، فلقد كان مجرد انقلاب عسكري تقليدي.

كما ان مبداء الفردنة المرادف للمجتمعات الحديثة قد تطور الى قمة التذرر Atomization في المانيا والشعور بالعدمية الامر الذي عمل على خلقه ستالين خلقا اصطناعيا في سبيل ان يحوِّل الديكتاتوريه الثورية التي ارساها لينين الى نظام توتاليتاري كليا الامر الذي عمل على تحقيقه ايضا النموذج السوري ولكن لطالما كانت الحركات التوتاليتارية احوج الى ظروف خاصة تكون فيها الجماهير مفتتة ومشظاة منها الى غياب بنية بطريقة مصطنعة في مجتمع يتشكل من الجماهير حيث التفريع الاجتماعي في الاساس، غائب، في مجتمعات لم تنتقل الى التوتاليتارية من رحم البورجوازية.

2-2 السير على طريق التوتاليتاريّة:

2-2-1 الدعاية التوتاليتاريّة: (العدو الوهمي):

من اجل إبطال العقائد القديمة وإزالة المفاهيم الليبرالية، تستخدم الحركات التوتاليتارية الدعاية السياسية للقيام بالتلقين العقائدي ” ففي سوريا الاسد تحقق التشابه النمطي في الصحافة وفي اجهزة الاعلام وفي منظمات الحزب الشعبية كما اخذت منظمة طلائع البعث (الاجبارية بين سني السادسة والحادية عشرة) واتحاد  شبيبة الثورة (لطلبة المدارس بين سني الثانية عشرة والثامنة عشر، وليست اجبارية ولكنها تعطي منتسبيها امتيازات كبيرة) واتحاد الطلبة تسعى كلها لتشكيل الاذهان الشابة حسب القالب البعثي”.([252])

واعادة تسييس الناس من خلال طرح شعار الوطن في خطر.([253])

“وبما ان الاسد كان يهدف لان يكون قائدا عربيا كان يقول: قبل 1970 كانت هناك قطعية شبه تامة بيننا وبين العرب الاخرين ورغم اننا كنا نقول ان القضية هي قضية العرب فاننا لم نكن نعطي العرب فرصة المشاركة فيها. وكان بعض زملائي يشجبون دولا اخرى بطريقة غاية في التعصب، بينما كنت اؤمن بقوة بانه يتحتم علينا تشجيع العرب الاخرين ليلعبوا دورهم لا ان نكون معرقلين للجهد العربي المشترك. فمهما تكن الخلافات بين الانظمة، فالعرب انما يواجهون خطرا مشتركا “.([254])

لذا على الشعب ان يكون دائم التأهب وبالتالي يجب ألا ان يبقى احد بمعزل عن التعاطي بالشأن العام.([255])

” ولم يكتف الاسد بالمناداة بفتح الحزب امام اعضاء جدد وباستقطاب حلفاء سياسيين، بل كان يريد ايضا ايجاد الوسائل الكفيلة بضم افراد الشعب الى الجهاز السياسي”.

اذا شعار الوطن في خطر يفترض اقامة عدو وهمي ” فالتوهم الاكثر فعالية في الحملة الدعائية النازية كان ابتداعها وجود مؤامرة يهودية عالمية”.([256])

وان اعادة تسييس الجماهير اذا لا تتم الا من خلال تسليط الضوء على عدو وهمي يهدد كيان الوطن بأسره، لذا اعتبر الناس انه من الامان ان ينتسبوا الى تنظيم شبه عسكري. إنَّ نهج التوتاليتارية الهادف الى إبادة عدو الوطن لا يعمل تماما الا حين تستلم الحركات السلطة وتسيطر على الحكم داخل البلاد فالدعاية النازية مثلا وبالنسبة لقادة الحزب كانت اولى الامم التي إتضحت لها لعبة اليهودي وهاجمته لتحتل مكانته في سيادة العالم. اذاً الايهام بوجود مؤامرة يهودية شكل القاعدة التي قام على اساسها مشروع السيطرة الالمانية على العالم.([257])

ان من اهم دعاوات الحركات التوتاليتارية هو العالم الوهمي التي تؤسسه على وجود عدو يهدد الامه وانصهار الجماهير وانخراطهم بالشأن العام اذ يصبح على عاتق كل منهم واجب انقاذ الوطن وفي اللحظة التي تسقط فيها الحركة التوتاليتارية يسقط فيها العالم الوهمي الذي جمع الجماهير ليعودوا افراداً معزولين بانتظار وهم جديد.([258])

2-2-2 الارهاب وقيادة الحزب:

ممارسة الارهاب واعمال العنف تمنح الامان والحماية لاعضاء الحزب فيبدو لهم العنف المنظم وسيلة بوجه العالم الخارجي. فالجرائم التي ارتكبها النازيين كانت تتم على العلن فمفهوم الدولة حسب هتلر لم تكن سوى وسيلة لانقاذ العرق.([259]) لذا كانت ارادة الفرهرر بمثابة القانون الذي ينظم الدولة([260]) وتكمن مهمته الاساسية في الدفاع ورد العدوان عن القائد من قبل العالم الخارجي وبنفس الوقت يشكِّل الجسر الذي يربط العالم الخارجي بالحزب. الوسيلة الاهم التي يستخدمها القائد هي العنف المبرر من خلال الدعاية السياسية، اذ يجب ان يتمتع بالقدرة على خداع الراي العام0 ” في ربيع عام 1980 انفجرت القاعدة الوطنية في سوريا في وجه الرئيس الاسد على اثر الحوادث الارهابية فألقى بنفسه في المعمعة وبدا وكأنه يخلِّص نفسه من العزوف عن الاتصال بالجمهور فقد ظهر الاسد كخطيب مسرحي في غضبه وتحديه، قادر على إلهاب حماسة مستمعيه ليلة بعد اخرى. ففي 8 اذار عام 1980 في الذكرى السابعة عشرة للثورة اعلن الاسد إيمانه بالاسلام إعلاناً طناناً كان واضحاً انه يأمل منه ان يرتدي عباءة خصومه: فقال: “نعم ! انني اؤمن بالله وبرسالة الاسلام، لقد كنت ولا ازال وسأبقى مسلما، تماما مثلما ستبقى سوريا قلعة شمّاء ترفع رآية الاسلام عالياً! ولكن اعداء الاسلام المتاجرين بالدين سوف يكنسون بعيداً.”([261]) وعلى غير عادته في السابق وجه للأمة خطباً رنّانة أخرى في 11 و 17 و 22 و 23 و 24 اذار مارس، وغيرها كذلك في نيسان امام تجمعات ملتهبة في المنظمات الشعبية المختلفة من عمال وفلاحين وحرفيين وشبيبة ونساء ومعلمين وكتّاب وطلبة ورياضيين ودعا الى استخدام ” العنف الثوري المسلح” ضد العنف الرجعي المسلح فصفّقت له ألوف من الشبيبة والنساء وهتفوا لتحيته وقوفاً”.([262])

 2-2-3 التوتاليتارية في السلطة:

إن الصراع من اجل السيطرة التامة على كل شعوب الارض وازالة كل واقع غير توتاليتاري يلازمان وجود المنظمات التوتاليتارية فهذه الحركات تضع حكم الكون غاية نهائية لها، لئلا تفقد السلطة التي جهدت لامتلاكها، كما ان الفرد المعزول عن العمل السياسي لا يمكن السيطرة عليه الا من خلال نظام شامل يحتويه ويمد سيطرته على الكون ككل.([263])

سعي الحركات التوتاليتارية الى السلطة يفترض أمران:

  • نقل مركز السلطة الفعلي الى الحزب المسيطر او تفريغ الدولة من مركز القرار الفعلي Déplacement du pouvoir .

  • الشرطة السرية (المخابرات) La police politique

إن المنهج الاساسي الذي من خلاله تعمل الحركات التوتاليتارية هو انتزاع مركز القرار من السلطة القائمة لتصبح بيد الحزب الحاكم حيث يتم إقامة قيادة عامة. (فالصراع البعثي – القومي السوري تحوّل الى عنف عندما اغتيل العقيد البعثي البارز عدنان المالكي في نيسان / أبريل 1955 خلال مباراة لكرة القدم على يد رقيب علوي في الشرطة العسكرية هو يوسف عبد الرحيم الذي اغتيل هو نفسه على الفور على يد علوي آخر وسرعان ما تبين ان قاتل المالكي هو عضو في الحزب القومي السوري وقد أتاح ارتباط القاتل بالحزب للبعثيين والشيوعيين شنّ حملة ضد الحزب القومي السوري وتحطيمه في موجة من الاعتقالات والمحاكمات بتهمة الخيانة وكانت المطاردات شاملة وعنيفة الى درجة ان كثيراً من العلويين البارزين ومعظمهم ممن لم تكن لهم علاقة بالحزب القومي السوري،  وجدوا ان من الحكمة الهرب الى لبنان للتخلص من القمع وكان من بينهم الشاعر – السياسي بدوي الجبل،  أول علوي يحتل منصباً في وزارة سوريا، وأدت حملة التطهير هذه الى ترجيح الميزان لصالح ضباط البعث بشكل حاسم، وقد احيطت ظروف مقتل المالكي فيما بعد بشكوك كثيرة، فقد سرت اشاعات تقول ان المخابرات المصرية، التي كانت تعمل من خلال آمر الشرطة العسكرية آنذاك أكرم الديري، هي التي رتّبت عملية الاغتيال في سبيل إيجاد مبرر لتحطيم الحزب القومي السوري، وكان لاغتيال المالكي نتائج حاسمة في تاريخ سوريا الحديث،  فبعد إزاحة خصمه الرئيسي وجد حزب البعث نفسه اكبر قوة في القوات المسلحة.([264]) ثم ما لبث هذا التحالف بين البعثيين والناصريين والشيوعيين ان تحول الى صراع بعد ان انفصلت سوريا عن مصر سنة 1961 واحتدم هذا الصراع عام 1963 إثر الاطاحة بنظام القدسي وكان انتصار البعث في هذا العام في كل من دمشق وبغداد يهدد بأن يحشر عبد الناصر بين المطرقة والسندان كما قال الاسد، ويتابع الرئيس: فإذا اتحدت دمشق وبغداد فإن نفوذ عبد الناصر سينحسر عن آسيا العربية وهو امر سيء بالنسبة لزعيم فرض سلطانه على امتداد العالم العربي واعترف بذلك أعداؤه قبل أصدقائه، وبالنسبة للبعث كان الرهان عاليا،ً فبعد عشرين عاماً من النضال السياسي اتيحت له فرصة الحكم، ولذلك فقد قدر لعبد الناصر والبعث ان يكونا خصمين، وكانت الوحشية الكامنة تحت علاقاتهما – بادئ بدء – مقنَّعة ومغلَّفة بالتظاهر. فعلى السطح كانا مشتركين في فلسفة قومية كما كانا منتمين الى الوطن العربي المتحرر على عكس الملوك والامراء الذين كانا يعتبرانهم مقيدين بالاستعمار تقيداً لا أمل منه، واشتركا معاً بقواهما للإطاحة بالانفصاليين في دمشق والاقليميين في بغداد.([265])

ويتابع الرئيس الاسد ليقول: كان عبد الناصر يكنُّ لقادة البعث نفوراً شخصياً قوياً وهي مشاعر كانت متبادلة بوفرة. كان يسخطه إدعاؤهم بأنهم كانوا رواد الافكار القومية العربية التي احتضنها وسمّاها هو فيما بعد وكان يكره تذكيره بأن البعث قد لعب في منتصف الخمسينات دوراً كبيراً في اقناع مصر بأن تتبنى العروبة سياسة رسمية لها لقد كان معتاداً على الاستخفاف بعفلق والبيطار باعتبارهما منظرين سياسيين لا تأثير لهما ولكن نجاح الحزب في العراق وسوريا أرغمه على ان ينظر اليهم بجدية اكثر باعتبارهم المقاومة الرئيسية المنظمة لهيمنة الشخصية ولذلك ارتأى ضرورة تحطيمهم.([266])

كانت القوة الناصرية تقوم على بضع عشرات من الضباط وثلاثة تجمعات سياسية مدنية كان اهمها حركة القوميين العرب.([267]) وهي حزب قومي عربي يعتقد بأنه لا غنى عن زعامة عبد الناصر وقد كبر الحزب بسرعة فائقة خلال الاشهر الثمانية عشر السابقة لدرجة انه تمكن في عام 1963 من جلب أعداد كبيرة من مناضليه الشباب الى الشوارع وكانت هذه الحركة اخطر منافسي البعث في سوريا والعراق وفي معظم الاقطار العربية، إذ أنها كانت تنظم في صفوفها بصورة رئيسية السنيّين من يمين الوسط ذوي المنحى القومي وجد الاسد ورفاقه في أعمال الاهتياج التي عمد اليها مؤيدو عبد الناصر نذير خطر فقاموا بعمل ما يمكن ان يوصف بأنه انقلاب آخر ما بين 28 نيسان و 2 أيار 1963 قاموا بتسريح اكثر من خمسين من الضباط الموالين لمصر، مما حدا بالناصريين البارزين وزير الدفاع محمد الصوفي ونائب رئيس الاركان راشد القطيني على الاستقالة من مجلس قيادة الثورة احتجاجاً على ذلك ولحق بهما خمسة وزراء ناصريين ومن ثم نظم الناصريون اضطرابات واسعة النطاق في دمشق وحلب يومي 8 و 9 ايار.

وهنا طلبت اللجنة العسكرية من وزير الداخلية امين الحافظ ان يقمع الاضطرابات ويعيد النظام فكان ان قتل خمسون شخصاً بالرصاص واغلقت مكاتب حركة القوميين العرب واغلقت جريدتهم فهرب بعض أعضائها وألقي القبض على الاخرين وحكموا بالسجن لمدة طويلة وتم تطهير القطاعات العامة من الموالين لعبد الناصر وحل محلهم بعثيون.

وكانت الأحاديث التي دارت في دمشق هي ان أمين الحافظ قد تعلم اساليب القمع البوليسي خلال فترة وجوده في الارجنتين. وعندما تحرك البعث العراقي ايضاً ضد الناصريين لم يبق لدى أي أحد شك في أن برنامج الحزب في سوريا والعراق هو الامساك بالسلطة دونما شريك وأصبح أي تفاهم مع عبد الناصر غير وارد ابداً وأضحت المسألة بالنسبة للبعثيين هي ان يكونوا إما قاتلين او مقتولين.

وفي 18 تموز 1963 قام الناصريون بقيادة جاسم علوان وبدعم من حركة القوميين العرب والمخابرات المصرية بهجوم في وضح النهار على محطة إذاعة دمشق ومبنى الاركان العامة. فخرج أمين الحافظ ليقود عملية الدفاع مما أدى الى قتل وجرح المئات وكثير منهم أبرياء وقعوا بين نيران المشتبكين وذلك قبل وصول دبابات البعثيين وعناصر الحرس القومي وسيطرتها على الموقف وتمكن علوان من الافلات وخلال ساعات مَثُل سبعة وعشرون ضابطاً امام محاكم عسكرية وأعدموا على الفور في نفس الزمان والمكان وكان ذلك خروجاً عن عرف يقضي بنفي الخاسرين الى سفارات في الخارج وفي 22 تموز هاجم عبد الناصر البعثيين السوريين ووصفهم بأنهم فاسقون وقتلة وأعلن رسمياً انسحابه من اتفاقية 17 نيسان القاضية بإقامة الوحدة الثلاثية وكان  الافتراق النهائي.

هل كانت اللجنة العسكرية التي قامت بانقلاب 63 تتنبأ بأن الامور ستصل الى هذا الذي وصلت اليه؟  ان نهاية العلاقة مع عبد الناصر جاءت معمدة ببحر من الدماء،  إذ يبدو ان السلطة لا يمكن الحفاظ عليها الا لقاء مذبحة لم تعرف سوريا لها مثيلاً منذ الكفاح ضد الفرنسيين. وخلال إقامتهم في مصر كان أعضاء اللجنة الخمسة يصفون انفسهم بأنهم وحدويون متحمسون وكان الهدف المعلن للجنتهم بل مبرر وجودها هو الدفاع عن الوحدة ومع ذلك فإنهم عندما جوبهوا بالخيار بين احياء الوحدة وبين احتفاظهم بالسلطة لم يترددوا في الاخذ بالخيار الثاني.([268])

والمهم ان حزب البعث قد أًصبح الحزب الحاكم من دون منازع في سوريا، إذاً ان انتزاع مركز القرار من السلطة القائمة لتصبح بيد الحزب الحاكم هو المنهج الذي تعمل من خلاله الحركات التوتاليتارية ويتم إقامة قيادة عامة. فتصبح العلاقة بين مصدري السلطة “الدولة والحزب ذات وجهين علاقة ظاهرة وعلاقة واقعية إذ لا يعود الجهاز الحكومي سوى واجهة تتوارى خلفها السلطة الواقعية التي يمارسها الحزب.([269])

ففي سوريا بعد انقلاب 63 وسيطرة اللجنة العسكرية أصيب العقيد أمين الحافظ بذهول حينما وجد نفسه يُرقّى الى رتبة فريق ويعهد اليه بمنصب وزير الداخلية بالرغم من انه لم تكن له اية علاقة بالحزب ولا باللجنة العسكرية. كانت اللجنة تريده ان يكون الواجهة لها وتبقى هي التي تحرك الخيوط من ورائه.([270])

وبعد ان انهت اللجنة العسكرية الناصريين كان هدفها التالي والاكثر سهولة هو مجموعة الضباط المستقلين الملتفين حول اللواء زياد الحريري الذي كان قد صار وزيراً للدفاع ورئيساً للاركان كذلك وعندما غادر الحريري القطر في 23 حزيران / يونيو 1963 على رأس وفد الى الجزائر استغلت اللجنة العسكرية غيابه لتقوم بتطهير ونقل خمسة وعشرين من أهم مؤيديه وعرضت على الحريري نفسه كمكافأة ترضية وظيفة ملحق عسكري في واشنطن ولكنه اختار التخلي عن السياسة والتقاعد في المنفى بباريس.([271])

وجلب خروج الحريري مزيداً من المناصب والمسؤوليات لأمين الحافظ، فأصبح وزيراً للدفاع الى جانب منصبه كوزير للداخلية وكذلك نائباً للحاكم العسكري ورئيساً للاركان بالوكالة وفي الوقت نفسه ولإيجاد حماية ضد أية اضطرابات في الشوارع، انشأ البعث السوري الحرس القومي وهو تنظيم شبه عسكري في 30 حزيران على غرار الحرس القومي الذي كان ميليشيا للحزب في العراق، وأوكلت قيادته الى حمد عبيد، عضو اللجنة العسكرية.([272])

إلا ان هذه المناورات الوحشية كانت بالتأكيد اكثر مما يطيقة آخر الباقين المستقلين في مركز السلطة اللواء المهذب لؤى الاتاسي رئيس المجلس الوطني لقيادة الثورة والقائد العام للقوات المسلحة.  ولما كانت اللجنة العسكرية حريصة على إبقاء نفسها خارج دائرة الضوء وتتجنّب ان تظهر للسوريين من هم حكامهم الحقيقيون، فقد الحّت عليه أن يبقى إلا انه أصرّ على الاستقالة وهنا اختارت اللجنة العسكرية ان ترفّع من جديد امين الحافظ – المغرق بالمناصب – كي يشغل المناصب الجديدة التي شغرت وان تضمه الى اللجنة التي كانت هي مركز القيادة الحقيقي للسياسة السورية ويستذكر الاسد قائلاً: ” لقد قمنا بتنظيمه في ذلك الوقت على ان ينضم الى لجنتنا ليس لانه كان مهماً، ولكن لان قائد الجيش يجب ان يكون حاضراً عندما نناقش الامور العسكرية.”([273])

إذاً هناك فروق هامة تتعلق بطبيعة الحزب والحكومة فبالنسبة للجنة العسكرية التي مسكت الحزب كان الرئيس امين الحافظ رجلاً من قش بدون قاعدة سياسية او خلفية حزبية فقد كانوا يمسكون بلجامه من خلف الكواليس حتى ان الاسد ذكر بأن أمين الحافظ ” لم يكن يستطيع نقل جندي واحد بدون موافقتنا “.([274])

ففي الدولة التوتاليتارية حسب حنا آرنت الجهاز الحكومي ليس سوى واجهة تتوارى خلفها السلطة الحقيقية وكل موظف إداري رئيسي كان يرافقه او يراقبه عضو من الحزب وبهذا ضمن النازيون سيطرتهم على الدولة. والادارة لا تكف عن تنقيل مركز السلطة الفعلي من تنظيم الى آخر.

إن مبدأ السلطة يتعارض مع مبدأ التسلط التوتاليتاري لذا فإن ما يميّز النظام التوتاليتاري هو غياب كل سلطة او تراتبية من شأنها ان ترسم شكل الحكم وهذا يظهر واضحاً من خلال غياب المستويات الوسيطة بين النفوذ الاعلى الفوهرر والمحكومين([275]) وهذا ما يفسر تعدد الاجهزة والغموض الذي يكتنف مصدر السلطة الناتج عن كون كل مواطن بات يشعر بنفسه في مواجهة مع القائد الذي يكلفه بتنفيذ الاوامر لذا فإن التبعية المباشرة امر واقع في النظام التوتاليتاري. مبدأ الفردنة او التذري Atomisation هو من مميزات النظام التوتاليتاري فلا يجب ان تنتمي قيادة الحركة الى فئة او زمرة معينة. فدكتاتورية هتلر وكذلك ستالين رأت أن عزل الافراد المتذرين لا يشكل قاعدة للحكم التوتاليتاري على مستوى الجماهير فقط بل ايضاً يمتد حتى قمة الحكم.([276]) ستالين أعدم من كان يتبجج بانتمائه الى الحكم هتلر كان يلجأ للتطهير بغياب التضامن بين من هم في السلطة كان واضحاً فالمهم ألا يكون هناك علاقات متبادلة بين الحكام انفسهم.([277])

من الواضح إذاً ان الانظمة التوتاليتارية لا تؤمن احتكار مطلق للسلطة فحسب بل تفرض خضوعاً أعمى في تنفيذ الاوامر.

ففي سوريا رأى الاسد نفسه وصياً على مؤسسات سوريا وحكماً بين المصالح المتنافسة وكان يقول “أنا رئيس البلد وليس الحكومة ”  وكان يقول إن سوريا تحكمها قيادة جماعية وإن كبار ضباطه وزملائه الحزبيين ووزرائه يرجعون اليه فقط كما يمكن ان يستشيروا أخاهم الاكبر، وهنا نسجل موقف شبيه لـ هتلر الذي كان مدركاً للصلة المتبادلة القائمة بين الجماهير والقائد والقائمة على إلغاء المسافة بين الحاكمين والمحكومين كوسيلة للسيطرة على الكائنات البشرية وإرهابها من الداخل حيث أعلن في خطاب له موجه الى رجال الشرطة الالمانية قائلاً:  “كل ما انتم عليه،  تكونونه عبري، وكل ما أنا عليه،  أكونه من خلالكم فحسب”([278]) ولكن هذه الفكرة كانت تطرح مسبقاً، وعلى الدوام،  انه وجود شخص في مركز القيادة، أعطي فكراً وإرادة، فيفرضهما على فريق يكون محروماً متهماً، وذلك بالاقناع، والسلطة او العنف. مع ذلك فقد اعتبر هتلر ان ” الفكر نفسه (لا يوجد) إلا بموجب اوامر نعطيها أو نتلقاها”.([279]) إذاً آثر هتلر ان يزيل التمييز، حتى في المستوى النظري، بين الفكر والعمل، كما بين الحاكمين والمحكومين.

أما الرئيس الاسد سلطته كانت من الاتساع وسيطرته على التفاصيل كانت من الاحكام بحيث إنه كان بلا شك صانع القرار النهائي في كل الامور صغيرها وكبيرها،([280]) وكان من المعروف عنه انه لا ينسى ولا يغفر الغدر او العصيان([281]) ولسبب وجيه صار الناس في الغالب خائفين من الخطأ ولم يعودوا يجرؤون على أخذ زمام المبادرة وكان من نتيجة ذلك ان طاولة الاسد راحت تئن من وطأة ثقل القضايا التافهة التي تراكمت عليها وهو يتذمر أحياناً: ” ليس هذا عمل الرئيس” ومع ذلك ففي مثل هذا النظام الشخصي، قد تكون هناك حاجة الى الحكم منه لحسم قضايا صغيرة تماماً فمثلاً: كتب طالبان في كلية الطب كتاباً،  وأمنا كلمة تقديم له بقلم طبيب بارز ثم دفعاه الى المطبعة – ولكن دون ان يحصلا اولاً على موافقة الهيئة التدريسية في كلية الطب بالجامعة كما تقضي بذلك التعليمات. فأراد عميد الكلية ان يفصلهما، وأراد وزير التعليم العالي ان يؤجل امتحانهما النهائي سنة، وتطلب الامر تدخل الرئيس لحل هذا الاشكال،([282]) وكانت أداته المفضلة في الحكم هي الهاتف.  في السبعينات كان يحكم عن طريق ترؤس الاجتماعات، ومصالحة الآراء المتعارضة، وبالتواجد جسدياً في مركز الاشياء أما في الثمانينات فقد أصبح بالنسبة لمعظم الناس صوتاً على الهاتف بلا جسد، واصبح حضوره الاجتماعات نادراً جداً ولكن موظفيه يعُون دائماً انه يراقب وسيلتقط سماعة الهاتف إذا كان اداؤهم قاصراً وبدا انه يقضي أفضل جزء من يومه على الهاتف، غير ان الاتصالات الهاتفية تبدأ منه دائماً وليس هناك سوى حفنة من الاشخاص، ربما لا يزيدون  على ثلاثة او أربعة من مسؤولي الامن لهم الحق في طلبه بالهاتف.  أما الآخرون بما فيهم حملة أعلى المناصب في البلد – فعليهم ان يقنعوا بإيصال الرسائل او تلقي التعليمات من خلال سكرتيره الخاص.  فرئيس الوزراء وأعلى القادة العسكريين والحزبيين ورؤساء مؤسسات الدولة يعيشون يقظين مستنفرين توقعاً لمكالمة هاتفية من المعلم.  فالرئيس يخبرهم بصراحة عندما يكون غير راضٍ عن عملهم وكانت طريقته الجازمة المقتضبة في هذه المكالمات تتناقض مع الاستطراد المتمهل في محادثاته مع الزوار الاجانب،([283]) ولكن في الحقيقة أصبح الوصول الى الرئيس مقياساً لمدى النفوذ. وصار هذا الوصول من أندر السلع التي يقيسها بعناية دقيقة وقد حافظ على التوتر بين مرؤوسيه من خلال جعل الوصول اليه والتحدث معه أقل أو أكثر صعوبة والظهور وكأنه يستمع الى احدهم باهتمام أكثر من استماعه لزملائه، ومنح عطفه ورعايته لواحد منهم اولاً ثم لأخر ولم يعد وزراء الحكومة يرونه سوى مرتين خلال مدة خدمتهم: مرة عندما يقسمون اليمين ومرة عند مغادرة المنصب وظهرت هوة كبيرة جداً فصلت الاسد على قمة النظام عن الرجل التالي له والذي راح يغيره من حين لآخر، وهوة اخرى ولكنها أصغر تفصل بين الشخص المقرب منه في وقت ما وبين بقية المجموعة الحاكمة.([284])

من الواضح تماماً انه كان نظاماً شخصانياً يفتقد الى التسلسل الهرمي في أجهزة الحكم ذو احتكار مطلق للسلطة وخضوع أعمى في تنفيذ الاوامر ولاستمرار الاحتكار مورست سياسة عزل الافراد والمسؤولين.

2-2-4 الشرطة السرية والحزب:

تقولHannah Arendt  ان التوتاليتارية وريثة تعدد الاحزاب تعمل على إزالة جميع الاحزاب القائمة والابقاء على حزب واحد الذي يمارس السلطة الفعلية في الحكم. كما ان هدف الانظمة ذات الحزب الواحد لا يقتصر على الاستيلاء على السلطة فحسب بل يتعداه الى استكمال التمثّل او التشابه التام ما بين الدولة والحزب، فبعد استلام السلطة يصبح الحزب نوع من هيئة تهتم بإطلاق الدعاية للحكم.

(وفي سوريا لإعداد الدعاية للحكم استخدم الرئيس الاسد احمد اسكندر احمد وعينه وزيراً لاعلام الاسد من اول ايلول / سبتمبر عام 1974 حتى وفاته في غير اوانه بسرطان المخ في 29 كانون الاول عام 1983 وكان معروفاً باختراعه لطقوس عبادة الشخصية وكان واحداً من أطول الوزراء بقاءً في منصبه خلال رئاسة الاسد وأقربهم اليه وكان صحفياً علوياً موهوباً من حمص وقد لفت نظر الاسد خلال حرب تشرين عندما كان يصدر مرتين كل يوم صحيفة اخبار يكتب فيها افتتاحيات ترفع المعنويات. وعندما ارتقى الى منصب وزير الاعلام قام بتنظيم وتنشيط اجهزة إعلام سوريا بتجميع الرجال السبعة المسؤولين عن الاعلام في فريق مترابط (وهم: مدراء الاذاعة والتلفزيون والصحف اليومية الثلاث: البعث، والثورة وتشرين ووكالة أنباء الدولة: سانا ومؤسسة الاعلان والتوزيع الصحفي) لزيادة تمجيد الاسد وكان مفتاح نجاحه هو قدرته على التقاط وتفهم اتجاه تفكير الاسد وتهيئة الرأي العام لتغيرات السياسة. وفي فورة اتقاد الحماس السياسي العربي يكون وزراء الاعلام شديدي الاهمية، وكان احمد اسكندر بالنسبة للاسد يشبه الى حد كبير ما كان محمد حسنين هيكل بالنسبة لعبد الناصر. أي وكيل النشر والاعلان وبوق الدعاية وصانع الصورة وكان الدليل على عبادة الشخصية هو تكرار الجميع لاسمه باستمرار، وصوره الضخمة المعلقة في المباني البارزة، وتماثيله العديدة التي أقيمت من أقصى البلد الى أقصاه كالتمثال البرونزي الثقيل الغارق في التفكير الجالس على مدخل مكتبة الاسد الجديدة التي افتتحت في دمشق عام 1985).([285])

إذاً فبعد استلام السلطة يصبح الحزب نوع من هيئة تهتم بإطلاق الدعاية للحكم وهو نسق كلي او شمولي بالمعنى السلبي للكلمة إذ لا يتسامح مع وجود حزب آخر أو معارضة وأية حرية للرأي العام.([286]) وبهذا تصبح كل المراكز الحكومية بيد أعضاء الحزب. لذا خلف واجهة الحكم الظاهري نجد نواة السلطة في الدولة بيد الشرطة السرية.

(ففي سوريا رأى الاسد ان يجعل الجيش وقفاً على البعث وحده، فهذا هو الشرط الاساسي لإقامة حكم مستقر في بلد غير مستقر بالوراثة وحسبما رأى الاسد فإن الهدف كان خلق الجيش العقائدي على نقيض الجيش المتدخل في السياسة الذي عرفته سوريا في الماضي ولتحقيق ذلك انكبَّ على خلق جهاز حزبي من الخلايا والفرق والفروع داخل القوات المسلحة على غرار الحزب المدني([287]) (الشرطة السرية) وقد استدعت هذه المهمة ان يقوم بزيارات لجميع الوحدات في أرجاء البلاد). وتضيف Arent بعد خلق الشرطة السرية يتم التركيز على الشرطة باعتبارها جهاز السلطة الاوحد وتجاهل دور الجيش وهذا ما يميّز الانظمة التوتاليتارية إذ تبرز النزعة التوتاليتارية الى حكم العالم، حتى لدى التعامل مع المتمردين وضحايا العدوان فإن الشرطة السرية هي التي تحكم الاراضي المحتلة وليس الجيش([288]) (ويبرز في سوريا الحد من سلطة الجيش بعد استيلاء الاسد على السلطة وكان طبيعياً ان يعطي الاسد القوات المسلحة اهتماماً خاصاً فهي الاسس الداعمة لدولته.  فالبلد الذي كان يطمح لادارته لا يمكن ان يعيش تحت تهديد الانقلابات التي أصيبت بها سوريا زمناً طويلاً. كان الاسد قد عمل – حتى قبل استلامه للسلطة – على تقوية قبضة الحزب من اجل بناء ما اسماه “الجيش العقائدي”، المثقف سياسياً والمتحرر من الطائفية. أما  الآن (1971) فقد بدأ يطوِّر هذا الاتجاه اكثر، فتعزز احتكار البعث للعمل السياسي في القوات المسلحة ووضعت تحت سيطرة الجيش بأحكام كل القوات شبه النظامية كقوات الصاعقة الفلسطينية، وتوسع الجيش نفسه الى درجة انه لم يعد بإمكان وحدة منه بمفردها ان تقوم بانقلاب. وأعطيت لضباطه امتيازات مالية وغير مالية، كما ان الاسد باعتباره قائداً عاماً احدث توازناً بين قادة الجيش المتنافسين، ومدّ هذا التوازن ليشمل قيادات قوى الامن والمخابرات،  وظلّ وحده يمسك بكل الخيوط).([289])

المهمة السياسية للشرطة السرية تكمن في الابقاء على الاعداء الموضوعيين لأحكام قبضة الحزب على الحكم من خلال الايديولوجيا التي يأخذ بها النظام التوتاليتاري. (وهذا ما رأيناه في سوريا مع خلق الجيش العقائدي وقد لجأ الاسد للقيام بهذه المهمة ومن اجل الاسترشاد العقائدي الى خصم عفلق القديم الفيلسوف زكي الارسوزي الذي ألهم الاسد خطاه السياسية الاولى عن طريق الدكتور وهيب الغانم. وكان الارسوزي حينذاك متقاعداً منذ فترة طويلة، إلا ان الاسد اخرجه من عزلته وراح يصحبه معه في جولاته على معسكرات الجيش وجعله يحاضر في الجنود ويلتقي بالضباط كما انه اعطى الاسد نفسه لمحات عقائدية كان لها اهميتها في تطوره في ذلك الوقت).([290])

إذاً لقد أُحكمت القبضة على الجيش من خلال الايديولوجيا، فالشرطة السرية تبدو دون فائدة بالنسبة للمراقبين الاجانب ان لم تدفعهم لتخيل وجود مقاومة سرية، مع الاخذ بعين الاعتبار ان التوتاليتارية كانت قد حددت أعداءها الايديولوجيين (اليهود) قبل الاستيلاء على السلطة.

على الشرطة السرية كمرحلة اولى اخراج الاعداء السريين (هذا ما يستدعي الغاء باقي الاحزاب والقضاء على حرية التعبير والمعارضة…) ثم يقوم الحزب بمواكبة السكان جميعهم الذين سينتمون بدورهم الى اجهزة التجسّس الطواعية (الجار عدو اخطر من عملاء الدولة) وبهذا تتم ملاحقة العملاء وتصفية كل مقاومة، وبعد الانتهاء من الاعداء الواقعيين تشرع الى مطاردة الاعداء الموضوعيين والذين تم تحديدهم ايديولوجياً.([291])

إدخال مفهوم العدو الموضوعي هو امر حاسم بالنسبة للنظام التوتاليتاري([292]) فمهاجمة اليهود والجرائم التي ارتكبت بحقهم لا تعني انهاء الخطر وعودة الحياة الى طبيعتها، على العكس فإن أعداء موضوعيين جدد يكشف عنهم وفق التبدلات (مخطط النازيين لم يقتصر على إبادة اليهود بل تضمّن ايضاً ترتيبات لتصفية الشعب البولوني، بالاضافة الى بعض الفئات الالمانية كمرضى القلب) ففكرة العدو الموضوعي تتراوح هويته بحسب الظروف ما ان تصفى فئة حتى تشن الدولة هجوم على فئة اخرى لذا فمفهوم العدو الموضوعي من الركائز الاساسية التي يعتمد عليها المنهج التوتاليتاري. وتضع أرندت العديد من الامثلة التي تظهر طرق تعامل الشرطة السرية في المجتمع سواء مع الاعداء او مع أبناء الدولة التي تعتبرهم عار على المجتمع وفي نفس الاطار تميز “أرندت” بين التوسع التوتاليتاري عن التوسع الامبريالي كون الاول لا يميز بين الوطن والبلد الاجنبي بل يعامل المواطن بنفس الطريقة كالاجنبي (نفس الرقابة…).

كما تؤكد “ارندت” على ان تآمر التوتاليتارية ضد العالم غير التوتاليتاري يبقى مرسخاً في أذهان المتعاملين معهم بحجة ان العالم كله متآمر ضدّ بلادهم.([293])

 2-2-5 السيطرة الكلية:

تفيد الانظمة التوتاليتارية من معسكرات الاعتقال والابادة باعتبارها مختبرات يُثبت فيها معتقد التوتاليتارية – في أن كل شيء هو ممكن. إن السيطرة الكلية، التي تجهد في تنظيم تعددية الكائنات البشرية وتمايزهم اللانهائيين، وكأنما البشرية كلها مؤلفة من كائن واحد وهذا لن يتحقق إلا في حال تقلص جميع الناس الى هوية ثابتة من ردود الفعل. هكذا يتسنى لكل مجموع من مجاميع ردود الفعل هذه ان يُستبدل بأي مجموع آخر. أما المسألة فتكمن في ان يصطنع شيء ليس موجوداً، مما يعني ان يصنع نوع بشري يشبه الانواع الحيوانية الاخرى والتي تقضي حريته الوحيدة في الحفاظ على نوعه. ومن الثابت ان السيطرة التوتاليتارية تسعى الى بلوغ هذا الهدف عبر طريقتين في آن معاً:

الطريقة الاولى اعداد النخبة اعداداً ايديولوجياً، والطريقة الثانية هي ممارسة الارهاب في المعسكرات لتدمير الانسان والقضاء على عفويته وحريته بهدف الوصول الى مجموعة من الكائنات لا تختلف عن بعضها بل تكون نموذج لكائن بشري واحد. وتصبح الجرائم التطبيق العملي للتلقين الايديولوجي للنخبة فتكون معسكرات الاعتقالات الاثبات النظري للايديولوجيا المعتمدة.([294])

(ففي سوريا، مثلاً على أثر الازمة الداخلية مع الاخوان المسلمين وجهت ضربات عقابية دامية بشكل خاص على اعمال إرهابية اخرى في حلب في آب عام 1980 وضد حماه في شهر نيسان الذي تلاه عندما تم جمع عشرات من الذكور الذين تجاوزوا الرابعة عشرة من اعمارهم بشكل  عشوائي، ثم اطلقت النار عليهم في مكانهم على الفور.([295]) وانتشرت حملة إسكات المعارضين خارج الحدود.  فأغارت قوات كوماندوس سورية على معسكر تدريب للاخوان المسلمين في الاردن في أواخر تموز سنة 1980، وتم قتل الصحفيين اللبنانيين المعادين فقتل سليم اللوزي صاحب مجلة الحوادث في آذار وقتل رياض طه نقيب الصحفيين في بيروت في تموز وفي آذار/مارس من العام التالي (1981) وصل المغتالون في الميدان بعيداً… الى آخن، بحثاً عن مرشد الاخوان المسلمين: عصام العطار، فقتلوا زوجته،  بيان الطنطاوي، عندما فتحت الباب الامامي ولكن الاغتيال الذي سبّب أعظم القلق والبلبلة كان اغتيال الزعيم البعثي القديم صلاح الدين البيطار في باريس في 21 تموز 1980 ولم يثبت انه كانت هناك اصابع سورية وراء عمليات القتل هذه… ولكن الشك فيها كان واسع الانتشار بين الناس.([296]) لقد كان البيطار شريكاً لميشيل عفلق في تأسيس الحزب وكان من رعيل البعثيين المدنيين الذين أطاح بهم انقلاب اللجنة العسكرية في عام 1966 وقد حكم عليه بالموت غيابياً عام 1969 وقد عفا عنه الاسد في عام 1970 وعاد الى سوريا لفترة قصيرة في محاولة لاجراء مصالحة. ولا شك في أن الاسد كان يأمل ان يستقر البيطار في دمشق كثقل مضاد لعفلق في بغداد غير ان خمس ساعات من المحادثات في كانون الثاني سنة 1978 فشلت في رأب الصدع بينهما.  فعاد البيطار الى منفاه في باريس حيث راح يطبع مجلة دورية بمساعدة بعض المال من الخليج واطلق عليها اسم “الاحياء العربي” وكان ذلك صدى للاسم الذي اطلقه مع عفلق على الحلقة الصغيرة من اتباعهما ومريديهما في الاربعينات ، وشنََّ في اعمدتها حملات للمطالبة بالحريات الديمقراطية والحقوق الانسانية في سوريا. فقد نشر في شهر شباط 1980 مثلاً مطالبة نقابة المحامين السوريين بإعادة حكم القانون. وألحّ بشكل جارح على قاعدة النظام الطائفية – أي العلوية – وكان ذلك جريمة في نظر دمشق.  وقد اشيع انه كان يضغط على السعوديين ليقطعوا المعونة عن سوريا.  والاسوأ من ذلك ما قيل من ان البيطار قد اتصل بأعداء الاسد في بغداد، وبأكرم الحوراني، وبالفريق أمين الحافظ العسكري الذي عمل كواجهة للجنة العسكرية حتى عام 1966 وبحمود الشوفي، السفير السوري السابق في الامم المتحدة والذي انفصل عن النظام في عام 1979، وبغيرهم من اصحاب الاسماء ذات الماضي والتي كان بريقها يخبو وبذلك اصبح نقطة جذب لانواع مختلفة من المعارضة السورية، وقد بدا في إحدى اللحظات ان البيطار يمكن ان يشكل خطراً حقيقياً، وان شيئاً من مثل هذه المخاوف قد أسهم في اتخاذ قرار بوضع نهاية له. وبعد موته نقلت زوجته، ملَك، جثمانه ليدفن في بغداد حيث بحثت عن ملجأ وسط أعداء الاسد الالدّاء.([297])

وربما لم يكن الرجال من أمثال البيطار ليشكلوا خطراً على الاسد ولكن انتقاداتهم كانت تمسُّ عصباً حساساً إذ كانت تنصب على منطقة بدا فيها الاسد وكأنه ابتعد عن النهج القومي العربي الصحيح. فالبيطار وامثاله كانوا يتهمون الاسد بالازدواجية إزاء خطط السلام الاميركية، ألم يتفاوض حول فك الاشتباك في الجولان مع كيسنجر؟ ألم يكن ذلك في آخر الامر هو الانفتاح الذي سمح السادات بموجبه لنفسه بان يقيم سلامه المنفرد؟ وكيف يمكن للاسد ان يدعي مناصرة القضية الفلسطينية بينما هو يسحق منظمة التحرير الفلسطينية؟ ألم يكن “جيشه المحتل” في لبنان ينفذ اتفاقية صامتة مع اسرائيل لاقتسام لبنان بينهما ؟ الا يتحمل الاسد بعض المسؤولية في التنافر مع مصر وانهيار الانفراج مع العراق ؟ وكانت هذه بالضبط هي الاتهامات التي يوجهها في العادة جميع اولئك الذين لم يفهموا سياسات الاسد.([298])

ومن التطبيق العملي للتلقين الايديولوجي للنخبة تنتقل آرنت لاظهار فظاعة ما تم تحقيقه من خلال معسكرات الاعتقال الاثبات النظري للإيديولوجيا المعتمدة.

لم تكن معسكرات الاعتقال قد وقفت على إبادة الناس واذلال الكائنات البشرية فحسب، بل انها افادت ايضا في الاختبار الرهيب الذي يقضي بإلغاء العفويّة نفسها، في ظروف مراقبة علمياً، باعتبارها التعبير عن المسلك البشري وتحويل الشخصية البشرية الى محض شيء، فالمعسكرات هذه ليست المجتمع التوتاليتاري الاكثر تحققا فحسب بل انها المثال الاجتماعي النموذجي عن السيطرة الكلية بعامة.([299])

ومثلما يتوقف استقرار النظام التوتاليتاري على الانعزال الذي يلقاه عالم الحركة المتوهم ازاء العالم الخارجي، هكذا فإن اختبار السيطرة الكلية الذي يُجرى في معسكرات الاعتقال يتوقف على إخراج هذه الاخيرة من عالم الآخرين ما عداها، ومن عالم الأحياء بعامة وحتى من العالم الخارجي المتشكّل في بلد تسوده التوتاليتارية نفسها.

والحال ان ما يشكّل اعظم العقبات في فهم السيطرة التوتاليتارية فهما ًحقّاً والتي تتوقف ديمومتها او سقوطها على وجود معسكرات الاعتقال والابادة، وأياً بدا الاستخلاص عصيا على التصديق، فان المعسكرات هي المؤسسة المركزية الحقة التي انشأتها السلطة التوتاليتارية بغاية التنظيم.([300])

إن الجماهير البشرية المحتجزة فيها تعامل وكأنها لم تكن موجودة، وكأن ما يحدث لها لا يهم احداً وكأن موتها قد خُتِم عليه للتو وكأن روحاً شريرة أخذ بها الجنون راحت تلهو بها متقاذفة إياها ما بين الحياة والموت قبل ان تستودعها السلام الابدي.([301]) فلا شيء يمكن مقارنته بالحياة في معسكرات الاعتقال. اما فظاعتها فلا يسعنا مطلقا ان نعيها وعياً كاملا بمخيلتنا بسبب انها تقوم خارج الحياة والموت.([302]) وما يصدم ليس المبدأ العدمي القائل ان كل شيء مسموح الذي كان سائدا منذ القرن التاسع عشر وانما ما لا يقبله العقل هو المبدأ الذي حاولت التوتاليتارية فرضه وهو “ان كل شيء ممكن”.([303])

وتحدد “آرنت” الخطوات للوصول الى السيطرة التوتاليتارية بثلاث:

  – قتل الشخص القانوني للانسان.

  – قتل الشخص الاخلاقي للانسان.

   – تدمير الفردانية.

إن اول خطوة جوهرية للوصول الى السيطرة التوتاليتارية تقضي بقتل الشخص القانوني للانسان، لذا شرعت السلطات بطرح بعض الفئات خارج حماية القانون وفرضت على العالم غير التوتاليتاري على الاقرار بهم خارجين على القانون من خلال تجريدهم من جنسياتهم.([304]) إن القضاء على حقوق الانسان وخنق الشخص القانوني فيه، هما شرطان ضروريان لاستكمال السيطرة الكلية وكذلك فإن مفهوم نفع الامة وعدم الخروج عن المخطط الحزبي كانا ضمانة استمرار المعسكرات واستمرار الغاء حقوق الانسان.([305])

أما الخطوة الثانية تكمن في اغتيال الشخص الاخلاقي في الانسان وذلك من خلال النسيان فلا يعود ثمة شهود على الجرائم إذ ان الشهادة مستحيلة فالحزن والتذكر ممنوعان حتى من قبل أفراد العائلة والاصدقاء على ان هذا الهجوم ضد الشخص الاخلاقي كان يمكن ان يصطدم بعد بمعارضة الانسان الذي ما زال ضميره يؤثِرُ له ان يموت ضحية من ان يحيا بيروقراطياً للاغتيال والموت وقد بلغ الارهاب التوتاليتاري انتصاره الاسمى والرهيب إذ نجح في حرمان الشخص الاخلاقي من المخرج الفرداني وفي جعل قرارات الضمير غاية في الاشكالية والالتباس وحين يكون أمروء في مواجهة المبادرة الى خيانة اصدقائه وقتلهم فأي قرار يتّخذ؟  ذلك ان المبادرة الآنفة لا تقع بين الخير والشر إنما تكمن فيما بين الاغتيال والاغتيال.([306]) فإما ان يبعث هؤلاء بأصدقائهم الى الموت، أو يشاركون في اغتيال رجال آخرين يكونون لهم غرباء وفي كل الحالات كانوا يجبرون على سلوك سبيل الاغتيال([307]) كما جعلت معسكرات الاعتقال الموت نفسه مجهول الهوية (بأن تصرفت على النحو الذي يستحيل معه معرفة ما إذا كان السجين ميتاً ام حياً)  فإنها جردته من دلالته، أي من كونه ختام حياة مكتملة وبمعنى آخر فقد شرعت هذه المعسكرات في تجريد الفرد من موته الخاص، مثبِّتة بذلك انه لا يملك شيئاً وانه لا ينتمي الى أحد. حينذاك لا يقوى موته سوى على إثبات انه لم يكن قد وجد على الاطلاق.([308])

وتبقى الخطوة الاهم وهي تدمير الفردانية فبعد ان يُقتل الشخص الاخلاقي حتى لا يعود قائماً سوى عقبة وحيدة في سبيل تحوّل الناس الى جثث حية:  الاختلافات بين الافراد، هوية كل امرئ الفريدة. وإلغاء هذه الاختلافات يتم من خلال معسكرات التعذيب والاعتقالات لذا يبرز التعذيب كالسمة الاساسية التي تميز جهاز الشرطة والقضاء التوتاليتاريين إذ يُلجأ اليه كل يوم لجعل الناس تتكلم.([309])

كما ان اغتيال الفردانية وهذا الطابع الفريد الذي اتسمت به الارادة والطبيعة والمصير لدى كافة البشر على السواء والذي بات مسلمة بالغة الحتمية في كل العلاقات البشرية، من شأنه ان يولّد رعباً عظيماً ينكسف دونه التعرض للشخص القانوني والسياسي واليأس من الشخصية الاخلاقية. إنه ذلك الرعب ما ينبري مصدراً للتعميمات العدمية ومنشأ لمعقولية إثباتاتها في ان الناس جميعهم حيوانات بصورة جوهرية ومتشابـهون وفي الواقع فقد دلّت تجربة معسكرات الاعتقال أنّ كائنات بشرية يمكن ان تتحول الى نماذج من حيوان بشري وان طبيعة الانسان لا تكون بشرية الا بمقدار ما تتيح للانسان إمكانية التحوّل اي ان يصير شيئاً.([310])

وبعد ان يتم تدمير الشخصية الاخلاقية ويُقضى على الشخصية القانونية في الانسان، يغدو تدمير الفردانية مكللاً بالنجاح. إذ ان تحطيم الفردانية، يعني لزوماً تحطيم العفوية وهي القدرة التي أوتيت الانسان في ان يباشر امراً جديداً انطلاقاً من قدراته الخاصة وعلى هذا فلا يبقى من البشر شيء سوى دمى مريعة ذات اوجه بشرية إذ تنساق الضحية دون اعتراض او رفض فهي تكف عن إثبات ذاتها.([311]) إن مجتمع الموت الذي أنشئ في المعسكرات هو شكل المجتمع حيث سيغدو من الممكن السيطرة التامة على الانسان، فمن طمحوا الى السيطرة التامة وجب عليهم ان يصفوا كل عفوية.  ومن البداهة انه دون معسكرات الاعتقال ودون الخوف المحدد بصورة سلبية الذي تثيره في نفوس الناس يستحيل على دولة توتاليتارية ان توحي بالتعصب للفِرق التي تشكل نواتها ولا ان تحفظ شعباً  بأسره في حالة من البلادة الكلية([312]) فالهدف الاساسي الذي يسعى اليه النظام التوتاليتاري، جعل الناس دون جدوى إذ لا تنحو التوتاليتارية الى حكم الناس حكماً استبدادياً إنما تميل الى نظام يكون فيه البشر لزوم ما لا يلزم ولا يتم للسلطة الكلية مرادها ولا هي تدوم ويصان وجودها الا في عالم من ردود الفعل المشروطة ولما كان الانسان يملك في نفسه الكثير من الموارد، فقد بات من المستحيل ان يخضع بالكامل إلا شرط ان يتحول الى نموذجاً من نوع حيوان بشري ولكن طالما لم تقدر الانظمة على جعل كل الناس عديمي الجدوى بصورة متساوية الا في معسكرات الاعتقال، فقد فشلت في تحقيق السيطرة التوتاليتارية التامة.([313])

لا يكمن مصير الايديولوجيات التوتاليتارية إذاً في تحويل العالم الخارجي ولا في احداث تحول ثوري في المجتمع إنما يقضي بتغيير الطبيعة البشرية نفسها ولم تنجح معسكرات الاعتقال في تغيير الانسان وإنما قامت بتدميره من خلال خلقها لمجتمع تحققت فيه تفاهة العدمية بأن “الانسان هو ذئب الانسان” وقد بدا، الى اليوم ان المعتقد التوتاليتاري في ان كل شيء هو ممكن لم يكن بمقدوره ان يثبت سوى امراً واحداً هو ان كل شيء ممكن تدميره. إذ دأبت الانظمة التوتاليتارية على إثبات ان كل شيء هو ممكن، اكتشفت دون ان تدري انه حالما يصير المستحيل ممكناً يغدو المستحيل هو الشرّ المطلق الذي لا يمكن عقابه ولا مسامحته.([314])

أما بالنسبة للنموذج السوري فلا يسعنا سوى إبراز الانتقادات الاكثر خطراً من الفساد، انتقاد سجّل النظام في ميدان حقوق الانسان. فالصلاحيات المطلقة لاجهزة الامن والظروف القاسية في المعتقلات، بما في ذلك اللجوء الى التعذيب قد لاحظتها منظمة العفو الدولية. ويطل سجن قلعة المزّة القديم تَذْكرة للجميع بمنظره الكالح المتجهم من على قمته فوق دمشق بين الشيراتون والقصر الجمهوري. ولا يزال محتجزاً هناك الرجال الذي أطاح بهم الاسد في عام 1970. ففي دولة الاسد لم تعط فكرة حرية الفرد اي محتوى مادي برغم الاجهزة والمؤسسات. فليس هناك قضاء مستقل استقلالاً حقيقياً، ولا حرية معلومات واتصال وتعبير، ولا جامعة مستقلة بذاتها. وفي غياب قواعد واضحة تحكم العلاقات بين الفرد والدولة يشعر المواطن العادي بأنه غير آمن. وحتى السوريون الاغنياء من سكان الاحياء الراقية في دمشق الغربية يخشون ان يغضب منهم زبون او وكيل فيجدون انفسهم قيد الاستجواب على يد واحد او آخر من أجهزة الامن، فالناس يتوقون لقوانين يحترمها الجميع لأنه في غياب مثل هذه القوانين يبدو ان الحماية الوحيدة تكمن في التقليد العربي القديم: الوساطة، أي وجود علاقات في أماكن عليا تسمح بالشفاعة والتدخل نيابة عن المرء . ومع مرور الزمن على النظام لم يعد هناك مجال كبير للتنويع وصار هناك تأكيد اكثر على التشابه النمطي في الصحافة،  وفي أجهزة الاعلام وفي منظمات الحزب الشعبية. كما أخذت منظمة طلائع البعث واتحاد شبيبة الثورة واتحاد الطلبة تسعى كلها لتشكيل الاذهان الشابّة حسب القالب البعثي، ولعل تزايد اعداد الطلبة في المدارس والجامعات بشكل هائل يفسِّر هذه المحاولة لتنظيم الجميع على شكل كتائب في زي نمطي موحَّد، ولكن ذلك قد أسهم ايضاً في انحدار المستويات العقلية الفكرية،  فكل التعيينات في الهيئة التدريسية تخضع لتدقيق وموافقة قوى الامن والحزب،  الذي يدافع بقوة عن احتكاره للسيطرة على الجامعات.

نستخلص مما استعرضنا، أن العناصر التوتاليتارية، استطاعت تفسير نموذج الدولة السورية، فاذا استثنينا عنصر “الفردنة”، بغيابه عن النموذج السوري، كما عن النموذج اللبناني، وعن نماذج كل الدول العربية بشكل عام، لقلنا ان النموذج السوري هو نموذج توتاليتاري من حيث قوته في الداخل التي تعني السيطرة الكلية وبلا منازع، حيث لا يوجد من يتحدّى هذا النظام على الاطلاق، وحيث تصبح أي كمية من الديمقراطية مصدر ارباك، وحيث ان القوة الحقيقية التحتية لا تقتصر على الجانب العسكري، انما “المخابراتي”، لمنع الطريق أمام أي تحدٍ، وحيث الطاعة العمياء والتشابه النمطي الموحد واستخدام الايديولوجيا، صفة هذا النموذج اللازمة.

[1]   لمزيد من المعلومات:G.Mosca:Histoire des doctrines politique.Traduction francaise,payot,paris,1955.

[2] –  وهذا ما يذّكرنا بنظريّة ماكس فيبر القائلة بتطور التاريخ من خلال تصارع المتناقضات.

[3]–  Poul Wittek. The rise of the Ottoman Empire, London 1963, pp. 37-46.

[4]–  Ernest Werner. Die Geburt einer Gressmacht-Die Osmaner, pp. 19- 95.

[5]–  P. Wittek, De la Defaite d’Ankara a`la prise de constantinople (un demi siecle d’histoire ottoman), Revue des Etudes Islamiques, 1948, pp. 1-34.

[6] – كان ذلك يمثل بالنسبة لماركس الصفة الأساسيّة لكافة أشكال ما أطلق عليه، تمشّياً مع تقليد طويل، أسم (الأستبداد الآسيوي ). وقد كتب الى انغلز معلقاً على وصف برنييه الشهير للهند المغوليّة: ” ان برنييه مصيب في اعتباره غياب الملكيّة الفرديّة للارض أساس كافة الظواهر في الشرق مشيراً بذلك الى تركيا، وفارس وهندوستان. ان هذا هو المفتاح الحقيقي، حتى للسماء الشرقيّة”. ( selected correspondence) ص. 81.

[7] – كانت دور السكن والكروم والبساتين داخل حدود القرى تعتبر أملاكاً خاصّة ( الملك ) وكذلك شأن معظم الأرضي في المدن، في عام 1528 كانت حوالي 78 بالمئة من الاراضي العثمانيّة ” أميريّة ” أي ملكاً للدولة. أنظر: H.A.R. Gibb. and H. Bowen, Islamic society and the west vol.1, part 1, London, 1950, pp. 236-7, halil Inalcik, the ottoman Empire, London,1973, p.110.

[8] – يرد هذا المفهوم بوضوح تام في: Stanford Show,” The Ottoman view of the Balkans” In C. and B. Jelavich (ed ) The Balkans in transition, Berkeley- Los Angeles 1963, pp.56-60.

[9]– كان أ. ه. ليبير أول من صاغ  مصطلحي ” المؤسسة الحاكمة” والمؤسسة الأسلاميّة في كتابه: A.H.Lybyer, The Government of the Ottoman Empire in the Suleiman The Magneficent, Cambridge, U.S.A. 1913, pp. 8-36.

[10] – S.Vryonis, Isidore Glabas and The Turkish Devshirme, Speculum, 31, July, 1956, no.3, pp.433-43.

[11] – لقد كان للنظام العثماني، بطبيعة الحال، جذور عميقة في التقاليد الاسلاميّة السابقة وقد كانت ثمة سوابق هامّة في التاريخ الاسلامي لقيام نخب من الحرس والقواد الأرقاء، وكان الظرف التاريخي للحكم السياسي لهذه القوات البلاطيّة هو غياب الاستخدام الاقتصادي لعمل الرقيق في الفرع الرئيسي في الانتاج، أي الزراعة. فقد كان العالم الاسلامي، تقليدياً، يستورد الرقيق لأغراض منزليّة وترفيّة وانفاقيّة بالدرجة الرئيسية، وكان هؤلاء الرقيق يتميزون دائماً بشكل واضح عن الرقيق العسكريين المحظوظين. وكان الاستثناء الوحيد لذلك هو في جنوب العراق في العهد العباسي، حيث ساد الرق في الاقتصاد الزراعي، ولكن لفترة قصيرة نسبيّاً، مما أثار انتفاضات الزنج في أواخر القرن التاسع عشر. وفي الامبراطوريّة التركيّة، يبدو أنه كان ثمة بعض المقاطعات خارج نظام الاراضي الرسمي، يقوم على زراعتها محاصصون أرقاء، تم الحصول عليهم من الخارج عن طريق الحرب أو الشراء، الا ان قوّة العمل الهامشية هذه أصبحت مندمجة بوجه عام في مرتبة الفلاحين الاعتياديين خلال القرن السادس عشر، وفي الوقت نفسه، فان الاحتكار القانوني للأرض، والذي كان يتمتع به السلاطنة العثمانيون،  كان يرتكز أيضاً على التقاليد الأسلاميّة المبكرة التي تعود الى أيام الفتوحات العربية الأولى في الشرق الأوسط. وعليه، فان سمتي النظام التركي المشار اليهما أعلاه، لم تكونا ظاهرتين اعتباطيتين أو منعزلتين، بل تتويجاً لتطور تاريخي طويل ومترابط.

[12]   Inalcik, The Ottoman Empire, pp. 108-113.

 لم يدرس التاريخ العثماني حتى الآن بشكل واف، والتقديرات الاحصائيّة المتعلقة به تتفاوت عادة باختلاف المراجع. وتتضمن دراسة أنالجيك بحد ذاتها رقمين متناقضين بشكل ظاهر في ما يتعلق بعدد السباهيين في عهد سليمان الأول ص. 48 و108.

[13] – الروملي أو بلاد الروم: الإقليم الشامل تراقيا ومقدونيا بين البلقان والبحر الأسود وبحري مرمرا وايجه وسلسلة جبال اليلقان.

[14]–  S. vryonis, The Byzantine Logacy and Ottoman Forms, Dumbarton caks papers, 1949. pp. 273-5.

[15]– Gibb and Bowen, Islamic society and the west.pp. 46-56. L. Stavrianos, The Balkans since 1453, pp. 86-87, 90-100.

[16]–  Ibid, pp. 85-86.

[17] – أنظر ملاحظات فيبر في كتابه “الإقتصاد والمجتمع” الجزء الثاني، ص،844-845 . والواقع أن فيبر اعتبر الشرق الادنى “الموقع الكلاسيكي”، لما أطلق عليه بدقة، اسم “السلطويّة”. الأقتصاد والمجتمع الجزء الثالث، ص، 1020. وفي الوقت نفسه، فقد حرص على التأكيد على أن حتى أكثر أنظمة الإستبداد الشخصي تعسّفاً كانت دائماً تعمل ضمن اطار عقائدي خاضع للعرف: “عندما تكون السيطرة تقليدية بالدرجة الأولى، حتى ولو كانت تجري ممارستها بحكم الإستقلال الشخصي للحاكم، فانها تسمّى سلطة وراثيّة، وعندما تعمل بالدرجة الأولى على أساس حريّة التصرّف، فانها تسمّى سلطنويّة… وقد يبدو أحياناً أن السلطنويّة غير مقيدة اطلاقاً بالتقاليد الا أن ذلك غير صحيح اطلاقاً. الا أن العنصر اللاتقليدي ليس معقلناً على أسس لا شخصيّة، بل يقوم فقط على تطوير مفرط لحريّة الحاكم في التصرّف، وهذا ما يميزها عن كافة أشكال السلطة العقلانيّة””Economy and society”, p. 232 .

[18] – كان قانون دوشان يلزم الفلاح بالعمل في أرض سيده لمدة يومين في الأسبوع واستناداً إلى إنالجيك، فإنّ أفراد          ” الرعيّة ” تحت الحكم العثماني كانوا يدينون للسباهيين بثلاثة أيّام من العمل فقط خلال السنة (The Ottoman Empire, p 13). إلاّ أنّ شرحه اللاحق للخدمات المستحقة لحائزي ” التيمارات ” لا ينسجم تماماً مع هذا الرقم البالغ الإنخفاض، الذي يدعيه (ص 111-112) ولكن ليس ثمّة ما يدعو للشكّ في التحسّن النسبي في وضع الفلاّحين.

[19] – H. Inalcik, “Ottoman Methods of conquests” Studi aslamica, II, 195, pp. 104-16.

[20] – إنّ المؤرّخ البوسني برانيسلاف جيورجيف هو المسؤول بالدرجة الرئيسية عن إلقاء الضوء على عملية الإرتداد الإجتماعي هذه. ولغرض الإطلاع على شرح لجهوده، والمناقشات التي أثارتها، أنظر :

W.S. Vucinich, “The yugo slav Lands in the ottoman period post-war Maryist. Interpretations of Indigenous and ottoman Institutions”, the journal of Modern History, No3, September 1955, pp. 287-303.

[21] – W.S. Vucinich, “The Nature of Balkan society under ottoman Rule”, Slavic Review, December 1962, pp. 603- 604-5, 614.

[22] – Inalcik, the ottoman Empire, p. 128.

[23] – Omar Lutfi Barkan, « Essai sur les Données statistiques des Registres de Recensement dans l’Empire ottoman aux XVe et XVI siècles », Journal of the Economic and social history of the Orient, vol. 1-1 August 1957, pp. 278.

إلى جانب تضخم الأستانة نفسها والمصحوبة بهبوط في حلب ودمشق، ازداد سكّان عواصم المقاطعات الإثني عشر بحوالي 90 بالمئة من القرن السادس عشر.

[24] – Halil Inalcik, “Capital Formation in the ottoman Empire”, the journal of Economic History, XXIV, No 1, March 1969, pp. 108-19.

[25] – Bernard Lewis, the Emergence of Modern Turkey, London 1969, p. 393.

[26] –   Inalcik, “Capital Formation in the ottoman Empire”, pp. 103-6.

[27] – Gibband Bowen, Islamic society and the west, 1-1, pp. 20-21.

[28] –  لأجل الإطلاع على تأكيد خاص على استخدام الفنيين والحرفيّين الأوروبيين من قبل الباب العالي، أنظر :

  1. Mousnier, Les XVIe et XVIIe siècles, Paris, 1954, pp. 463-4, 474.

[29] – Albert Mathiez: Les origines des cultes Révolutionnaires, Paris, 1904, p. 31.

[30] – Albert Sorel: L’Europe et la révolution française, vol. I, Paris, 1996, p. 418.

[31] – Sébastien Charlety: Essai sur l’histoire du Saint-Simonisme (1825- 1864), Paul (129) Hartman, Paris, 1931.

[32] – Max Bohm, Reflections, vol. 11, London, 1864, p. 306.

[33] – Ibid, vol. II, p. 368.

 [34] – عبد الرحمن الرافعي: تاريخ الحركة القومية، جـ 1، ص 3-94 وراجع ص 96 في أمر التحقيق في عضوية المشاركين .

[35] – نفس المرجع، ص 96، ويذكر عبد الرحمن الرافعي في هامش هذه الصفحة أنه لم يجد في المراجع الفرنسية ما يدلّ على انعقاد هذه اللجنة للقيام بأيّ عمل، ولعلّ السادات لم يقبل أيضاً عضوية هذه اللجنة.

[36] – وكان الفرنسيّون قد قسموا القاهرة وبولاق ومصر القديمة إلى عشرة أخطاط أو مديريات، عيّنوا لكلّ منها             ” قومنداراً ” حاكماً فرنسياً.

[37] – الرافعي: تاريخ الحركة القومية، ج أ، من 96 – 112.

[38] – مراسلات نابليون: الجزء الخامس، وثيقة رقم 4228: نقلاً عن عبد الرحمن الرافعي: جـ 2، ص 17، وقد كان الديوان العمومي الذي اجتمع فعلاً يوم 27 ديسمبر 1798 مؤلفاً من ستين عضواً من أعيان المصريّين موزّعين وفقاً لطبقات الهيئة الإجتماعية على الشكل التالي: 14 من العلماء والمشايخ، 26 من التجّار والصنّاع، 11 من رجال العسكرية و 20 من مشايخ الأخطاط، 4 من الأقباط و 3 من الأجانب: تاجران فرنسيّان وطبيب سويدي، ويميل عبد الرحمن الرافعي إلى الظنّ بأنّ نابليون هو الذي فرض إرادته في اختيار أعضاء أجانب في هيئة نيابيّة أهليّة (تاريخ الحركة القومية، ج2، ص 19).

[39] – عبد الرحمن الرافعي: تاريخ الحركة القومية، جـ 2، ص 259.

[40] – كان مندوبو كلّ مديرية مؤلّفين من ثلاثة من العلماء، وثلاثة من التجّار، وثلاثة من الأهالي ومشايخ البلدان ورؤساء العربان. وكان مندوبو القاهرة في الديوان العام ثلاثة أمثال كل مديرية ولكلّ من مديرية الشرقية والمنوفية الضعف.

[41] – راجع نص خطبة افتتاح الديوان العام كما أوردها الجبرتي في الجزء الثالث من عجائب الآثار واثبتها عبد الرحمن الرافعي في ص 104 من تاريخ الحركة القومية، الجزء الأول.

[42] – تاريخ الحملة الفرنسيّة في مصر، جـ 3، نقلاً عن الحركة القومية، جـ 1، ص 154.

[43] – تقرير مرسل إلى حكومة الديركتوار، نقلاً عن الحركة القومية، جـ 2، ص 118.

[44] – تاريخ الحملة الفرنسيّة ، نقلاً عن الرافعي : جـ 2، ص 154.

[45] – قال فرنيو Vergniaud في دعوته إلى الحروب ضدّ النمسا في كانون الثاني 1792: ” انضمّوا إلى جانب العدالة الأبدية وأنقذوا الحرية من براثن الطغاة، أنكم ستكونون محسنين إلى بلدكم وإلى الإنسانية بأسرها في الوقت ذاته “. نقلاً عن بويد شيفر: القومية عرض وتحليل، ترجمة جعفر خصباك وعدنان الحميدي، نشر مكتبة الحياة ، بيروت – لبنان، د- ت.

[46] – بويد شيفر: القومية عرض وتحليل، ص 366: إنّ قضية استعمار القوميّات الجديدة في أواخر القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر للقوميّات المضطهدة هي الصفة المشتركة لهذه القوميّات. فقد كان كتّاب الإنكليز يدعون صراحة إلى الفتح. فقد دعا آدم سميث إلى أن تنشر بريطانيا استعمارها بصورة مستمرّة وأنّها ” يجب أن توسع أمبراطوريّتها الإستعمارية بالسيطرة على الجزر الممتدّة من فوكلاند إلى الفيليبين ” بغية سيطرتها على المحيط الهادئ. أمّا الفرنسيّون الذين رغبوا عن الفتوحات بادئ ذي بدئ وفي أثناء الثورة، فإنّهم وجدوا أنّ مجد فرنسا وأمنها لا يمكن أن يتحقّقا إلاّ بفرض السيطرة على الأراضي المجاورة أولاً ثمّ على مصر والأقطار الأوروبية فيما بعد.

[47] – المرجع السابق، ص 367.

[48] – مقتبسات من كتاب : John Hall Stewart: A Documentary Survey of the French

Revolution New York, 1951, pp. 381-383

[49] – مقتبسات من كتاب :   John Hall Stewart: A Documentary Survey of the French

Revolution New York, 1951, pp. 381-383

[50] – انتهى العهد الأول من المجمع العلمي بعد رحيل الفرنسيّين ثمّ أعيد إنشاؤه عام 1859 بالإسكندرية وانتخب المسيو جومارJomard  آخر من بقي من أعضاء المجمع العلمي الأول رئيساً شرقياً للمجمع الجديد. وهذا المجمع قائم إلى اليوم، فالمجمع الحالي هو استمرار للمجمع العلمي القديم، وقد انتقل من الإسكندرية إلى القاهرة عام 1980، ومقرّه الآن بحديقة وزارة الأشغال، وله نشرة دورية تحوي مجموعة المحاضرات والأبحاث التي تلقى فيه.

[51] – كمال الصليبي. تاريخ لبنان الحديث، بيروت: دار النهار للنشر، 1991. ص 61.

[52] – لوتسكي.  تاريخ الأقطار العربية الحديث، دار التقدم / موسكو ، 1971 ص 23.

[53] – شفيق غربال: ” محمد علي الكبير ” [كتاب الهلال] عدد 34، أكتوبر 1986، ص 49.

[54] – الطهطاوي  رفاعه ” مناهج الألباب المصرية ” المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، 1973، ص 73.

[55] – شفيق غربال، مصدر سبق ذكره، ص 52.

[56] – Moustapha Sabry: L’empire egyptien sous Mohammad Ali et la question d’Orient, Paris, 1930, p. 79-85.

[57] – Moustapha Fahmi: La revolution de l’industrie en Egypte et ses conséquences sociales au 19ème siècle (1800-1850) , Legden, 1959, p. 13-15-22-25-99-361.

[58] – G. Guemard: Les réformes en Egypte, le Caire, 1936, pp. 96-105.

وراجع زكي عبد الرحمن ، أعلام الجيش والبحرية في مصر أثناء القرن التاسع عشر، القاهرة 1947.

[59] – Sébastien Charlety: Essai sur l’histoire du saint-simonisme, (1825-1869), and Paul  Hartmann, Paris, 1931, p.133.

وراجع أيضاً: د. أنور عبد الملك: نهضة مصر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1983، الفصل الخامس: ” هيمنة الدول السانسيمونية “.

[60] – قول لمسيو Mourier ، نقلاً عن عبد الرحمن الرافعي: عصر محمد علي، طبعة 4، دار المعارف 1982، ص 331-332 وراجع في هذا الصدد الصفحات 344-350 من الكتاب نفسه.

[61] – كانت قضية ترقية الجنود المصريّين إلى مراكز القيادة من أعقد ما واجه الحكم (حكم محمّد علي) على الصعيدين النظري والعملي. والحجج التي ساقها محمّد علي لكلوت بك تبدو واهية في معيار الحقوق الوطنية الأخلاقي منها والقانوني. والواقع أنّ محمّد علي كان يخشى سيطرة المصريّين ولم يعد يخشى المماليك والعثمانيّين لاسيّما أنّهم اندمجوا في الكتلة الوطنية. وقد اتبع محمّد علي في ترقية المصريّين التدرّج البطيء، كما يذكر المارشال مارمون، وكان هذا التدرّج يتناسب طرداً مع ترسيخ سلطة الوالي واطمئنانه إلى إخلاص المصريّين له، فلم يعد يعترض على تقدّمهم في المناصب العسكرية بعد سنة 1834 (نقلاً عن الرافعي: عصر محمّد علي، ص 348).

[62] – منذ سنة 1705 قامت الأسرة الحسنية في تونس، ولحقت بها سنة 1711 أسرة البكوات القرمانيّين في طرابلس الغرب. وبعد هذه الحقبة بوقت قصير قام حكم الدايات في الجزائر، وقامت في العراق أسرة حسن باشا وحكمت طوال القرن الثامن عشر بإسم أسرة الباشوات، وباءت بالفشل كل محاولات الباب العالي لخلع هذه الأسرة، إلى أن حلّت محلّها باشوية المماليك الإقطاعية سنة 1780 التي أسّسها سليمان باشا الكبير وحكمت بغداد حتى 1831. وفي لبنان ترسّخت سلطة المعنيّين بعد معركة عين دارة سنة 1711. أمّا في مصر فقد انتهت السلطة الفعلية ما بين (1746-1757) إلى إبراهيم بك الكبير، وآل الحكم بعد وفاته إلى علي بك الكبير سنة 1763 الذي أعلن استقلاله عن الباب العالي سنة 1769 ثمّ هلك سنة 1773 فآلت إلى مراد بك وإبراهيم بك.

[63] – الجبرتي: عجائب الآثار، جـ 3، ص 126، نشر دار المعارف بمصر سنة 1982.

[64] – فوزي، جرجس. دراسات في تاريخ مصر السياسي منذ العصر المملوكي، الدار المصرية للكتب، القاهرة، 1959، ص 97.

[65] – S. D. Goitein, Studies In Islamic History and Institution, Leiden, 1966, p. 296-9.

[66] – R.M. Savory “Safavid Persia” the Cambridge History of Islam I, Cambridge, 1970,            pp. 395-9.

[67] – P. K. Hiti, History of the Arabs, London, 1965, pp. 398-401.

[68] – فوزي، جرجس. دراسات في تاريخ مصر منذ العصر المملوكي، الدار المصرية للكتب، القاهرة، 1958،           ص 121.

[69] – سعيد عبد الفتاح عاشور. المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك، دار النهضة العربية، بيروت، 1969.

[70] – P,K. Hiti, History of the Arabs, London, 1965, pp. 397-8-9.

[71] – P.K. Hiti, History of the Arabs, op. cit. pp. 430-1.

[72] – R.M. Savory “Safavid Persia” the Cambridge History of Islamic Cambridge 1970,             pp. 450-3.

[73] – P.K. Hiti, History of the Arabs, London 1965, pp. 441-9.

[74] – أحمد، الشقيري. ” قصة الثورة الجزائرية “، بغداد، مطبعة، مطبعة التعليم العالي، 1988، ص 111.

[75] – رياض سيف النصر. الشعب المسلّح: فلسفة وتطبيق في الجهاد الليبي، منشورات الكتاب والتوزيع والإعلان والمطابع، 1981، ص 153.

[76] – محمد، الشاعر. ” الحرب الفدائية “، عمان ، دار البشير، 1990، ص 97.

[77] – فونجين جياب. حرب الشعب في فيتنام ” ترجمة عبد المسيح حسن، دمشق، منشورات وزارة الثقافة 1973.

[78] – بليمان، عبد القادر. التسيير والرهان الديمقراطي في الجزائر، الجزائر، الدار العربية للطباعة والنشر والتوزيع، 1992، ص 87.

[79] – Anthony Nutting, op cit, pp. 353.

[80] – Ibid, pp. 354.

[81] – بو شعير، سعيد، النظام السياسي الجزائري، ط 2، عين مليلة، الجزائر، دار الهدى، 1993، ص 71.

[82] – Anthony Nutting, op. cit., pp. 360.

[83] – أحمد، الشقيري، ” قصة الثورة الجزائرية “، مرجح سبق ذكره، ص 131.

[84] – أحمد، الشقيري. ” قصة الثورة الجزائرية “، مرجع سبق ذكره، ص 145.

[85] –  Anthony Nuthing, op. cit, pp. 381.

[86]  – Ibid, pp. 382.

[87] – أحمد الشقيري، نفس المرجع، ص 153.

[88] – أحمد، الشقيري. ص 168.

[89] – Desmond Stewart, “the Middle East, temple of Janus”, Hamish Hamilton, Ltd., 1971, pp. 181-182.

[90] – لقد استعملت كلمة دمشق في بعض الأدبيات القديمة، وكانت تشمل لبنان وفلسطين وسوريا.

[91] – Desmond Stewart, “The Middle East, Temple of Janus”, Hamish Hamilton, Ltd, pp. 127.

[92]– Anthony Nutting, “the Arabs”, Yale U.P. New Haven and London, 1967, pp. 366.

[93] – John Hall Stewart. A Documentary Survey of the French Revolution, New York, 1951, pp. 381.

[94] –  Desmond Stewart, “ The Middle East, Temple of Janus”, pp. 135.

[95] -Desmond Stewart, “The Middle East Temple of Janus” pp. 137.

[96] – Anthony Nutting, “The Arabs” yale u.p. New Haven and London, 1967, p. 366.

[97] – Ibid, p. 369.

[98]  – Desmond Stewart, p. 182.

[99]  – Ibid, pp. 183.

[100] – Anthony Nutting, pp. 369.

[101] – Ibid, pp. 370.

[102] – Desmond Stewart, pp. 184.

[103] – Anthony Nutting, pp. 371.

[104]– Paul Wittek, the Rise of the Ottoman Empire, London 1963, pp. 970.

[105] – H. Inalcik, “ Hand problems in Turkish History” the Moslem World, XLV, 1955, p.         257.

[106] – H. Inalcik, op. cit., pp. 258.

[107] – محمد جميل بيهم. العهد المخضرم في سوريا ولبنان، دار الطليعة – بيروت – ص. 29.

[108] – Hitti, Ahmad. the young turks, Oxford, 1969, pp. 183-5.

[109] – Ibid, p. 186.

[110] – Desmond Stewart, op. cit., pp. 331.

[111] – فايز، الغصيني. ” مذكراتي عن الثورة العربية “، دار الحداثة ، بيروت ، 1951، ص 151.

[112] – للإضطلاع على هذه الثورة أنظر كتاب الأستاذ فايز الغصيني ” مذكراتي عن الثورة العربية ” الصادر سنة 1956 ، دار الحداثة ، بيروت.

[113] – B. Lewis, the Arab in History, op. cit., pp. 283.

[114] – David Hirst, “The Gun and the Olive Branch” the Roots of violence in the Middle East, Verso, London and New York , 1977, pp. 185.

[115] – Ibid, David Hirst, pp. 192.

[116] – See Rabinowicz, Oskar, K., Winston Churchill on Jewish problems, Thomas Yoseloff, New York, 1960, p. 167.

[117] – See Jerffreys, J.M.N., Palestine: The Reality, Longmans, Green and Co. , London, 1939, Chapter II

[118] – David Hurst, pp. 193

[119] – Walid Khalidi, the prospects for the people in the Middle East, speech delivered in London, 8 October, 2002 Journal of Palestine studies, Issue 125, pp.

[120]–  Ingrams, Dorreen, Palestine papers 1917-1922, seeds of conflict, John Murray, London, 1972, p.31

[121] – Chaim Weizmann: Excerpts from his History statements, writings and Addresses, the Jewish Agency for Palestine, New York, 1952, p.48.

[122] – Weizmann, op. cit., p. 302

[123]– Palestine, A study of Jewish, Arab and British policies, ESCO Zionist Institute Yale University press, New Haven, vol. I. pp. 98-99

[124] – Ingrams Doreen, op. cit., p.146

[125] – Ibid. p.73

[126] – Desmond stewart, op. cit., p. 269

[127] – Ibid, pp. 269

[128]  B. Lewis: The Arabs in History, op. cit., pp. 335

[129] – Ibid, p. 351.

[130] – David, Hirst. The Gun and the olive Branch, op. cit., p. 121.

[131] – B. Lewis. Op. cit. p. 389.

[132] – إزداد عدد تلاميذ المدارس الابتدائية الحكومية من 8001 في العام 1920-1921 إلى 89482 في العام 1939-1940، وازداد عدد طلاب المدارس الثانوية الحكومية من 110 إلى 13959 في الفترة نفسها: العراق، وزارة التعليم،”التقرير السنوي عن سير المعارف” بغداد، 1957، ص43و54

[133] – من أجل نص المذكرة، التي كتبت في آذار 1933 أنظر: عبد الزاق الحسني، ” تاريخ الوزارات العراقية ” صيدا، 1953، الجزء الثالث، ص 286-293.

[134] – مذكرة الملك فيصل الأول السرية في آذار 1933: الحسني، ” تاريخ الوزارات العراقية “، الجزء الثالث، ص 288.

[135] – المرجع نفسه، ص 289و290.

– [136]       Stephen H. Longrigg. Iraq 1900 to 1950. A political, Social, and Economic History. Oxford, 1953.pp.166,246.

[137] – Hanna Batatu, the old social classes and the revolutionary movements of Iraq. Book II, New Jersey: Princeton university press, 1978. p.121.

[138] – Anthony Nutting, op. cit. pp. 420.

[139] – Ibid. p. 423 .

[140] – B. Lewis. op. cit., pp. 423.

[141] – Anthony Nutting. op. cit. pp. 430.

[142] – B. Lewis. op. cit. PP. 434.

[143] – B. Lewis. op. cit. PP. 480.

[144] – Nutting, Anthony. op. cit . PP. 453.

[145] – Hanna Batatu, the old social classes and the Revolutionary Movements of Iraq.             Book III: princeton university press, 1978, pp. 76

[146] – Hanna Batatu, op. cit., pp. 83.

[147] – الملازم فالح حنظل. ” أسرار مقتل العائلة المالكة في العراق “، دار الطليعة، بيروت، 1971، ص 93.

[148] – مذكرات عيد السلام عارف، “روز اليوسف” العدد 1980 بتاريخ 23 أيار (مايو) 1966 ص.28-29، والعدد 1981 بتاريخ 30 أيار (مايو) 1966، ص. 26.

[149]  – ANTHONY NUTTING, “The Arabs” op. cit. p. 487.

[150]  – فوزي، جرجس. دراسات في تاريخ مصر السياسي منذ العصر المملوكي، الدار المصرية للكتب القاهرة، 1958، ص 191- 193.

[151]  – جرجس، سلامة. تاريخ التعليم الأجنبي في مصر في القرنين التاسع عشر والعشرين، المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الإجتماعية، القاهرة، 1963، ص. 181.

[152] –  ANTHONY NUTTING, “ The Arabs”, op. cit p.p. 491-2.

[153]  – أنور، عبد الملك. نهضة مصر، الهيئة المصرية للكتاب، القاهرة، 1983 ، ص 181.

[154]  – نفس المرجع، انور عبد الملك، نهضة مصر، ص. 187.

[155]  – Gabriel, Bear. A History of Laudawner ship in modern Egypt – 1800 – 1950, oxford, u.p. London, 1962. pp. 178-9

[156] – Guizot .F.: Histoire de la Civilization en Egypt, paul Hartman, Paris  1938. pp. 153 – 4

[157] – Gabriel, Bcar: A history of Laudawner ship in modern Egypt 1800 – 1950, oxford, u.p. London. pp. 202-3

[158] – Desmond, Stewart. “the Middle East: Temple of Janus”, op. cit. pp. 349-50.

[159] – رياض، الصمد. ” العلاقات الدولية في القرن العشرين” ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت 1986، ص. 101.

[160] – جواهر لال نهر. ” لمحات من تاريخ العالم ” ، المكتب التجاري ، بيروت 1957، ص: 288 – 298 .

[161] – رياض، الصمد. ” العلاقات الدولية في القرن العشرين”، م.س . ص 103 انظر ايضاً سعد الدين ابراهيم،           ” مصر في ربع قرن “، معهد الانماء العربي، بيروت، 1981.

[162] – نفس المرجع، ص. 104.

[163]–  L’histoire au jour le jour 1944-1991” Edition le Monde, Paris, 1991, p. 128.

[164] – حسين، محمد البحارنة. ” دول الخليج العربي الحديثة” ، كتلة مؤسسات الحياة ، بيروت، 1972، ص. 32.

[165]  – نفس المرجع، ص. 32.

[166]  – نفس المرجع، ص. 35.

[167]  – نفس المرجع، ص. 36.

 [168] – نفس المرجع، ص. 39.

[169] – خالد، العربي. الخليج العربي، ماضيه وحاضره، بغداد 1972، ص: 13- 59. انظر ايضاً احمد ابو حاكمة: “تاريخ شرقي الجزيرة العربية ( الكويت – البحرين) ” ترجمة محمد أمين عبدالله ، بيروت 1965، ص: 67-88

[170] – احمد، سرحال. ” النظم السياسية والدستورية في لبنان والبلاد العربية”، دار الباحث: بيروت، 1980، ص. 484. راجع ايضاً: مارثا، دوكاس. ” أزمة الكويت ” دار النهار، بيروت، 1973.

[171] – نصوص الاتفاقية في الملحق رقم 3 من كتاب حسين محمد البحارنة، م.س.ص. 194 – 200.

[172] – نصوص الاتفاقية في الملحق رقم 3 من كتاب حسين محمد البحارنة، م.س.ص. 63.

[173] – جوهر لال نهرو. ” لمحات من تاريخ العالم” ، م.س.ص. 324.

[174] – أحمد، سرحال. ” النظم السياسية والدستورية في لبنان والبلاد العربية ” ، م.س، ص. 487.

[175] – أحمد سرحال، ” النظم السياسية والدستورية في لبنان والبلاد العربية “، م.س، ص. 487.

[176] – أحمد، سرحال. م.س، ص: 491

 [177]  – رياض، الصمد. ” العلاقات الدولية في القرن العشرين “، م.س.ص: 264

[178]  – نفس المرجع، ص. 266.

[179] – نفس المرجع، ص. 207.

[180]  -L’histoire au Jour le Jour op. cit, p. 342.

[181] – رياض، الصمد. ” العلاقات الدولية في القرن العشرين” ، م.س.ص، 274

[182]– Pakdoman Nasser: “Une lente maturation” le Monde 21-22, Avril 85, voir aussi: Philippe Moreau Defarges (2), Questions régionales Edition du Seuil, Paris, 1993, p. 22.

[183] – Charles, Ayoub. “Les mandats orientaux” thèse pour le doctorat, Recueil serey, Paris 1924, pp. 25-30.

[184] – د. عصام سليمانن الفدرالية والمجتمعات التعدّديّة ولبنان، دار العلم للملايين، بيروت، 1991. ص، 255 .

[185] – Georges Corm, Géopolitique du conflit libanais, Paris, Editions la Découverte, 1986,           p, 59-79, Ghassan Tuéni, Une Guerre pour les Autres, ParisL J.C. Lattès, 1985, p, 63-127, David C. Gordon, Lebanon: The Fragmented Nation, London, Croom Helm, 1980, p, 74-143.

[186] – د. كمال الصليبي ، مرجع سبق ذكره ، ص 58.

[187] – نفس المرجع ، ص 59.

[188] – لم تشترك الشعوب البلقانية الاسلامية، كالبشناق والارناؤوط، في الثورات التي قامت ضد السلطنة في بلاد البلقان، بل حافظت أشدّ الحفاظ على ولائها للدولة.

[189] – كمال الصليبي، مرجع سابق، ص. 196 .

[190] – نفس المرجع، ص. 197.

[191] – نفس المرجع، ص. 197.

[192] – كان اللبنانيون يطلبون إنشاء مرفأ خاص بالمتصرفية في جونيه.

[193] – M. Jouplain, La question du Liban ; étude d’histoire diplomatique et de droit            international, Paris, Librairie Nouvelle de droit et de Jurisprudence,1908, pp-544-5.

[194] – نفس المرجع، ص. 144 .

[195] – نفس المرجع، ص. 56.

[196] – نفس المرجع ، ص. 198.

[197] – كان الدستور العثماني، الذي تقرر في 1876، آخر أعمال عهد “التنظيمات”.

[198] – كمال الصليبي، تاريخ لبنان الحديث ، دار النهار، بيروت، 1967، ص 106.

[199] – راجع نصي البروتوكول (1861-1864) في

Gabriel NORADOUNGHIAN, Recueil d’actes internationaux de l’Empire ottoman, t.3, editions anthropos,Paris,1902,pp114-149 et 224-228.

[200] – راجع كمال الصليبي، نفس المرجع، ص 41.

[201] – نفس المرجع ص 78-79.

[202] – راجع نصي البروتوكول (1861-1864) في :

Gabriel NORADOUNGHIAN, Ibid, ,pp114-149 et 224-228

[203] – راجع نص البيان في الصحف اللبنانبة تاريخ 26- 9- 1943.

[204] – راجع نص البيان في الصحف اللبنانية تاريخ 4/7/1944.

[205] – د.عصام سليمان ،المرجع السابق، ص،169.

[206] – القانون الدستوري  الصادر في 21/9/1990 المادة 95.

[207] – د. عصام سليمان، مرجع سبق ذكره، ص، 166

[208] – نفس المرجع، ص، 165- 166 .

[209] – نفس المرجع، ص، 168.

[210] – Volney, Voyage en Egypte et en Syrie, ed. Maspe’ro, Paris, 1959, p.241.

[211] – كمال الصليبي، مرجع سابق، ص، 160.

[212] – ابن تسور ” حزب البعث الجديد في سوريا في مجلة التاريخ المعاصر الجزء الثالث 1968، وابتامار رابينوفيتش، سوريا تحت حكم البعث، 1963-1969، القدس 1972 .

[213] – Patrick, Seale, Asad, The struggle for the Middle East, Berkeley, university of California press, 1988, p. 283.

[214] –  مما يثبت ان الديكتاتورية الفاشية ليست توتاليتارية، هو ان المحاكمات السياسية كانت فيها قليلة جدا وبغير ذات اهمية نسبيا. وفي السنوات الفعالة بصورة خاصة، والتي تمتد من العام 1926 حتى 1932، اعلنت المحاكم الخاصة سبعة احكام بالاعدام، و 257 حكما بالسجن عشرة اعوام او اكثر و 1300 حكما بالسجن لاقل من عشر سنوات، وكتيرا من احكام بالنفي، 12000 شخصا اعتقلوا واعلنوا بريئين، وهذا اجراء ما كان ليرتئي في ظل الارهاب النازي او البوشفي. انظر إ. كوهن – برامستد، ” الديكتاتورية والشرطة السياسية تقنية الرقابة من خلال الخشية، لندن، 1945 ص 51.

[215] –  لطالما اشار المنظرون النازيون بتفخيم الى ان “الدولة الاخلاقية” التي انشأها موسوليني “والدولة الايديولوجية”  التي اقامها هتلر لا يمكن ان يمر على ذكرهما مرور الكرام

Got freid Neese, dans Zeitschrift fur die Gesamte staatswissenschafts, 1938, Band 98 “Die    verfassungsrechtliche.Gestaltung derin-parte” يقول غوبلز بهذا الصدد : ” ليس للفاشية اية صلة بالحزب الوطني الاشتراكي ففي حين يمضي هذا الاخير الى الجذور، فان الفاشية لا تعدو كونها سطحية” (يوميات غوبلز، 1942-1934، الصادرة عن لويس لوخنر، نيويورك، 1948، ص 71)  “ليس الدوتشي ثوريا شأن الفوهرر او ستالين، فهو شديد التعلق بشعبه الايطالي وهذا مما يحول دون اكتسابه صفات الثوري ذي المدى العالمي” نفس المرجع ص 468 وكان هملر قد عبر عن نفس الراي في خطاب القي عام 1943  امام مؤتمر من الضباط الكبار: ” ان الفاشية والاشتراكية – الوطنية مختلفتان بصورة اساسية… وليس من مجال للمقارنة بينهما باعتبارهما حركتين روحيتين وايديولوجيتين” انظر كوهن برامستد، المذكور سابقا ملحق أ.

منذ بدء العشرينات، اعترف هتلر بوجود قرابة ما بين الحركتين الشيوعية والنازية: ” في حركتنا يتلاقى الطرفان النقيضان، الشيوعيون الاتون من اليسار والضباط والطلاب الاتون من اليمين، هؤلاء طالما كانوا العناصر الاكثر نشاطا… اما الشيوعيون فكانوا مثاليي الحركة الاشتراكية… انظر هايدن، المذكور سابقا، ص 147 وكان  “روهم” ، قائد فصائل الهجوم لا يني يردد رأيا شائعا اذ كتب في نهاية العشرينات، ” ثمة الكثير من الامور ما بين الشيوعيين وبيننا، ولكننا نحترم صدق قناعتهم وارادتهم في التضحية في سبيل قضيتهم وهذا ما يوحدنا بهم” (Ernest Rohum, Die Gechichte eines Hochverartes, 1933, Volkasaus gabe p. 273)

    كادت الحرب الاخيرة ان تجعل النازيين يعترفون بالروس مساوين لهم. واذ كان هتلر يتحدث ، في ايار من العام 1943، امام مؤتمر ضباط الرابخ وقادة الفرق المنقولة، ” بدا القول انه في الحرب الحالية، تتواجه البرجوازية والثورية. وقد كان يسيراً لنا ان تخرج الدو ل البرجوازية  من المعركة، اذ كانت ادنى منا بكثير. ان الدول التي تملك ايديولوجية تكون اكثر حدة  وفعالية من الدول البرجوازية… ( في الشرق) واجهنا عدوا يرعى، هو  الاخر، ايديولوجيا، وان كانت سيئة…” (يوميات غويلز، ص 355) وكان هذا يقوم على اعتبارات ايديولوجية لا عسكرية. وكان غوتفريد نيسه ” حزب ودولة”، 1936، قد اعطى صيغة رسمية لصراع الحركة من اجل بلوغ السلطة : ” بالنسبة لنا، تمتد جبهة النظام الموحدة من الحزب الوطني للشعب الالماني ( اي من اقصى اليمين) الى الاجتماعيين الديقمراطيين. اما الحزب الشيوعي فكان عدوا خارجيا للنظام. وبالتالي فانه ينبغي لنا، بعد ان تنقضي الاشهر الاولى من العام 1933، ويتقرر اثناءها مصير النظام، ان نجرد معركة حاسمة ضد الحزب الشيوعي” ص 76.

[216] – ” اقوال هتلر لدى المائدة” ص 113 ونجد فيه العديد من الامثلة التي تظهر هتلر، عكس بعض الخرافات، الصادرة بعد الحرب، غير عازم اطلاقا على حماية ” الغرب من البولشيفية، انما ظل امدا طويلا مستعدا للتحالف مع “الحمر” من اجل تدمير الغرب، حتى ابان صراعه المديد ضد روسيا السوفياتية. انظر بالاخص ص 95، 108، 113، 158، 385.

[217] – بتنا نعرف اليوم ان ستالين كان اخطر مرات متتالية من هجوم هتلر الوشيك على الاتحاد السوفياتي وكان لا يزال ستالين يرفض ان يصدق انتهاك هتلر للمعاهدة حتى حين ابلغه الملحق العسكري السوفياتي في برلين بتاريخ بدء الهجوم النازي ( انظر خطاب خروتشيف عن ستالين”، وهو نص وزعته دائرة الدولة، نيويورك تايمز، 5 حزيران 1956 )

[218] – Hannah Arendt, les origins du totalitarismes/ le systéme totalitaire chapitre II,Seuil, Paris, 1972, p. 34-35.

[219] – يمكن ان نجد عددا كبيرا من هذه التصاميم، القائمة على وثائق اصلية، في كتاب ” تراس الحقد” لمؤلفه “ليون بوليا كوف”، باريس 1951، الفصل 8 – انما بمقدار ما تتعلق ( هذه التصاميم بابادة، الشعوب غير الجرمانية، ولا سيما الشعوب ذات الاصل السلافي. على ان سلاح التدمير النازي هذا لن يسعه استثناء الشعب الالماني نفسه، وهذا جلي من الاجراء الصحي الصادر عن الرايخ، والذي صاغه هتلر بنفسه. ويقترح فيه ” عزل” كل العائلات التي تنطوي على حالات امراض قلبية ورئوية عن بقية الشعب، تمهيدا لتصفيتها جسديا في المرحلة اللاحقة. هذا الاجراء وبعض المشاريع الاخرى من اجل المانيا منتصرة، كانت متضمنة في رسالة دورية الى قادة القطاعات في هسّه ناسو، وكانت هذه التصاميم قد قدمت على انها تقرير عن نقاش دار في القيادة العامة للفوهرر حول الاجراءات الواجب اعتمادها ” قبل….. وبعد انتهاء الحرب المظفرة” انظر اختيار وثائق “التآمر والعدوان النازيان” واشنطن 1946 المجلد (7) ص 175.

الى ذلك كان الامر يتطلب اصدار “تشريع شامل” يكون من شأنه تشريع “النفوذ الدستوري” للشرطة وتوسيع صلاحياتها في اعتقال اشخاص بريئين من كل جرم وارسالهم الى معسكرات الاعتقال (انظر بول ورنر، س.س. ستاندار تنفوهرر، في Deutsches jugendrecht هِفت ، 4، 1944)  وبصدد هذه “السياسة السلبية حيال الشعوب”، والتي كان لها نفس الاهداف المحققة في حملات التطهير البولشيفية، من المهم ان يتذكر المرء انه “ما كان ممكنا ايقاف مسار الانتخاب الانف”.Hinnler, “Die Schutzstaffel,dansGrundlagen,Augbau Und Wirt schaftsordrung des national sozialistischen states,n°7b)

[220] –  وهذا تبرزه المعلومة التالية، التي يرويها سوفارين، المذكور سابقا، ص 669 ” على حد ما يورده  وكريفيتسكي وهو الذي يحظى بأفضل المصادر ثقة من جهاز الشرطة السوفياتية قال : ” لا بد ان نجد 171 مليونا من السكان المتوقعين للعام 1937، لم نلق سوى 145 مليوناً وعلى هذا فقد كان ينقص حوالي 30 مليوناً من الاشخاص في الاتحاد السوفياتي ” وهذا الامر حدث بعد القضاء على الغولاك، الذي كلف قرابة 8 ملايين ضحية. انظر، “الشيوعية قيد الفعل”، نشرة الجمهور الاميركي، واشنطن 1946، ص 149,

[221] – Hannah Arendt,op. cit, p. 36.

[222]  – op.cit, p. 34.

[223]–  لطالما اشير الى “الفتنة السحرية” التي كانت تتولى مخاطبي هتلر، واخر ما ذكر في هذا الصدد من قبل الناشرين الالمان Hitelers tischgesprache، بون، 1951 (كلمات هتلر على مائدته، نشرة اميركية، نيويورك 1953، اورد بعضا مما اتى في الطبعة الالمانية). هذا الافتتان هذا الانجذاب الغريب الذي كان ينّم عن شخص هتلر بطريقة عصية على الرد) انما كان يرتكز على ” ايمان هذا الرجل المعتصَّب في ذاته” (مُدخل جيرهارد، دريتر، ص 14) وعلى احكامه شبه المصرح بها على كل ما هو قائم تحت الشمس، وعلى ان آراءه، اكانت تتعلق بمفاعيل التبغ الضارة او بسياسة نابليون – يمكن ان تندرج في سياق ايديولوجيا شاملة. الافتتان هو ظاهرة اجتماعية، وينبع فهم الافتتان بهتلر من خلال محيطه الخاص. =

إنّ للمجتمع ميلا دائماً الى قبول امرئ لما يدّعي كونه، بالدرجة الاولى، بحيث غن مجنوناً يفترض نفسه عبقرياً قد يكون له الحظ في ان يصدقه الناس ان افتقاد المجتمع المعاصر الى المقدرة على التمييز ، ما مكن هذا الميل، بحيث لو ان امرءاً  قدّم افكاره في نبرة من القناعة الراسخة صار من الصعوبة  بمكان ان يفقد هيبته، رغم توالي اخطائه المريبة. وهتلر، الذي يعرف حق المعرفة التشوش الذي آلت اليه الافكار في عصرنا اكتشف ان فضلى الطرائف لتجنب التردد ازاء اراء مختلفة و”القناعة بان كل شيء هو هراء (ص 281) كانت  بالانتساب الى تيار ” واحد فحسب” من تيارات الرأي العديدة وذلك “بحزم مطلق” وكان من شأن هذه العصبية المطلقة ان فتنت المجتمع، لانها تلبث متحررة، في زمن التعبير عن نفسها، من تشّوِش الاراء الذي لا تني تولده باستمرار. غير ان ” للموهبة” الفتنة هذه معنى اجتماعيا ليس الا، وذلك بيّن وحتمي في “كلمات المائدة” لأن هتلر كان  لا يزال يؤدي لعبة المجتمع وما كان يتحدث الى نظرائه، انما الى قادة قوات الدفاع، الذين كانوا ينتمون بغالبيتهم الى ” المجتمع”. ومن الخطأ الكلي الظن ان نجاحات هتلر كانت تعزى الى “قدرات السحر” لديه، وهو اذ فتح هذه الصفات الوحيدة، ما كان ليصير سوى رجل ذي شهرة مجلسية.

[224]  – Hannah Arendt, op.cit, p. 31.

[225] – انظر الملاحظات الموضحة في هذا الصدد لـ ” كارلتون ج – هـ ، هايز حول ” جدّة التوتاليتارية في تاريخ الحضارة الغربية”، وذلك في ندوة حول الدولة التوتاليتارية، 1939، من اعمال الجمعية الفلسفية الاميركية، قيلادلفيا، 1940، المجلد 82.

[226] – في الواقع تلك كانت ” اول ثورة هامة في التاريخ التي اكتملت بتطبيق التشريع الكامن في لحظة الاستيلاء على السلطة، لـ هانز فرانك، Recht Und Ver waltung ” الحق والحكم” 1939، ص 8.

[227] – Hannah Arendt, op.cit, p. 32.

[228] – كان ” ف. بوركتو” قد وصف وصفا مضبوطاً : ” لم يكن للشيوعيين سوى نجاح متواضع للغاية حين سعوا الى اجتلاب جماهير الطبقة العاملة، ومن ثم، فإن الدعم الجماهيري لهم، هذا ان كان هناك من يدعمهم، كان أبعد من ان ينسب الى البرليتاريا”.

[229]  – Hannah Arendt, op.cit, p. 37.

[230] – Op.cit, p. 38.