الفصل الأول من كتاب الدكتورة رندا ماروني الذي عنوانه: الدولة في العالم العربي من الحداثة إلى العولمة

210

الفصل الأول من كتاب الدكتورة رندا ماروني الذي عنوانه: “الدولة في العالم العربي من الحداثة إلى العولمة”

إعـداد: رندا ماروني

11 كانون الأول/2021

الفصل الأول/الدولة

القسم  الأوَّل

الدولة في الفكر العالمي والدولة في الفكر الاسلامي

أولاً – الدولة في الفكر العالمي:

1- الدولة محور ثلاث تيارات فكريَّة:

لقد انبثقت الديمقراطيَّة والدولة القوميَّة كتوأمين من الثورة الفرنسية، وبرزت التناقضات حول تفسير مفهوم الدولة في القرن التاسع عشر، فعندما يتحدث الكثيرون عن الدولة في الأدبيات السياسية المعاصرة، فإنما يدور في أذهانهم بصفة أساسية ظاهرة الدولة القديمة كما تطورت في أوروبا الغربية في الفترة من القرن السادس عشر حتى القرن العشرين،. وكما نظر اليها مفكرون روّاد من امثال ماكيافيلكي وبودان وهوبز وهيغل، والى أن جاء كارل ماركس في القرن التاسع عشر بتحديه النقدي لمفاهيم الدولة المتعارف عليها، ثمّ التحول الذي عرفه هذا  مفهوم في ثلاثينيات القرن العشرين، من خلال ترجمة الحقيقة الديمقراطيَّة في المذهب الشمولي ” Totalitarianism “. كان من المألوف النظر الى الدولة باعتبارها صورة للسلطة العامة، منفصلة عن كل من الحاكم والمحكوم، وممثِّلة لأعلى السلطات السياسية داخل حدود جغرافية معينة. ومع ذلك فقد ظلّت طبيعة الدولة ووظائفها ودورها في المجتمع وعلاقاتها بالدول الأخرى محل جدل كبير في الفكر السياسي الغربي. فمن ناحية عمل أصحاب الفكر الليبرالي على تأكيد علاقة مفهوم الدولة بفكرة السيادة وبحقوق المواطنة، واستكمل روّاد الفكر الديمقراطي الحديث هذا التوجه بالتركيز على اهمية فكرة المسؤولية السياسية.

ومن ناحية أخرى اتجه الفكر الماركسي الى إبراز صلة الدولة بالهيكل الطبقي وعلاقاته ودورها كأداة للضبط الاجتماعي والقهر السياسي في ظروف اجتماعية معينة.( ) أمّا الفكر التوتاليتاري فقد اختصر المؤسسات بارادة القائد، فارادة القائد أو الزعيم هي ارادة الشعب.

وتتبلور الدولة في فكر هيغل كتعبير عن انتصار الفكر على المادة وانتصار الوحدة على التشتت، وكتسجيد لأرقى القيم المعنويّة العامّة. وعنده أن الدولة البروسية تمثل مفهوم الفكرة العامة والارادة العامة. وأهم مؤسسات الدولة في نظر هيغل هي البيروقراطية التي تخضع فيها مصالح الخصوصية لمفهوم تنظيمي عام قائم على تدرج السلطة والتخصص والخبرة والتنسيق من ناحية، مع خضوع للضغوط الخارجية المطالبة بالكفاءة، وعدم المحاباة من ناحية أخرى.

أما ماركس فقد رأى ان هذا المفهوم يمثل فكرة الدولة (البيروقراطية) عن نفسها والتي تحاول ترويجها بين بقية فئات المجتمع، مدّعية أن البيروقراطية هي الغاية النهائية للدولة لأنها التعبير عن فكرة المصلحة العامّة. وعند ماركس أن جهاز الدولة هو بالفعل مصدر مستقل للعمل السياسي، ولكنه في جوهره جهاز طبقي منعزل عن المجتمع المدني. وتصل استقلالية هذا الجهاز أحياناً كما في نموزج لويس نابليون بونابرت (1848-1852) الى مستوى  قدرته على الحد من قدرة البورجوازية على السيطرة على جهاز الحكم. ومعنى ذلك أن موظفي الدولة لا يقومون بمجرد عملية ترتيب للحياة السياسية في سبيل خدمة مصالح الطبقة المسيطرة في المجتمع، بل تتجاوز الدولة دور التنسيق في بعض الأحيان الى دور إحداث التغير في المجتمع، وذلك على سبيل المثال عندما يكون هناك نوع من التوازن النسبي بين القوى الاجتماعية فيه.

هذه الفكرة التي طوّرها ماركس عن الدولة في كتاباته الفلسفيَّة، من خلال نقد فلسفة الحق عند هيغل والبرومير الثامن عشر للويس نابليون، قد توارت أحياناً في بعض التفسيرات الماركسية، وراء فكرة أخرى أكثر تبسيطاً عن الدولة عبّر عنها ماركس في كتاباته الخطابية (من قبيل الاعلان الشيوعي) والتي تظهر الدولة فيها كانعكاس يكاد يكون مباشراً لقاعدة العلاقات الاقتصاديَّة في المجتمع، ومن ذلك العبارة المتداولة : ” إن السلطة التنفيذيَّة للدولة الحديثة ليست أكثر من لجنة لادارة الشؤون المشتركة لمجمل البرجوازية”.

ولكن حتّى هذه العبارة لا تعني بالضرورة أن الدولة واقعة تحت سيطرة البرجوازيَّة ككل بل من المتصوّر ان تكون لها استقلاليَّة معينة عن بعض قطاعات هذه البرجوازيَّة.

ومع ذلك، فلا شك ان هناك نوعاً من التناقض في تفكير ماركس بخصوص الدولة فهو في بعض الاحيان يرى أنها مستقلّة بصورة يعتد بها عن المجتمع. وفي أحيان أخرى يرى أنها في الاساس انعكاس لهذا المجتمع وبخاصة للأوضاع الطبقية فيه. وقد أدى هذا التناقض إلى اثارة جدال خصب في الاوساط الماركسية المعاصرة حول طبيعة الدولة وعلاقاتها بالمجتمع المدني وقد قام عدد من الماركسيين المحدثين بتقديم إسهامات هامة لشرح الاساليب المتنوعة والمعقدة التي تمارس الطبقات المسيطرة السلطة عن طريقها، ومن هؤلاء لوكاتش وكورش، وعلى وجه الخصوص غرامشي.

فقد رأى غرامشي أنه في حين تنتظم الدولة ويتبلور هيكلها بالاستناد الى القوى الإقتصادية وضرورات الانتاج الاقتصادي، فإن الدولة ليست مجرد انعكاس فوقي لهذه القوى والضرورات، بل هي أكثر من ذلك أداة للترشيد والعقلنة الاقتصادية، تعمل بمقتضى خطة معينة، وتقوم بحث الناس وتعبئتهم واستخدامهم ومعاقبتهم، وهي بذلك تمثل أداة تعليمية وتثقيفية رئيسية في المجتمع.( )

وقد ثار الجدل الماركسي من جديد حول طبيعة الدولة حين قام رالف ميليباند بنشر كتابه حول الدولة في المجتمع الرأسمالي في نهاية الستينات( ) فقد أثار هذا الكتاب من جديد قضية ما اذا كانت الدولة بالفعل، وكما يعبّر عنها الفكر الليبرالي، هي الحكم بين المصالح المتنافسة في المجتمع وأداة محايدة لبعض الصراعات فيه، وقد رأى ميليباند أن الدولة في المجتمعات الغربية المعاصرة تسيطر عليها طبقة حاكمة تملك وسائل الانتاج وتتحكم فيها وأن هذه الطبقة لها صلات وثيقة بكل المؤسسات القويّة في المجتمع من أحزاب وقوّات مسلحة وجامعات ووسائل إعلام، كما أن لها سيطرة كبرى على مراكز التحكّم العليا في المجتمع. ولما كانت هذه الطبقة على جانب كبير من التجانس فانها تمثل مصدر نفوذ كبير على أجهزة الحكم، من شأنه ضمان استمرار وسيطرة هذه الطبقة على المجتمع. ومع ذلك فقد رأى ميليباند أن الدولة تحتاج لفعالية عملها السياسي الى فصل نفسها بطريقة إجرائية عن أقسام الطبقة الحاكمة المختلفة، بل قد توجه سياستها أحياناً ضد المصالح المباشرة للطبقة الرأسمالية في الاجل القصير. يضاف إلى هذا أن الدولة تتمكن في الظروف الاستثنائية من قبيل ظروف الأزمة الوطنية أو الحرب من التوصل إلى درجة عالية من الاستقلالية عن المصالح الطبقية.

انتقد نيكولاس بولانتزاس هذا التحليل( ) وبدأ جدالاً حامياً في هذا المجال( ) ورأى بولانتزاس أن الانتماء الطبقي للقائمين على جهاز الدولة ليس ذا أهمية كبيرة بالنسبة للعمل الملموس لهذا الجهاز وإنما الأهم في نظره هو المكونات الهيكلية للدولة الرأسمالية التي تدفعها الى حماية الاطار العام بعيد المدى للانتاج الرأسمالي، حتى اذا تضمّن هذا صراعاً عنيفاً مع بعض أجزاء الطبقة الرأسمالية، وعلى هذه الدولة أن توفر التنظيم السياسي للطبقات المسيطرة. وذلك أن فروع الطبقة المسيطرة تتجاذبها مصالح مباشرة متباينة تؤدي الى بروز المناقشات والضغوط بين شرائحها المختلفة. كذلك فإن على الدولة القيام بالتنظيم السياسي للطبقات العاملة لكي لا تسمح لها، في ظروف تركيز الانتاج، بتحديد سيادة الطبقات المسيطرة. ولمّا كانت الطبقات المسيطرة مهددة دائماً بالتفتت (لتعدد مصالحها المباشرة والمؤقتة) فإنّ حماية الدولة تكون ضرورة  أساسية للحفاظ على المصالح طويلة الأجل لهذه الطبقات. ولا تستطيع الدولة أن تقوم بهذه المهمة ما لم تمتع بدرجة من الاستقلال النسبي عن المصالح الخاصة للشرائح الطبقية المختلفة.

وعلاوة على هذا فليست الدولة في الواقع كتلة واحدية، بل هي حلبة للصراع والاختلاف (الذي يمثل عملية تركيز وتلخيص للقوى الطبقيّة).

أما درجة الاستقلال الفعلي الذي تتمتع به دولة معينة فيعتمد على العلاقات بين الطبقات وشرائح الطبقات وعلى وحدة الصراعات الاجتماعية فيها. فالدولة المركزية الحديثة إذن هي نتاج ضروري لخوض التنافس القائم في المجتمع المدني، ولكنها أيضاً قوة رئيسية في المحافظة على هذا التنافس والانقسام وإعادة إنتاجه.

حظيت أفكار بولانتزاس حول الدولة بتقدير الكثيرين، ولكن الانتقادات وُجِّهت اليها كذلك واشترك في هذا عدد من الماركسيين من أهمهم ” أوف ” و” هابرماس “.

ومن أهم انتقاداتهما أن تشديد بولانتزلس على اعتبار الدولة “تركيزا” وتلخيصاً للقوى الطبقية قد منعه من إيلاء القدر اللازم من الاهتمام لتطور المؤسسات وتمايزها. وللعلاقات المعقّدة التي تقوم بين النخب الاجتماعية وموظفي الحكومة والنواب البرلمانيين. وقد حاول هذان الكاتبان أن يوضحا الأساليب المؤسسيّة المعقدة التي تقوم الدولة عن طريقها بدور الوساطة بين المصالح الطبقيّة المتناقضة، معبِّرة عن بعضها أحياناً ومعدّلة لبعضها أحياناً أخرى.

ومن ناحية أخرى أصبح للدولة مفهوم جديد في ثلاثينيات القرن العشرين، حيث بلتت تمثّل شكل من أشكال التنظيم السياسي يقوم على اذابة جميع الأفراد والمؤسسات والجماعات في الكل الاجتماعي ” المجتمع، أو الشعب، أو الأمَّة، أو الدولة ” عن طريق العنف والارهاب، ويمثّل هذا الكل قائد واحد يجمع في يديه كل السلطات. وهو في الغالب شخصيَّة كريزمية Charismatic له قوَّة سحريَّة على جذب الجماهير، ولهذا يلقبونه بالزعيم، ويطيعونه طاعة مطلقة، وهو يعبّر عن ارادة الشعب، لكن كيف تتكوَّن ارادة الشعب؟، وكيف تتحدَّد؟ هاهنا يكمن ضعف الديمقراطيَّة: مظاهر التلاعب بمشاعر الجماهير والسيطرة على الشعب وباسم الديمقراطيَّة، ظاهرة قديمة قدم الديمقراطيَّة نفسها وهذا التخوف جعل جون ستيوارت مل J.S.Mill ، (1806-1873) والكسي دي توكفيل  A. de Toqueville (1805-1859) في القرن التاسع عشر يتحدثان عن ” طغيان الأغلبيَّة ” اذ يرى “مل” مثلاً أن طغيان الأغلبيَّة أصبح يندرج، بصفة عامَّة، بين الشرور التي ينبغي على المجتمع أن يحترس منها… فهذا الضرب من الطغيان أدهى وأمرّ من كثير من ضروب الاضطهاد السياسي. ثم يقول ” ومن ثم فانَّه لا يكفي حماية الفر من طغيان الحاكم وانَّما الحاجة ماسة الى حمايته من طغيان الرأي العام، والشعور السائد، وميل المجتمع لفرض الآراء والمشاعر على الفرد الذي يرفض قبولها…” . والواقع أن  “مل” يصف سيكولوجيَّة الأغلبية وتصرفاتها بأنها ” لا معقولة “، ولقد أدرك السياسيون الشموليون هذه الحقيقة، فاتجهوا الى مشاعر الناس، لا الى عقولهم، واكتسبوا التأييد من خلال تعطيل ” العقل “، والهاب المشاعر، واثارة الحماس بالخطب واللافتات، والشعارات الكبرى، اذ يسهل جذب الجماهير عن طريق العواطف والمشاعر لأن طريق المناقشات العقلية أو طرح الأفكار قد تثير جدلاً، وبالتالي خلافاً في الرأي، والخلاف في الأي غير مسمح به، لأنَّه يتعارض مع الرؤية الشموليَّة التي توحد المجتمع في كل واحد.

ثمّ ظهرت كتابات في أواخر الثمانينات تسعى الى إعادة لفت الأنظار إلى أن الدولة ليست فحسب كياناً داخلياً يتأثر بحركة مجتمعه الوطني الخاص، وإنما هي أيضاً. بل وأحياناً في المقام الأول، وحدة متأثرة في تكوينها وفي سلوكها بالظروف الدولية، وهي نقطة سبق أن أشار اليها عالم الاجتماع الالماني ماكس فيبر في القرن التاسع عشر.

ومن أهم الاسهامات في هذا الصدد دراسات ثيدا سكوكبول. ترى سكوكبول أن الدولة، مثل الإله الروماني جانوس، ذات وجهين : أحدهما يطل على الهياكل الاقتصادية الاجتماعية وانقساماتها الطبقيّة وثانيهما يطل على النظام العالمي بما يحتويه من دول متعدِّدة.

وفي رأيها أن شكل الدولة، أي حجمها وحدودها وبنيتها العسكرية وتكوينها الإثني والعمالي… الخ، إنما يعتمد الى حد بعيد على تاريخ الوقائع الخارجية والظروف العالميّة التي يمر بها المجتمع.

سككبول إذن ترفض المناهج القائمة على فكرة تبلور الدولة حول المجتمع لأن هذه المناهج تتغافل عن الطبيعة الاساسية للدولة وهي سيطرتها على وسائل القهر والإدارة بهدف استخدامها داخلياً وخارجياً لتحقيق أهداف محورها الاساسي “سلطوياً” وليس “توزيعياً”. ومن الواضح هنا تأثر سكوكبول بالفكرة الفيبرية الشهيرة عن كون الدولة هي الكيان الذي يتمتع شرعياً بحق احتكار استعمال القوة داخل مجتمعه او بالنيابة عنه، مُجسَّدة فكر تيار السياسة الواقعيَّة الذي ظهر بعد الحرب العالميَّة الأولى في الولايات المتحدة الأميركيَّة ومن أهم روَّاده مفكرين أمثال هانز مورغنتاو وريمون آرون.

2- الدولة في الدراسات السياسيَّة الأقتصاديَّة والإجتماعيَّة:

لقد كان موضوع الدولة محور البحث السياسي من قبل معظم علماء السياسة وبالأخص من قبل علماء السياسة الأميركيين خلال فترة الثمانينات بعد أن كان قد اصابها تدهور شديد في الفترة اللاحقة للحرب العالمية الثانية ذلك بتأثير عدة عوامل فمن ناحية كان ازدهار الفاشية في فترة ما بين الحربين – بما تقوم عليه من إعلاء لفكرة الدولة – داعياً الى تخوّف بعض أوساط المثقفين من المفهوم بأكمله باعتبار النتائج العنصرية والحربية التي تمحّض عنها تطبيق مبادئ الفاشية والنازية. ومن ناحية اخرى كان تأثر عدد كبير من المثقفين بالفكر الماركسي الكلاسيكي داعياً الى النظر الى العنصر السياسي (ومحوره الدولة) باعتباره تعبيراً فوقياً ثانوياً عن ظاهرة نمط الانتاج وعلاقاته، أو باعتباره متغيراً تابعاً للتطورات الاقتصاديَّة – الاجتماعيَّة المتمثلة بصفة رئيسية في صراع الطبقات ومن ناحية ثالثة أدى ازدهار المدرسة السلوكية في الولايات المتحدة الاميركية الى استبعاد موضوع الدولة، اذ تأثر علماء السياسة الأميركيون بمناهج علم النفس والاجتماع ورأوا في تفوّق امكاناتها الكمية على الامكانات الكمية والتجريبية للدراسات السياسية مجالاً للاقتباس في سبيل الارتقاء بمستوى ” علمية ” الدراسات السياسية.

وكانت النتيجة هي تركيز علم السياسة الأميركي  على دراسة تأثير المجتمع على السياسة (أي تأثير الأسرة والمدرسة وأنماط القيم والثقافة … الخ. على السلوك السياسي) دون أن يهتم بالقدر الكافي بالحركة العكسيَّة، اي بتأثير السياسة (والدولة) على المجتمع.

على أنه مع بداية السبعينات، وبالتأكيد مع انتصافها، بدأ هذا الوضع في التغيّر واصبح موضوع الدولة موضوعاً محورياً في الدراسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتاريخية. وقد تأثر هذا التحول بعدد من التطورات، منها حصول معظم المستعمرات على استقلالها السياسي وتمسكها بالاطار التنظيمي والقانوني لفكرة الدولة كما صاغها الفكر الدستوري الأوروبي، ومنها تبلور حركة الولايات المتحدة كدولة وتوسعها استراتيجياً واقتصادياً على المستوى العالمي، ومنها الجهود الثقافية التي أسهم بها الماركسيون الجدد لمحاولة فهم ظاهرة الدولة، وبخاصة حين تبيّن بصورة متزايدة أن البلدان الاشتراكية في اوروبا الشرقية قد اتجهت نحو تدعيم بنية الدولة الاشتراكية بدلاً من ان تعتبرها بحسب المنظور الماركسي التقليدي مرحلة انتقالية نحو الشيوعية الكاملة. ومن هذه الاسباب كذلك ظهور قصور المدرسة السلوكية الأميركية عن شرح الكثير من الظواهر السياسيَّة. إذ اتضح أن ما يمكن قياسه أو دراسته تجريبياً ليس هو بالضرورة أهم الموضوعات أو أكثرها الحاحاً. كل هذه العوامل وغيرها قد اجتمعت لتجعل من موضوع الدولة موضوعاً جوهرياً في الدراسات السياسيَّة في السنوات الاخيرة. وليس معنى هذا أن موضوع الدولة كان قد أهمل تماماً، فقد ظل هذا الموضوع محط اهتمام الدارسين في القارة الأوروبية سواء  في مجالها الثقافي اللاتيني أو الجرماني، ويصدق هذا بصفة خاصة على فقهاء القانون العام الدستوري، وعلى علماء السياسة الأوروبيين الذين تربّوا على المدرسة القانونية. ولكن هذه الدراسات وبخاصة في صورتها الفرنسية التي أثرت بصفة واضحة على الدراسات السياسية في البلاد العربية وبلاد أميركا اللاتينية وغيرها قد تميّزت بقدر عال من الشكلية والجمود والاعتماد على فكرة المبادئ وعلى شرح وتفسير النصوص دون الاهتمام بدور وحركة الدولة في الواقع الاجتماعي، ملتزمة بالفكرة القائلة ان الكون كون منظم تنظيماً عقلياً وان الانسان بصفته مشاركاً في خلق هذا النظام ، قد حباه الله بملكة العقل.

3- الدولة في الدراسات القانونيَّة:

بينما سعى الفكر الكلاسيكي في التشريع الاسلامي الى التضييق على العقل البشري بصفته مصدراً من مصادر التشريع والى الغائه، تبنّت مدرسة القانون الدستوري مفهوم الدولة كما تصوّره هيغل بصفتها تعبيراً عن العقل في مواجهة المادة، عن الوحدة في مواجهة التصارع، عن العام في مواجهة الخاص، أي بإعتبارها كياناً خارج المجتمع المدني وأعلى منه، يعبِّر عن مجموعة من الأفكار المجرّدة المتجاوزة للفئوية الضيِّقة. ولكي يؤكدوا فكرة تعالي الدولة عن المجتمع وانفصالها المبدئي عنه استعادوا من القانون الخاص فكرة “الشخصية المعنوية” للدولة. الدولة إذن كيان اعتباري له عقل أو منطق معيّن يوجِّهه ويتحكم في تصرفاته، بحيث يؤدي في النهاية الى تحقيق نوع من التوازن الديالكتيكي بين اعتبارات الانتظام واعتبارات التحرك.( )

وينظم هذا الكيان المستقل (الدولة) عمليَّة تواجد شعب معيّن في اقليم معيّن، على أساس فكرة مجرَّدة معينة هي فكرة السيادة. ولفكرة السيادة بعدان أوَّلهما يعبّر عن مبدأ التناقض بين الـ ” نحن ” والـ ” هم “، وثانيهما يعبّر عن فكرة ” السلطة العامَّة ” في الداخل، ولكي يتحقق للسلطة فكرة العمومية لا بد بالاضافة الى ارتفاعها عن المجتمع، أن تقوم على مبدأ التمفصل الداخلي، اي على انقسام وظيفي الى ارتفاعها عن المجتمع، أن تقوم على مبدأ التمفصل الداخلي، أي على انقسام وظيفي للمهام، وتوازن متبادل ورقابة متبادلة يعبّر عنها مبدأ الفصل بين السلطات.( )

مبدأ الفصل بين السلطات إذن هو المصاحب الوظيفي لفكرة انقصام وتسامي الدولة عن المجتمع. ولكن لكي يكون هذا الانفصام كاملاً ومتطرفاً، لا بد ان يتضمَّن نظام الفصل بين السلطات آلية معيَّنة لاعادة الصلة بين الاثنين وتتمثل هذه الآلية في عملية الانتخابات، هذه هي أهم ملامح فكرة الدولة كما تعبّر عنها المدرسة الليبراليَّة الأوروبيَّة في القانون الدستوري.

ونلاحظ أن مبدأ السيادة الذي يعبّر في المجال الخارجي عن وحدة الدولة في استقلاليتها في مواجهة الدول الأخرى قد اقترن في القرن التاسع عشر بمبدأ انفراد الدولة داخل اقليمها بكافة سلطات الحكم وصلاحياته المطلقة بما في ذلك الانفراد بالحق القانوني المطلق في استخدام العنف. ويفترض هذا المبدأ أن علاقات السلطة الرأسية داخل المجتمع، هي علاقات مباشرة بين الدولة وبين الأفراد كأفراد، أما العلاقات الأفقية بين الأفراد فيفترض قيامها على فكرة الحريَّة ومبدأ ” العقدة ” ومع ذلك فإن ملكية رأس المال تتمتع بالحماية القانونية والسياسية داخل الدولة. ويترتب على ذلك بالضرورة خلق استمرار علاقات السيطرة بين الافراد المنتمين الى طبقات مختلفة ومن هنا يصوّر التناقض الرئيسي في طبيعة الدولة الأوروبية التي تطوّرت في الفترة من القرن السادس عشر الى القرن العشرين، أي في مرحلة نمو الراسماليَّة: فالدولة تدّعي أنها صاحبة السلطة المطلقة والمباشرة على الأفراد، ولكنها تعمل في الواقع ” كضامن ” لعلاقات قوى ليست صادرة عنها بل وليست خاضعة لسيطرتها المباشرة وهي علاقات القوى التي تولّدها الملكيَّة الخاصَّة لرأس المال.

هذا التناقض هو في الواقع أهم مصادر التنوع والاختلاط في تحديد مفهوم الدولة. ففي حين أن الدولة تخاطب الفرد بصورة قانونية عامة ومجردة أي غير شخصيَّة، وبافتراض مساواته الكاملة على أساس مبدأ المواطنة، فإن هذه الدولة لا  تضم افراداً يتحركون فرادى في فراغ وإنمّا هم يتوزعون بحسب دخولهم وعلاقاتهم الانتاجية بين طبقات مختلفة غير متساوية من حيث تأثيرها على مجريات الأمور.

ومع ذلك فلا شك انَّ الدولة تمثل تعبيراً عن السلطة أكثر ” حداثة ” واكثر عقلانية” (بحسب عبارات ماكس قيبر) من نظم السلطة السابقة عليها، وتنبع مشروعيتها في هذا الصدد من الطبيعة غير الشخصيَّة لنشاطها. ومن هنا فإن الدولة الحديثة وثيقة الصلة بفكرة القانون في عموميتها وتجرُّدها. ومضمون ذلك ان للمواطن حقوقاً في المجال العام مثلما له حقوق في المجال الخاص، ومضمونها كذلك أن الدولة محكومة قانونياً بالتشريعات التي تسنُّها.

على أن النقطة التي يغفلها معظم المتأثرين بفقة القانون الدستوري، والتي يشدّد عليها المتأثرون بالفكر الماركسي، هي أن هذه “الدولة” بنمطها القانوني والمؤسس قد تطوَّرت بهذه الصورة لكي تخدم اغراض النمو الرأسمالي وسيطرة الطبقة البورجوازيَّة في المجتمع في البلدان الاوروبيَّة بعد القرن السادس عشر. لقد تم بناء الدولة الليبراليَّة لكي تدعم عن طريق القانون والحكم سيطرة الطبقة البورجوازيَّة الأوروبيَّة الصاعدة على المجتمع. كانت هذه هي الغاية التي وجِّهت اليها كافة الترتيبات المؤسسيَّة والمبادئ القانونية التي قامت عليها الدولة ومن هنا كان التعارض الواقعي بين الدولة وبين المجتمع. فعلى سبيل المثال قامت الدولة بالمساواة بين المواطنين قانونياً في كل ما يتعلَّق بتصرفاتهم الخاصَّة وفي مواردهم وثرواتهم، وكان الدافع الى ذلك أن النمط الرأسمالي في الانتاج قد تطلَّب أن يكون العمل متاحاً في السوق كسلعة تباع وتشترى عن طريق عقود التشغيل الفرديَّة. ومن هنا كانت مساواة الأفراد امام القانون مبدأً دستورياً مفيداً وبخاصة أنَّ القواعد القانونيَّة نفسها قد قامت بحماية حق الملكيَّة الفرديَّة بما كان من شأنه قيام أجهزة الدولة علمياً برعاية امتيازات الطبقة المالكة. وخلاصة هذا التحليل المتأثر بأفكار ماركس أن الدولة الليبرالية بصورتها الحديثة كانت الاطار القانوني والمؤسسي المناسب للحفاظ على سيطرة الطبقة البورجوازيَّة داخل المجتمع عن طريق تحويل هذا المجتمع بأكمله الى سوق كبيرة لا تراعى فيها مصالح الطبقات الكادحة.

4- الدولة في النظريَّة العامَّة للحداثة:

تعتبر الدولة الديمقراطية هي التجسيد العملي لمفهوم الحداثة، فالدولة في الدراسات العامَّة للحداثة هي ظاهرة ومفهوم من الممكن تحديد أصوله وجذوره، فهي من الناحيَّة الجغرافيَّة والتاريخيَّة ظاهرة أوروبيَّة تطوّرت في الفترة من القرن السادس عشر حتى القرن العشرين، ومن الناحية الفقهيَّة قامت على فكرة القانون لقواعد موضوعيَّة عامَّة مجرَّدة أو غير شخصيَّة. ومن الناحية التنظيميَّة تبنّت مبدأ الوحدة والمركزية وتوزيع الاختصاصات على أساس ما يسمَّى بالنمط العقلاني الرسمي Legal Rational واستخدام مجموعات كبيرة من الموظفين العموميين تضمُّهم بيروقراطيَّة كبيرة. ومن الناحية الاقتصاديَّة ترافقت الدولة الحديثة مع تطوّر الرأسماليَّة وتصاعد البورجوازيَّة بما تضمَّنه ذلك من توسيع الأسواق وتنميطها وتعميم الأسلوب السلعي فيها ويمكن أن نضف الى ذلك أنَّه من الناحية الثقافيَّة كان لتطور فكرة الدولة إطاراً ثقافياً وفكرياً معيناً ارتبط بفكرة الفصل بين المجالات الدينيَّة والمجالات الدنيويَّة في حياة الانسان( ).

هذا التعدّد والتنوّع في طبيعة المؤثرات التي خضعت لها عمليَّة تكوين الدولة الحديثة قد أدى بدوره الى وجود مفاهيم مختلفة لاصطلاح “الدولة” في الأدبيات السياسيَّة والاجتماعيَّة والقانونيَّة المختلفة. ويرى رايموند دوفال وروجر بنجامين أن من أهم المفاهيم المتداولة لاصطلاح الدولة ما يلي:( )

– الدولة باعتبارها الحكومة، أي مجموعة القيادات والأفراد الذين يتولّون مواقع اتخاذ القرار وسلطاته في النظام السياسي.

– الدولة باعتبارها نطاقاً قانونيَّاً مؤسسيَّاً أو باعتبارها بيروقراطيَّة عامَّة أو جهازاً إدارياً ينظر اليه ككليَّة متجانسة.

– الدولة باعتبارها الطبقة الحاكمة أو التعبير المؤسس عن مصالحها.

– الدولة باعتبارها نطاقاً معياريَّاً متكاملاً للقيم العامَّة.

وهذه المفاهيم ليست بالضرورة متناقضة فبعضها يعبّر عن حلقات أو مستويات متتالية في فهم ظاهرة الدولة، ابتداء من الأكثر تحديداً (مثل الحكومة) وصعوداً الى الأكثر تجريداً (مثل النظام المعياري). وفي أحيان أخرى يرجع اختلاف المفاهيم الى تركيز التعريف على أحد المؤثِّرات التي أنتجت ظاهرة الدولة دون المؤثِّرات الأخرى، ومن ذلك تركيز الدستوريين التقليديين على فكرة القانونية والسيادة… وتركيز أتباع مدرسة الاقتصاد السياسي على التحوّل الرأسمالي ودور البرجوازيَّة. نجد حتى في إطار تقاليد فكريَّة واحدة، يمكن أن تظهر مفاهيم جد متباينة للدولة، ومن ذلك مثلاً الجدال الدائر في إطار الفكر الماركسي بين من يميلون الى التأثر بافكار ماركس حول اعتبار السياسة،(وبالتالي الدولة) مجرد انعكاس لنمط الانتاج وعلاقاته، وبين من يميلون الى التأثر بأفكار ماركس حول كون الدولة تعبيراً عن نظام تخصّص العمل الوظيفي وحول تمتعها بنوع من الاستقلالية النظريَّة والعمليَّة، وحول اختلاف أنماط الدولة حتى في إطار وحدة الأنماط الانتاجيَّة.( ) والنقطة الأخيرة الخاصَّة بأنماط الدولة جديرة بالاهتمام، بالنظر الى ما لفتت له معظم كتابات الفقة الدستوري وكتابات المدرسة الماركسيَّة التقليديَّة من محاولة لاستخدام مصطلح “الدولة” بصورة عامة مجرّدة تنزع عنه بعده الجغرافي والتاريخي من ناحية، وامكانية استخدامه كمفهوم للمقارنة من ناحية أخرى.

ولكي يصح استخدام مفهوم الدولة هناك أسلوبان من الممكن اللجوء اليهما في هذا السبيل: الأول هو تعريف الدولة تعريفاً مبدئياً مبسّطاً مستخلصاً من الخبرة والملاحظة الشخصيّة، ثم القياس الكمّي لدرجات أو مستويات مختلفة من الدولة stateness، والثاني هو النظر الى الدولة باعتبارها على الدوام ظاهرة تاريخيَّة لا يمكن فهمها الا في ارتباطها بمجتمع معيَّن.

الأسلوب الأول يتّبعه نتل في دراسة هامة له عن الدولة( ) وطبقاً لنتل فأن الدولة هي كيان جماعي يستجمع على مستوى القمة مجموعة من الوظائف والهياكل بهدف تعميم تطبيقها. هذا الكيان الجماعي يتميز بنوع من الاستقلالية الوظيفية، وبأنه في الأساس ظاهرة اجتماعية وثقافية. وفضلاً عن ذلك فإن هذا الكيان (الى جانب دوره الداخلي) يمثّل وحدة معيّنة في مجالات العلاقات الدولية.

في إطار هذا التعريف المبدئي يرى نتل أنه من الممكن النظر إلى درجات او مستويات مختلفة لمدى “دولنة” المجتمعات المختلفة. ويتم قياس هذه الدرجات بالنظر الى خمسة وظائف.

تقوم بها الدولة وهي:  – عملية الادارة

 – التعبير المؤسسي عن السيادة

 – تحديد الاستقلاليَّة القطاعية

 – أعمال القانون

 – تحقيق الاهداف الاجتماعيَّة او التعبير عن المصالح

وفي رأي نتل أن الاضطلاع بهذه الوظائف بصورة مرضية إنما يفترض الاتفاق على مجموعة الأسس المعيارية الرئيسية التي تحكم المجتمع، وهو يرى في عدم استقرار معظم الحكومات في البلاد الناميَّة دليلاً على حدّة التنافس القائم على تحديد الأنماط المعياريَّة والتي لم يتم بلورتها بعد. وهو يرى لهذا السبب أن احتمال تطوير دول على الطراز الأوروبي في البلاد النامية هو احتمال بعيد للغاية، ويرى الأفكار والتقاليد المتصِّلة بالدولة الأوروبيَّة لا تبرز كثيراً في أفكار وبرامج وخطط قادة العالم الثالث المعاصرين.( ) وفي حين قد يتفق الكثيرون مع نتل، الذي بيّن رأيه على ملاحظاته في منتصف الستينات، على أن موضوع الدولة لم يحظ باهتمام فكري كبير في بلدان العالم الثالث، فلا شك أن الكثيرين سيختلفون معه ممن بنوا آرائهم على ملاحظاتهم في منتصف الثمانينات وهم يرون أن مؤسسة الدولة قد دعمت نفسها وحافظت على تماسكها في معظم بلدان العالم الثالث، بعد مرور عقدين أو ثلاثة على استقلال معظم الدول النامية. ولكن هذا ما تضمَّنته عمليَّة التحديث من اعطاء صورة فارقة بين المجتمعات الحديثة والمجتمعات التقليدية في نظرتها الى دور الدولة ومدى فاعليَّتها المؤسسية المعتمدة على القانون.

5- الدولة في الدراسات النظرية للعلاقات الدولية:

لقد احتلت الدولة ،ودورها وفاعليتها على الساحة الدولية وعلاقاتها مع الدول الأخرى، محور الدراسات النظرية للعلاقات الدولية. ولقد شغلت الظواهر والأحداث السياسية التي شهدتها الدول على الساحة المحلية والدولية اهتمام المفكرين، ففي محاولة لتفسير الظواهر كانوا يتقدمون بنظريات مختلفة، يرون ما هو الأفضل من منطلق قيمي. ثم مع تطور الدول خُلقت انماط جديدة من التعامل مع هذه الظواهر حيث باتت تتطلب محاولات وطرق جديدة في عملية التفسبر، وذلك لتوضيح ما يجري على الساحة الدولية واستكشاف النظرية عبر الانتقال من عمومية العلاقات الدولية الى جزئياتها حيث باتت المهمة اسهل وأقرب الى الحقيقة العلمية مهما كانت نسبية. لقد كانت الانطلاقة من المثالية التي تأسست على هدى القانون الدولي الذي يحدد كيف يجب أن تنتظم هذه العلاقات.

ثم الواقعية التي تفسر كيف هي هذه العلاقات وسط لعبة صراع القوى. ثم السلوكية التي تتصدى لتفسير الحوادث الدولية في أسبابها العميقة. يصعب اغفال الدور الايجابي لكل مدرسة في تفسير العلاقات الدولية ودراسة تحولاتها ومنعطفاته الحاسمة وكل مدرسة تفسر جانباً مهماً، او هي تتصدى لدراسة سبب رئيسي لما حصل من حوادث وتطورات. كلما تغير الواقع كان هناك محاولات تنظيرية جديدة تتابع الواقع المستجد، فالحرب العالمية الثانية والفترة التالية عليها أدت الى تحويل التفكير في العلاقات الدولية من المثالية نحو الواقعية أي من القانون والتنظيم الى عنصر القوّة بعد صراع دام منذ فترة الثلاثينات بين هذين التيارين. فاستناداً للواقعيين العلاقات الدولية هي مجال لم تستطع فيه الدول ان تتفق على عقد اجتماعي يرعى العلاقات وكانت ردة فعل على   S.D.N. وبدا ذلك كما لو أنه اثبات الى حد ما للجدلية التي أتى بها هيغل (تطور التاريخ من خلال تصارع المتناقضات). وبعد أن كانت الدولة في صلب الاشكالية الواقعية تم اعادة النظر في مركزية الدولة وطرق عملها على الساحة العالمية وتبلور التيار العابر للقوميات Le curant transnationaliste حيث لم تعد الدولة اللاعب الوحيد على الساحة الدولية وهذا من مرتكزات عصر العولمة، حيث يتيح لنا السؤال التالي، هل تستطيع الدولة في العالم العربي مواجهة تحديات العصر الحديث وهي بعد لم تستطع أن تُحدّث بناها المجتمعية والمؤسسية.

6- الدولة في العالم الثالث (قراءة غربيَّة):

يجمع معظم الباحثين، على أن الدولة كنموذج غربي أتت الى العالم الثالث عن طريق التصدير ولم تُمارس الديمقراطيَّة السياسيَّة في بلدان العالم الثالث على النمط الغربي. ويطرح الكاتب التركي علي كازانجيكيل التساؤل التالي:

” لماذا تسعى التكوينات غير الاوروبيَّة التي لم تمر بتركيبة مماثلة من العوامل التاريخيَّة الى خلق الدولة الحديثة بدلاً من أن تبحث عن أنماط أخرى للدولة؟ ولماذا نجد أنَّ المجتمعات التي تعارض الايديولوجية السائدة فيها (مثلاً: الاصوليَّة الاسلاميَّة) فكرة الدولة – الأمَّة، عاجزة عن أن تتخطى مرحلة الرفض لكي تشكل نماذج سياسية بديلة للدولة ؟ ( )

يستعرض هذا المؤلف عدداً من المدارس المختلفة في الادب السياسي وكيف يمكن استشفاف الاجابة عن هذا السؤال في إطار معطياتها ومن ذلك مثلاً نموذج “الانتشار الثقافي” Diffusionnist Model الذي يشرح انتشار ظاهرة الدولة من المركز وباتجاه الاطراف، ويمكن شرح عملية الانتشار هذه إما عن طريق التبنّي الاختياري او المحاكاة (Mimetism) وإمَّا عن طريق استخدام القوَّة (عادة عن جانب السلطة الاستعماريَّة) ويختلف بديع وبربناوم مثلاً مع مدرسة الاقتصاد السياسي في أنَّهما لا يعتبران الدولة نتاجاً لتطور الرأسمالية أو لفتح طرق التجارة أو لنمو الصناعة، وإنما يريان في الدولة انعكاساً لمجموعة متميِّزة من القيم الثقافيَّة والدينيَّة الأوروبيَّة التي تعود بجذورها الى القانون الروماني وعصر النهضة والتي لا تتناسب مع المجتمعات التي يسود فيها دين عضوي organic شامل كالإسلام أو الهندوسية. مثل هذه المجتمعات الأخيرة لا تكون قادرة في رأيهما على التحرك طبقاً لمبدأ تمايز الجماعات والمنظَّمات واستقلالهاDifferentiation  Autoromisation وبهذا إن ادخال نموذج الدول الغربيَّة فيها عن طريق التصدير يؤدي الى سيادة الانماط التسلطيَّة في المجال السياسي.( )

ويرى علي كازانجيكيل أن المشكلة تتزايد تعقيداً في بلدان العالم الثالث لأن عملية محاولة بناء الدولة فيها تتطلب كذلك عمليَّة بناء “أمَّة” وبناء إقتصاد وطني في الوقت نفسه، وتؤدي هذه المحاولة مثلثة الجوانب، وبخاصَّة في ظروف استمرار التبعيَّة الى وقوع المجتمع في براثن التسلّطية، ودخول الدولة في مجال ممارسة العنف: ففي الفترة من 1960 الى 1982 على سبيل المثال حدث 108 انقلابات في بلدان العالم الثالث مما يعبّر عن ارتباط ظواهر التخلُّف والعنف والتسلُّط في هذه البلدان.( ) ويقترب جاكسون وروزبرغ في تحليلهما (1985)( ) من هذه الفكرة، فهما يفرقان بين الدولة كمفهوم قانوني فقهي Joridicel والدولة كمفهوم اجتماعي تطبيقي Empirical، وفي رأيهما أن الدولة في العالم الثالث وبخاصة في أفريقيا جنوبي الصحراء الكبرى قد اتَّبعت نمطاً تطوريَّاً معاكساً للنمط الذي اتَّبعته في أوروبا والغرب عموماً. ففي الأخيرة تتطورت حقيقة الدولة ككيان سياسي وعسكري واجتماعي أولاً ثم سعت الدولة – عن طريق التنافس والحرب – الى الحصول على الاعتراف القانوني بوجودها.

أما في أفريقيا فقد ظهرت الدولة بمفهومها القانوني أولاً (كميراث استعماري) في وقت لم تكن قد توافرت لها فيه العناصر المجتمعيَّة والاداريَّة الكفيلة بجعل هذه الدولة حقيقة واقعة. بل يذهب هذان الكاتبان الى أبعد من ذلك فيقولان بأن قانونيَّة الدولة الافريقيَّة المبكّرة قد أعاقت من امكانات تبلورها كحقيقة اجتماعيَّة وتنظيميَّة، لأنها اعطت إيحاءً كاذباً بوجود الدولة ومثّلت تعويضاً شكليَّاً عن محاولات بنائها من الناحية العمليَّة على أسس اقتصاديَّة وإداريَّة وثقافيَّة. ويرى هذان الكاتبان أن علم السياسة المعاصر، وبخاصة المكتوب منه باللغة الانجليزيّة لم يتنبَّه الى خطورة هذا التناقض بين المفهوم القانوني للدولة والمفهوم الاجتماعي لها، لأن الفترة التالية للخمسينات والتي شهدت حصول معظم الدول الآسوية والأفريقية على استقلالها القانوني، هي الفترة نفسها التي اتَّجه فيها علم السياسة الأميركي اتِّجاهاً سلوكياً متأثراً في الأساس بدراسات علم الانسان وعلم الاجتماع ومستبعداً بذلك دراسة الدولة لصالح دراسة النظام السياسي. كيف يتسنى للدولة النظريَّة القائمة في معظم بلدان العالم الثالث ان تصبح دولة فعليَّة، أي كيف تكتسب هذه الدولة بمفهومها القانوني الشكلي الحالي مضموناً حقيقياً ملموساً في المجالات الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والسياسيَّة ؟

إن الرد على هذا التساؤل واضح في كتابات أتباع مدرسة التحديثModernisation Theory التس سادت الفكر الاميركي (والغربي بصفة عامة) والتي ظهرت لها انعكاسات واضحة بين المثقَّفين في الدول الناميَّة في العقود الاخيرة وتبنَّت في بعض الأحيان شعار ” التنمويَّة ” Developmentalism الأكثر جاذبية من شعار التحديث. بمقتضى هذه النظريات، هناك مراحل محدَّدة للتطور البشري لا بد من المرور بها (كما في كتابات روستو) في سبيل التوصل الى ثقافة مجتمعيَّة وسياسيَّة جديدة قائمة على المشاركة والانجاز والعقلانيَّة (كما في كتابات شيلز وليرنز ومالكيلاند).

هذا التوجّه يترجم نفسه سياسيَّاً ومؤسسيَّاً في مبدأ العلمانيَّة secularism ومبدأ التمايز الوظيفي Différentiation ومبدأ الرشدانيَّة Rationalization (كما في كتابات ألموند وفيربا وباي). هذه هي المبادئ التي تحكم الدولة الحديثة وانتقالها من الدول المتقدِّمة الى الدول المتخلِّفة يكون عن طريق عملية الانتشار الثقافي Diffusion، أي عن طريق نقل الخبرة الغربيَّة الى الدول غير الغربيَّة، بأسلوب الحض أو أسلوب المحاكاة والتقليد Mimetism، وهي عمليات يعوَّل فيها كثيراً على دور النخب ذات التعليم الغربي.( )

هناك إذن ثلاثة مبادئ أساسية تنطوي عليها مدرسة التحديث أو التنمية الأميركيَّة:

-وجود طريق للتطوّر

-أهميَّة الانقطاع عن الماضي وتغيير القيم والمسالك والاتجاهات التقليديَّة وتبني قيم ومسالك واتجاهات عصريَّة.

-هذا الهدف يتحقق عن طريق عمليَّة الأنتشار الثقافي أي الأقتباس من الغرب. وفيما يتعلق بجهاز الدولة تترجم هذه المبادئ نفسها في صورة بناء بيروقراطيَّة حديثة تنظّم شؤون المجتمع على أساس من مبدأ عقلانيَّة ارتباط الوسيلة بالهدف Means-ends Rationality، وهو مبدأ غربي من حيث أسسه الفلسفيَّة وتعبيراته التنظيميَّة والتكنولوجيَّة، أي لا بد من تعلُّمه من مصادره الغربية.

7- الدولة في الفكر الاقتصادي السياسي:

تصف مدرسة الاقتصاد السياسي اليسارية الدولة بأنه آلة تخدم أهداف المستغلين، وعلى طبقة العمال مواجهتها والعمل على تحطيم جهاز الدولة البرجوازية وليس مجرد نقله الى أشخاص جدد، فلقد أضحى تحطيم جهاز الدولة المنتمي للطبقات المستغلة واحداً من المهام المحورية المحورية لجميع الثورات الاشتراكية. ولقد وصل ماركس الى هذه النتيجة – الحاجة لتحطيم آلة الدولة للطبقات الحاكمة – في كتابه  The Eighteeth Brumaire of Louis Bonaparte بعد تعميم تجربة الثورة لعام 1848. مقتفيا أثر عملية توطيد القوة التنفيذية في مراحل مختلفة من التطور، من الملكية المطلقة الى الامبراطورية الثانية لنابليون الثالث، وكتب ماركس: ” كل الثورات حسنت الآلة بدلا من تحطيمها”. ولمدرسة الاقتصاد السياسي اليساريَّة نظرية خاصة في دراسة موضوع الدولة في العالم الثالث. يتفق الكتاب اليساريّون على أن الدولة جاءت الى بلدان العالم الثالث أوَّلاً عن طريق الاستعمار، ولكن المشكلة في نظرهم لا تتمثَّل في عجز المجتمعات الناميَّة عن استيعاب مؤسسة الدولة ومفهومها بقدر ما هي راجعة الى طبيعية هذه الدولة التي أقامها الاستعماريون في البلدان التابعة. ومن أبرز النظريات في هذا الصدد نظرية حمزة علوي بخصوص ” الدولة المتضخِّمة ” over –Developed.

وفي رأي علوي أن المشكلة الرئيسيَّة هي أن الدولة لم تتأسَّس في المجتمعات التي خضعت للاستعمار عن طريق برجوازيَّة وطنيَّة، وإنما عن طريق بورجوازيَّة استعماريَّة أجنبيَّة، قامت بتضخيم حجم جهاز الدولة وبخاصَّة جناحه العسكري البيروقرطي لخدمة اغراضها الخاصَّة في المستعمرات. وكما كانت هذه الأغراض منفصلة عن مصالح الجماعات الوطنية في مجموعها فقد اكتسبت الدولة الاستعماريَّة حجماً كبيراً نسبيَّاً وقدراً لا بأس به من ” الاستقلال النسبي ” عن القوى الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة المحليَّة الناشطة في المجتمع. ونتيجة لهذا الميراث التاريخي اضطلعت الأورليغرشية البيروقراطيَّة العسكرية المسيطرة بعد الاستقلال بدور الوساطة بين المطالب المتنافسة لثلاث طبقات مالكة، هي ملاَّك الارض والرأسمالية المحليَّة أو الرأسمالية المتروبوليتيَّة، وهو الأمر الذي جعل للدولة أهميَّة كبرى في كل ما يتصل بحياة المجتمع الاقتصاديَّة والسياسيَّة.

وسواء اتفق الناقد مع هذا التحليل او اختلف فالفكرة الرئيسيَّة التي يقودنا إليها هي استحالة النظر الى الدولة في المجتمعات الناميَّة كمجرد اقتباس ثقافي تواجهه مشكلات اجتماعيَّة في التكيّف مع البيئة الداخليَّة الجديدة. فظاهرة الدولة في المجتمعات الناميَّة هي نتاج تاريخي لعناصر هيكلية ذات بعد خارجي (الاستعمار الجديد)، ويستمر هذا الكيان في المرحلة التالية للاستعمار في مباشرة دور يربط الدولة الجديدة بالقوى الاقتصادية العالمية مثل هذا النموذج ” الهيكلي ” أو البنائي structuralist في فهم ظاهرة الدولة في الدول النامية يصل الى قمَّته في تحليلات إيمانويل والرستين ونظريَّته الخاصة بالنظام العالمي World – system.

تعطى نظريَّة والرسيتن الأولوية في التحليل لدور العوامل الخارجيَّة وعمليات الانتاج والتبادل، يتفق في هذا الصدد، مع سمير أمين في أن الرأسماليَّة هي أول نمط للإنتاج ذي طبيعة عالميَّة شاملة وهكذا فلا يمكن في نظر أصحاب هذا التوجّه فهم ظاهرة الدولة في العالم الثالث أي فهم ظاهرة ” الدولة الطرفيَّة ” في المرحلة الراهنة دون فهم الطبيعة العالمية للنظام الرأسمالي وعمليات التفاعل بين الطرفيَّة من ناحية والراسماليَّة العالميَّة من ناحية أخرى وفي رأي والرستين أن الدولة هي أفضل وسيط مؤسَّسي قادر على أخضاع السوق لسيطرة طبقة أو طبقات ما.

ويتكون النظام العالمي الرأسمالي القائم على التقسيم الدولي للعمل من وحدات سياسية، أي دول، ووحدات ثقافيَّة، أي قوميَّات، تتوزع بصورة تراتبيَّة بين المركز وشبه الأطراف والأطراف . أما في المركز فتخضع عمليات الانتاج سواء بالنسبة لرأس المال أو السلع أو العمل  لمنطق السوق بصفة رئيسية.

وأمَّا في الأطراف فتكون هذه العمليات محكومة بشكل أوضح بالمنطق السياسي، ومنطق الدولة، إنّ مجمل افكار والرستين حول دور الدولة القوميَّة في النظام العالمي تُلخص على النحو التالي :

– الدولة ليست ظاهرة نوعيَّة عامَّة  Generic category ولكن ظاهرة محدَّدة تاريخيَّاً بأنها نتاج للرأسماليَّة الأوروبيَّة. وقد توسَّعت هذه الظاهرة كجزء عضوي من النظام الرأسمالي العالمي، و ليس كظاهرة مستقلَّة عنه .

– أن التقسيم الهيكلي التاريخي للدول الى مركز وشبه أطراف وأطراف هو شرط لأستقرار النظام العالمي بأكمله.

– ان التنافس بين الدول هو القوة المحركة التي تحافظ على استمرار النظام وحركته، فبدون هذا التنافس يتحوَّل النظام الى أمبراطوريَّة عالمية أو الى نظام إشتراكي عالمي.

– تتدخل الدول في عمل السوق العالمي الرأسمالي ” الحر ” وتعدَّل فيه بما من شأنه زيادة المنافع           ( الأرباح، الاجور… ألخ ) التي تتلقاها بعض الجماعات داخل النظام.

– تمثِّل الدول الموقع الذي تتم فيه الصراعات السياسية والحلول الوسطى التي تحدِّد المستوى العام للطلب العالمي. ( )

ويرى أنصار هذا التحليل أن تزايد عدد الدول في المرحلة المعاصرة عن طريق حصول كثير من المستعمرات على استقلالها السياسي قد كان في جوهره عمليَّة متماشية مع منطق تطور النظام الرأسمالي العالمي. ذلك أن الفتح والاحتلال والحرب وإن استمرت في بعض الاحيان لم تصبح بالأهميَّة السابقة نفسها، لأن عمليَّات تحويل الفائض الاقتصادي من الاطراف الى المركز تتم الآن بصفة رئيسيَّة عن طريق آليات التقسيم الدولي للعمل. ولكن لاحظ البعض في اطار هذه الملحوظة العامة، أن الدول التي استقلَّت قبل الحرب العالميَّة الثانيَّة اي قبل تبلور الاقتصاد الرأسمالي العالمي مثل دول أمريكا اللاتينيَّة والبلقان، قد كانت أقدر على تحقيق درجة أعلى من الاستقلال وعلى تطوير برجوازيَّة وطنيَّة وتركيم رأس المال الوطني من الدول التي حصلت على استقلالها بعد الحرب العاليمة الثانيَّة مثل معظم دول أسيا و أفريقيا.( )

ولما كانت ظروف النظام الرأسمالي العالمي تفرض صعوبات بالغة على المحاولات المستقلَّة لتركيم رأس المال في الأطراف فقد ظلَّت الطبقة الرأسمالية في الأطراف عاجزة عن تقوية مركزها بصورة تسمح لها بالحد من سيطرة بيروقراطيَّة الدولة ولكي تمارس هي السيادة الاقتصاديَّة والايدولوجيَّة. بل تستمر هذه الطبقة الرأسماليَّة في الواقع محتاجة الى الاعتماد على جهاز الدولة وموظفيها في تحقيق اغراض تركيم رأس المال وفي القيام بعدد الوظائف الانتاجيَّة وهو وضع يختلف مع الاوضاع السائدة في الدول المتروبوليَّة. وهكذا نجد أن الدولة الطرفيَّة تضطلع بدور بالغ الأهميَّة في عمليَّات الانتاج وبخاصَّة في التحكّم في الطبقة العاملة عن طريق وسائل سياسيَّة قد تصل الى حد استخدام العنف. ( )

وهكذا نجد الطبقة الرأسماليَّة والطبقات العاملة على حد سواء في موقف الضعف إزاء الدولة القائمة في الأطراف، وهو أمر يميّز هذه الدولة بوضوح عن الدولة الرأسماليَّة القائمة في المركز  ويشرح الى حد بعيد أزمة الديمقراطية في هذه المجتمعات. ( )

لقد اعادنا كازانجيغل الى نظريَّة الدولة المتضخِّمة او ” الدولة الناميَّة أكثر من اللازم ”           The over Developed  التي سبق الى التنظير لها حمزة علوي. ويذهب في الاتجاه نفسه ماتياس وسلامة في دراسة لهما عن الدولة المتضخمة بين الوطن الام (المتروبول) والعالم الثالث( ) وعندهما أنَّ الدولة مفهوم عام مجرد تتحدَّد نوعيَّته بنوع ” النظام الحاكم “Regime  الذي يعبّر عنه. والدولة الحديثة في نظرهما محكومة بضرورة إعادة انتاج أفضل العلاقات الاجتماعيَّة ملاءمة لاحتياجات إعادة إنتاج رأس المال. ظهرت الدولة الحديثة لتنظيم عمليَّة تحويل العمل الى سلعة بطرق مشروعة (أو عنيفة في بعض الحالات الاستثنائيَّة)، وشرط نجاح ذلك هو استمرار الدولة ككيان جماعي مجرَّد، مُستقل نسبيَّاً عن رؤوس الأموال الفرديَّة. وتحقّق الدولة واقعيَّاً في صورة نظام حاكم يتمتع بدرجة من الاستقلال النسبي بين الطبقات الاجتماعيَّة وصراعاتها. أصل الدولة الحديثة إذن مرتبط بفكرة النمط السلعي لكي يشمل العمل الانساني نفسه. ولمَّا كانت هذه العمليَّة غير مكتملة في البلدان المتخلِّفة فمن الطبيعي أن تكون طبيعة الدولة ايضاً مختلِّفة فيها. ذلك أن طبيعة الدولة في هذه الاخيرة محكومة بصفة اساسيَّة بطبيعة الاقتصاد الدولي المركَّبeconomic mondiale constitué  متضمِّناً بصفة خاصة احتياجات الدول القوميَّة الموجودة في المركز( ) .

في المركز تعبّر الدولة كمفهوم مجرَّد، عن المتطلبات الجماعيَّة لرأس المال، ويعكس النظام السياسي طبيعة العلاقات القائمة بين الطبقات الاجتماعيَّة. أما في البلدان الطرفيَّة فتكون الدولة محكومة بمتطلبات الاقتصاد العالمي المركَّب وبخاصة بما يحدث في دول المركز، كما يعكس النظام السياسي تأثيرات الطبقات الاجتماعيَّة المحليَّة فضلاً عن النظم السياسيَّة لبلدان المركز.

أمّا النظام الدولي المركَّب فهو الساحة التي تلتقي فيها أوضاع التقسيم الدولي للعمل مع المحاولات المختلفة لتعديل هذا التفسير، ويعتمد مدى فعاليَّة هذه المحاولات على التكوينات الاجتماعيَّة المحليَّة في الاطراف وعلى مدى وجود وضع متأزم في المركز وعلى طبيعة العلاقات بين الشرق والغرب. وأما طبيعة الدولة في الاطراف فيحكمها وضع هذه الدولة في النظام الدولي المركَّب، لان هذه الدولة في الواقع هي الجسر بين المجتمع المحلي وبين النظام العالمي وهي التي تعمل على نشر العلاقات التجاريَّة والحفاظ على كثير من عناصر التفسير الدولي للعمل داخل حدودها، مستخدمة في هذا الصدد خليطاً من عمليَّات تدعيم الشرعيَّة وعمليَّات استخدام العنف. والواقع ان ادخال العلاقات التجاريَّة والرأسماليَّة الخارجيَّة على مجتمع لم يكن مستعداً للقيام بهذه التحولات من تلقاء ذاته إنما يتطلب في العادة قدراً معيَّناً من العنف، ومن هنا نجد أن العنف يأتي في البلدان الناميَّة قبل أن تاتي الشرعيَّة. وقد ترتدي هذه العمليَّة في بعض الاحيان مسحة النظام التكنوقراطي المستند الى بيروقراطيَّة الدولة، وهو نظام غير قادر بطبيعته على الاستمرار في عمليَّة التنمية  فضلاً عن قصور شرعيَّتة. وفي ضوء هذه الحقائق نستطيع ان نفهم لماذا تدعو بعض القوى الاجتماعيَّة بأصرار الى الديمقراطيَّة  في حين تظهر حركات اجتماعيَّة احتجاجيَّة تضع نفسها خارج أطار الدولة بصورة شبه كاملة وهي في حالة دائمة من الصراع مع النمط الرأسمالي الذي يزيد من تهميش الفقراء.( )

7–1 الدولة البيروقراطيَّة:

يمكن لنموذج ” فيبر” أن يشكل نقطة مرجعية أولية لمناقشة البيروقراطية، فعملها الحاسم هو مأسسة سلطة المكتب، الذي يتميز بتسلسل هرمي مؤسساتي للسلطة. وفي الحالات المثلى يكون التسلسل الهرمي الداخلي وتقسيم الوظائف وتجنيد القوة العاملة والتسهيلات والتصدي للتأثير غير الملائم، منظمة كلها بواسطة معدلات عالمية، إن هذا متضمن في فرضية أن السلطة البيروقراطية تنتمي الى نموذج فيبر العقلاني- القانوني، لقد انتقدت مدرسة الاقتصاد السياسي اليسارية الدولة البيروقراطية المنتمية للطبقات المستغلة، ودعت الى الثورة الاجتماعية التي تحققها ديكتانورية البروليتاريا بهدف تحرير جميع المضطهدين من العبودية الموروثة. وفي دراسة حول طبيعة الدولة البيروقراطية التسلطيَّة، يصل ماتياس وسلامة في تحليلها الى نتيجة مشابهة لما سبق أن وصل اليه جيلرمو وأودونل، وإن كانا قد ركَّزا أكثر من هذا الأخير على دور النظام العالمي في ظهور نمط الحكم التكنوقراطي المحدود الشرعيَّة في العالم الثالث. وكان أودونل( ) في العالم 1973 قد استخلص من دراسته لعدد من دول أميركا اللاتينية، فكرته حول الربط بين استراتيجية معيَّنة في التنمية الاقتصاديَّة وشكل معين من أشكال الدولة/النظام السياسي. ذلك ان استراتيجيَّة التصنيع عن طريق احلال الواردات تبدأ في العادة في تحقيق قدر لاباس به من التوسّع الاقتصادي المصطحب بنوع من الشعبويَّة في المجال السياسي يترتب عليها توزيع عدد لابأس به من التوسع الاقتصادي المصطحب بنوع من الشعبوية في المجال السياسي، يترتب عليها توزيع عدد لابأس به من امتيازات دولة الرفاهية على قطاعات متزايدة من الشعب. ولكن سرعان ما يبدأ النظام في مواجة المشكلات بعد مرحلة من النجاح النسبي: فأحلال الواردات الصناعيَّة يؤدي الى زيادة الواردات من السلع الرأسماليَّة الوسطيَّة بل وبعض المواد الخام وذلك لتدعيم صناعات محميَّة ذات انتاجيَّة منخفضة، ومن هنا تبدأ مشكلات التمويل والنقد الاجنبي في التراكم، وتعجز الصناعات المحليَّة عن الوفاء بأحتياجات القئات الوسطى الشعبية التي تزايدت تطلعاتها بتأثير عمليات الاثارة والتعبئة السياسيَّة المرتبطة بالنظم الشعبويَّة.

ويتجه النظام الى تمويل التنمية عن طريق التضخيم مما يؤدي الى ارتفاع الاسعار، ويعجز النظام في أحيان كثيرة عن كبح جماح زيادة الطلب المترتبة عليه، زيادة امتيازات الطبقات العماليَّة والفنيَّة الماهرة وعلى قدرة بعضها على تنظيم نفسها الى حد ما في صورة جماعات نقابيَّة أو ضاغطة، ويرى النظام أن المخرج الوحيد أمامه للتغلُّب على هذه الصعوبات هو محاولة تعميق عمليَّة التصنيع بالاتجاه نحو مزيد من الصناعات الانتاجيَّة سواء للسوق المحليَّة او للتصدير، ويؤدي هذا عادة الى قبول دور متزايد لرأس المال الأجنبي بالنظر الى محدوديَّة رأس المال المحلي، كما يؤدي الى توثيق قبضة النخبة التكنوقراطيَّة والعسكريَّة على الحكم بالتحالف مع المستثمرين الأجانب وبعض الرأسماليين  المحليين. وترتبط عملية التحوّل هذه باستبعاد الطبقات العاملة والوسطى الصغيرة (بما في ذلك العاملين في شركات الدولة) من أطار العمليَّة السياسيَّة، وزيادة الاعتماد على الشرائح العليا من البرجوازية المحليَّة بالتعاون مع الشركات متعددة الجنسية وذلك بحجة رفع كفاءة الاقتصاد. وتحسُّباً من أحتمال قيام هذه الطبقات المتضررة بالتحرك النقابي أو السياسي يكون من الضروري التخلي عن صميم الأيديولوجيَّة الشعبويَّة وإن استمرت بعض شعارتها قائمة، واللجوء الى مزيد من الاعتماد على أجهزة القمع من شرطة وأمن وجيش، مع تحويل معظم قنوات التعبير والتوصيل السياسي الى البيروقراطية، والانطباع الذي نخرج به من قثل هذا التحليل هو أن الدولة البيروقراطيَّة التسلطيَّة وبخاصة في مرحلتها ما بعد الشعبوية، أنما تقوم بعمليَّة وساطة معقدة  بين مطالب ومصالح الطبقات والجماعات المحليَّة من ناحية وبين متطلبات النظام العالمي وضغوط الشركات متعددة الجنسية من ناحية اخرى. وهنا يبرز السؤال:

ماهي درجة الاستقلاليَّة النسبيَّة التي تتمتع بها الدولة في المناطق الناميَّة ازاء القوى المختلفة ؟

يرى ألفرد ستيبان في دراسة له عن بيرو، أن الدولة فيها تتمتع بدرجة لا بأس بها من الاستقلال النسبي عن المجتمع، وهو يُرجع ذلك الى التقاليد الثقافيَّة، الخاصَّة بالدولة العضويَّة Organic State  من ناحية (القانون الروماني، الكنيسة الكاثوليكية…الخ) والى السياسات والهياكل الحكوميَّة ” الشركاتيَّة ” أو الاتحاديَّة التلاحميَّة Corporatist  من ناحية أخرى( ) أما هيلن تريمبرجر فتستخلص من مقارنة قامت بها لليابان وتركيا ومصر وبيرو، أنَّ الجهاز الحكومي في هذه البلدان يتمتَّع في سلطته بدرجة عالية نسبيَّاً من الاستقلاليَّة، ويعود ذلك الى اضِّطلاع العسكريين تاريخيَّاً في هذه الحالات الأربع بمهمَّة السيطرة على جهاز الحكم بهدف إحداث تغيرات اجتماعيَّة عميقة في بلدانهم. وتعود حركة العسكريين غالباً الى اقتران ظروف الازمة الداخليَّة بظروف الضغط الخارجي مما يؤدي الى سيادة أيدولوجية وطنيَّة تجميعيَّة يترتَّب عليها استيلاء العسكريين على الحكم بهدف تقوية سلطة الدولة، عن طريق تنشيط النمو الاقتصادي. ويؤدي هذا الوضع في رأي تريمبرجر الى زيادة استقلاليَّة الدولة عن المجتمع، ولكنَّها على ما يبدو استقلاليَّة لا يمكن أن تدوم طويلاً، لأن الحكام يتَّجهون في مراحل لاحقة الى التحالف مع القوى الاقتصاديَّة المسيطرة داخلياً او الى الخضوع لمتطلبات النظام الاقتصادي العالمي.( ) اذا كان هذا هو ما ذهبت اليه الأدبيات السياسيَّة فيما يتعلق بمدى تعبير الدولة عن الطبقات القائمة او مدى استقلالها عنها، فثمة تساؤل آخر يتصل بامكانيَّة قيام الدولة في ظروف بعض البلدان الناميَّة بخلق طبقتها. لأن المجتمع والدولة حسب مدرسة الاقتصاد السياسي اليسارية كلان منفصلان لا يمتان لبعضهما بصلة ولا بد لهذا المجتمع من الثورة وتحطيم جهاز الدولة البيروقراطية. وذلك على خلاف فيبر الذي يعتبر البيروقراطية إنها أكثر المؤسسات الإدارية التي اخترعها الانسان فعالية على نطاق واسع، وليس هناك بديل مباشر لها، وحيث تكون المقدرة على تنفيذ عمليات منظمة على نطاق واسع، وذات أهمية على المثال، العمليات العسكرية، بحشود قوية، السيطرة على المياه، إدارة الضرائب، ضبط عدد السكان الضخم غير المتجانس، والمشروع الانتاجي الذي يتطلب إستثمار رأس مال ضخم وقوة عاملة كبيرة، حيث تكون الحدة القديرة بيروقراطياً أعلى من تلك التي تفتقد هذه القدرة، إنها ليست على الاطلاق العامل البنيوي الوحيد، القادر على تكييف النظم الاجتماعية ولكن ليس هناك من يستطيع أن ينكر أنها مهمة، وفوق كل ذلك فإنها مبنية على مزيد من التخصصات الناشئة عن الانعتاق الواسع من الارتباطات التي يجعلها التصنيف الاجتماعي والتشريع المتخصص ممكنة.

7-2 النخبة والدولة:

تقوم الدولة حسب مدرسة الاقتصاد السياسي اليساريَّة باستقطاب الخبراء والمتعلمين للعمل في اجهزتها المختلفة كنخب متميزة، ولكن هذه النخب تتحول في أحيان كثيرة الى ما يشبه الطبقة الحاكمة التي تسيطر على مراكز اتخاذ القرار، ليس من خلال ملكيتها لوسائل الانتاج ولكن من خلال تحكُّمها في أجهزة الادارة الاقتصاديَّة. هذه العملية تعرَّض لدراستها الكثيرون ومنهم ميشلز الذي تأثر كثيراً بأفكار موسكا، وبرنهام ورايت ميلز اللذان تأثرا كثيراً بأفكار ماركس. يقول ميشلز إنَّ من يتحدث عن المنظمات فأنه يتحدث في الواقع عن الاوليجاركيَّة. ويقول رايت ميلز أنه لا بد لفهم واقع السلطة في المجتمع ألا يكتفي المرء بدراسة طبيعة ملكيَّة وسائل الانتاج، وأنما أيضاً خريطة المؤسسات ونوعيَّة المتحكِّمين في ” الهيراركيات الاستراتيجية ” داخله. ويرى جيمس برنهام أنَّ احتمال تحوّل النخب الادرايَّة و الفنيَّة الى ما يشبه الطبقة الحاكمة يتزايد في الدول التي يتضخم فيها حجم القطاع العام وتصعب التفرقة بين ” الدولة ” من ناحية و ” الاقتصاد ” من ناحية اخرى، ويتقارب بل وقد يتداخل هرم السلطة مع هرم الثروة وقد أيَّد ميلوفان جيلاس هذه الفكرة بالنظر الى تجربة دول أوروبا الشرقيَّة. أمَّا كينث جالبرت فيرى أنَّ هذه العمليَّة تميّز كافة المجتمعات الصناعيَّة التي توجد فيها بنية تقنيَّة متَّسعةTechno – Structure  .

أمَّا فيما يتعلق بدول العلم الثالث، من المعروف أنَّ كتابات ماركس ترى أنَّ الدولة في بعض المجتمعات الشرقيَّة قد كان لها تاريخيَّاً استقلاليَّة أكبر عن البنية الاجتماعيَّة في مجتمعاتها وأنَّ من أهم مظاهر ذلك النمط الآسيوي في الانتاج أن الطبقة قد تولَّدت في أحيان كثيرة عن طريق الدولة ومن خلال جهازها( ) تبنَّى غراميشي مفهوماً مشابهاً حين قارن بين الدولة المحدَّدة في المجتمعات الغربيَّة والدولة ” الأكثر انتشاراً في المجتمعات الشرقيَّة حيث تكون الدولة هي كل شيء، ويعتبر أنَّه في الغرب يتسيَّد المجتمع المدني على الدولة. وتتخذ سيطرة الطبقة الحاكمة صورة التراضي والهيمنة Hegemony  على حين أنَّه في الشرق تتسيَّد الدولة على المجتمع المدني وتتخذ سيطرة الطبقة الحاكمة شكل التسلط والقهر( ) ويرى بيري أندرسون أنَّ للدولة الشرقيَّة المطلقة سواء في صورتها الآسيوية أو الاسلامية او الأوروبيَّة أو اليابانيَّة، ملامح مختلفة عن تلك التي تميز الدولة المطلقة في الغرب.( )

ففي الامبراطورية الاسلامية مثلاً لم تتطور نبالة وراثية مستقلة شبيهة بتلك التي تطورت في اوروبا، حيث لم يوجد مبدأ الحقوق الملكيَّة الفرديَّة يضمن لمثل هذه الطبقة الاستمرار. بل ارتبطت الثورة وارتبط الجاه بالدولة، وارتبطت المكانة الاجتماعيَّة بالحصول على وظيفة داخل الدولة ومن ناحية اخرى أدى انعدام الملكيَّة الفرديَّة الى انعاش الطابع القبلي والعشيري للتنظيم الاجتماعي ليس فقط في الأقاليم العربيَّة وانما ايضاً في الأقاليم البلقيانيَّة في ظل الحكم العثماني. أمَّا مظاهر الحياة الاقتصاديَّة في المدينة من أسواق وتجارة و أسعار ونقابات حرفيَّة وأحياء حضرية،  فقد استمرت تحت السيطرة المباشرة للدولة( ) ويتفق معظم المراقبين المعاصرين على أهمية الدور الذي تلعبه الدولة وطبقتها في السيطرة على المجتمع في معظم البلدان الناميَّة. وفي ذلك يقول ماركوس كابلان على سبيل المثال:

” ان تزايد سيطرة الدولة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتقوية جهاز العاملين في المؤسسات السياسيَّة والاداريَّة في التكنوقراطيَّة المدنيَّة والعسكريَّة، وبمنح هؤلاء المزيد من الاستقلالية، وتقوم الادارة البيروقراطيَّة في هذا المجال بدور الوسيط والمنظم بين الطبقات والجماعات المختلفة، وتسعى الى جعل هذه الاخيرة معتمدة على البيروقراطية أو على الدولة في وجودها وتقدُّمها. ويجد قسم من الطبقات الوسطى والدنيا في جهاز الخدمة العامة وسيلة للإرتزاق وتحسين الاحوال. ويركّز هذا القسم أهتمامه على طبقته الخاصَّة أو على الجماعات التي يتحدر عنها، ويقوم بتنظيم هذه الطبقات أو الجماعات بصورة تمكِّنه في استخدامها كقاعدة قوة له “( ) ويرى ريتشارد سكلار، أنَّه من الأفضل وصف الطبقة الجديدة التي تتزايد سيطرتها على مقدمات الأمور في معظم بلدان العالم الثالث بالبرجوازيَّة الاداريَّة وذلك لأنها لا تقتصر على قطاع الدولة والجهاز الحكومي فقط بل انها تسيطر على القطاع الاقتصادي ايضاً سواء العام منه او المتعاون مع الشركات متعددة الجنسيَّة، وهو يرى أنه من غير الدقيق القول بأن هذه الطبقة قد جعلت من الدولة غاية في حد ذاتها، كما أنه ليس من الصحيح أنَّها تعمل ببساطة لخدمة أهداف الرأسمالية العالمية، أي انها قد جعلت من بلدها ” دولة للايجار” كما يقول البعض( ) لأن الحقيقة في رأيه هي أنَّ علاقات السلطة التي تربط هذه الطبقة بفئات مجتمعها المحلِّي من ناحية، وبطبقة رجال الاعمال الدوليَّة من ناحية اخرى، هي علاقات معقَّدة وفي تطور مستمر.

ثانياً- الدولة في الفكر الإسلامي:

ان الدولة الحديثة كمفهوم هو ظاهرة أوروبيَّة تطوَّرت منذ القرن السادس عشر حتى القرن العشرين، ومن الطبيعي أن يكون هذا المفهوم غير موجود او غير وارد في الفكر الاسلامي السابق للعصر الحديث. هذه هي الفكرة التي تنطلق منها هذه الدراسة، وعلى الرغم من منطقيتها وتناسقها مع الفهم التاريخي والاجتماعي فهي تيدو غريبة للبعض للوهلة الأولى، ومع ذلك فظاهرة الدولة على الاقل بمعناها القانوني ومعناها الهيكلي، معروفة في البلدان المسلمة، تمييزاًَ لها عن الدول الاسلامية وهو مفهوم أضيق، والدولة بذلك حقيقة حياتية يتعامل معها المواطن يوميَّاً، ومن هنا فهي في صميم الواقع السياسي ومحور الدراسات السياسيَّة. وهذه الدولة في حقيقتها الحياتيَّة، هي صورة لتطور غربي، جاءت الى العالم الاسلامي عن طريق المستعمِر، وتدعَّمت فيه عن طريق اقتباس انظمة الحكم ومحاكاة الغرب لاساليبه ومنظماته. فكيف والحال هذه يكون الاقتراب من دراسة مفهوم الدولة في الفكر والمجتمع العربي والاسلامي؟ إن وضع الاقتراب لايمكن ان يتم الا بتجزؤ مفهوم الدولة (بمعناها الحديث، وهو في أساسه أوروبي) الى اهم مكّوناته المعرفيَّة، والبحث عن مقابلات ومعادلات لهذه المكّونات، وتحليل الطريقة التي تتعايش بها ظاهرة الدولة بمعناها الحديث مع المجتمع الاسلامي، الذي لم يقم بإفرازها ذاتياً، وأنما أفرز مفاهيم أخرى للجماعة السياسية والجسد السياسي.

1- الشريعة الاسلاميَّة:

الشريعة الاسلامية، شريعة مصدرها القرآن والحديث النبوي الذي جمعه وصنفه المسلمون الذين أتوا فيما بعد، وقد عمل قانونيون اسلاميون الى تطوير كيان شرعي معتمد ومجموعة من الوسائل الفكرية التي يمكن استخدامها لتوسيع الشريعة، لتشمل الحالات التي اختلفت ظروفها عن أي شيء تناوله القرآن. وهنا تكمن المفارقة، فالشريعة في الاسلام هي أمر الله وواجب الفقيه أن يفهم ذلك، والفقه هو علم الفهم وتشمل أصول الفقه المادة التي يراد فهمها والوسائل العقلية التي تحقق ذلك( ). لكن القرآن والسنة، كما يستنتج ن.ج.كولسين ” لا يشكلان معاً نظاماً قانونياً شاملاً، فالمادة القانونية التي يضمانها هي مجموعة من الاحكام المتفرقة في قضايا معينة مبعثرة على امتداد عدد كبير من الموضوعات. وهي أقرب الى الهيكل العظمي لنظام قانوني منها الى المجموعة المتكاملة من التشريعات القانونيَّة( )”. لذلك فان الفقهاء المسلمين يواجهون باستمرار مهمة استنباط الاحكام من النصوص المقدسة لتلائم الأحوال الجديدة، بينما كان يظن أن هذه الأحوال الجديدة لا وجود لها.

ومصادر الشرع، طبقاً للنظرية الشرعية الاسلامية الكلاسيكية، أربعة: القرآن، والسنة، والقياس، والاجماع. وتؤكد النظرية أن شرع الله (أمره) يحيط به القرآن والحديث الذي روي شفاها عن النبي          (ثم دوِّن في كتب الحديث المختلفة). وعلى الرغم أن الله لن يضل المؤمنين عن الصراط المستقيم (ولذا فلا شك في أن الشريعة تضم حديثا مناسباً يهدي في الحالات كلها)، فان الاجتهاد ضروري لفهم الشريعة كلها، ولتطبيقها على الحالات المعقدة كلها التي يواجهها المسلمون. وقد تحددت أنماط المحاجة المقبولة في مراحل تطور هذه النظريَّة القانونيَّة بالقياس، أي اكتشاف أوجه الشبه، والابتعاد عن الرأي الشخصي، والإستحسان( ). وكان الشخص الذي أسهم بأكبر قدر من الجهد لارساء قواعد الفكر الشرعي الاسلامي وتنظيمها هو الشافعي( )(ت:820).

أن الدوافع العقلانية في بواكير الفكر القانوني الاسلامي، وهو الفكر الذي سعى الى وضع كيان متناسق منظم من المعرفة، ومن ثم إلى منع المؤمنين من أن يحيدوا عن الصراط المستقيم، أدت إلى التخلص من العقل باعتباره مصدرا من مصادر الشريعة. والاستدلال الفعلي لدى المسلمين في أمور بعينها قد يتخذ أشكالا عدة، “ولكن مهما كان شكل هذا الاستدلال فإن الفكر القانوني في العصر الكلاسيكي لم ينظر إليه على أنه عملية مستقلة خلقت حقلا من القوانين التي وضعها البشر إلى جانب الأوامر الربانية”( ). وقد اتخذ الشافعي موقفاً مفاده أن الأمة الإسلامية حافظت على الأحاديث النبوية الموحى بها، وأنها لم يضع منها شيء. كذلك كان من رأيه ” أن ما تجمع عليه الأمة لا يمكن أن يخالف سنّة النبي “، ولذا ” لم يعد ثمة مجال لإبداء الرأي الشخصي “. ” وانحصر الاستدلال الإنساني بالقيام بالإستنتاجات الصحيحة من الأحاديث “.( )

وبذلك أُغلق باب الاجتهاد( )، ولم يعد بالإمكان إضافة مبادئ شرعية جديدة. ولم يعن ذلك أن القضاة والفقهاء توقفوا عن إصدار الفتاوي لحل مسائل تعرض للأفراد، بل عنى أنه لم يعد بالإمكان إضافة مبادئ ومفاهيم شرعية جديدة إلى مجموعة الأحكام الشرعية المعتمدة، فهذه وضعت مرة واحدة والى الأبد في القرآن والسنة التي حازت على إجماع الفقهاء. وتفسر هذه النتيجة سبب غياب ذلك العدد الكبير من عناصر النظام القانوني الكامل من الشرعية الإسلامية، وتفسر سبب غياب الشخصيات القانونية (الإعتبارية) والمؤسسات، ولماذا بقيت فكرة المسؤولية الشخصية ومفهوم الإهمال أمرين لا يتعرض لهما الشرع الإسلامي( )، ولماذا ظلت قواعد الإثبات دون تطور يذكر( )، ولماذا لم يعد قانون العقوبات الإسلامي ونظام الإدارة العامة الإسلامية كافيين للدولة الحديثة( ). وقد تطور في عصور لاحقة مفهوم المصلحة العامة، ولكن بالمغزى المحدود الذي هو ” السياسة الشرعية “( )، وهي السياسة التي تمثلت بالدرجة الأولى بمنح سلطات تقديرية للحكام الدنيويّين دون وضع أي قيود عليهم، لأن فكرة السلطة التقديرية تتجاوز هذه الحدود كلها( ).

إنّ هذه التطورات المبكرة في الشريعة الإسلامية تلمح، من وجهة نظر معينة، إلى فكرة السابقة القضائية، وإلى اتباع طريق يحدد ملامحه الإجماع القانوني، ولكن علينا ألا نقرأ المفاهيم الغربية في الواقع الإسلامي. فمع أن الشافعي بارك إجماع الفقهاء فإن هذه الفكرة ظلت تخلو من الوضوح من حيث النظرية والتطبيق. ولما لم تكن هنالك محاكم مركزية، ولم يشكل القضاة مهنة مستقلة حتى أواخر القرن التاسع عشر( )، فإنه لم تكن هنالك آلية مؤسسية تجعل من الممكن الاستفادة من تاريخ من السوابق والأحكام القانونية كلما نشأت الحاجة. هناك طبعاً مجموعات من الأحاديث المنسوبة للنبي (كتلك التي جمعها البخاري)، ولكن هذه الأحاديث لم تحظ بالقبول العام أو بالتبويب المنظم الذي يجعل منها مبادئ قانونية. فقد نظمت هذه المجموعات تحت “عناوين مثل الإيمان، والوضوء، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والتجارة، والمواريث، والوصايا والإيمان والنذور، والجرائم، والقتل، والأحكام، والحرب، والصيد، والخمر”( ). وكانت بذلك بمنزلة الخطوة الأولى باتجاه النظام القانوني، ولكنها لا تزيد عن كونها مجموعات من التوجيهات الدينية والشعائرية والأخلاقية والعرفية والشرعية، في غياب التفصيل والتنظيم اللذين يقتضيهما النظام القانوني. والواقع أن كلا الفكرتين – فكرة السابقة القانونية والأحكام القضائية الملزمة التي هي من صنع البشر – غير إسلامية، لأن كل ما هو شرعي لا بد من أن يوجد في القرآن أو الأحاديث النبوية الصحيحة. وهذا يعني أن السجل الشرعي كان قد اكتمل عند وفاة النبي، ولذا فليس هنالك من معنى في التحدث عن سابقة تقع خارج القرآن والسنة. ولم يكن من الجائز اعتبار حكم شرعي بحدّ ذاته سابقة قانونية، لأن ذلك الحكم ليس أكثر من تطبيق لشريعة قائمة. وتنظيم الفتاوى في مدونة قانونية هو بمنزلة اغتصاب المكان الصحيح الذي يحتله القرآن والسنة.

كذلك بقيت المذاهب الأربعة الكبرى – وهي المذهب الشافعي والحنفي والحنبلي والمالكي (وقد أضفيت لها مذاهب أخرى تخالف هذه فيما بعد) – بقيت منفصلة يمثل كل منها شريعة بذاته. ولم تكن هذه المذاهب تدرس في المدارس باعتبارها كياناً واحداً، بل باعتبارها نظماً يختلف كل منها عن الآخر( )، ويطبق كل منها على موقف من المواقف بشكل يناسب مذهب المدعي، أو لأن طرفاً أو أكثر من أطراف القضية المتنازع عليها ينتمي إلى مذهب آخر. ولذا فإن هربرت ليبسني يشير إلى دخول فكرة السابقة القانونية إلى الشريعة الإسلامية باعتبارها نتيجة لدخول الأوروبيين في الهند والشرق الأوسط في القرن السابع عشر والقرون التالية( ). والطبيعة المختلفة تماماً للتطور القانوني ولاستخدام الاستدلال القائم على القياس في القانون الغربي، يمكن مشاهدتها في الأعمال المعتمدة حول هذا الموضوع( ). ويتضح من كتابات كل من إدْوَرْد ليفي وملفِن آيزنبيرغ أن التغير القانوني يحصل عن طريق اكتشاف القواعد القانونية، ثم اكتشاف المبادئ العليا التي كثيراً ما توسع المفاهيم والتصنيفات القانونية، وتضم القواعد القديمة في ثناياها. لكن لم يحدث شيء من ذلك في الشريعة الإسلامية. فالممارسة الإسلامية في هذه البلدة أو تلك المدينة أو القرية قد لا تتفق والمثال المرجو، وهذا أمر مفهوم تماماً، ولكن تيارها الأساسي لم يؤد إلى تنظيم للقانون يماثل القانون الكنسي ولا إلى الثورة القانونية التي شهدها الغرب، ورفض الشريعة الإسلامية لفكرة التراث المتراكم من الأحكام السابقة هو أقرب في الواقع في نظرية القانون المدني الأوروبي المعاصر وأيديولوجيّته( ). ولكن يجب ألاّ ننسى أنّ الشريعة الإسلامية الكلاسيكيّة استبعدت أيّ تغيير في الفحوى أو الأسلوب عن طريق التشريع البرلماني. لا بل إنّ كمال الشريعة وثباتها المسلم بهما هما اللذان جعلا البلاد الإسلامية ذات الإتجاه التحديثي تحصر تطبيق الشريعة في أمور الأسرة والإرث، وتتبنّى الأنظمة المدنية الغربية (مع بعض التعديلات أحياناً) لتطبيقها على النواحي الأخرى كلّها

2- البناء السياسي في الاسلام:

تقوم جميع النظريات السياسية في الاسلام على القول بأن الحكومة الاسلامية وجدت بمقتضى عقد مقدس قائم على الشريعة. ومن هنا، فان أحدا لم يتساءل لماذا وجدت الدولة، ولم يكن العلم السياسي نتيجة لذلك فرعاً مستقلاً من المعرفة يسمو الى ذرا التأمل الفكري، وانما كان جزءاً من العلوم الدينيَّة. كما لم يوجد تمييز بين الدولة والمجتمع، أو بين الدين والدولة. الا انَّه لم يحدّد الفكر السياسي الاسلامي مفهوم واضح للدولة، وذلك على خلاف الاعتقاد الشائع في أوساط كثيرة اسلامية وغير اسلامية. وفي ذلك يقول أحد المتخصصين الغربيين باتر وورس:

” ان في عنوان كتاب آن لامبتون الحديث ” الدولة والحكم في الاسلام في العصور الوسطى” فضلاً عن المقولة الرئيسية لكتاب هارون خان شرواني عن ” الفكر السياسي والادارة في الاسلام ” (الذي اعيدت طباعته في اوائل التسعينات)، لشاهد على عمق الاعتقاد في أمكان تحديد حقبة تقليدية للفكر العربي، تتوافر في اطارها مناقشة يمكن التعرُّف عليها لمفهوم الدولة و السلطة”( ) كذلك هناك العديد من الكتب العربية التي تتحدث عن مفهوم الدولة في الاسلام، ومنها على سبيل المثال كتابات ضياء الدين الرّيس وأحمد شلبي وعبد الحميد متولّي ومحمد يوسف موسى وحسن بسيوني وعبد الغني عبد الله…

والواقع ان مثل هذه الكتب التي تستمد مادتها من الأدبيات الاسلامية التقليدية انما تتحدث عن الحكم او عن السياسة وليس عن الدولة بالفهوم النوعي والمعنى المتكامل، اي عن الجسد السياسي بتجذره الاجتماعي وتجرده القانوني. وذلك انَّ ” تصنيف السياسة في الفكر الاسلامي التقليدي هو تصنيف لأساليب الصنعة االسياسية و ليس لأنواع الدولة ” وان دخلت في اطار هذه الأدبيات، فأنها تدخل بما هي نقطة دون الذروة في التراتب العمودي الذي هو أساس الملك. فهي تبدو كوزارة مثلاً او كحجابة او كقضاء وفي هذه الوظائف الملكيَّة والخلافيَّة وسائل كثيرة للماوردي وغيره. تظهر الدولة في أدبيات السياسة بمثابة لا حق للملك، ولا يظهر الملك فيها الا بما هو ممارسة عيانية، أي أنَّ الدولة تظهر بما أطلق ابن خلدون عليه اسم ” الدولة الشخصيَّة”، كدولة معاوية أو يزدجرد أو برقوق، ليفصلها عن الدولة بمعناها الفعلي، بما هي ” كلية الدولة “(  ) ويمكن القول انه بأستثناء أساس هو ابن خلدون كان حديث مفكري السياسة المسلمين يدور عادة حول الجماعة السياسية وليس حول الدولة. أمَّا فقهاء الشريعة من قبيل المواردي والغزالي فكانت كتاباتهم تدور حول موضوع الحكومة و ليس موضوع الدولة. وأما كتَّاب الأدب والحكم من قبيل نظام الملك وابن المقفَّع فركَّزوا اهتمامهم على نصيحة الحاكم واستخلاص الملاحظات حول سلوكه، دون ان يهتموا بموضوع الدولة في حد ذاته. من هنا يخلص الباحث الغربي Butter Worth الى انه ” من الواضح أنه ليس هناك مفهوم للقوميَّة او الدولة في الفكر السياسي الاسلامي في العصور الوسطى” ويكون من المنطقي والحال هذه أنَّ المُصطلحات المستخدمة الآن من قبيل وطن ودولة، هي ابتداعات حديثة( ). ان وصف الوحدات السياسيَّة بأنها دول ( وليس بأنها نظم ملكيَّة أو أستقراطيَّة أو ديمقراطيَّة… أو أشياء من هذا القبيل)، يتم احياناً وبصفة عابرة في كتابات الأفغاني، ولكن لم يصبح هذا الوصف أمراً متداولاً الا بظهور المفكرين العلمانيين المتأثرين بالغرب في العشرينات والثلاثينات، وليس في القول بأن هناك في الفكر الاسلامي  أي اقلال من شأن هذا التراث بل هي ملحوظة تاريخية بسيطة ذلك أن الفكر الأوروبي ايضاً لم يعرف مفهوم الدولة قبل عصر النهضة. لايمكن القول بخلاف ذلك ما لم يخلط القائل في فكره بين مفهوم الدولة ومفهوم الحكومة، وهذا هو شأن معظم الكتب العربية المدرسية التي صدرت في هذا المجال .

لا بدّ لفهم الموضوع بصورة واعية من الاقتراب منه في صورة تساؤل عام حول مفاهيم          ” الكيان السياسي” او ” الجسد السياسي” Body politic في الكتابات الاسلاميَّة، وبمعنى آخر، يجب تفكيك مفهوم الدولة المعاصر الى مضامينه الأساسية، ثمَّ البحث عن معادلات أو مقابلات لهذه المضامين في الفكر الاسلامي، ثمَّ اعادة تركيب المفهوم من جديد في ضوء المعطيات الفكريَّة والعلميَّة المعاصرة، فضلاً عن الاطار الثقافي المرجعي العربي الاسلامي . ويمكن النظر الى الوثيقة المسماة احياناً ” بدستور المدينة” باعتبارها أبرز ايضاح للمبادئ التي حكمت الجسد السياسي الاسلامي في حقبته المبكرة و التي أثَّرت على معظم الفكر السياسي الاسلامي اللاحق، وتعود معظم نصوص هذه الوثيقة الى زمن الهجرة من سنة 622 الى سنة 624، ويلّخص مونتغري واط أهم نقاطها من النص العربي فيما يلي: ( )

– المؤمنون وذووهم يمثلون أمَّة واحدة.

– كل عشيرة أو قسم من الأمَّة يكون مسؤولاً عن أعمال أعضائه من الناحية الجنائيَّة والتعويضيَّة.

– تقوم الأمَّة ككل بالتضامن في سبيل القضاء على الجرائم حتى وإن كان المجرم من الأقارب، وذلك في سبيل الحفاظ على أمن الجماعة ككل.

– تتضامن الأمَّة بالكامل في مواجهة الكفار في وقت الحرب والسلم، كما تتضامن في منح حقوق الجوار”.

– ينتمي اليهود الى الجماعة ويحتفظون بدينهم، ويتبادلون مع المسليمن معاونة بعضهم بعضاً (بما في ذلك المعونة العسكرية) كما ظهرت الحاجة الى هذا التعاون.

هذه الأمَّة اذن هي أمَّة المؤمنيين، ولكن غير المسليمن غير مستبعدين منها، وأنما خاضعين لمجموعة مختلفة من الالتزامات. إنَّ ” نظام الذمَّة ” الذي تطوَّر فيما بعد الى نظام ” الملَّة ”  (في ظل الحكم العثماني هو دليل على أن غير المسلمين لم يستبعدوا من مفهوم الجماعة السياسيَّة على الصورة نفسها التي استبعد بها غير المسيحين أو غير المنتمين للمذهب نفسه في دول العصور الوسطى المسيحية. وباستخدام لغة العصر، قد يكون من الصحيح أن الذمِّي قد كان في الدولة الاسلامية التقليدية ” مواطناً ” من الدرجة الثانية. لعبد الرحمن الكردي حول هذه النقطة رأي مخالف فهو يرى ان المبدأ هو أنَّ غير المسلمين ممن يعيشون في دار الاسلام يُمنحون ” حق الاقامة الدائمة ” ولكنهم لا يُمنحون ” صفة المواطنة “. فالدولة الاسلامية تحميهم ولكنهم معفون من واجبات الحرب، ما لم تقرّر الدولة استخدامهم (ولكن في غير الصفوف الأمامية وفي غير الخدمة العسكرية الدائمة) ومن غير المسموح لغير المسليمن في رأيه شغل الوظائف العامَّة الا ما تسمح لهم به الدولة الاسلامية. ويقوم البالغون الذكور منهم بدفع ” الجزية” في مقابل عدم قيامهم بالخدمة العسكريَّة . وهم يخضعون للنظام القضائي الاسلامي الا فيما يخص عقائدهم واحوالهم الشخصيَّة ومسؤوليَّة توفير وسائل العيش لغير القادر على الكسب منهم، تقع على عاتق الدولة الاسلاميَّة.( ) الموضوع خلافي إذن، ولكن لاحظ أولاً الاهتمام بمحاولة إرساء قواعد لوضعية قانونيَّة لغير المسلمين داخل الدولة الاسلاميَّة، ولاحظ ثانياً ان الفكرة العامَّة في شؤون المعاش أنَّه ” لهم ما لنا وعليهم ما علينا “، ولاحظ ثالثاً أنَّ الأشياء غير المسموح لهم بها مثل الاشتراك في الجهاد أو شغل القيادات العامة كلها قابلة للتعديل بمقتضى قانون تُصدره الدولة، فمثلاً تستطيع الدولة إصدار قانون بقبول تطوّع غير المسلمين أو تجنيدهم بالجيش، وفي هذه الحالة يسقط عن هؤلاء التزام دفع الجزية، أضف الى ذلك أن غير المسلمين ممن يعيشون خارج دار الاسلام، وكذا المسلمين ممن يعيشون خارج الدولة الاسلامية، إنما يُعدُّون أجانب ويعاملون على هذا الاساس( ) لدينا أذن فكرة الأمَّة أي الجماعة العقيدية (المعبرة عن نفسها في صورة تنظيمية وسياسية كذلك)، ثم بعض ارهاصات فكرة الدولة:

– فكرة دار الاسلام كتعبير أوَّلي عن أهمية عنصر الاقليم.

– فكرة الحوار الذمِّي الذي يمثل جزءاً أساسياً واستراتيجياً من مفهوم الجماعة يخضع لالتزامات مختلفة في بعض المجالات، ولكنه اختلاف قابل للتعديل.

– فكرة الآخر الذي يعيش خارج الدولة الاسلاميَّة بصرف النظر عن ديانته .

إذن إن مفهوم الدولة هو في صميمه مفهوم اجتماعي اخلاقي، ذلك ان الاسلام قد اهتم بتنظيم كافة تفاصيل العلاقات الاجتماعيَّة وبالذات في مجال الأسرة والحياة الخاصَّة وما يتصل بهذان المجالان من شؤون. والأمَّة هنا هي حاملة القيم التي جاء بها الاسلام و المتبلورة حول ” الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر ” ويكون الاستخلاص المنطقي هنا هو أنَّ الأمَّة تستهدف قيام ” النظام الاسلامي “الذي يسمح بسيادة هذه القيم، أمَّا قيام الدولة الاسلاميَّة، فأمر لا يترتَّب منطقياً بالضرورة على هذه المقدِّمات، بالنظر الى أنَّ الاسلام لم يضع احكاماً مفصلة بشأن نظام الحكم كما فعل بشأن الحياة الأسريَّة والاجتماعيَّة. كما لم توجد كذلك نظريَّة تتعلق بالغاية الدنيوية التي تنتمي هي وحدها الى الدولة، وبالغاية الأزليَّة التي تنتمي الى السلطة الدينية وتُعد وقفاً عليها. فالدين لم يكن منفصلاً عن السيسة، كما أن السياسة لم تكن منفصلة عن الأخلاق. ولمّا كان النشاط الفكري للمسلم في علاقته بالدولة يقوم على أسس ميتافيزيقية ودينية، فقد ترتب على ذلك أن المعارضة في المسائل الدينية كانت ترقى الى مرتبة العصيان السياسي، بل والخيانة ذاتها

3- نظام الحكم في الاسلام: 

إبتداء من توسع الفتوح الاسلاميَّة منذ عام 36هجري/657م. وما بعدها، دخلت في الأمبراطورية الاسلامية شعوب وجماعات مختلفة الأجناس ومتنوعة الثقافات والخلفيات الاجتماعيَّة، وبدأت تتبلور بالتدريج مجموعة متماسكة من الأفكار الاسلاميَّة، على أساس سابق من التقاليد القبلية السابقة على الاسلام، والنظريات الهيلينستية والفارسية المتعلقة بالدولة. لم ينص القرآن على صورة محدَّدة لنظام الدولة والحكم، كما أن الرسول لم يعيّن خليفة يتولى أمور الناس من بعده، مع أنه كان يدرك قرب انتقاله للرفيق الاعلى ( ) من هنا اتَّجه المسلمون منذ البداية الى الابتكار والاستعارة في تطوير أنظمتهم السياسيَّة، وخضعت عمليَّة التطوير هذه الى عدة تأثيرات أوَّلها: الشريعة كما تجلَّت في القرآن والسنّة، ثانيها: التقاليد القبليَّة العربيَّة، وثالثها : التراث السياسي للشعوب غير العربيَّة التي توسَّعت الدولة الاسلامية في أراضيها، وبخاصة التقاليد الملكية الفارسيَّة. وقد زاد تأثير المؤثر الأول في فترة الخلفاء الراشدين، وتأثير الثاني في العصر الأموي، وتأثير الثالث في العصر العباسي وما تلاه حتى بلغ أوجِّه في العصر العثماني. والواقع أنَّ المسلمين كانوا بناة دول بمعنى أنهم أبدعوا في مجالات التوسُّع العسكري وأساليب الحكم وأجهزة الادارة، ويمكن من هذا المنظور الاتفاق مع فاروق حسن وغيره من الدارسين في أن المسلمين قد سبقوا الاوروبين في بناء الدول.( )

فكانت هذه دولاً من نوع آخر غير المتفق عليه عند استخدام تعبير  ” الدولة القومية الحديثة ” أذ انها كانت ” خارجياً ” من قبيل الامبراطوريات وكانت ” داخلياً ” من قبيل نظم الأسر الحاكمةDynastic . وهذا هو المقصود تقليديَّاً عند الحديث مثلاً عن الدولة الأمويَّة أو الدولة العباسيَّة… فهذه معناها في الواقع امبراطورية يحكمها بنو أميَّة أو بنو العباس…

مثل هذه النظم إذن معروفة في الامبراطوريات التقليديَّة وهي تختلف بشكل جوهري عن ظاهرة الدولة  القوميَّة الحديثة( ) ومن هنا ليس من جدوى كبيرة في بعض المحاولات التي ظهرت من بعض متخصصي القانون الدستوري والتي يستعرضون فيها التعريف القانوني المعاصر للدولة وعناصرها ثم يرجعون بالفكر والتاريخ لكي يثبتوا أن هذه العناصر كانت موجودة لدى الجماعة السياسيَّة الاسلاميَّة، إذن فهي قد كانت تمثل ” دولة ” من الناحية النظريَّة والفقهية.( ) وليس من جدوى كبيرة ايضاً في بعض محاولات اساتذة فلسفة السياسة للمشابهة بين الأفكار السياسيَّة لفلاسفة غربيين وما قد يبدو مقارباً لها في أفكار الفلاسفة المسلمين، ومن ذلك مثلاً عبد المعزّ نصر في مقارنته لأفكار الغزالي بأفكار هوبز ولوك وسميث، وفي مقارنته لأفكار ابن خلدون بأفكار فيلمروباجوث وشبنجلر( ) وذلك أن مثل هذه التشابهات هي شكليَّة أكثر منها مضمونيَّة.انَّ المسلمين قاموا ببناء ” دولهم ” وتطوير نظم حكمهم على أساس من الابداع و الاقتباس.

انَّ النظريَّة السياسية جاءت في مرحلة لاحقة للتطوّر التاريخي، بل الواقع أن أهم المفاهيم السياسيَّة الرئيسية في الفكر الاسلامي لم تتبلور الا في عصر اضمحلال المؤسسات السياسيَّة( ) فصياغة نظريَّة الخلافة مثلاً تعود بتاريخها الى القرن الحادي عشر الميلادي ومابعده، أي الى فترة تدهور مؤسسة الخلافة في الدولة العباسية وظهور خلفاء في أكثر من مدينة اسلاميَّة، مع تزايد حركات المعارضة من جانب فئات الشيعة والخوارج والمعتزلة وغيرهم ضد الحكَّام السنَّة في بغداد. وهكذا تبلورت نظريَّةالخلافة كبحث مثالي حول ما يجب أن يكون وليس كدراسة وصفيَّة لما هو قائم، وكان أهم من أسهم في بلورتها أبو الحسن الماوردي (توفي 450/1058) وأبو حامد الغزالي (توفي 505/1111) وبدر الدين بن جماعة توفي (732/1332).

أمَّا ابن خلدون (توفي 808/1406) فأنه يختلف عن معظم المفكرين الاسلاميين التقليديين في عدّة أمور، فهو ورغم عدم خروجه عن الاطار العام للأدبيات الاسلاميَّة المتَّصلة بالخلافة، اهتم أكثر من غيره بوصف الأوضاع القائمة. ومن ناحية أخرى، حاول استخلاص بعض النتائج أو عرض بعض النماذج والتصنيفات التي تسمح بالتحليل والمقارنة. ويعتبر أهم مفكر اسلامي تقليدي يضع الدولة في بؤرة اهتمامه الفكري، ولقد عالج قضايا تمس القارئ المعاصر،أو كما يقول محمد عابد الجابري فانَّ الخلدونيَّة يمكن أن ينظر اليها ” كعناوين لواقع نعيشه ولا نتحدث عنه “( ) ليس من الغريب إذن أن يستحضر كثير من المفكرين العرب المعاصرين  ابن خلدون في كتاباتهم السياسيَّة والاجتماعيَّة المختلفة وبخاصة ما اتصل منها بموضوع الدولة.

يرى عزيز العظمة أنَّ المفهوم الخلدوني للدولة هو مفهوم تاريخي يرتبط بتتابع الأسر أو القبائل أو الاثنيات الحاكمة، وليس مفهوماً “سوسيولوجيَّاً” عامَّاً قابلاً للتجريد والتصنيف والمقارنة، أو قابلاً للتحليل و الارتباط السببي.( )

ويختلف هذا الرأي في الواقع مع معظم الدراسات التي تمت لفكر ابن خلدون سواء من جانب الغربيين أو العرب( ) ونشير في هذا الصدد الى بحث محمد عابد الجابري بعنوان ” العصبية والدولة” فهو يشرح كيف أسَّس ابن خلدون ملاحظاته على دراسة شعوب وقبائل عديدة، استنتج فيها تحليلات مختلفة عن التجربة الحضاريَّة الاسلاميَّة الى عهده، تُعبّر عن جانب هام من ” الحقيقة الموضوعية ” الاجتماعية والتاريخية بل الاخطر من ذلك أنَّ الانسان كثيراً مايجد في تحليلات ابن خلدون ما يلقي بعض الأضواء على جوانب من تاريخنا الحديث وواقعنا الراهن( )  والدولة في مفهوم ابن خلدون       ” مزاج” أو ” مركَّب” يتألف من عنصر طبيعي محرّك هو العصبيَّة، يضاف اليه أمور هي متولِّدة عن وجود الدولة نفسها: بعضها مادي مثل اجتماع الاموال الكثيرة بالجباية أو استكثار الجيوش بتلك الاموال، وظهور الأبَّهة الملكيَّة للعيان، وبعضها معنوي نفساني وهو تعوّد الناس الخضوع لأمرها وانغراس الايمان في نفوسهم بأن ذلك واجب لأصحاب تلك الدولة،( ) على أنَّ العصبيَّة سواء في ذلك عصبيَّة العرب أو غيرهم من الشعوب التي درسها ابن خلدون (كالفرس والكرد، والترك، والبربر) هي ايضاً العامل الرئيسي في تدهور الدول لأرتكاز حضارة هذه الشعوب البدويَّة على أساس اقتصادي واه بطبيعته( ) فبعد فترة من الاستقرار في الحكم تتجه الدولة الى جمع الجبايات وفرض المصادرات، مما يؤدي بعد فترة الى نقصان المال الذي تجمعه الدولة لا الى زيادته، وهكذا تكون النتيجة بل النهاية المحتومة هي أنَّه ” بكثرة عوائد الترف فيهم تزيد نفقاتهم على أعطياتهم، ولا يفي دخلهم بخرجهم”… ثم يزداد ذلك في أجيالهم المتأخرة ويؤدي الى مزيد من المصادرة فيضعف أصحاب المصانع والانتاج ويضعف صاحب الدولة بضعفهم، فتضعف الحمية لذلك، وتسقط الدولة. نحن هنا إذن أمام حضارة استهلاكية غير منتجة أقيمت على أسلوب في الانتاج غير طبيعي، هو أسلوب اقتصاد الغزو أو أسلوب الانتاج الحربي وهو يختلف عن الأساليب الأخرى المتعارف عليها بما فيها” النمط الآسيوي للأنتاجAstiotic M.O.P. فالثروة في هذا المجتمع ناتجة في الأغلب عن الاستيلاء على الخيرات الجاهزة: الطبيعية منها في حال خشونة البداوة، و” الاجتماعية ” في حالة رقة الحضارة. من هنا كانت ” البنيات الفوقيَّة ” على العموم، غير مرتبطة بـ ” البنيات التحتيَّة ” والسلطة السياسيَّة ليست نتيجة السيطرة على قوة الانتاج، بل هي نتيجة التلاحم العصبي الذي يؤخر سعي الجماعات البدوية نحو السلطة وأوسع الامتيازات الناتجة عنها، وفي مقدمتها الثروة الجاهزة. ويصل الجابري من هذه المراجعة لابن خلدون الى تعميم أشمل فيقول ان التاريخ يؤكد أن ثروة الدولة الاسلامية التي أقام عليها العرب دولتهم وحضارتهم كانت في معظمها تتكون من مواد حربيَّة. ولعلَّ ما له دلالة خاصَّة في هذا الصدد أنَّ كتب الفقه تحصر موارد الدولة أو مصادر ميزانيتها في الغنائم والجزية والخراج والعشور… الخ. وهي تعطي أهميَّة خاصَّة لاستثمارها بل أولاً واخيراً بكيفية توزيعها. إنَّ الأموال كانت تجمع لتُستهلك لا لتُستثمر، فهي ثروة جاهزة توزَّع على المحاربين ورجال الدولة اي تتصرف فيها الجماعة الحاكمة، وذلك أساساً بالأستهلاك. ولما كانت هذه الأموال غير ثابتة أو مستقرَّة، فقد بقيت هذه الحضارة تابعة لقوة ” السلطان ” رهينة بالاحداث السياسيَّة، ولم تكن هذه الأموال قابلة للنمو الذاتي. ذلك أن العرب ومن في معناهم”، أي الشعوب البدويّة على حد تعبير ابن خلدون تستنكف من الصنائع والمهن وما يجر اليها، كما تتعالى على الفلاحة، ومن هنا كانت الأرض في معظم العصور الاسلامية ملكاً للسلطان يفرض عليها ما يشاء من الجبايات، أو يقطعها لمن يشاء، وهو أمر لم يشجِّع على نمو ثروات الفلاحين أو على نشوء الاقطاع بالشكل الذي عرفته أوروبا. أمَّا الصناعات فقد كان رواجها يكاد يكون محصوراً في ” السوق الأعظم ” أي الدولة ورجالاتها،  بما يحتاجون اليه من سلع الاستهلاك الترفي. ولم يكن هؤلاء يدفعون للصنّاع من الأثمان الا القليل، وبهذا لم يكن يتوفر لهم فائض يسمح لهم بتطوير الانتاج أو تشكيل قوة اقتصاديَّة أو طبقة اجتماعيَّة تستطيع القيام بدور فعَّال في الاحداث السياسيَّة. ويلخّص الجابري كل هذا قائلاً، ” أن اقتصاد الغزو ثروة تتجمع عند الدولة، بوسائل الدولة، لينفقها أهل الدولة”. لذلك فقد كان الاقتصاد في جملته ” اقتصاد دولة”: أي اقتصاد الخليفة وأهل السلطة والنفوذ. وأما نظام الحكم المرتبط به، فقد فصِّل هيكله على أساس مجتمع قبلي ضيِّق، ثم كبر ليشمل عالماً كاملاً من المعطيات المختلفة المتناقضة، فظلَّّ هكذا نظاماً مرفوضاً من فوق على واقع أوسع منه بكثير، فكانت النتيجة عدم الاستقرار في الحكم( ). لقد استعمل الجابري منظور التاريخ الاسلامي لاستقراء مقدِّمة ابن خلدون والدلالات المتعلقة بمفهوم الدولة، ولم يقتصر في عملية استقراءه علىما كان في عهده فقط، وسواء اتفقنا في تفاصيل هذا التفسير أو لم نتفق، فأهم إسهام للجابري هنا هو ربطه لتطور الدولة بمفهوم ” نمط الانتاج”، وهي نقطة أهملها الكثيرون في تحليلهم لقضية الدولة في المجتمعات العربيَّة الاسلاميَّة بالرغم من بعض المحاولات لربط الفكر العربي الاسلامي عموما بجذوره الاقتصادية الاجتماعية.

 لقد اعتُبرت نظرية ابن خلدون نسيج وحدها في دراسة الحكم في الاسلام، في حين ان كل النظريات الأخرى وجدت متناثرة في المؤلفات الاسلامية.

4- العدل في الفكر الاسلامي:

ان العدل هوذ الأساس الذي تقوم عليه حياة الجماعة الاسلامية، أما مصدرها فهو تمازج قواعد الحكم الاسلامي بتقاليد الفرس الساسنية في الملك. خلال العصر الاموي، بدأت المؤثرات الهيلينستية والساسانية بالاضافة الى التقاليد العربية (الجاهلية) تعمل على تشكيل النظم التي تحكم عالم الاسلام، وشيئاً فشيئاً أخذ يبرز تفسير شبه رسمي لهذه النظم. أما فكرة الدولة في أوروبا، فلقد تطورت من خلال تطور الفردانيَّة ومفهوم الحرية المرتبط بها. فتفتيت المجتمع الى وحدات ” ذريَّة ” متفرِّقة “اي أفراد” يتمتعون نظرياً بالحريَّة في مواجهة بعضهم بعضاً هو الذي سمح بتطور مفهوم الدولة ككيان يتعامل بصفة مباشرة “اي بدون وساطة اية جماعات وسطية” مع الفرد وذلك بصورة قانونية لاشخصانيَّة، وإن كانت فرديَّة “اي تقوم على احترام حقوق الفرد في الأمن والملكيَّة  والاعتقاد… الخ” من هنا اعتبر المفكرون المثاليون الدولة أسمى تعبير عن الحريَّة في العصر الحديث، وأعتبرها الماركسيون أسمى تعبير سياسي عن الرأسماليَّة كنمط في الانتاج، لأنها بتركيزها على الفرد ، قد حوّلت عنصر العمل الى سلعة تباع وتشترى، أي أنها عمَّمت نظام النقود والأسواق ليشمل الانسان ايضاً. وفي كلتا الحالتين يتفق هؤلاء المفكرون وأولئك على ارتباط فكرة الدولة في أوروبا بتطور الفردانية ومفهوم الحريَّة المتصل بها.

أمَّا في الفكر السياسي الاسلامي فإن التشديد هو بوضوح على الجماعة على حين لا يحظى موضوع حقوق الفرد أو مفهوم الحريَّة المرتبط به بأهتمام كبير( ) وانما يحظى بالاهتمام مفهوم العدالة ” العدالة اساس الملك ” الذي تضعه الأدبيات الاسلامية في موقع القمَّة في كافة القيم السياسيَّة.

يقول حامد ربيع، بمناسبة تحقيقه لكتاب “سلوك المالك في تدبير الممالك لابن أبي الربيع، ” إذا كانت الحريَّة تبدو في ألفاظ ابن أبي الربيع موضع تساؤل، وإذا كانت المساواة لم تخضع لذلك التفصيل الذي أخضع له مفهوم العدالة، وإذا كانت الطمأنينة تبرز من آن لآخر، فعلى العكس مفهوم العدالة يكاد يكون ناقوساً يدق به في كل مناسبة بل ودون مناسبة ليذكر الحاكم بأن محور سلوكه هو أن يكون عدلاً: إذا كانت الشرعيَّة مردَّها الاختيار فإن الطاعة محورها العدالة( ) هذا الاصرار على فكرة العدل ميزة واضحة في معظم الأدبيات السياسية الاسلامية التي تتميز كذلك بأنها تسبغ على هذه الفكرة معنى بالغ الاتساع والتشعب :” إن العدالة هي في حقيقة الأمر علاقة تربط جميع مستويات الوجود السياسي، فهي تتحكم في العلاقة الأسريَّة، وهي تنظم علاقة المالك بملكِه، وهي تغلّف علاقة صاحب السلطة بأعوانه… يقول الحكيم العربي: من أعمال العدل أن يكون الفرد صدوقاً في كل ما ينبغي. فهناك أكثر من هذا دلالة على أن مفهوم العدالة يتَّسع فيصير رداءً فضفاضاً يسيطر على جميع تطبيقات القيم والمثاليات الاخلاقيَّة و الدينيَّة ( ) ، وقد فهم الفكر السياسي الاسلامي في العصور الوسطى العدل على أنه علاقة الانسجام التي تربط بين أفراد المجتمع في اطار نظام قام بأمر الله، بحيث تعيش العناصر الرئيسيَّة لهذا النظام في توازن تام.

4-1- القيادة محور الفكر السياسي الاسلامي:

ان المسألة الرئيسية التي شغلت اهتمام المفكرين في مسائل السياسة والحكم من المسلمين في القرنين الأول والثاني للهجرة، تدور حول قضية ولاية الامام وخلعه. لقد كان العدل في الفكر السياسي الاسلامي هو القيمة السياسيَّة العليا. ولما كان مفهوم العدل مفهوماً نسبيَّاً مرِناً يختلف في التطبيق من حالة الى أخرى فإن نجاحه لا يكون منوطاً بوجود قواعد عامة مجرَّدة تقوم الدولة بتطبيقها على الأفراد بصورة لا شخصانيَّة، وإنَّما يكون نجاحه بتوافر الحاكم صحيح الايمان راجح العقل الذي يمكن أن يؤتمن على اتخاذ هذه القرارات النسبيَّة المرِنة المتعلِّقة بمفهوم العدل في كل حالة على حدة وبحسب ظروفها الخاصة. وهكذا تكون النتيجة المنطقيَّة لارتفاع شأن العدل كقيمة سياسيَّة عليا هي التركيز على دور القيادة بأعتبارها أساس الحياة السياسيَّة، وعلى أهيمة اتباع القائد باعتبار أنه يتميز بقدرات ايمانيَّة وفكريَّة بل وجسديَّة تفوق ما لدى غيره.

تعود فكرة القيادة بجذورها الى زمن بعيد، ومن ذلك قول عمر بن الخطَّاب: ” يا معشر العرب، انه لا اسلام بلا جماعة، ولا جماعة بلا امارة، و لا امارة بلا طاعة “( ) ومن ذلك، أيضاً في زمن لاحق، أن معظم الكتابات الاسلاميَّة حول الخلافة هي كتابات عما يجب ان يتوافر في الخليفة من صفات وخصال مثال الماوردي والمرادي، ابن جماعة… وفي موضوع الحقوق تنقسم هذه دائماً الى حقوق للإمام أو الخليفة أو السلطان … وحقوق للجماعة( ) ولا تكاد حقوق الفرد يظهر لها من أثر. هذا المفهوم حول محوريَّة القيادة ظل يسيطر على معظم التفكير السياسي الاسلامي حتى مرحلته الحديثة، ومن ذلك ظهور فكرة ” المستبد العادل” في كتابات الافغاني ومحمد عبده وغيرهما( ) .

إن مفهوم الدولة في الاسلام لا يترتب على ما يبدو كنتيجة منطقيَّة لتسلسل المفاهيم السياسيَّة الأساسية. ويمكن وضع مقارنة أوَّلية بين الفكر الأوروبي والفكر الاسلامي في هذا الخصوص على النحو التالي :

الفكر الأوروبي : الفرد – الحريَّة – الدولة

الفكر الاسلامي :الجماعة – العدل – القيادة

ان للقيادة في التراث السياسي الاسلامي مكانة بالغة الأهمية في وذلك على النحو الذي أوضحه خليل أحمد خليل( ) ورضوان السيّد( ) وغيرها. ومن المعروف طبقاً للتحليل الاجتماعي السياسي لماكس فيبر وغيره، أنَّ قوَّة القيادة تُحقق عادة على حساب صلابة المؤسسات والعكس بالعكس، ومن هنا كانت فكرته عن أهمية تحويل القيادة المُلهمة الى مؤسسات منظَّمة، Routinisotion of chazian، لم تحظ هذه الفكرة بتشجيع كبير من روّاد الفكر السياسي الاسلامي فالماوردي في قوانين “الوزارة ” يلاحظ بإستهجان زيادة وزراء التفويض عن وزراء التنفيذ في الدولة الاسلاميَّة في العصر العباسي”. وفي هذا يقول  رضوان السيّد في دراسة له:

” فلا شك أن وزارة التفويض أو الوزارة ذات المسؤوليات الحقيقيَّة والمحدَّدة، ترتبط بذهنه (الماوردي) كما في اذهان سائر رجال الفكر السياسي انذاك بتراجع سلطات القوَّة السياسيَّة الأولى أو العليا: الخلافة، لذا ربما كان بالامكان فهم استنتاج الماوردي التاريخي هذا باعتباره احتجاجاً على ما آل اليه الوضع بحيث لم تظهر الوزارة فقط، بل ظهرت ايضاً وزارة التفويض التي كانت في الحقيقة استلاماً للسلطة، بل وفي نظر الماوردي استسلام من جانب القوة/ المركز لمقتضيات تطورات لم تشارك هي مباشرة في صنعها ” ( ). لقد عكست قضية القيادة الصراعات التي كانت قائمة بين أهل السنة والخوارج والشيعة، بالاضافة الى الاختلافات بين المعتزلة وغيرهم من أصحاب المذاهب. فالانقسامات التي ظهرت وهددت صفاء العقيدة، كان لها تأثير مباشر في مفهوم الحاكم وأسلوب القيادة.

4-2 الوحدة في الفكر السياسي الاسلامي:

ان القاعدة التي يقوم عليها البناء السياسي في الاسلام هي الأمة أو الجماعة، وهي جماعة الأفراد الذين يرتبط بعضعهم ببعض بروابط الدين. وجميع أفراد هذه الأمة متساوون، لا فرق بين كبير وصغير، وانما يكون في نوع العمل، والله وحده هو رب هذه الجماعة وحاكمها، وحكمه فيها مباشر بلا وسائط. ويحدد نظامها الداخلي ويؤمنه رضى أفرادها جميعاً بأحكام الله وخضوعهم لها وطاعتهم لرأس الجماعة.  اذاً لقد تحقق مشروع وحدة القاعدة البشريَّة أي الأمَّة، ومشروع وحدة الرمز السياسي أي الخليفة في التنظير السياسي الاسلامي، ولكن لم يتحقق مشروع الدولة( ) سواء بوجهها الخارجي، اي وحدة الدولة الاسلامية عبر العصور، أو بوجهها ” الداخلي ” اي تحوِّلها الى مؤسسات مسؤولة. ومعنى تحوِّلها الى مؤسسات مسؤولة هو أن يلتزم الحاكم نفسه بالقانون، فتصبح شرعيَّة مستمدة من مدى التزامه بالقواعد العامة التي اتفق عليها المجتمع. ويرى رضوان السيّد أنه منذ النصف الثاني من القرن الثالث الهجري ظهر التعارض بين أمر الشرعيَّة، أي الشورى والعقد والبيعة، وأمر الجماعة  أي وحدة الامة، وكان على المفكرين أن يختاروا بين الأمرين في حالة عدم امكان الجمع بينهما. وقد تقدمهم الامام أحمد بن خليل (241 هـ) في إيثار الجماعة على الشرعيَّة عند عدم إمكان الجمع بين القضيتين. وكانت المسألة قد بدأت منذ خلافة عمر، بالاصرارعلى الشورى والعقد والبيعة، باعتبارها طريقاً لاستمرار الجماعة الواحدة. ثم جرى التخلي عن الشورى وبقي العقد والبيعة والجماعة. وكانت عبارة الامام أحمد المتشائمة فاتجة التركيز على وحدة الأرض والجماعة دون سواها.( ) سلطة القائد من ناحية ووحدة الجماعة من ناحية اخرى هما أساس الحياة السياسية في الفكر الاسلامي. ولكن ماذا عن مفهوم الدولة، او كما يسميها رضوان السيّد ” فكرويَّة الدولة” ؟

تذكر المصادر أنَّ عمر عيَّن ستة للشورى، ولكن بمعنى التشاور لاختيار أحدهم للخلافة كما حدث فعلاً، لا للتفكير في انشاء مؤسسة الشورى أو تنظيم طريقتها. خليفة المسلمين الأول كان من الناحية النظريَّة الدولة كلها فحتى السخلة التي تهلك على شاطئ نهر الفرات رأى عمر أنها مسؤوليته.( ) وقد بذل عمر وعثمان جهوداً كبيرة في سبيل المحافظة على وحدة الدولة ومركزيَّتها ومعارضة مطالب القبائل العربيَّة بتقسيم الاراضي المفتوحة فيما بينهم على الطريقة البدويَّة، وأصرت الدولة على إدارة هذه الاقاليم المفتوحة وأعطاء القادة المحاربين مرتَّبات سنوية فقط.

اتبع علي النهج نفسه حفاظاً على الوحدة، وعندما يئس رجال اللامركزيَّة من علي ورأوه يتَّجه للتفاوض مع معاوية صديق عثمان ونهجه، خرجوا هذه المرَّة لا على الخليفة وقريش المحتكِرة للسلطة فقط بل على فكرة السلطة نفسها. وكان هذا الرفض نظريَّاً فقط. أمَّا من الناحية العمليَّة فأن هذه الفئات المحتجَّة قدَّمت نفسها بديلاً لقريش وسلطتها وجاءت سابقة معاوية في تولّي الأمر بغير شورى ثم توريثه من بعده لولده، لتدفع فئات جديدة الى أحضان الخوارج، وتبعث كراهية العرب للملك من جديد( ).

وهكذا يرى السيّد أنَّه ما انتصف القرن الأول الهجري حتى كان أمران أساسيان في سياسات الراشدين قد دُمِّرا: دُمِّرت الخلافة بمفهومها المقابل لمفهوم الملك، ودُمِّر من ناحية ثانية مشروع عمر لايجاد كوادر مثقفة للدولة الجديدة: فالخلافة صارت ملكاً وكوادر عمر، هجرت المدن الى الجبال لشن حرب عصابات على مؤسسات دولة عمر ذاتها. ومع ذلك بقيت كفَّة الأمويين راجحة باعتبارهم عصبية مسيطرة تستطيع أن تلعب دور الحَكَم بين العصبيات القبليَّة الأخرى التي تتصارع على الأمر ثم واجهت الدولة الاسلامية منذ القرن الثالث الهجري مشاكل ذات طبيعة سياسيَّة واداريَّة معقَّدة . فمع بدء التحول في الملكيَّة وظهور الشعوبيات، بدأت ظاهرة متغلبي الأطراف. ولم تكن الدولة العباسيَّة في المركز (بغداد) قادرة عل حل هذه المشاكل بالقوة فلجأت الى الحلول السياسيَّة التي كان الكتَّاب القانونيون والاداريون رجالها.

كذلك نجد أنَّ الفقهاء الذين قاموا بوظائف الكتابة، كانوا قادرين ايضاً على اسباغ طابع الشرعيَّة الفقهية على معظم أعمال الخليفة أو السلطان. ورغم أنَّ بعض الفقهاء قد تمتَّع بقدر من الحرية النسبيَّة في مواجهة الخليفة، الا انه ما ان جاء القرن السادس الهجري الا وكان على الفقهاء  ان يقبلوا العمل كموظفين أو أن يعتزلوا في بيوتهم. وابن تميمة الذي أحبَّ التأكيد على الوظيفة الاجتماعيَّة للعالم، توفي في السجن”( ) هذه هي صورة تطور فكرة الدولة، في ارتباطها بتطور الأوضاع السياسيَّة للأمة الاسلاميَّة كما يشرحها رضوان السيّد. ولقد استخدم المناهج العصريَّة لتحليل الأفكار والأوضاع التاريخيَّة الاسلاميَّة تحليلاً يتمشى مع منطق المفاهيم السياسيَّة الخاصَّة بالتراث الاسلامي نفسه، ولقد ركَّز على الأمَّة والجماعة والسلطة واقترب في تحليله من فكرة الدولة ومن كثير من القضايا التي تُطرح بمناسبة موضوع الدولة. مع العلم ان الاسلام لم يعرف نظرية لتعايش الدولة في مجتمع دولي، اذ ان الحالة المثلى في هذا الشأن هي اقامة مجتمع عالمي، يظل أهله في سلام دائم. والى أن يتحقق هذا الهدف، فان علاقات الجماعة الاسلامية مع بقية العالم الخارجي كانت تحكمها نظرية الجهاد بالرغم من وجود ثغرة بين النظرية والواقع.

5- التراث السياسي الإسلامي في علاقته بالسلطة والدولة:

بالرغم من ان الفقهاء حاولوا الى حد ما أن يقدموا تاريخ الجماعة في صورة عقلانية، الا أن تفكيرهم السياسي كان في الوقت ذاته يتجه الى التقيد بالتراث القديم. وبقدر ما كان الأمر كذلك فلم يكن للنظرية الفقهية الا تأثير قليل في العمل السياسي، ولكن الصيغة التي وضعها الفقهاء للحكم، هي التي أخذت أساساً لحركات الاصلاح الدستورية الاسلامية الحديثة. ونرى ذلك في دراسة قام بها حامد ربيع تناول فيها دراسة التراث السياسي الإسلامي في إطار المفاهيم الفكريَّة الذاتيَّة لهذا التراث، ولكنه أعطانا من خلال ذلك الكثير من اللمحات المتَّصلة بموضوع الدولة في الإسلام.

وقد تمَّ ذلك كلّه بمناسبة قيامه بتحقيق كتاب من القرن التاسع الميلادي، كتبه شهاب الدين بن أبي الربيع وأسماه ” سلوك المالك في تدبير الممالك”.( )ويرى ربيع أنَّ الدولة القوميَّة الأوروبيَّة قد ظهرت كرد فعل للنموذج السياسي الكاثوليكي، وقامت على أساس ” سيادة الفرد وجعل حقوق المواطن تحتل المحور الأوَّل والأخير للوجود السياسي.

فالنموذج القومي قام على أساس جعل العلاقة بين المواطن والدولة علاقة مباشرة أصيلة لا تقبل الوسيط ولا تسمح بأية علاقة أخرى منافسة. وهكذا فرض على الكنيسة أن تتقوقع في وظيفتها الدينية حيث طردت جميع المنظمات أو التنظيمات غير السياسية من العلاقة بين المواطن والدولة، بحيث انتهى هذا النموذج بأليه الدولة باسم حقوق الفرد.( ) ويرى ربيع أن النموذج الإسلامي يختلف عن النموذج الأوروبي للدولة القوميَّة ويدعو في سبيل استيضاح ملامح النموذج الإسلامي المتميّز، إلى عملية إحياء للتراث تكون مرتبطة بوظيفة سياسيَّة محدَّدة ويرى أنَّ المدرسة القوميَّة الإلمانيَّة جديرة بالاعتبار في هذا الصدد: فعندما ووجه المجتمع الألماني بالذلَّة التي فرضها عليه الغزو الفرنسي، ذهب المفكّرون السياسيّون إلى البحث والتنقيب عن أصول حضاريَّة تسمح لهذا الفكر بتدعيم الوعي بالتميّز القومي الألماني ، ولم يجدوا أمامهم سوى التاريخ التيوتوني وإحياء التراث الجرماني،  كأساس حقيقي لخلق الوعي بالتكامل القومي وتأكيد الأصالة الذاتيَّة.( )

يحاول حامد ربيع أن يفعل شيئاً مشابهاً، أي أن ينقّب في المصادر الفكريَّة الإسلاميَّة القديمة لاستجلاء معالم التراث السياسي العربي الإسلامي وقبل أن يدخل في تفاصيل هذه العمليَّة، يبدأ أوَّلاً بمحاولة الرد على بعض الإنتقادات( ) التي وجِّهت للتراث السياسي الإسلامي، وأهمّها ما يلي :

– عدم معرفة المجتمع السياسي الإسلامي فكرة ” التصويت ” في أيّ مرحلة من مراحل تاريخه.

– عدم قيام مجالس نيابيَّة في المجتمعات الإسلامية.

– عدم وجود ضمانات لحريَّة الفرد وحقوقه في مواجهة الحاكم.

  – عدم وجود مفهوم للمعارضة السياسيَّة في تاريخ المجتمع السياسي الإسلامي.

ويرى ربيع أن تصويب مثل هذه التصورات لا يمكن أن يتمّ إلاّ بعملية إحياء للتراث السياسي الإسلامي، وهي عمليَّة لا تنفصل في مفهومه عن عمليَّة تدعيم التكامل القومي. ونلاحظ في هذا الصدد تأثّر ربيع بالفكر الألماني بقيادته الرومانسية والمثالية.( )

” التراث هو أداة للمعرفة بالذات. الذات القوميَّة واحدة لا تتعدد، وهي واحدة تعبّر عن استمراريّة ثابتة رغم تنوّع نماذجها على المستوى الفردي والجماعي. المعرفة بالذات لا يمكن أن تنطلق إلاّ من الماضي وكما أن الشجرة لا تكتمل إلاّ إذا تعدّدت فروعها، فإنَّها بقدر امتداد جذورها بقدر قدرتها على البقاء. “

ويرى ربيع أنَّ من أهم المشكلات التي تواجه الباحث في مجال إحياء التراث السياسي الإسلامي إشكالية العلاقة بين الفكر والحركة في التقاليد السياسيَّة الإسلاميَّة، وهو يُسجل الملاحظات التالية في هذا الخصوص.

– لم يبرز الفكر السياسي إلاّ في مرحلة متأخّرة وبخاصة نهاية العصر العبّاسي، وبهذا فهو لم يسهم في عمليَّة البناء النظاميَّة لأصول الدولة الإسلاميَّة.

– نظر فقهاء الإسلام إلى الفكر السياسي بصفة عامة وإلى مشكلة التنظيم السياسي بصفة خاصَّة نظرة أساسها عدم الإهتمام أو على الأقل عدم الإختصاص باعتبارها تخرج عن نطاق التفريع والتخريج الفقهي.

– رغم معايشة جانب من الفكر السياسي الإسلامي لمرحلة التفسخ في المجتمع الإسلامي، فإنّه لم يحاول أن يقدم حلولاً لمواجهة مشاكل هذا المجتمع (قارن مثلاً بين دور ابن خلدون ومكيافيللي).( )

ويشارك ربيع غيره في ملاحظة أنَّ الفكر السياسي الإسلامي يتمركز حول فكرة الإقامة أو ظاهرة القيادة والإهتمام بحقوق الراعي دون حقوق الرعيَّة ” وقد انطبق ذلك سواء في مراحل قوّة المجتمع أو في مراحل ضعفه وإبن تيميَّة رغم أنه اختار لكتابه عنواناً يحمل على الاعتقاد بأنه خرج على ذلك التقليد، إذ أسماه ” السياسة الشرعيَّة في إصلاح الراعي والرعيَّة “، فإنَّه عندما تعرَّض للقسم الذي عرَّفه بأنّه ” حقوق الناس ” لم يتناول سوى تلك الحقوق المدنيَّة التي لا تتضمَّن بطبيعتها أيّ تحليل لموقف الطبقات المحكومة من السلطة.( )

هذا إذن هو مظهر الإختلاف بين الدولة الإسلاميَّة والدولة الغربيَّة. كذلك تختلف السلطات ووظائفها في الدولة الإسلاميَّة عمّا هي عليه في الدولة الغربيَّة كذلك تختلف السلطات ووظائفها في الدولة الاسلاميَّة عما هي عليه في الدولة الغربيَّة: فوظيفة التشريع مثلاً في التراث الإسلامي إنّما تعني عمليَّة تخريج الأحكام أي تفريعها عن الأصول، وهي بهذا ليست مرادفاً لفكرة القوانين بالمعنى الغربي المتداول( ) والسلطات نفسها مختلفة في المفهوم الإسلامي وهي تتمثّل في سلطة الإختيار أي وظيفة الخليفة، وسلطة الافتاء أي وظيفة العلماء، وسلطة القضاء أي وظيفة القضاة.( )

ويقوم النظام الإسلامي على مبدأ التوازن، فهو من ناحية فكريَّة يجعل الاعتدال والتوفيق والمهادئة فلسفة للتعامل، وهو من ناحية تنظيميَّة يجعل من فكرة الموازنة بين القوى والاختصاصات محوراً لهيكله الحكومي. فإذا كان الخليفة هو السلطة العليا فإلى جواره – ويقف منه موقف الرقابة والمحاسبة – يوجد العلماء من جانب وسلطة القضاء من جانب آخر . هذا التوازن هو الذي يفسّر نجاح النظام الإداري الإسلامي، وزوال هذا التوازن هو الذي يفسّر الإنتقال إلى مرحلة التدهور والإنحطاط منذ منتصف العصر العبّاسي الأوّل.( )

ويؤكّد حامد ربيع أنّ هذا الكيان السياسي الذي يتبلور حوله الفكر الإسلامي ليس “دولة ” (إذ ليس للإقليم موضع في التصوّر الإسلامي للجماعة السياسية) بل هو ” الأمَّة ” أي الجماعة الدينيَّة السياسية المنظمة، ويأتي هذا التنظيم عن طريق السلطة أو الخلافة. ومن هنا فإذا كانت وظيفة الأمَّة هي نشر الدعوة، فإنّ السلطة هي ” أداة تحقيق تلك الوظيفة الحضارية”.( )

ومن ناحية القيم السياسيَّة لا يتبنَّى النظام الإسلامي مبدأ الحريَّة أو مبدأ المساواة كقيمة سياسيَّة عليا، وإنَّما يتبنّى مبدأ العدالة:  ” مبدأ العدالة هو المبدأ الأصيل الذي يشكّل ويتحكَّم في جميع المبادئ الأخرى السياسيَّة المرتبطة بكلّ ما له صلة بالتعامل مع السلطة”. قيمة الحرية في المنظور الإسلامي رهن بمبدأ العدالة وليس العكس، وكلمة ” السياسة العادلة ” هي الصفة المتداولة في الفقه السياسي الإسلامي للتعبير عن النموذج المثالي في علاقة الحاكم بالمحكوم. والعدالة تكاد أن تكون هي المبدأ المثالي الوحيد المفروض على الدولة الإسلامية، بالإضافة إلى التزامها العقيدي بالشريعة.

فإذا أردنا النظر إلى أكثر المفاهيم الإسلامية اقتراباً من فكرة ” الدولة ” فعلينا أن نفهمها في هذه الحالة لا بمعنى سلطة الإكراه، بل بمعنى أداة الضمان للأمن والأمان في سبيل تمكين المسلم من تحقيق الكمال في الممارسة الدينيّة .

الدولة الإسلاميَّة هي دولة عقائدية (أي لها وظيفة اتصالية بالتعبير المعاصر) تقوم على أساس الدمج بين المثاليات الأخلاقيَّة والمثاليات السياسيَّة، بحيث ترفض الفصل بين الحياة العامَّة والحياة الخاصَّة، أو التمييز في قيم التعامل من جانب السلطة بين المسلم وغير المسلم. وبناة هذه الدولة الإسلامية في نظر حامد ربيع خمسة: ( ) ” الرسول صاغ المبادئ أثناء حكمه للمدينة، عمر ابن الخطّاب نقل هذه المبادئ من المدينة – الدولة، إلى الدولة بمعناها الحقيقي، أي إلى الأرض المترامية الأطراف، ثم يأتي معاوية بن أبي سفيان فيؤسّس معالم وخصائص الدولة الأمبراطوريَّة، عمر بن عبد العزيز يطعّم الأمبراطوريَّة الجديدة بالمفاهيم والمثاليات التقليدية، يأتي عقب ذلك هارون الرشيد ليقدم لنا الدولة العالميَّة حيث تصير عاصمة الكون بغداد “.( )

الدولة الإسلاميَّة إذن في مفهوم ربيع مرتبطة بالحضارة الإسلاميَّة، التي تقترن بدورها بوظيفة عقائديَّة ذات طبيعة كفاحيَّة( ) وهذا الجانب العقيدي هو الذي يجعل من فكرة ” الولاء ” فكرة محوريَّة في التراث السياسي الإسلامي. هذا الولاء موجّه للأمَّة وليس للنظام، للفكرة وليس للفرد، وهو لا يعني الإكراه من جانب الحاكم ولا يتعارض مع مقاومة الطغيان من جانب المحكوم.

وأخيراً فإنّ الولاء علاقة تربط المواطن بالأمَّة، ولذلك فهي تربط المسلم كما تربط غير المسلم طالما أنّ هذا الأخير يعيش في داخل تلك الأمَّة.( )

5-1 مفهوم الوظيفة الحضاريَّة للدولة:

ما هو إذن مفهوم الوظيفة الحضاريَّة للدولة ؟ إرتبط ظهور الدولة القوميَّة في أوروبا في رأي حامد ربيع باختفاء مفهوم الوظيفة الحضاريَّة لمصلحة الوظيفة السياسيَّة، وما يزال هذا يميّز حتّى الولايات المتحدة الأميركيَّة والإتحاد السوفياتي رغم قيامهما بأنشطة رعائية مختلفة.

وعند ربيع إنَّ الحضارات التاريخيَّة الوحيدة التي اقتنعت بأنّها تمثّل نموذجاً ” مثالياً ” للبشرية بأكملها، يفرض عليها وظيفة تاريخية معيّنة نحو بقيَّة البشر، أيّ الحضارات التي كان لها – بمفهوم ربيع – إرادة حضارية،  هي الحضارات: اليونانيَّة، والرومانيَّة والإسلاميَّة، فهذه هي الحضارات الوحيدة التي اختلطت فيها في محصِّلة واحدة الدولة والوظيفة أو الإرادة الحضارية.

والوظيفة الحضارية للدولة الإسلامية تدور حول إرادة ثابتة في نشر الدعوة بإسم الجهاد في أوسع معانيه.( )

وعند ربيع إنَّ ” الدين الإسلامي هو دين سياسي، والسياسة الإسلامية هي سياسة دينيّة “، ومن هنا فأساس الحركة السياسيَّة هو تمكين المواطن المسلم من أن يحقّق مثاليته الدينيَّة على المستوى القومي، مع العمل على نشر الدعوة الإسلاميَّة على المستوى الدولي.( )

ويرتبط بهذا المفهوم الأخير فكرة أنَّ الدولة الإسلاميَّة هي  دولة عالمية في جوهرها، وإن لم تسمح الظروف دائماً بتحقيق ذلك.( ) فالشعوب والأجناس المختلفة الداخلية في تكوين الدولة الإسلاميَّة متساوية من حيث المبدأ، يسيطر عليها مبدأ التسامح وتحكمها روح التضافر في سبيل هدف أعلى ووظيفة حضارية”.

5-2 وظائف الدولة في الفكر السياسي الإسلامي:

يرى حامد ربيع أنَّ مفهوم الدولة في الفكر الأوروبي منذ القرن الخامس عشر (وعلى يدي مكيافيللي بصفة خاصَّة) وبالأخص منذ الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر، قد اكتسبت قدراً مبالغاً فيه من التجريد ومن العزلة والإستقلالية عن المجتمع، ” ومن ثمّ كان لا بدّ وأن يفرغ مفهوم الدولة من جميع صور الوجود المعنوي والثقافي للحياة البشرية “. وكان من نتيجة ذلك أنَّ ” النظريّة السياسيَّة الغربيَّة لا تزال تبحث عبثاً عن تأصيل إنساني وأخلاقي ومثالي لوظائف الدولة “.( ) أمَّا الدولة في الإسلام فتعبّر عن مثالية معيَّنة. فهناك مجموعة من المبادئ والتعاليم العامَّة الموجودة في النصوص المقدَّسة والتي تسمح بالحكم على مدى تعبير نظام معيَّن عن تلك المثالية. الإسلام إذن يصوّر مثاليَّة معيَّنة ولا يفرض نموذجاً سياسيَّاً معيَّناً.

ومع ذلك فالتقاليد الإسلاميَّة تنطلق من منطلقات تختلف عن المفهوم الغربي. فالإرادة الحاكمة ليست بشريَّة وإنّما إرادة إلهيَّة عليا، يحكم الخليفة باسمها، ومن هنا فلا موضع للحديث عن سلطة للشعب في التشريع إلاّ بمعنى الإجماع. وهذا التشريع ليس عملاً إرادياً يتضمّن التصويت للأخذ بأمر ما، وإنّما هو عمل ” علمي ” فقهي يتضمَّن تخريج القواعد عن النصوص المقدَّسة.

وأخيراً فإنّ مصدر شرعيَّة التشريع هو المطابقة أو الإقتراب بقدر الإمكان مع التعاليم المنزليّة.( )

أولى وظائف الدولة هي بناء ذلك النظام القادر على تحقيق هذا النموذج المثالي كما فرضته تلك التعاليم السماويَّة، وذلك من خلال الإرادة الجماعيَّة. ومن ثمّ فإنَّ أيّ نظام سياسي يستطيع العقل البشري اكتشافه هو نظام سياسي صالح طالما أنَّه يحقّق التعاليم والمبادئ التي صاغها القرآن وأكملتها السنة( ) واستخلص دلالتها رجال الفقه والتشريع. والوظيفة الثانية هي قيام الدولة بتمكين المُسلم من تحقيق ذاتيته الفكريَّة، أي تحقيق وجوده المدني والديني من منطق المثاليَّة الإسلاميَّة، على مستوى سلوكه الفردي. والوظيفة الثالثة للدولة هي تحقيق العدالة ويمثّل هذا التزاماً على الدولة في مواجهة كلّ مواطن، مسلماً كان أو غير مسلم، يعيش على الأرض الإسلامية. والوظيفة الرابعة للدولة هي نشر الدعوة وتنظيم الجهاد، أي خلق الإقتناع بالعقيدة الإسلامية بين غير رعايا الدولة الإسلامية.( )

إنّ أفكار حامد ربيع التي نعرضها الآن هي بمثابة الشرح لنصّ إبن أبي الربيع. وفي هذا النص يقول إبن أبي الربيع إنَّ أركان المملكة أربعة : الملك والرعية والعدل والتدبير. ومن الطريف  بالذكر إلى توجّهات حامد ربيع الخاصة، أنّه استبعد العنصر الأخير،أي ” التدبير” ومرادفه المعاصر هو الإدارة والإقتصاد، ووضع بدلاً منه فكرة نشر الدعوة وتنظيم الجهاد، وذلك لكي يتمشَّى النموذج مع فكر حامد ربيع حول ” الوظيفة الحضاريَّة للدولة.

ومع ذلك فربيع نفسه متنبّه إلى أنَّ مفهوم الجهاد قد يكون متناقضاً في حقيقة الأمر مع مفهوم الدولة العالميَّة الذي سبق أن أكَّد عليه كأحد السمات الرئيسيَّة للدولة الإسلاميَّة.

محاولة حامد ربيع لصياغة معالم التراث السياسي الإسلامي لا بدّ أن تُفهم على محملها الصحيح، وهي أنّها رؤية ذاتيَّة خاصة بهذا المؤلّف. وهذه الدراسة بالرغم من شوائبها إلاّ أنّها محاولة جديرة بالإهتمام لأكثر من سبب. فهي أوَّلاً من المحاولات القليلة جداً باللغة العربيَّة الصادرة عن أحد علماء السياسة. ومن ناحية أخرى، فإنّ حامد ربيع قد استلهم في محاولته لفهم التراث السياسي الإسلامي مجموعة من التقاليد الفكريَّة الغربية بصفة عامة عن معظم الأكاديميّين العرب الذين كتبوا في الموضوع والذين غلب عليهم إمّّا تأثير المدرسة الدستورية الفرنسيّة أو المدرسة السلوكية الأميركية. وهاتين المدرستين في الواقع غير مهيّأتين للمعاونة على فهم كثير من معطيات النظرية السياسية الإسلامية.

وخلافاً لذلك استطاع حامد ربيع أن يستلهم بعض التقاليد الغربيَّة الأخرى لكي تعاونه على تحليل مفهوم السياسة الإسلامية تحليلاً معاصراً يحمل في طيّاته بدور المنهج المقارن.

من الواضح أنّ حامد ربيع غير متعاطف مع تراث عصر النهضة وتقاليد الثورة الفرنسيّة وبالأخصّ فكرة استقلاليّة الدولة عن الثقافة وتركيز وظيفتها في المجال السياسي. وهو يرى صراحةً أنّ الثورة الفرنسيّة تمثّل ” تعبيراً عن تدهور خطير في كثير من المفاهيم والمدركات السياسية. وإذا كانت قد أطلقت عقال القوى السياسيَّة وأكملت مفهوم السياسة القوميَّة، إلاَّ أنَّها من كلّ جوهر حضاري( ). وهو لا يتردّد والحال هذه في أن يطرح سؤاله صراحة: ” هل علماء النظريَّة السياسيَّة قادرون على تخطّي الثورة الفرنسيَّة وطرحها جانباً من تحليل نظريَّة الدولة “.( )

وفي مقابل ذلك نجد حامد ربيع متفهِّماً للمدرسة التاريخيَّة الإلمانيَّة ومتعاطفاً معها ودائم الإشارة إلى أسماء سافني وفيخته، ومومسن بصفة خاصة. ومن الواضح أنَّه يحاول حض القارئ العربي على استلامها كمدخل فلسفي ومنهجي نحو ما يسمِّيه بأعمال ” الوظيفة السياسيَّة لإحياء التراث “. بل هو يذهب إلى أبعد من ذلك، فيعتري نجاح الصهيونية السياسيَّة المعاصرة إلى استلهامِها للمدرسة التاريخيَّة الألمانيَّة من ناحية، وللأدبيَّات الخاصَّة بالدعوة الفاطميَّة من ناحية أخرى: ” وهكذا وبغضّ النظر عن التفاصيل والجزئيّات استطاعت الدعوة الصهيونيَّة أن تجد من خلال التراث الإسلامي منطلقاً تخاطب به عالم القرن العشرين، وأن تهيئ ذلك النجاح الذي لم يكن يتوّقعه أكثر المحلّلين السياسيين تفاؤلاً”( ).

وعندما يتحدّث ربيع عن الأيديولوجيات المعاصرة لا ينسى أن يذكر من بينها ” النقابيّة ” syndicalism ( )، وهي من أبرز التعبيرات الفلسفيَّة المعاصرة عن فكرة الدولة الشركاتيَّة الاندماجيَّة corporotist أو الإلتحاميَّة، ولا تكاد أن تجد لها أيّة إشارة في كتابات علماء السياسة العرب الآخرين.

هذه تقاليد في فلسفة السياسة تختلف عن التقاليد التي تأثَّر بها معظم العرب الآخرين ممن كتبوا في هذا الموضوع، وهي تقاليد أكثر ملاءمة لفهم طبيعة السياسة الإسلاميَّ،ة من تقاليد المدرسة الدستورية الفرنسيَّة، أو المدرسة السلوكيَّة الأميركيَّة. ومع ذلك فإنّ تأثّر حامد ربيع الشديد بالفكر المثالي الألماني قد جعل منه هو أيضاً أميل إلى المثاليَّة:

فكثيراً ما يقدّم ربيع ما يجب أن يكون على أنَّه هو القائم، وتختلط في تحليله معالم الدولة الإسلاميَّة بين النظريَّة والتطبيق، ومع ذلك فإنّه يتنبَّه من حين إلى آخر إلى هذه الحقيقة ويواجهها بصراحة، ومن ذلك قوله إنَّ الفكر السياسي الإسلامي لم يقدّم تعبيرات واضحة عن قدرته على معايشة مشاكل المجتمع الإسلامي، وبقدر نبوغ الفكر السياسي الإسلامي كتراث مجرَّد وبقدر فشله كتراث يرتبط بالواقع العربي. ويتساءل: ” ترى هل مرد ذلك إلى طبيعة الحضارة الإسلاميَّة كدعوة عالميَّة ؟ أم إلى طبيعة الطابع العربي كسلوك يهاب أن يتعامل مع الحقيقة وأن يدفعها بإرداته نحو المثاليَّة الحركيَّة ؟ أم هو الخوف من بطش الحاكم في عصر تحلُّل وعبوديَّة؟ ” ( ).

تلك أسئلة بالغة الخطورة ولو كان حامد ربيع قد وضعها في محور اهتمامه أثناء تسطير كتابه، لكان قد تمكّن من موازنة جانب من طابع المثاليَّة النظريَّة الغالب على دراسته.

القسم الثاني

الدولة في الفكر العربي والشرعيَّة في النماذج العربيَّة

أوَّلاً – الدولة في الفكر العربي:

انتقلت مع الحداثة ” العقليَّة الغربيَّة ” التي تجسّد الفكر الحرّ وانتشار النظريَّات العلميَّة، واصطدمت ” بالعقليَّة العربيَّة ” التي تجسّد حكم العاطفة وسلطان الماضي، فتبلور الفكر العربي السياسي منقسماً بين التلقّي والرفض. لم يتمكَّن الفكر العربي من بناء مشروع في النظر السياسي، بل ظلّ يلهث وراء مستجدّات الخطاب السياسي، المفكك لنظامه في النظر، والمعبّر في الوقت نفسه عن عمق وعيه بإشكالات السياسة، كما يمارسها الفاعلون ويمثُّلها المنظِّرون للسلطة والإصلاح.

1- الدولة العربيَّة محور تيّارين فكريّين:

لقد انقسم الفكر العربي الحديث بالنسبة لموضوع الدولة لـ تيارين أساسيّين:

-تيّار ينادي بالدولة الإسلاميَّة (دين – ودولة) غير منفصلين وذلك بعد زوال الخلافة يرتكز في الواقع حول سياسة الماضي.

-وتيّار يدعو إلى التحديث وينادي بفصل الدين عن الدولة.

فإذا كانت نظريَّة الخلافة قد ظهرت كرد فعل لتدهور مؤسَّسة الخلافة، فنظريَّة ” الدولة الإسلاميَّة ” قد ظهرت بدورها كردّ فعل لزوال آخر الخلافات أي لإعلان الجمهورية في تركيا في سنة 1922) (. هذه الخلافة العثمانيَّة التي تكاد أن تكون قد انشئت عُنوة (بتحويل السلطان إلى خليفة في القرن الثامن عشر وتوقيع معاهدة اعتراف مع الروس) من الغريب أن يكون إلغاؤها هو أصل ظهور هذه النظرية حول كون الإسلام ” دين ودولة “، بحيث أصبح هذا القول ممّا يشبه البديهيَّات في الأدبيَّات الإسلاميَّة المعاصرة. وقد لاحظ إيليا حريق وجود علاقة تناسب بين اضمحلال الدولة الإسلامية العالمية وبين الدعوة إلى الدولة الإسلاميَّة محلياً “.) (

يقول حميد عنايات في شرح تأثير أزمة الخلافة:

” كان لأزمة الخلافة، نتيجة عقائدية تابعة، فقد أتت بفكرة الدولة الإسلاميَّة كبديل للخلافة التي أعلن الكثيرون أنها غير قابلة للإنقاذ، ليس بين العلمانيّين الأتراك وحدهم وإنّما كذلك من بين مسلمين من مناح مختلفة مثل علي عبد الرازَّق ورشيد رضا وعلماء الأزهر. وسرعان ما تحوَّلت هذه الفكرة إلى موقع المركز في الفكر السياسي الديني. ودفع إلى هذا التحوّل مجموعة من الظروف المرتبطة بردّ الفعل التقليدي على التحوّل العلماني في تركيا، وعدوانية بعض القوى الغربيَّة، ونكسة الإيديولوجية العلمانيَّة الليبراليَّة في مصر، ونتائج الأزمة الفلسطينيّة”.

ليس فكرةالاسلام دين ودولة أو فكرة الدولة الإسلاميَّة بفكرة تراثية أو أصوليَّة قديمة كما يعتقد الكثيرون. إنّها في الحقيقة فكرة حديثة جداً، ظهرت في الواقع كردّ فعل لزوال آخر صور الحكم الإسلامي أو شبه الإسلامي، وتأثّرت في ظهورها، بالضغوط التي تعرَّضت لها المجتمعات الإسلاميَّة من جانب الدول الغربيَّة والدولة الصهيونية الناشئة. بدأت فكرة الدولة الإسلاميَّة في مراحلها الأولى بصورة عامَّة وغامضة ولكنها سرعان ما اكتسبت مزيداً من الوضوح والصلابة بتأثير تطوّر الأحداث وتبلور المساجلات. وقد أسهم في صياغة نظريَّة الدولة الإسلاميَّة هذه عدد من المفكِّرين من أهمِّهم رشيد رضا وتلاميذه وقادة حركة الإخوان المسلمين وبخاصة حسن البنا ومحمَّد سيد قطب وعبد القادر عودة والكاتب الباكستاني أبو الأعلى المورودي. وقد استمدّ منظِّرو “الدولة الإسلامية ” أفكارهم من مصادر متعدِّدة اختاروها وألفوا بينها بطريقة تتناسب واتجاههم العام نحو خلق حركة على قدر من النضاليَّة والصلابة، ومن أهمّ هذه المصادر بعض الأحكام المتشدِّدة من كتابات ابن تيميَّة، وأفكار مستمدَّة من بعض الحركات الأصوليَّة مثل الوهابيَّة وبعض العناصر من فكر الخوارج مثل مبدأ ” الحاكميَّة لله “.(  )

ويرى عابد الجابري أنَّ الخطاب السلفي يتركَّز في الواقع حول سياسة الماضي، أي حول الخلافة والامامة ” وأصول ” الحكم في الإسلام، دون أن يتعدّى ذلك إلى القضايا التفصيليَّة المتعلِّقة بالدولة والسلطة.

” الإسلام دين ودولة، والحكومة الإسلاميَّة هي التي يكون قانونها شرع الإسلام. تلك هي النتيجة الهزيلة التي خرجت بها السلفيَّة الجامعيَّة المعاصرة بمختلف تلويناتها، من قراءتها للتاريخ الإسلامي، بل من تأويلها للشرع الإسلامي، لا بل منهما معاً : فالسلفيَّة تقرأ التاريخ في الشرع وتقرأ الشرع في التاريخ، تماماً مثلما تقرأ الدولة في الدين والدين في الدولة، وذلك في الحقيقة ما يشكّل هويِّتها. ويستيقظ السلفي الأصيل على هزال تلك النتيجة، فيقتنع بالحقيقة المرَّة. فليس الحاضر وحده هو الذي ابتعدت الدولة فيه عن الإسلام، بل أنَّها كانت كذلك في الماضي. والخلافة الإسلاميَّة على الحقيقة هي ما كان ينبغي أن يكون وليس ما قد كان فعلاً “.( )

ونلاحظ هنا أنّ الفكر الجديد للحركات السلفيَّة قد ظلَّ موزَّعاً بين تركيز الإهتمام على فكرة النظام الإسلامي وتركيز الإهتمام على فكرة الدولة الإسلاميَّة. وقد رأى ريتشارد ميتشل مثلاً أنَّ الإخوان المسلمين كانوا يسعون إلى إقامة نظام إسلامي وليس دولة إسلاميَّة وقد يكون هذا الحكم صحيحاً بالنسبة للمراحل المبكرة من تفكير الإخوان أي قبل مواجهتهم مع السلطة الثوريَّة في مصر سنة 1965. وفكرة النظام الإسلامي على أيّة حال هي أكثر تمشِّياً مع محور الإسلام الذي يمثّل بالفعل ” ديناً ودنيا ” والذي يركّز بصفة خاصة على نظام القيم وخصوصاً ما ارتبط منها بالأسرة وبالحياة الإجتماعيَّة، أمَّا الدولة فهي ابتكار حديث ارتبط بظهور نظرية الدولة الإسلاميَّة كبديل عن الخلافة. وربّما كان من بين الدلائل على أنّ الإسلام يمثّل نظاماً للقيم الإجتماعيِّة المفصّلة ولا يتضمّن مبادئ لتنظيم الدولة بالقدر نفس من التفصيل، إنّ الدولة الإسلاميَّة  في إيران وبرغم أنَّ الإمام الخميني قد كانت له كتابات في موضوع الحكم الإسلامي وولاية الفقيه( )، قد ركَّزت التغيّرات التي أدخلتها على مجال نظام الأسرة والأخلاق والعلاقات الإجتماعيَّة، أمّا في مجال موضوع الدولة فقد حافظت على كثير من التقاليد والمؤسّسات الموروثة عن الدولة الأوروبيَّة المقتبسة: فإيران الآن جمهورية  لها  دستور وفيها  إنتخابات وفيها أحزاب ووزراء ” وغير ذلك من مؤسّسات ومفاهيم غير مستمدّة من المصادر الأصيلة المتعارف عليها للشريعة الإسلاميَّة.

ويرى فهمي جدعان أنَّنا من الناحية الفكريَّة أمام طرفي نقيض أوَّلهما يمثّله علي عبد الرازق وأنصاره الداعون إلى فصل الدين عن الدولة، من قبيل خالد محمّد خالد ولكنَّه قد غيَّر رأيه في كتابه ” الدولة في الإسلام “.( )

والطرف الثاني يمثّله دعاة ” الدولة الإسلاميَّة ” ( )، وفيما بينهما يوجد مركَّب وسيط  يتبلور في تيَّارين أحدهما تشريعي: عبد الرزّاق السنهوري، عبد الرحمن البزاز، علال الفاسي، عبد الحميد متولى… يسعى إلى استمداد القوانين من الشريعة بصورة متزايدة، وتيَّار إنساني: محمّد أحمد خلف الله ، محمّد عمارة، حسين أمين،…)  يدعو إلى اجتهاد الإنسان في تدبير شؤون حياته اليوميَّة، في إطار التزام عام بأخلاقيَّات الدين وبمبادئه العامة في موضوع نظام الحكم. ويرى جدعان أنّ هذا المركَّب الثالث إنَّما يحمل في توجُّهه العام بذور النظريِّة التي يمكن أن تلقى عند المثقفين المسلمين، وفي الأوساط  العصريَّة  الراهنة، أكبر حظ من الرضى والقبول، وبخاصة أنه يصلُح لأن يكون الموقف الطبيعي للدول القوميَّة التي تقوم على مجتمعات مسلمة وتتعهّد تراثاً إسلاميَّاً. ” وأمّا التوحيد بين الصيغة القائلة إنه لا خلاص إلاّ بالدولة الإسلاميَّة، وبين الصيغة القائلة أنّه لا خلاص إلاّ بالإسلام، فإنَّه بكل تأكيد يكشف عن حالة من نفاذ الصبر خطيرة، أكثر ممّا يكشف عن الإستجابة للمتطلِّبات الحقيقيَّة للوحي الإسلامي نفسه”.( )

يقترح فهمي جدعان إذن التمييز بين ما قد نسمّيه بفكرة الحل الإسلامي أو النظام الإسلامي من ناحية وبين فكرة أكثر تحديداً وأضيق نطاقاً هي فكرة الدولة الإسلاميَّة  وهذا أمر لا بدّ منه في عملية فهم تيار الإسلام السياسي  فهماً صحيحاً.

 

2- الدولة العربيَّة في عصر الحداثة:

كان فكر النهضة قائماً على مجتمع يتجزأ ويتآكل بعد سقوط الدولة العثمانيَّة، وتحوَّل فكر النهضة إلى فكر إستقلالي كفاحي وحتى جذري، لقد خرج عصر النهضة من تقاطع الثقافة الإسلاميَّة مع الثقافة الغربيَّة، وفي لحظة سقوط الدولة الإسلاميَّة الجامعة، فتحوّلت العلاقة مع الغرب إلى سؤال حول عوامل السقوط. إنَّ ولادة ثقافة عصر النهضة جرت في مرحلة ضعف فتشوَّهت الأسئلة وكذلك الإجابات عنها.

في مرحلة الحداثة، لم يتناول الفكر العربي، أي ابتداء من عصر محمد علي، موضوع الدولة بصورة مباشرة رغم بناء دولة الباشا العملاقة، ورغم الأخذ ” بالتنظيمات ” في أكثر من إقليم من الدولة العثمانيَّة. وربّما كان أكثر اقتراب من فكرة الدولة هو حديث رفاعة رافع الطهطاوي عن ” الوطن ” في كتاباته. ومع ذلك فقط كان الفكر العربي الحديث فكراً توحيديَّاً منذ البداية وإن اختلف موضوع هذا التوحيد ومادته: ” العروة الوثقى ” عند الأفغاني وعبده، والمجتمع العضوي عند شبلي الشميّل، والأرض عند أنطون سعادة، ثم اللّغة آية الأمّة عند زكي الأرسوزي، بل عند معظم مفكّري القوميَّة العربيَّة كميشيل عفلق وساطع الحصري وغيرهما.( )

رغم أنّ فكر النهضة قد أولى اهتماماً خاصاً لفكرة القوة بل اتَّجه إلى المعادلة بينها وبين النهضة، فإنَّ الحركات الفكريَّة التالية التي استهدفت مقاومة أوضاع الأمر الواقع القسريَّة وأشكال الحاقه الخارجية، من قبيل الحركة العروبيَّة وكذلك الحركة الإسلاميَّة: ” لم تتصدَّ لمشكلة الدولة، أي لمشكلة إدارة العلاقات والمؤسّسات المختلفة التي تبلورت في سياق تاريخي متعدّد ومتنافر، وذلك داخل حدود إقليميَّة وسكانيَّة وحقوقيَّة واقتصاديَّة… فقد بدت لها هذه الأمور مصطنعة، ومن مخلَّفات ماضٍ مريض، أو ثمرة حاضر تلجم السيطرة الخارجية تعبيره الصحيح والأصيل عن نفسه “.( )

والواقع أنَّه نظراً للضغط والتدخّل الإستعماري فإنّ المفكرين العرب لم يتعرَّفوا في بادئ الأمر على الدولة كجهاز متكامل بل كعناصر مبتورة، وفي ردّ فعل بلادهم على ذلك، الذي اتَّخذ صورة التنظيمات، كانت هذه تتناول منظَّمات محدَّدة وتتم على فترات متباعدة، أي كانت تتم مبتورة عن جهاز متكامل للدولة ومنعزلة عن نظرية متكاملة للدولة. ( )

ويمكن القول في هذا الصدد أنَّ الفكر السياسي العربي الحديث وبخاصَّة في احتكاكه مع الغرب وجوداً وفكراً، قد تنبَّه إلى أهميَّة القوّة ولكنَّه لم يربط مفهوم القوَّة هذا بفكرة الدولة أو بمتطلِّباتها الإقتصاديَّة والإجتماعيَّة والعسكريَّة. إنَّ مصادر القوَّة تبدو ثقافيَّة الطابع في كتابات معظم المفكِّرين العرب المحدثين فهي تدور، كما يشير غسّان سلامة، حول أنَّها ضد التعليم أو إحياء الدين والقيم الروحية بأكثر ممّا تدور حول إرساء القواعد الماديَّة والتنظيميّة والفكرية لبناء دولة قويّة. فإذا تعرَّضت هذه الكتابات لدعائم الدولة السياسيَّة فهي تربطها عادة بفكرة مثاليَّة للوحدة الوطنية أو القوميَّة أو الدينيَّة بأكثر ممَّا تربطها بالقوانين والمؤسّسات وبالجيوش والإقتصاديات.( )

اهتمّ العرب سواء عند تحليلهم لقوّة الغرب أو تحليلهم لأزمة مجتمعهم، بالتطلّع إلى ما يمكن تسميته ” بمظاهر السلطة ” بأكثر ممّا اهتمّوا بإدراك مرتكزاتها، أي جذورها الإجتماعيَّة الإقتصاديَّة، وصياغاتها الفلسفيَّة والقانونيَّة.

ويرى عابد الجابري “أنَّ ما يلفت النظر في الفكر العربي الحديث والمعاصر هو ضحالة الخطاب السياسي فيه، أي الخطاب الذي يطرح مشاكل الدولة والمجتمع والعلاقة بينهما من منظور يعالج بالأساس مسألة السلطة “.( )  وهو يرى أنَّ الخطاب السياسي في الفكر العربي خطاب غير مباشر وغير صريح، ويقدِّم أسباباً مختلفة في شرح هذه الحقيقة.

وقد سبق أن لاحظ ألفرد بوني في كتاب نشر لأوَّل مرَّة في الأربعينات أنَّ البلاد العربيَّة قد استوعبت بسرعة المظاهر الهيكليَّة لجهاز الدولة ولكن ظلَّ مفهوم الدولة نفسه شبه غائب، وكذا الكثير من  أخلاقيات الخدمة المدنية.) (

في منتصف الثمانينات، لاحظ بن دور الشيء نفسه، حيث رأى أنَّ الدول العربيَّة قد اقتبست معظم المظاهر الهيكليَّة للدول الأوروبيَّة ولكن دون كثير من مظاهرها الثقافيَّة والسلوكيَّة، ومن أهمِّها قيام الدولة بدور المصفاة التي تنقّي، وتجمع الأفكار والمصالح الخصوصيَّة، والتي قد تضطلع أيضاً بدور المحكّم فيما بينها والمعدّل لبعض أجزائها.) ( وقد أخذ برأي مشابه عدد من المشاركين في ندوة ” أزمة الديمقراطية في الوطن العربي” وبخاصة يحي الجمل الذي أشار إلى عدم رسوخ مفهوم الدولة في الكثير من البلاد العربية ( ). والواقع أنّ فقهاء القانون الدستوري المصريين، الوحيدون تقريباً الذين روَّجوا لفكرة الدولة في الوطن العربي في الفترة الحديثة، وقد كانوا أميل إلى التأثّر في كتاباتهم، ليس بالكتابات التي تربط مفهوم الدولة بمفهوم الفردانيَّة والحقوق ” الديمقراطيَّة ” ولكن بالكتابات التي تربط مفهوم الدولة بعمليَّة تعبئة القوى وتركيز السلطة وتَدريج القواعد القانونيَّة. ولقد تأثروا بأفكار العميد ليون ديغي Léon Duguit وهو من أهم أصحاب الفكر التلاحمي أو الفكر الشركاتي الإندماجي Corporatist في جيله.

وقد أشار عصمت سيف الدولة إلى أكثر من مثال للأفكار ذات التوجّه الإستبدادي التي دعا إليها فقهاء القانون العام في مصر لسنوات طويلة.( )

3- الدولة العربيَّة كواقع هيكلي:

إنّ النظر إلى مفهوم الديمقراطيَّة بمعناها العام، أي بمعنى أن يختار الشعب حاكميه لمدد محدَّدة منتظمة متداولة وفق مبادئ الحريَّة والمساواة والأغلبيَّة التمثيليَّة، يظهر القيمة الساميَّة لهذا المفهوم ممَّا يظهر التحوّلات التقدميَّة العظمى التي تحقّقت للإنسانية على دروب التحديث والتنمية وتحرير الإنسان من جملة أشكال العبوديَّة والإستبداد ومصادرة الذات. ولا شكّ أنّ ” الديمقراطية المنغلقة ” كما يسميها جورج بوردو G. Bordeau، هي ديمقراطية حافلة بالعيوب التي تتخلَّل جميع الأنظمة الإستبدادية التي لا تفتح إلاّ أبواباً ضيِّقة للحريَّة والمساواة وذلك بسبب ما يكتنفها من تميّز وتعصُّب وضيق أفق ممَّا يضفي صفة الهيكلية على المؤسَّسات التي تخلو من الممارسة الديمقراطيَّة.

يحدّد عبد الله العروي مفهوم الدولة الحديثة في الأدبيات المعاصرة بأنّه مستمدّ أساساً من الدولة النابليونيَّة وقائم على أفكار التوحيد والتجريد والنظام والفعاليَّة. وهو يوافق على أنَّ الدولة الحديثة بهذا المفهوم هي ” مجموع أدوات عقلنة المجتمع “.( )

ويزيد الماركسيون على ذلك انَّ تطوّر هذه العقلانيَّة في صورة الدولة مرتبط تاريخيَّاً بممارسات الطبقة الوسطى.

في ضوء هذا المفهوم الإجمالي يولج العروي إلى موضوع الدولة التقليديَّة والدولة المعاصرة في الوطن العربي. وعند تحليله لمفهوم الدولة الإسلاميَّة فهو يهتم أوَّلاً بدراسة الكيان السياسي الذي عاش فيه المسلمون فعلاً، حتَّى ولو كان إسلاميَّاً بالإسم فقط( ) وهو يرى أنّ ذلك أمر صعب لبعد هذا الماضي الإسلامي من ناحية، ولسيطرة المؤلَّفات الشرعيَّة مدّة قرون على نفسانية الفرد في البلاد الإسلاميَّة، وهي التي تحدِّثنا عن الدولة كما يجب أن تكون لا عن الدولة كما هي في الواقع.( )

ويرى العروي انَّ العناصر المكوِّنة للدولة الإسلاميَّة الواقعيَّة هي: الدهريَّة العربيَّة، والأخلاقيَّة الإسلاميَّة، والتنظيم الهرمي الآسيوي، ولا نتصوَّر بسهولة كيف يمكن أن تتناغم وتمتزج( ) هذه العناصر وليس لدينا شهادة من معاصري هذا الماضي عليه، ولذا فعلينا أن نتخيَّل صورته اعتماداً على أخبار مؤرِّخين متأخِّرين نسبيَّاً ( ). ومعنى ذلك بالضرورة، كما فعل آخرون، الرجوع إلى ابن خلدون. ويرى العروي أنَّ ابن خلدون يميّز بين أنواع ثلاثة من الملك:

–      الملك الطبيعي، وهو حمل الكافة على مقتضى الغرض والشهوة.

–      الملك السياسي، وهو حمل الكافَّة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيويَّة ودفع المضار.

–      الخلافة، وهي حمل الكافَّة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخرويَّة والدنيويَّة الراجعة إليها.

وفي فصل آخر يُقسّم ابن خلدون السياسة الفعليَّة إلى نوعين :

–      نوع يهدف إلى مراعاة المصالح على عمومها.

–      ونوع ثانٍ يهدف إلى مصلحة السلطان فقط.

ويرى العروي أنّ هذه نمذجة لأنواع الأنظمة السياسيَّة الموجودة، وهذا في الوقت نفسه ترتيب بحسب قيمة كل نظام من الوجهة الأخلاقيَّة. النظام الأدنى هو الملك الطبيعي الذي يناسب العمران البدوي، ثم يتبعه الملك السياسي الذي يتوخَّى مصلحة الحاكم الفرد، وهو نظام لا يخلو من العدل لأنّ في العدل استقرار الحكم وغنى الرعيَّة وبالتالي قوّة ورفاهيَّة الحاكم. وهو نموذج مستمدّ من تاريخ الساسانيين، ويأتي في المرتبة الثالثة المُلك السياسي الي يتوخَّى مصلحة العموم ومثله حكم اليونان كما تصوّره الفلاسفة، وهو النوع الأقرب إلى الكمال لولا أنَّه ينقصه نور الهداية الربانيَّة. لهذا السبب يضع ابن خلدون فوقه في المرتبة الرابعة، نظام الخلافة لأنّه يضمن السعادة في الدنيا والنجاة في الآخرة ( ). ويستخلص العروي من قراءته لإبن خلدون ومقارنته إيَّاه بماكس فيبر، رسماً بيانيَّاً لتوضيح أنواع الدولة ونظم الحكم.( )  ويعتقد العروي أنَّ ابن خلدن، الذي كان متبعاً ومبتدعاً في الوقت نفسه، هو أكثر الكتَّاب التقليدييّن اقتراباً من المنهج التاريخي الإجتماعي في تحليله، ومن هنا كانت قيمته العظمى في استجلاء حقيقة الواقع السياسي في الدول الإسلاميَّة: فهو ينطلق من وصف الوقائع، ليصل منها إلى النماذج، ومنها يستخرج المناهج( ).

أمَّا الآخرون فدار معظمهم في دائرة  الطوبى السياسية في الإسلام، تلك التي يسمّيها الفقيه خلافة والفيلسوف مدينة فاضلة. وفي رأي العروي أنَّ هذه الطوبى السياسيَّة هي ظل السلطنة القائمة، ذلك بمعنيين مختلفين: هي أولاً نتيجة عكسيَّة، وصورة مقلوبة للوضع القائم، في القلوب والأذهان المتضايقة منه، وهي ثانياً وسيلة لتقويته وتكريسه، فتنقلب بالضرورة الطوبى إلى أدلوجة.

أي كلَّما كانت الكتابة مبالغة في مثاليتها كان احتمال تطبيقها بعيداً واحتمال إضرارها بالسلطان محدوداً، وبهذا فهي تخدم السلطان وتقوي مركزه في التحليل الأخير( ).

أمَّا فيما يتعلّق بموضوع الدولة بصفة خاصَّة، فالمفكرون المسلمون يكادون يتَّفقون في تصوّرهم لطبيعتها، ويستعملون مفهوماً واحداً هو الذي نجده في القاموس تحت مادة دول.

فإذا لخصنا تعريفاتها وجدناها تتناول جميعها ميدانين : الحرب والمال، وتؤدِّي معنيين: الغلبة والتناوب. ومعنى ذلك أنَّ إصلاح الدولة لدى الفقيه أو الفيلسوف لا يكون إلاّ بنقض الدولة أي برفض الدولة والدعوة إلى الخلافة أو إلى المدينة الفاضلة : مهما تحلَّت الدولة بالعدل فستظل سلطنة، مبنيَّة على السيطرة والقهر، وبهذا فإنَّها على الدوام مهدَّدة بمداهمة من هو أقوى منها. وهكذا تباعدت فكرة الدولة في التجربة الإسلاميَّة عن موضوع القيم، وتعارض قانون الجماعة مع وجدان الفرد.

ويخلص العروي إلى أنَّ الفكر السياسي الإسلامي متجذّر في الطوبى التي كانت نتيجة لضرورة معايشة الدولة السلطانية رغم إهمالها لمقاصد الشريعة( ) . وقد يصف هذا الفكر النظام القائم بقدر من الدقَّة، ولكن ما لا يستطيع تصوّره بحال هو أن تكون الدولة حاملة لقيمة أخلاقية، فإذا اصطلحنا مع العروي على أنّ ” نظريَّة الدولة ” (بمعناها الأوروبي) هي وحدها تلك التي تنظر إلى الكيان السياسي كتجسيد للعقل وللأخلاق، ” لحقَّ لنا أن نقول إنَّ الفكر الإسلامي القديم، بما فيه ابن خلدون، يتضمَّن أخلاقيَّات واجتماعيَّات، لكنَّه لا يتضمَّن نظرية الدولة “.( )

ثم ينتقل العروي بعد ذلك إلى موضوع الدولة الحديثة في البلاد العربيَّة الإسلاميَّة، وهي عنده نتيجة عمليَّتين مزدوجتين: عمليَّة التطوّر الطبيعي للدولة السلطانيَّة المستبدِّة، وعمليَّة إصلاح غيَّرت شيئاً من التراتيب الإدارية العليا واستعارت من الخارج، بتأثير الاحتكاك مع الغرب، وسائل مستحدثة للنقل والإتصال بهدف تطوير الزراعة والتجارة.( )

هذه العمليَّة الثانية هي التي تُعرف في الكتابات التاريخيَّة بإسم ” التنظيمات “. ويلاحظ العروي أنّ التنظيمات الحديثة في مرحلتها الأولى قد أدخلها السلطان آملاً تقوية سلطته في الداخل والخارج، وقام بها في المرحلة الثانية مستعمرون إداريّون مُستهدفين منها توسيع الإقتصاد الإستعماري وإضعاف النخبة الوطنيَّة مع كسب ولاء الجماعات الأكثر تضرّراً من النظام البائد.( )

في ضوء هذه الظروف التاريخيَّة الخاصة يتساءل العروي: ” هل غيَّرت دولة التنظيمات، المبنيَّة على المنفعة كما يتبيَّنها العقل البشري، نظرة الفرد العربي إلى السلطة؟ هل جعلته يرى فيها تجسيماً للإدارة العامة وتجسيداً للأخلاق كما يقول هيغل بعد ميكافيللي؟ وبعبارة أخرى، هل حدث في عهد التنظيمات ظروف مؤاتية لنشأة نظريَّة الدولة، باعتبارها، منبع القيم الخلقيَّة ومجال تربية النوع الإنساني حيث يرتفع من رق الشهوات إلى حريَّة العقل ؟ الجواب على السؤال هو النفي بالتأكيد( ).

فلعدّة أسباب منها أجنبيَّة جهاز الإدارة والسلطة، لم تنغمس الدولة في المجتمع، ولم تتّحد القاعدة القانونيَّة بالضمير الخلقي. ولم ينفك الفرد يربط علاقاته الحقيقية في نطاق الأمّة وهي الرابطة الوجدانية، خارج الدولة أي الرابطة السياسية تغيّر جهاز الإدارة والتنظيم والقمع…. لكن تجربة الفرد مع ذلك الجهاز لم تتبدَّل.( )

في العهد الحديث، أُصلحت أداة الدولة، وتحسَّنت الأحوال الإقتصاديَّة حتى بالنسبة للطبقات الضعيفة، لكن الدولة بقيت أجنبية وظلَّ المجتمع تعساً. وهنا جاءت ” الوطنية ” لتعبّر عن تعاسة جديدة خاصة بالظروف المستحدثة، ظروف انغماس الوطنيِّين في المجتمع وأزماته وانحطاطه مع عدم اقترابهم من آليات الدولة المنتظمة وتعرُّفهم عليها، وذلك كما سبق أن عبَّر الفقهاء من قبل عن تعاسة تشبهها مادة وتختلف عنها صورة وتعبيراً. عندئذٍ، نفهم سر تجاوب الفريقين، وكون نظرة الوطنيين إلى الحياة العامَّة لم تتعدَّ طوبى الإمارة الشرعيَّة. في كلا الحالتين نجد تخارجاً في الذهن وتلازماً في الواقع بين سلطة القهر وحلم الحريَّة والمساواة. وهكذا اعتُنقت الحركة الوطنيَّة في الأقطار العربيَّة، كفكر سياسي، طوبى الفقهاء دون أن تعي أنَّها طوبى، فأشاحت بوجهها عن كلّ نظرية موضوعيَّة في مسألة الدولة.( )

فإذا وصل العروي في تحليله إلى تفاصيل واقع الدولة العربيَّة القائمة، تساءل: هل يدل ضعف مؤشّر الحريَّة الفرديَّة في البلاد العربية الآن على أنَّ الدولة قويّة ؟ تركز الدعاية الرسميَّة على أنّ بناء دولة منيعة هو شغلها الشاغل، وفي استمرار هذا التشديد في نظر العروي دليل على ضعف الدولة وهو يتَّفق في هذا مع ما سبق أن قاله الباحث التونسي هشام حطيط من أنَّ الدولة العربيَّة ما تزال لا عقلانيَّة، واهنة، وبالتالي عنيفة. فالدولة في نظر العروي ليست هي جهازها: قد يكون الجهاز قويَّاً، متطوِّراً، ورغم ذلك تكون الدولة ضعيفة متخلِّفة. إنّ الأدلوجة الدولوية هي الوجه المعنوي، إن لم نقل الوجه الحقيقي، للدولة. فالجهاز يعبّر عن الوجه المادي القمعي للدولة، ولكن الدولة لا تكون بغير اكتمال الوجه الثاني لها، وهو الوجه الأدبي التأديبي بحسب تعبير غرامشي.( )

وفي رأي العروي أنّ المثقفين العرب ما زالوا سجناء النظرة الموروثة عن الحكم والسياسة فهذه لم تغيّرها في العمق إصلاحات الجهاز المتوالية منذ أكثر من قرن بل لم تغيّرها الأفكار المستوردة من الغرب من قبيل ” الليبراليَّة ” أو الماركسيَّة أو الوجوديَّة، لأنّ هذه لم تهيِّء أرضيَّة مناسبة لتجاوز الفجوة الفاصلة بين جهاز الدولة متزايد النفوذ وبين المجتمع من ناحية أخرى. ” تلوّنت المذاهب الغربيَّة منذ انتشارها في الوطن العربي، بالطوبى التقليديَّة التي ترى في الدولة عالم القهر والإستعباد، التي تتحمّلها على مضض، متحيِّنة الفرصة لتقويضها في انتظار الدولة الفضلى “.( )

والخلاصة في رأي العروي أنّ ” نظريَّة الدولة ” لم تمتدّ بجذورها بعد في المجتمع العربي، نظريَّة الدولة باعتبارها تحليلاً مزدوجاً لأخلاقيات الدولة وبخاصّة فكرة الشرعيَّة ومبدأ الأغلبيَّة، واجتماعات الدولة وبخاصة فكرة العقلنة وبترجمتها في صورة جهاز بيروقراطي. أمّا ما يسمّى خطأ ” بالدولة الإسلامية ” فهو في رأي العروي تساكن السطنة كواقع والخلافة أو الإمامة الشرعيَّة كطوبى. يعني التأكّد أنَّ العنصرين يتحاذيان، كلّ واحد مستقلّ عن الآخر، مخالف له، وفي الوقت نفسه يمثّل شرط وجوده.

ويكشف تحليل هذا التساكن عن تخارج في التجربة السياسيَّة الإسلاميَّة بين الممارسة والتطبيق، بين السلوك والأخلاق، بين جهاز الحكم وحريَّة الأفراد، وهو تخارج يرى العروي أنَّه يعبّر عن نفسه في السلوك الذي ورثه الإنسان العربي والذي لا يوافق كيان دولة حديثة، أي دولة لها جهاز مُعقلن ولها أخلاقيات تدور حول الشرعيَّة.( )

وهكذا يخلص العروي إلى أنّ البلاد العربيَّة تعيش اليوم مفارقة عجيبة : فالدولة كأداة توجيهية، قمعية، استغلالية موجودة وتتمتَّع بنفوذ في جميع البلاد العربيَّة وتبرّر سلطتها منذ عهد التنظيمات بالمنفعة، ولهذه الدولة بعض التنظيمات العقلانية بالفعل، ولكن هذه الدولة أيضاً ذات طابع سلطاني مملوكي، وهي في معظم الأحيان متأرجحة بين النمطين.( )

هذا من ناحية الواقع، أمّا من ناحية الفكر، فقد حلَّ مفهوم العروبة محل مفهوم الأمَّة التقليدي. بالعروبة يتعلّق الولاء، فيها تتلخص الإرادة العامة، في إطارها يتخيل الإنسان الجديد. وفي نظر العروي أنَّه بوجود هذه الطوبى العروبيَّة تُنزع الشرعيَّة عن الدول الإقليمية : فالدولة ناشطة في مجال اجتماعيَّات الدولة، أي، التعليم، والتشغيل، والتنظيم، إلاّ أنَّ كل هذه الإنجازات لا تُكسبها ولاء ولا تُنشئ إجماعاً حولها. يفتقر الكيان الإقليمي إلى أدلوجة عضويَّة يبرّر بها وجوده لأنّه مرتبط بطوبى تنفي الشرعيَّة مبدئياً عن جميع الكيانات الإقليميَّة. وكما كان الفكر التقليدي يدور حول طوبى الخلافة فإنَّ الفكر العربي المعاصر يدور حول طوباويات مستحدثة من أهمِّها ” المجتمع العربي الاشتراكي الموحد.وهذا الاهمال لنظرية الدولة، مقترناً بنظرة الإنسان العربي إلى السلطة (وهي التي ورثها عن الماضي) مسؤول في نظر العروي عن إضعاف فكرة الدولة في المجتمع العربي المعاصر، دون أن يؤدّي في مقابل ذلك لا إلى تحقيق الوحدة العربيَّة ولا إلى زيادة حريَّة الفرد . من الواضح إذن أنّ العروي يحبّذ نظريَّة الدولة ويدعو إلى نشرها وهو يقول في تبرير ذلك: ” قد تقوي نظريَّة الدولة، مؤقتاً، الكيان القائم بإعطائه – لأوّل مرة في تاريخ التجربة السياسيَّة العربيَّة – الشرعيَّة الضروريَّة. لكن من المحتمل جداً أن تهدينا، بالمناسبة، إلى طرق واقعيَّة لتحقيق ومزاوجة الدولة بالحريَّة والعقلانيَّة”.( )

يتّضح من العبارة السابقة إنَّ إحدى المشكلات الكبرى للدولة العربية في نظر العروي هي أنّها لم ترتبط في نشأتها بفكرة الحريَّة وفكرة العقلانيَّة. وهو يقتبس من هيغل تصريحاته حول كون الدولة هي التعبير الفعلي عن الحريَّة وعن عمليَّة  تهذيب الإرادة الطبيعيّة ( ). هذا في الوقت الذي لم يهتم المجتمع العربي تقليديَّاً بفكرة الحريَّة بالمعنى الغربي، وحتَّى عندما استخدم روّاد الليبراليَّة العربيَّة الحديثة هذا التعبير فإنّهم لم يضعوا قضيَّة الحريَّة في إطارها الفلسفي ولم يبحثوا عن أصلها ومداها وإنَّما اكتفوا بوضعها والمطالبة بها( ). الحرية في الفكر الإسلامي ذات معنى نفساني ميتافيزيقي، أمَّا في الفكر الغربي فهي أساساً ذات معنى سياسي اجتماعي. وفي حين يربط الفكر الليبرالي الغربي مفهوم الحريَّة بمفهوم القانون وبالتالي بموضوع الدولة، فإنّ أدلَّة ورموز الحريَّة في المجتمع الإسلامي هي عادةً خارج الدولة أو ضد الحكومة، ومن هذه الأدلَّة والرموز: البداوة، العشيرة، التقوى، التصوّف. وخلاصة ذلك أنَّ هناك اختلاف بين مفهوم الحرية ومفهوم الدولة في المجتمع العربي الإسلامي التقليدي: أي كلَّما اتَّسع مفهوم الدولة ضاق مجال الحريَّة( ).

وقد كان المجتمع العربي التقليدي يتميّز في نظر العروي بشكل من أشكال التوازن بين البداوة والدولة: تمثّل البداوة حريَّة الأصل السابقة للدولة، وتمثّل العشيرة المحافظة على بعض حريَّة التصرُّف داخل الدولة، ويستطيع الفرد أن يلجأ إلى التصوُّف الذي يخرجه نهائياً عن مجال السلطان. وكان المجتمع السياسي يتميَّز بالإستبداد المطلق لكن مجاله كان ضيِّقاً. كانت الحريَّة مجرّد طموح داخل المجتمع السياسي لكن المجتمع السياسي لم يكن يطابق المجتمع العربي مطابقة تامَّة، وكان الفرد يستطيع أن يناهضه من خلال إحدى الجماعات التي ينتمي إليها، أو أن ينسحب منه نهائياً ليعيش مع ذاته ولذاته.

في القرن الثامن عشر حدث تحوّل في المجتمع العربي الإسلامي كان من شأنه اتساع نطاق الدولة واضمحلال نطاق ” اللادولة “. إنَّ حركة الإصلاح أو سياسة التنظيمات كانت تستهدف أساساً تقوية الدولة إزاء تحديات الدول الأوروبيَّة الإستعمارية، ولكن نتج عن أنشطتها ضغط على الجماعة وعلى الفرد عادت الجماعة المستقلّة عدوة يجب إخضاعها بكل الوسائل قبل أن يتَّصل بها المستعمر ويستغلَّها لمصلحته، وعاد الفرد الحرّ المستقلّ عدواً يجب دمجه في الدولة، لأنَّ في استقلاله إضعافاً للدولة وفي اندماجه تقوية لها. كانت الدولة التقليديَّة مركِّزة السلطة ضيّقة الأساس والمجال، بقيت مركِّزة في الظروف الجديدة مع اتّساع مجالها.( )

في هذا الإطار أصبح مضمون الحريَّة هو مجرَّد نقض ” للحد ” أي أضحى معناها هو إزالة الحواجز والضغوط التي تفرضها الدولة، دون تساؤل حول ماهيَّة الحريَّة وأغراضها ودون تأصيل لنظريَّة في الحرية.

ويصف العروي هذه الظاهرة بأنّها ذيوع لشعار الحريَّة مع إهمال نسبي لمفهومها على المستوى الفكري وكذا لارتباطها ، في نهاية المطاف، بالفرد( ) ، وهي قضية لا تخرج في نظر العروي عن أن تكون هي الوجه الآخر لقضية الدولة. كيف ؟ إنّ الموضوع مرتبط في فكر العروي بأن الصفوة السياسيَّة العربيَّة قد اتجهت إلى الأخذ بنوع من  العقلنة الخارجية، المبنيَّة على أهميَّة دور البيروقراطيَّة، والتكنوقراطيَّة، وفي إطار من الفكرية  الإقتصادية. ولكن هذه الصفوة تظلّ على الدوام معادية لخروج هذه العقلانيَّة الحديثة خارج عتبة المصنع أو المكتب الحكومي لكي تثري الحياة الفكريَّة والإجتماعيَّة والسياسيَّة في إطارها العريض.( )

وهكذا نرى أن العروي قد خرج باحثاً عن الدولة فإذا به يصل إلى ” الحريَّة ” وذلك مروراً بطريق ” العقلنة ” فكيف كان ذلك ؟

الواقع أنَّه رغم تأثُّر العروي بالماركسيَّة، فمن الواضح أنَّه قد تبنَّى للدولة مفهوماً هيغلياً مخفَّفاً، وأسبغ عليها تحليلاً فيبرياً مؤكَّداً. وأوصله هذا إلى نتيجتين أساسيَّتين: إنَّ الدولة لم تكن قضيَّة مطروحة في الفكر السياسي الإسلامي التقليدي إلاّ في صورة طوبى، وإنَّ الدولة في العصر الحديث موجودة كحقيقة هيكلية في كافة الدول العربيَّة ولكنها غير موجودة بمعناها الإجتماعي والأخلاقي.

4- الدولة العربيَّة والمجتمع المدني:

إنّ مفهوم المجتمع المدني قد نشأ مرتبطاً بخبرة الدول الغربيَّة، وهي خبرة ارتبطت بثورات صناعيَّة وعلميَّة ومعرفيَّة وتكنولوجيَّة، وبتطوّرات سياسيَّة واجتماعيَّة لم تشهد الدول العربيَّة مثيلاً لها، كما أنَّ غلبة الطابع التقليدي والانقسامات الرأسيَّة على التكوينات الإجتماعيَّة في البلدان العربيَّة، وبخاصة في ما يتعلَّق بالقوى القبليَّة والعشائريَّة والطائفيَّة، فضلاً عن تريّف المجتمع المدني فيها، قد أسهم في عرقلة عملية تبلور مجتمع مدني بالمعنى الحديث في الوطن العربي، حيث أصبحت تنظيمات المجتمع المدني في العديد من الحالات مجرَّد امتدادات للتكوينات التقليديَّة.

وبالمقابل، فإنّ هناك من راح يرفض هذا الطرح مؤكِّداً صلاحية المفهوم للتطبيق في الواقع السياسي العربي، وبخاصة في ظلّ تنامي عدد تنظيمات المجتمع المدني في العديد من الدول العربيَّة، وبروز دور بعضها في بعض الدول. كما أنَّ الخبرة العربيَّة الإسلاميَّة عرفت الكثير من التنظيمات التي تمتعت باستقلاليَّة عن الدولة وقامت بوظيفة المجتمع المدني الحديث مثل مؤسسة الوقف وغيرها. لذلك وجد هذا المفهوم قبولاً من قبل تيَّار عريض من المتخصِّصين في الدراسات العربيَّة، ومن هنا ظهر العديد من الدراسات التي اتخذت منه مدخلاً لتحليل ودراسة النظم السياسيَّة العربيَّة.

ينطلق وضَّاح شرارة في مقدمة شبيهة، إذ يرى أنَّ الكتابات الإسلاميَّة التقليديَّة بخصوص موضوع الدولة قد تمسَّكت ” بوضعيَّة الأصل ” وتجنبت القضايا الفلسفيَّة، واستبعدت أيَّة محاولة لإخضاع رأس العلاقة السياسيَّة الإجتماعيَّة للبحث والتمحيص، وإنَّما نظرت إلى هذه الأسس نظرتها إلى قواعد معطاة فعلاً وناجزة. ويشترك شرارة مع غيره في الإعتقاد باختلاف ابن خلدون عن غيره إلى حدّ ما، إذ إنَّه في نظره خرق الجدار الوضعي وأطلَّ على أصل أسطوري، ورمزي للدولة العربيَّة، مع مفهوم المواطن كهامش أو كاحتياط ينبثق منه المكان السياسي.( )

يتَّجه وضاح شرارة مثل غيره والحال هذه إلى الأدبيَّات الأوروبيَّة لاستلهام طبيعة مفهوم الدولة منها. وهو يرى أنَّ المجتمع الحديث يتميَّز بتعدُّد العلاقات والمراتب أو الطبقات الإجتماعيَّة، التي تعبّر عن نفسها في صورة مؤسَّسات، ثم تأتي الدولة فتتوّج هذه المؤسَّسات وتستعيدها في إطار وحدة عامَّة شاملة، أي أنَّ الدولة التي هي ” تنظيم المجتمع ”  نفسه على حدّ قول ماركس، هي ما يرسم صورة المجتمع بانقساماته ومراتبه، كما تدركها التجربة الإجتماعيَّة في مرحلة من المراحل التاريخيَّة أو حقبة من الحقب.( )

تتلازم الدولة مع انقسام المجتمع، وانفصالها بالنصاب السياسي، وتأسيس هذا النصاب لموقع يشرف منه على المجتمع ويحيط به ويفعل فيه، هو الذي يكشف عن مراتب السلطة في المجتمع. وفي هذا يقول وضاح شرارة :

” والحق أنّ الدولة تعود بجذورها إلى المجتمع وإلى الانقسام الذي تستمدّ منه كيانها والصورة التي تستقرّ عليها وترسو. إلاّ أنَّ ذلك لا يعني أنَّ دور الدولة يقتصر على تسجيل الإنسقام الإجتماعي ونقله إلى البنية القوميَّة السياسيَّة. فالدولة وليدة الانقسام الإجتماعي، هي أيضاً شكله الفاعل وكيانه المؤثِّر… وبوساطتها يملك المجتمع ما يتيح له أن يتغيَّر وأن يمسك بمقاليد تغيّره ويوجهه … بل إنَّ المجتمع، بوساطة الدولة، يمسي على وجه مدرك لحصيلة التغيير الناشئ عن جماع فعله… فالدولة، مرئي المجتمع، تمثّل المدخل الضروري الذي لا بدَّ أن تدخل منه المحاولات التي ترمي إلى عقل المجتمع ومساره “.( )

الدولة إذن هي المجتمع في صورته المرئيَّة وهي بظهورها الواضح تحجب عدداً من العلاقات الإجتماعيَّة الأساسيَّة. فالدولة تتلازم بمقادير متفاوتة مع محاولات تمثيل كل الفعل الإجتماعي، بل تلخيصه والحلول محلِّه، أي أنَّها تعمل على تغييب جانب مهم من العلاقات الإجتماعيَّة، ولنفي الأساس الذي صدرت عنه، ويبلغ هذا النفي أبعد مدى في النظم الكلية الشمولية، من فاشيَّة وستالينيَّة. ويقوم وضَّاح شرارة مثل عبد الله العروي وغيره، بالتفرقة بين نمط الدولة النمساويَّة ونمط الدولة النابوليونيَّة مستعيناً في ذلك بكتابات انجلز وتوكفيل. الدولة من النمط الأول هي التي تحاول القيام بمهمَّة التحكيم بين جماعات متصارعة ذات قوة متقاربة، وتسعى إلى تحييد الطبقات والتجمُّعات القوميَّة، عن طريق تدعيم أدوات الحكم المركزي من جيش وبيروقراطيَّة. ولكن هذا التوحيد لا يتحوّل إلى عمل عضوي، فلا تتبلور هذه المحاولة في صورة دولة قوميَّة. أمّا الدولة القوميَّة السوية أي التي تنهض على داخل اجتماعي وثقافي متناسق ومتماسك، فتبدر من قبيل الإستثناء، ويمثِّلها بصفة خاصة النموذج الفرنسي. تمثّل المركزية كحركة نشطة فاعلة في صلب المشروع والذي تلقفته الثورة الفرنسية من الملكيَّة المطلقة ومضت به إلى غايته عن طريق إعمال عدد من المبادئ الثابتة: المساواة الطبيعية بين المواطنين، إلغاء الامتيازات، سيادة الشعب، توحيد القوانين والتشريعات. وضع الحكم قبضته على العلاقات والبنى الإجتماعيَّة وعمل على امتصاص مادَّتها وتمثلِّها، وذلك لصالح هيكل الدولة ولفائدة السلطة المركزيَّة، وليس لمصلحة البورجوازيَّة وحدها كطبقة صاعدة في المجتمع، وفي الحالة الفرنسيَّة تقف الدولة في موقف الإستقلال والفعل بإزاء المجتمع، ” إلاّ أنَّ إنفصال الدولة يتمّ بإسم جماع المجتمع ويؤسّس بالتالي لاحتمال هذا الجماع وأحكامه، ففي حين أنَّ المجتمع يتألَّف من منظور الدولة من مجموعة مصالح خاصة ضيقة تشد سلوك الجماعات من طبقات، فئات، تجمّعات، متحدات، إلى قاعدة محدودة تبدو ضيِّقة وتوصف بالضيق على كلّ متجتمعي، تتماشى الدولة مع العام، فالدولة لا تكتفي بتمثيل العام في مبدأ سلطتها، في بنيانها الحقوقي، بل تشرع في تجسيد العام في إملائها القوانين التي تنظم كافة المجالات الإجتماعيَّة، من الأعياد إلى الفتوحات الإستعمارية، ومن مواقيت العمل في محترف خيري إلى الإدارة. ويدَّعي هذا العام لنفسه موضع المركز في العلاقات والدوائر الإجتماعيَّة كافة. وتنهض شرعيَّة هذه الدولة على صدوع الشعب بها، على رغم أنَّ القوّة قائمة في أساس الدولة، وعلى رغم أنَّ الدولة تقوم على انفصال نصاب السلطة عن المجتمع.( )

هذه الدولة بالمعنى المُطلق، سعت إلى تكوين حيِّز اجتماعي متجانس بل وشفّاف وقد أمكن هذا بجهد لم يبلغ نهاية المطاف في المجتمعات المتجانسة قوميَّاً وثقافيَّاً وتاريخيَّاً. أمّا المجتمعات المركَّّبة فبدا الأمر فيها أكثر عسراً بكثير، إن لم يكن مستحيلاً. فالدولة التي يمكن أن تنهض في مجتمع مركَّب هي الدولة المترنيخيَّة، نسبة إلى مترنيخ، وتضطرّ مثل هذه الدولة إلى الحفاظ على تنافر التجمعات القوميَّة وعلى تنافر طبقاتها المختلفة، وإلى الحكم عن طريق التحكيم والإستعداء، وسلخ فئات إجتماعية من وسطها الطبقي الطبيعي، وينجم عن مثل هذه الدولة اقتصار التكوين البورجوازي على قوميَّة دون الأخرى، ومضاعفة الإستغلال، وتربُّع الدولة في الخواء الإجتماعي، وتلازم الحرب الأهلية مع الحرب الخارجيَّة. كما ينجم عنها تفكُّك ثقافي عميق فتلتحق ثقافة الطرف المسيطر بالتيّارات القاريَّة الأوروبيَّة الغالبة في حين تنكفئ ثقافة الأطراف التابعة إلى تراث تاريخي ولغوي وظيفته الأولى إشهار المقارنة والتباين.( )

حين يتعرَّض وضَّاح شرارة لتحليل الدولة العربيَّة وبخاصَّة في المشرق، فمن الواضح أنَّّه يراها اكثر اقتراباً في معالمها من النموذج النمساوي منها إلى النموذج الفرنسي. إنَّها دولة تسعى إلى استبعاد جزء هام من التجربة الإجتماعيَّة ليس عن طريق تحويره وتطويره إلى صورة أرقى منه، وإنَّما عن طريق عزله ومنعه قسراً، وادِّعاء أنَّ  مقال الدولة هو وحده المصرِّح بكلّ ما يستحقّ القول فيما يخصّ حياة المجتمع.

الدولة العربيَّة إذن ليست منسلخة عن المجتمع فحسب، بل هي عازلة له ومتسلِّطة عليه. ما هي أسباب ذلك ؟ هناك طبعاً التشكيل الطائفي والعرقي للمجتمع نفسه، ولكن هناك أيضاً تجربة العرب مع الغرب وكذا تصدَّي الدولة خلال العقود الأخيرة لمهام قيادة وضعتها خارج المجتمع وفوقه.( )

ويولي شرارة موضوع التأثُّر بالغرب اهتماماً خاصاً في تحليله. فقد انبهر المثقفون العرب بإنجازات الغرب سواء في مجال العلم أو الصناعة أو الحكم أو الحرب أو غيرها. وفي رأيه أنَّ مسألة  الغرب هذه قد انتهى بها الأمر إلى الإلتحام بمسألة الدولة .( )

فلكي يتعلَّم العرب أساليب الغرب الراقية كان لا بدَّ من مشروع تربوي شامل، تسيطر عليه الدولة، لكي تغيِّر عن طريقه من مسار المجتمع. ويستخلص شرارة من ذلك أنَّ “الدولة في فكر المثقفين العرب المحدثين هي طوبى المجتمع. إنَّها مخيلتِه وإرادتِه وتحقُّقِه التاريخي الشفَّاف. الدولة نمو المجتمع العضوي واكتماله وتتويجه. ولا وجه للتناقض بين الدولة والمجتمع إلاَّ في حال استمرار مخلَّفات مجتمعيَّة تنتمي إلى تاريخ كاذب أي لا وجه فعلاً للتناقض لأنَّ العنصرين يستويان في نصيب مماثل من التاريخ والحقيقة. فهذه الأخيرة في صف الدولة دوماً، أي في صف مشروع الدولة “.( )

ويرى شرارة أنَّ موضوع الدولة يتوِّج المشاريع الحضاريَّة لكافة التيّارات الفكريَّة الهامة في الوطن العربي: المشروع التغريبي والمشروع الإسلامي والمشروع القومي. وصورة هذه الدولة في فكر المثقفين هي صورة كليَّة شاملة، تستطيع أن تستوعب كليَّة النهضة المبتغاة أو التغيير المطلوب. وقد رسم الفكر السياسي والإجتماعي العربي للدولة صوراً طرد منها فكرة مفارقة الدولة للمجتمع ولخَّصها في فكرة تمثيل الدولة للجماعة تمثيلاً عضوياً مصفَّى من كلِّ شائبة.

ونلاحظ هنا اختلاف هذه الفكرة، عمَّا يراه عدد من المفكِّرين الآخرين من أنَّ مفهوم الدولة لم يحظَ باهتمام كبير من جانب المثقفين العرب، ومنهم عبد الله العروي وعابد الجابري وغسَّان سلامة.

فماذا تفعل هذه الدولة العربيَّة ؟ يرى وضَّاح شرارة ( ) أنّ هذه الدولة هي في الواقع ” ضدّ المجتمع ” لأنَّها تُفرغه من مضمونه الإجتماعي ثم تُسيطر على كلِّ ثناياه وأنحائِه، وقد أعادت صياغتها على النحو الذي يناسبها هي. فأولى الدول العربيَّة الحديثة، الدولة المصرية في عهد محمد علي، قد قامت في نظره بعمليَّة رمي شباك هائلة على مجتمع كامل، وحصره “. أمَّا الدول العربيَّة المعاصرة فهي تحتل مراكز الإشراف التي تقع على تقاطع العلاقات السياسيَّة الإقتصاديَّة الداخليَّة، ومعنى هذا أنَّها تسيطر على القطاعات الحديثة التي استجدت مع التغلغل الرأسمالي وعلى الإدارة التي تولَّت عمليَّة الإلحاق بالمراكز الإستعمارية، ولكنها أيضاً تسيطر على القطاعات الإجتماعيَّة الواقعة خارج هذه الدائرة والتي تشكّل القسم الأعظم من المجتمع، والقاعدة التاريخيَّة والإنتاجيَّة التي يقوم عليها. وتتمّ هذه السيطرة من خلال ضمّ المفاتيح أي قمم هذه التجمُّعات إلى طاقم الحكم، وشيئاً فشيئاً إلى الفئة العليا من المجتمع، الذي تكون على قاعدة العلاقات الرأسماليَّة. وقد اتَّخذ المثقفون في عملية التصارع والتقاطع هذه بين المجتمع والدولة، صف الدولة بصورة لا تدع مجالاً للشك.( ) وقد كان أوَّل أدوار الدولة العربيَّة الجديدة وأخطرها هو دور التوحيد، أي لم شتات مجتمع متنافر في مؤسَّساته وفئاتِه وثقافاته، بل أن السمة الرئيسيّة للمجتمعات العربيَّة التي كان على الدولة الجديدة أن توحّدها هي بنيتها الداخلية المتوازية، إذا جازت العبارة، فالدولة الآسيوية نهضت على تجاور وحدات اجتماعيَّة لم تمس استقلالها النسبي، وتباعدها. فتكوَّن الحكم نفسه من تكتلات وأحلاف ربطت بينتجمعات تنتمي الى أنساب متقاربة أو مناطق أو شعوب، احتفظت في انتقالها إلى السلطة بكلّ خصائصها، وعمِلت على نقلها إلى السلطة.

ولم يكن ظهور الدولة الجديدة نتاجاً لتفاعل التناقضات الإجتماعيَّة وتطوّرها في صور تجميعيَّة جديدة، بل كان ظهوراً مصطنعاً وهامشياً، أي ولدت هذه الدولة، بنمط سلطتها الخارجية وطاقمها وأجهزتها ومثقفيها، هامشية بالمعنى الحرفي، ولم تنجح في كسر هامشيَّتها حتى في أوجِّ سلطتها، عندما بدا أنَّها أمسكت في قبضتها مقاليد الحكم والتنظيم السياسي ووسائل الإنتاج الرئيسيَّة والإيديولوجيَّة الرسميَّة( ). فماذا تفعل هذه الدولة إذن ؟ إنَّها تُشرّع وتنظّم وتُقر وتوجّه، وتُنتج وتَستثمر، معمِّقة الفوارق بين طاقمها وبين سائر المجتمع، ومميِّزة لفئة اجتماعيَّة معيَّنة من فئات المجتمع، تضع بين يديها مقاليد السلطة والإنتاج، ومقاليد القرار الذي ينظِّمها ويوزِّعها.

إلاّ أنّ ذلك كلّه، رغم ما يتمّ عنه من انقسام إجتماعي عميق، لا يطعن على ما يبدو في وحدة الدولة والمجتمع التي تقترحها الدولة أو تدَّعيها، فالوهم راسخ في وجود دولة عضويَّة لا تعدو أن تشكّل انبثاقاً خالصاً من المجتمع. أي أنّ الدولة العربية بمختلف أشكالها، عاجزة عن الاعتراف بانفصالها عن المجتمع وعن قصور تمثيلها المفترض لنصاب القانون العام، بما هو حد ينظّم العلاقة بين المجتمعات المتباينة، والمتناحرة أحياناً، التي يتألَّف منها المجتمع. ويتأتى عجز الدولة العربية هذا عن استوائها بنية سياسيَّة تضطلع بالسلطة فيها فئة لا تنفك، وهي في السلطة، عن تمثيل المجتمع الذي تنتمي إليه تمثيلاً  حرفيَّاً. فالتربُّع في سدَّة الحكم والسلطة لا يُخرج الفئات الحاكمة من فئويتها، بل يفاقم هذه الفئويَّة ويغذِّيها بالموارد التي يضعها الحكم المركزي بين يدي مالكه. وهكذا تتحوَّل مرافق السلطة إلى أدوات تدعم مصالح الفئة المستولية، الضيقة والمباشرة، وتُنظم الحياة السياسيَّة على وجه يحول دون الطعن في هذا التحوّل أو الإحتجاج عليه.

والدولة العربيَّة لا تستعدي في هذا الموقف مجتمعاً متجانساً، أو تؤلب أكثرية شعبيَّة أو سياسيَّة قادرة على تقديم برنامج مختلف يؤهِّلها لتسلُّم زمام الحكم، بل هي تستعدي كتلاً إجتماعيَّة متنافرة يستحيل عليها تشكيل جبهة معارضة، وغاية ما يطمح فيه بعضها هو الإحاطة بالحكم القائم والإستيلاء على امتيازاته، وإعدام طاقمه، سياسيَّاً على الأقل. ومن هنا فلا يُعقل بالتالي أن يرضى الحكم القائم بتشكيل معارضة، مهما كانت جزئية أو ادَّعت الجزئيِّة.

وفي هذا السياق، ركَّزت دراسات عديدة على رصد وتحليل واقع المجتمع المدني في الدول العربيَّة، وهو يضمّ الأحزاب السياسية خارج السلطة، والتنظيمات النقابيذضة، والإتحادات والجمعيَّات المهنيَّة والثقافيَّة والإجتماعيَّة والرياضيَّة والشبابيَّة … ألخ، والجمعيَّات الأهليَّة، والصحافة المستقلَّة، وغير ذلك من التنظيمات. وقد خلصت هذه الدراسات إلى نتيجة عامَّة مفادها ضعف دور المجتمع المدني في العديد من البلدان العربيَّة، وذلك بسبب نزوع الدولة نحو الهيمنة على تنظيمات المجتمع المدني، وتدخُّلها المستمر في شؤونها من خلال فرض الكثير من القيود السياسيَّة والأمنيَّة والإداريَّة والماليَّة عليها، مما يحدّ من فاعليتها ويجعلها مجرد امتدادات للمؤسسات الرسميَّة في العديد من الحالات، ومن ناحية أخرى فإن كثيراً من تنظيمات المجتمع المدني في البلدان العربية تعاني مشكلات بنيويَّة ذاتيَّة، مثل: ضعف قواعدها الإجتماعيَّة، وغلبة الطابع النخبوي على عملها، وعدم التزامها بتطبيق الديمقراطيَّة داخلها، ومعاناتها من كثرة الإنشقاقات والصراعات الداخليَّة، مما يحدّ من دورها وفاعليتها.

ويرى شرارة أنَّه إزاء تمنُّع المجتمع أو سلبيته في تأييد الدولة، تعمد هذه إلى ” بناء قشرة إجتماعيَّة بديلة تحلها محل المجتمع وتكل إليها تمثيل المجتمع الغائب، والمنسحب في قوقعته، فتؤلف نقابات  تمثّل العمّال والفلاّحين كما تشاء الدولة تمثيلهم، وتعيِّن هيئات مهنيَّة تضع على رأسها أفراداً لا يختلفون عن الموظّفين في شيء، وتنشئ صحافة ذليلة تضيف إلى أبواق الحكم بوقاً مكتوباً، وتبث في مختلف المؤسَّسات الأهليَّة من اقتصاديَّة وثقافيَّة وعائليَّة ودينيَّة أزلامها وعيونها وأرصادها. وهكذا يكتمل تمثيل الدولة الإجتماعي، وتمثل للعيان وحدة الدولة والمجتمع. إلاّ أنّها وحدة الشيء وصورته في المرآة: فالمجتمع الذي تعلن الدولة وحدتها معه قشرة كاذبة لا تمثّل سوى ظلّ الدولة على سطح المجتمع. إنَّه مجتمع بديل صنعته الدولة على مثالها وصورتها.( )

وهكذا تتبلور في صفحات معدودة ملامح تشخيص بالغ الدقة والرقي لأزمة الدولة العربيَّة المعاصرة وبخاصة في صورتها المشرقيَّة. فالدولة العربيَّة، شأنها في ذلك شأن أيَّة دولة، هي منسلِخة من حيث المبدأ عن المجتمع، ولكن انسلاخها هنا،ولأسباب تاريخية مختلفة، ينصِّبها وعلى خلاف ما هو عليه الحال في البلدان الأخرى، في موقع يعلو المجتمع بكثير. فانسلاخ هذه الدولة عن المجتمع ليس استقلاليَّة نسبية عنه بالمعنى المتردّد في الأدبيات المعاصرة حول الدولة، إنَّه مجرَّد إرتفاع وتعالٍ عن المجتمع. ولكن لماذا لا يمثل الإنسلاخ في حالة الدولة العربيَّة استقلالية نسبية؟ لأنّ الدولة تُعبّر بصورة مباشرة وضيِّقة عن مصالح فئة أو فئات اجتماعيَّة معينة ولا تتجاوزها إلى مجموع المصالح العامة العليا المتصورة وبخاصة في الأجل الطويل.

على أن هذه الدولة ليست قائمة على العنف وحده، ولذا ونظراً لعلمها بأنَّها لا تمثل تعبيراً حقيقيَّاً عن المجتمع، فإنها تتجه إلى خلق قشرة مجتمعيَّة جديدة على صورتها أي متمشيَّة مع أغراضها. وهي بهذا تسدّ الطريق على أيَّة فئات إجتماعيَّة أخرى تسعى إلى الحكم طبقاً لتصوّر وبرنامج مخالف، فلا يكون أمام هذه الفئات إذا أرادت التأثير على مقدرات الأمور إلاّ أن تستولي على أداة الحكم مباشرة. يتلخَّص الأمر إذن في القول بأنَّ الدولة العربيَّة لا يتوافر لها قدر كافٍ من الإستقلاليَّة النسبيَّة عن القوى الإجتماعيَّة القائمة، وهذا هو مرجع أزمة هذه الدولة. ويتمثّل الحل في نظر وضَّاح شرارة في إقامة الفواصل لتحقيق حياة إجتماعيَّة وثقافيَّة وسياسيَّة حرَّة. فالدولة التي تدَّعي الذوبان في المجتمع تفوّت على هذا الأخير إمكان مراقبتها والحد من تسلُّطها.

لذا فإنّ الفاصل بين الدولة والمجتمع، وبين الحزب والجماهير وبين المؤسسات والفئات، وبين الحكومة والشعب، شرط حيوي لعرض الدولة أمام الأنظار ولإخضاعها لأحكام هذه الأنظار.( )  من الواضح أنَّ وضاح شرارة  متأثّر بالتجربة السياسيَّة في المشرق العربي وبخاصة في لبنان، خصوصاً وإنَّ شرارة قد سبق له أن قام بدراسة عن الإجتماع السياسي لهذا البلد بعنوان ” السلم الأهلي البارد ” قام فيها بتحليل العلاقات المعقدة بين القوى الإجتماعية وبين جهاز الدولة  فيه في الفترة من 1964 إلى 1967.( )

والواقع أنَّ تحليل وضَّاح شرارة إنَّما يوحي بما لا يدع مجالاً كثيراً للشك بأنَّ أزمة الدولة اللبنانية هي في عدم استقلاليتها ولو نسبياً عن المصالح المباشرة والضيقة للقوى الإجتماعيَّة، وهي فكرة عبَّر عنها أيضاً فيما يخصّ المشرق عموماً برهان غليون( )، وفيما يخصّ لبنان خصوصاً مايكل جونسون( ).

وعندما ينتقل وضَّاح شرارة من تحليل أوضاع المشرق إلى تحليل أوضاع الجزيرة العربيَّة، تبقى مقولاته الأساسيَّة واردة ولكن تصبح القبيلة، وليس العرق أو الطائفة، هي التجمُّع الرئيسي الساعي إلى التعبير المباشر عن نفسه من خلال جهاز الدولة. ففي كتاب ” الأهل والغنيمة ” نراه يشرح قصَّة إنشاء الدولة السعودية حول ظاهرة التكامل والتحالف القبلي مع تدعيمها بظاهرة التوحيد الديني، ثمَّ تسوير هذا التجمُّع بحائط الدولة الموحَّد. فالقرابة والتحالف إذن قد استأنفتا البدء في صورة جديدة هي صورة الدولة، التي يقوم فيها مجتمع سياسي أصيل من المنظومات العائلية والعشائريَّة والقبائليَّة، ومجتمع إنتاجي ملحق من الأعاجم وأشياء الأعاجم: ” فالعجمة ليس لغة فحسب، العجمة مدينة أيضاً:  إنّها كل عمران لا يقوم على النسب وصراحته، أي أنَّها غلبة المصطلح على الطبيعة “.( ) ولكن هذا التوحيد السعودي هو توحيد فوقي أي يسيطر على المرافق والمقاطعات مع الحفاظ على عزلتها وتناثر عناصرها. ومن هنا ينتهي شرارة إلى أنَّ المجتمع السعودي المعاصر، وبرغم التحوّلات الإجتماعيَّة التي عرفها منذ 1964 ثم منذ 1973 و 1975، ” لا يتوحد إلاّ في الدولة وفي السلطة. فالدولة فيه ما زالت ضائعة المعنى، كما كان يحسب ابن بشر “.

وخلاصة تأمّلات وضاح شرارة النظريَّة وتطبيقاتها العمليَّة ( )، إنَّ الدولة العربية واقعة في أزمة مع مجتمعها. ومرجع هذه الأزمة باختصار هو قيام الدولة من ناحية بالتعبير الأمين عن المصالح الضيِّقة المباشرة لفئة محدَّدة من المجتمع، ومع قيامها من ناحية أخرى بخلق وهم سياسي بأنها تعبّر عن مصلحة عامَّة وفكرة جامعة. والنتيجة كما ألمح شرارة أكثر من مرَّة هي أنَّ قوى الاختلاف داخل الدولة لم يصبح أمامها إلاّ أن تكون قوى مصادمة ومقاومة. الدولة الإقليمية العربية لم تحل مشكلتها إذن مع مجتمعها، فهل يكون الحل بالقفز مباشرة إلى الدولة القوميَّة الموحدَّة ؟ يصف شرارة هذا الأسلوب بأنه استخدام الوحدة كوسيلة للهروب إلى الأمام، للإستنكاف عن معالجة المعضلات التي يطرحها المجتمع على الحكم وعلى نفسه . وهو يرى أنَّه إذا كان هذا الاستخدام يؤذن بمضاعفة خطورة المشكلات الداخليَّة والإقليميَّة فلا بدّ من الحذر منه، والأخذ كبديل  بمعالجة قطرية/ وحدويَّة معاً. فالمنظور الوحدودي التاريخي نفسه على سياسة ثنائية المستوى في نظره، لأنه من الصعب النجاح على مستوى الوحدة الكبرى إذا كان المجتمع عاجزاً على المستوى القطري على مواجهة مشكلة السلطة وقضية الكيانات الحقوقيَّة والسياسيَّة، بما في ذلك مكنزاتها ومقوماتها الإجتماعيَّة.( ) فدراسة النظم العربية من منظور المجتمع المدني تحتوي جملة من القضايا والإشكالات، منها:

طبيعة العلاقة بين المجتمع المدني والدولة، حيث اتجهت السلطات الحاكمة إلى السيطرة على المجتمع المدني والحدّ من استقلاليَّته، ممّا خلق توترات وحالة من التأزّم شبه المستمر بين النظم الحاكمة، وبعض قوى وتنظيمات المجتمع المدني في بعض الدول العربيَّة، وهو الأمر الذي يكشف عن أزمة مزدوجة تعانيها الدولة والمجتمع المدني معاً، ما يتطلَّب إصلاح جهاز الدولة من ناحية، وتقوية المجتمع المدني من ناحية ثانية، وإعادة صياغة العلاقة بينهما على أسس جديدة من ناحية ثالثة، وذلك باعتبار أنَّ المجتمع المدني الفاعل والمؤثّر يوجد في إطار دولة قويَّة تقوم على المؤسَّسات والقانون وليس في إطار دولة تسلطيَّة.

وفي هذه الحالة فإنَّ دوره يكمل دورها، حيث أنَّ كثيراً من تنظيمات المجتمع المدني تقوم بوظيفة حلقات الوصل المؤسَّسية بين الدولة والمجتمع، وتستطيع أن تسدّ الفراغ الذي قد ينجم نتيجة انسحاب الدولة من بعض المجالات أو تراجعها عن بعض أدوارها، وبخاصة في ظلّ سياسات الإصلاح الإقتصادي التي تطبِّقها معظم الدول العربيَّة، وما يترتَّب عليها من آثار اجتماعيَّة.

كما تثير قضية المجتمع المدني عمليَّة التحوّل الديمقراطي، حيث يشكل المجتمع المدني قوَّة دفع فاعلة للتحوّل الديمقراطي، وهذا ما تؤكِّده تجارب وخبرات العديد من الدول التي شهدت تحوّلاً ديمقراطيَّاً خلال الربع الأخير من القرن العشرين. كما أنَّ المجتمع المدني المتطوّر يمثل ركيزة أساسيَّة لترسيخ الديمقراطيَّة من خلال نشر ثقافة الديمقراطيَّة، وتعزيز مؤسَّساتها وإجراءاتها، وبالمقابل فإنَّ الديمقراطيَّة تمثّل إطاراً سياسيَّاً ملائماً لنمو المجتمع المدني وتمدُّد دوره، باعتبار أنَّ النظم التسلطيَّة تحرص على تقييد المجتمع المدني وتهميش دوره والحدّ من استقلاليته وتفتيت قواه. وفي ضوء ذلك، ونظراً إلى ضعف وهشاشة المجتمع المدني في معظم الدول العربيَّة، فهو لم يسهم في دفع عمليَّة التحوّل الديمقراطي، في ظلّ القيود التي فُرضت عليه بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة في معظم هذه الدول، ونظراً إلى تمدُّد دور ما يُعرف بالمجتمع المدني العالمي، والمتمثّل في المنظَّمات والجماعات غير الحكوميَّة العابرة لحدود الدول، والتي تعمل في مجالات الدفاع عن حقوق الإنسان، وتحقيق السلام، وحماية البيئة وغيرها، فقد اهتمَّ البعض برصد وتحليل تأشيرات المجتمع المدني العالمي في تنظيمات المجتمع المدني في الدول العربيَّة، وبخاصة في ما يتعلّق بتقديم أشكال من الدعم المادي والسياسي والمعنوي لبعض هذه التنظيمات. وقد أثار هذا الأمر العديد من القضايا والتساؤلات حول عنصر التمويل الخارجي لتنظيمات المجتمع المدني في الدول العربيَّة.

ثانياً – الدولة والشرعيَّة في النماذج العربية:

إن مطلب الشرعيَّة له جذوره التاريخية العميقة في المجتمعات الإنسانية والفكر السياسي، حتَّى أنَّه من الصعوبة أن تسفر أي متابعة تاريخيَّة عن وجود أيّ نظام  سياسي لم يعمل برغبة جامحة ليحقّق لنفسه درجة عالية من الشرعيَّة. وهذا ما يدعو الباحث إلى القول بأنّه يمكن عدّ فكرة الشرعيَّة بمثابة وحدة التحليل الأساسيَّة للفلسفة السياسيَّة، والقاعدة الرئيسية لمعرفة فعاليَّة السلطة السياسيَّة واستقرار النظام السياسي( ). وإذا كانت فكرة الشرعيَّة تعد بمثابة وحدة التحليل الأساسيَّة للفلسفة السياسيَّة والقاعدة الرئيسيَّة لمعرفة فعالية السلطة السياسيَّة واستقرار النظام فإلى أيّ مدى يعتبر استقرار الأنظمة في الدولة العربيَّة معتمداً على فكرة الشرعيَّة ؟

1- مفهوم الشرعيَّة:

يثير مفهوم الشرعيَّة قدراً واضحاً من الاختلاف والإلتباس بين المفكرين والباحثين، فهي على وجه الخصوص مشكلة مربكة عند الجميع، عدا المنظَّرين الذين يعدّون أنّ السلطة تعتمد اعتماداً أساسياً على القوَّة.( )

ومع وجود هذا الإختلاف في إطار مفهوم الشرعيَّة، فإنّ ذلك لا يعكس اختلافاً أساسيَّاً حول مضمون المفهوم بقدر ما يعكس اختلاف توجهات المفكرين والباحثين بخصوص هدف دراسة الشرعيَّة. إلاّ أنَّه لا يمكن إغفال أنَّ استخدام تعبيرات مختلفة للدلالة على ظاهرة واحدة، من شأنه إحداث بعض الخلط لدى الباحث والقارئ، وهو الأمر الذي يجد تفسيراً له في حداثة هذا الحقل بين الدراسة من جانب، وتعدد الإتجاهات المهتمة به من جانب آخر، على اعتبار أنَّه نقطة إلتقاء بين المفكرين والباحثين في العلوم السياسيَّة والقانونيَّة.

توجد الشرعيَّة في كل وقت كفكرة عامَّة، أو معتقد، يسلّم بهما الأكثرية حول مصدر السلطة في المجتمع، وحول من يمارسها وكيفيَّة انتقالها. فهي إذن معتقد، أي إيمان غالبية أعضاء المجتمع إيماناً حقيقياً بأنَّ السلطة يجب أن تمارس بطريقة معينة دون غيرها، وإلاَّ فقدت مبرِّر إطاعتها. فالشرعيَّة هنا كإيمان لا يمكن مناقشتها علميَّاً، فإمّا أن يسلم بها كليَّاً وإمَّا تُرفض كليَّاً. وكأي إيمان يصعب في الحقيقة وضعه موضع الشك من قبل العقل، أو تصعب مناقشته مناقشة علميَّة، وبهذا المعنى يمكن القول أنّ السلطة تتمتَّع بقدسية، ومن ثمّ لا يمكن أن تكون محل مناقشة.( ) والإيمان قد يختلف باختلاف المكان والزمان، وقد يحدث في بعض المجتمعات أن الإيمان الجديد ليس من القوة، بحيث يفرض نفسه ويطرد المعتقدات القديمة، فيترتَّب على ذلك صراع بين المعتقدات، ومن ثمّ بين الشرعيات. هذا يعني أنَّه إذا لم تكن فكرة الشرعيَّة القديمة قد زالت نهائياً، ولا فكرة الشرعية الجديدة من القوّة بحيث تفرض نفسها وتسلّم بها الغالبية في المجتمع، يحدث عند ذلك تنازع بين الشرعيَّات، وهذا التنازع يؤثّر بدوره في السلطة، ومن ثمَّ في استقرار الحكم في المجتمع.( )

وهذا يعني أنَّ فكرة الشرعيَّة ومبدأها متغيران ونسبيان، لأنَّ ظهور الفلسفات والنظريات السياسيَّة الحديثة قد زعزع أسس وقواعد الشرعيَّة القائمة على اعتبارات قديمة، لتخلي المكان لظهور أسس جديدة للشرعيَّة أكثر واقعيَّة وأكثر مساساً بحياة المجتمعات السياسيَّة.( )

في واقع الحال، لا يختلف وضع الدول الحديثة وأنظمتها السياسيَّة اليوم عن تلك الدول والحضارات التي سادت عبر مراحل التاريخ ثم بادت، من حيث حاجتها إلى الأستقرار، وحاجة حكَّامها إلى شكل من أشكال العلاقة النفسيَّة التي تهبهم محبَّة ورضا وطاعة شعوبهم، مبعدة إيّاهم بذلك عن اللّجوء إلى وسائل الإكراه الخارجيَّة من أجل الخضوع اللازم لضمان سير العملية السياسيَّة واستمرارها.( )

وعليه ، فالسؤال الذي يفرض نفسه في هذا المجال هو عن ماهية هذه العلاقة التي تربط الحاكم بالمحكوم – السلطة بالمواطن، التي اصطلح على تسميتها بالشرعيَّة ، وهل هناك علاقة بينها وبين استقرار النظام السياسي القائم وتطوّره ؟

في عصرنا الحديث، ظهر مفهوم الشرعية من خلال كتابات علماء السياسة والإجتماع ومحاولاتهم لتحديد مصادر الحكم، وطبيعة ونتائج مواقف الناس تجاه حكَّامهم ومؤسَّساتهم السياسيَّة( ).

وقد سبر عدد من المنظرين أغوار مفهوم الشرعيَّة، وعلى الرغم من أنَّهم يختلفون في إتجاه تحليلهم، إلاَّ أنَّهم جميعاً يتَّفقون في التحليل النهائي، على أن قبول مواطن دولة ما، غير القسري “الطوعي” بالحكومة، هو الذي يجعل الحكومة شرعيَّة.

وهذا المفهوم للشرعيَّة، يتقابل مع مفهوم البيعة في التراث العربي الإسلامي، فالبيعة كما يقول ابن خلدون ” هي العهد على الطاعة كأن المبايع يعاهد أميره على أنه يسلم له النظر في أمر نفسه وبأمور المسلمين لا ينازعه في شيء من ذلك، ويطيعه فيما يكلِّفه به،وكانوا اذا بايعوا الأمير وعقدوا عهده جعلوا أيديهم في يده تأكيداً للعهد…”.( )

وفي عصرنا الحديث نجد أنّ ماكس فيبر (Maxweber) يُعد من الروّاد في الأخذ بهذه التسميَّة، حيث نظر إلى الشرعية بوصفها صفة تنسب لنظام ما من قبل أولئك الخاضعين له، من خلال عدة طرق تتمثّل في التقاليد أو بعض المواقف العاطفيَّة أو عن طريق الإعتقاد العقلاني بقيمة مطلقة، أو بسبب قيامه بطرق وأساليب تعد قانونية أو شرعيَّة مقبولة.( ) هذا يعني أنَّه يُعرِّف ثلاثة أنواع من البشرية : التقليديَّة، والكاريزميَّة، والشرعية العقلانيَّة. ويكون الولاء والإلتزام في النوعين الأول والثاني إلى شخص (رئيس تقليدي، أو زعيم بطل أو زعيم روحي)، أمَّا في النوع الثالث، فتكون الطاعة والقبول لشبكة المؤسسات المبنية بصورة شرعيَّة التي تحمل الطابع الفردي. والشرعيَّة في الأنواع الثلاثة كلها معرَّفة في سياق قبول المجتمع بحكومته وزعمائه.( )

وهكذا يذهب ماكس فيبر إلى أنَّ النظام الحاكم يكون شرعيَّاً عند الحدّ الذي يشعر فيه مواطنوه أنَّ ذلك النظام صالح ويستحقّ التأييد والطاعة. والمواطنون لا يضفون الشرعيَّة على نظام الحكم، أي لا يقبلون بحقه في أن يمارس السلطة إلاّ لأسباب يقوم عليها هذا القبول سواء أكانت دينيَّة أم دنيويَّة، روحيَّة أو عقلانية.( ) وينشأ عن هذا التحديد أنّ الشرعيَّة تساهم في استقرار الحالة بين الحكَّام والمحكومين، وتقود هذه الحالة أيضاً إلى استقرار المجتمع بالكامل ما دام مفهوم الشرعيَّة كما أشاعه مبدعه ماكس فيبر يرجع في آخر تحليل إلى واقع الرهن الفعلي وليس الإكراه.

ويوجز هربرت كيلمان تعريف الحكومة الشرعيَّة بقوله: ” عندما يقبل بها كصاحبة الحق في ممارسة سلطانها في حقل معيَّن وضمن حدود محدَّدة. وهكذا، عندما تتقدم إدارة نظام سياسي شرعي بمطالب ما، يقبل بها المواطنون سواء أحبّوا ذلك أم لا. وقد يقتنع مواطن  أو لا يقتنع بقيمة ما يطلب منه القيام به، وقد يكون متحمّساً أو غير متحمّس لتنفيذه. وقد يكون في الواقع شديد الإستياء منه، ومع ذلك فإنّه يستجيب برضى مع المطلب دون أن يشعر أنَّه أكرِه على ذلك، ويعتبر أنَّ واجبه أن يقوم بذلك.( )

ويذهب موريس ديفرجيه (M. Duverger) إلى القول أنَّ الحكومة التي تمثّل رأي الشعب تتمتَّع بصفة الشرعيَّة، من حيث أصولها وجذورها وهيكلها وتركيبها. وكلّ حكومة عداها تكون غير شرعيَّة، إذ أنَّ الشرعيَّة هنا ليست أكثر من مجموعة من المعتقدات، يختلف معناها ومضمونها ومرماها باختلاف البلدان والأزمان( ). إنَّ هذا التعريف بالشرعيَّة بالمعنى الذي يصوغه ديفرجيه، يكمن في تضمنه الموافقة العامَّة أو القبول العام الإختياري والعميق، وليس ذلك القبول الذي يمكن تحقيقه عن طريق أداة خارجيَّة، هي الضغط والإكراه. والقول إنَّ الحكومة شرعيَّة لا يعني أنَّها حكومة صالحة وتحقق الصالح العام، بل يعني فقط كون المواطنين المحكومين يعدّونها ذات سلطات شرعيَّة دستوريَّة.( )

أمّا هدسون (Hudsen) فيرى أنَّ الفرد قد يقبل بأن يطيع السلطات وبأن يتبع مطالب النظام القائم لأسباب مختلفة، غير أنَّ الدعم الأقوى ديمومة لن يتأتَّى إلاّ عن اقتناع ذلك الفرد بأنَّ قبوله بالسلطة وطاعته لها تنفيذه لمتطلِّباتها أمور مُحقَّة ومُقنعة.( )

وقد ركَّز باحثون آخرون على عناصر أخرى غير التي ذكرت. فالشرعيَّة في تعريف بعضهم هي حالة أخلاقيَّة تخدم الظرف الراهن. فضلاً عن ذلك، فإنَّ الشرعيَّة حالة دفاعيَّة، فعند محاولة صاحب سلطة أن يعطي لوجوده وحكمه صفة شرعيَّة، فهو يحاول إزالة الشكوك مهما كانت مرتبطة في جوهر وجوده. وقد تكون هذه الشكوك شكوكاً داخليَّة أو خارجيَّة. إنَّ المشكلة الرئيسيَّة تكمن في أنَّ هناك مطلباً ملحَّاً لإستبعاد هذه الشكوك. إضافةً إلى ذلك، تُعد الشرعيَّة حالة عقليَّة، لأنّ الفرد أو من ” يُمارس السلطة ” لا بد من أن يقنع نفسه وكذلك الآخرين بالأفعال التي يقوم بها، مع بيان أسباب ذلك. إنّ هذه الحالة العقليَّة ربّما تتضمَّن عناصر منطقيَّة وأخرى غير منطقيَّة.( )

من دون شك، إن قضيَّة الشرعيَّة قضيَّة جوهريَّة، لذلك يمكن القول بأن اليقين والحق هما مهد الشرعيَّة. فعندما يعرف الأفراد الفرق بين العمل الصحيح والعمل الخاطئ، وإذا تأكّدوا من أفعالهم، وما سيحدث في المدى البعيد، فإنَّ الشرعية تكون قد أرست حجر أساسها، ولن يكونوا بحاجة حتى لمناقشة أمور الشرعيَّة، ولكن إذا ظهر عدم اليقين والريبة فلا يمكن ظهور إلاَّ مجتمع يصرف معظم وقته في مناقشة أمور تتعلَّق بالشرعيَّة وعدمِها.( )

ويؤكِّد ديفيد ايستون (David Easton) أنَّ هذا اليقين لدى المواطن يعكس بشكل ضمني أو صريح حقيقة أنَّ تلك الأمور ” القبول والطاعة ” كما لو أنَّها كانت مطابقة لمبادئه الأخلاقيَّة، ولما هو صحيح ومحقَّق في المجال السياسي. ويذهب أيضاً إلى إطلاق تسميَّة ” الدعم ” المتحصل من قبل المحكومين للأهداف السياسيَّة التي يعمل النظام القائم على تحقيقها ليغني الشرعيَّة لديه.( )

ويفضّل بعض الباحثين إعطاء الشرعيَّة تسمية ” الأسطورة السياسية “. والبعض الآخر يقرنها بالولاء، طالما أنَّ الولاء لا يمكن توقّعه بصورة غير مشروطة من قبل الناس، ولكن من خلال إيمانهم المشترك، بأنهم يشاركون في أهداف واحدة ويغمرهم احساس بالمنفعة المشتركة، بوصف الدولة شكلاً من أشكال الترويج والدفاع عن هذه القيم والمصالح. وعليه، فإنَّ الشرعيَّة أو أيّ نشاط لحكومة شرعيَّة، يجب أن يأخذ في حسابه أهداف هؤلاء الناس وقيمهم ومصالحهم.( )

فالشرعيَّة تتحقَّق حينما تكون إدراكات النخبة الحاكمة لنفسها، وإدراكات الجماهير لها، متطابقة، وهي إتِّساق قام مع القيم والمصالح الأساسيَّة للمجتمع وبما يحفظ للمجتمع تماسكه.( ) وقد قدَّم تالكوت بارسنز (Talcott parsons) تعريفاً للشرعيَّة يعتمد على إظهار جانبها التقييمي فالشرعيَّة لديه هي تقييم للفعل وفق القيم العامَّة والمشتركة، ضمن سياق المشاركة الفعليَّة في النظام الإجتماعي، وهي الحلقة الأساسيَّة بين القيم كمكوِّن داخلي لشخصيَّة الفرد، والنماذج التأسيسيَّة التي تحدد تركيب العلاقات الإجتماعيَّة وبهذا المعنى تتَّخذ هذه النماذج شكل بناء تركيب قيمي أو إطاراً تتجسَّد فيه القيم والمعتقدات والأفكار المشتركة لتحدّد وتنظّم وتؤثّر في الوقت نفسه في الفعل، أي في ممارسة القوَّة.( )

وفي السياق نفسه، يرى ليبست (Lipset) أنَّ الشرعيَّة تكمن في قدرة النظام السياسي على توليد وتدعيم الإعتقاد بأنّ المؤسَّسات السياسيَّة القائمة هي الأكثر ملاءمة لذلك المجتمع، ويقدّر الأفراد والجماعات شرعيَّة نظامهم السياسي أو عدم شرعيَّته، طبقاً للطرق التي تلتقي بها قيم هذا النظام مع قيمهم. فالشرعيَّة هنا ليست مسألة تقييميِّة، بل هي تتحقَّق بقدر ما يكون هناك تطابق في القيم.( )

وإذا ما اتفق المرء مع تعريف ” ليست ” للشرعيَّة، فلا بد من أن يتَّفق على أنَّ هذا التعريف ينطبق على كلّ نظام سياسي تقريباً، وينطبق أيضاً على أيّ فرد أو مجموعة تحاول قلب ناظم الحكم أو تغييره بحجَّة أنَّ هذا النظام لا يشبع احتياجاتها.

ولا يختلف غرين (Greene) عن ذلك عندما يعرّف الشرعيَّة بوصفها ” تشير إلى مواقف المواطنين تجاه كلّ من أشخاص وسياسات وقوانين ومؤسَّسات الحكومة، فحين تكون الشرعيَّة عالية، يؤمن أكثر المواطنين بأنَّ الحكومة لها الحق في أن تعمل ما تعمله، وحيث تكون الشرعيَّة منخفضة يؤمن أكثر المواطنين بأنَّ الحكومة خاطئة فيما تعمله.( )

وقد يرى البعض أنّ الشرعية تنطلق من قواعد القانون الطبيعي، فهي منظومة من سنن وإتفاقات وقواعد وأعراف تسمح بأن تمدّ بسلطاتها على الهيئة الإجتماعيَّة كلّها، وعلى كلّ عضو لفرض تعزيز العلاقات بين الأفراد والجماعات، فليس هناك شرعيَّة غير شرعيَّة القانون الوضعي، ولذلك فإنّها تنطوي على عنصرين هما: أن تلتزم الحكومة بأن تتصرّف بإسم القانون، إلاّ في الحالات الإستثنائية من جهة، ومن جهة أخرى أن يقبل أفراد المجتمع أن يتصرّفوا وفق القانون وفي الحدود التي يعيِّنها القانون.( )

فالشرعيَّة هنا تعرَّف كقاعدة من قواعد السلطة (أي ببعدها السياسي) بأنَّها مجموعة القواعد المنظِّمة للسلوك السياسي، فردياً أكان هذا السلوك أم جماعيَّاً.

إنّ القول بأنَّ السلطة تعمل وفق القانون، وفي ذلك ضمان للشرعيَّة، قد ينطوي على بعض اللّبس أو الإبهام، لأنَّ السلطة هي التي تضع القانون وتنفِّذه وتُشرف على تطبيقه. ومن البديهيّ القول بأنّ من يضع القانون يستطيع أن يلغيه، وبهذا المعنى يكون كلّ نظام سياسي، حتى النظام الإستبدادي وغير المشروع، هو صانع الشرعيَّة( ). ومع ذلك فإنّ شرعيَّة السلطة مبنيَّة على أساس أنَّ الشعب مصدر السلطة، وإن لم تُمارس من قِبله فإنَّها يجب أن تسأل موافقته، وأنَّ الدستور هو الذي يقيم شرعية الحكَّام. والشرعية هنا هي شرعيَّة شكليَّة بهذه الصفة، والشرعيَّة الشكليَّة تكرِّس شرعيَّة ماديَّة. كما أنَّ القانون هو وسيلة السلطة، أيّ أنَّ الحكَّام يتصرَّفون رسمياً بإسم الهيئة الإجتماعيَّة، وليس بموجب إرادة الذين يمارسون السلطة. ” إنَّ الشرعيَّة هي الأداة الأساسيَّة في ترشيد النظام، لأنّها تنظِّمه بواسطة القواعد العامَّة المقنعة والمحدَّدة والمؤسَّسة من قبل الحكومة “.( )

كما إنّ الترشيد الشرعي يسمح بتطبيق الإجبار المادي بلا تمييز على كلّ فرد من أفراد المجتمع.. فالشرعيَّة هنا تتحكَّم بصورة مباشرة في الروابط القائمة بين الأمر والطاعة.( )

وإذا ما تعمّقنا في الطروحات والتعاريف السابقة للشرعيَّة يتَّضح لنا بأنَّ هناك بعض الملاحظات التي يجب أن تؤخذ بعين الإعتبار، وهي :

– إنَّ العلاقة بين السلطة والمواطن التي يطرحها ماكس فيبر وغيره من الكتَّاب الذين بحثوا في موضوع الشرعيَّة، موضوعة في إطار مؤسَّسي في الفكر السياسي الغربي، وفي الممارسة السياسيَّة الغربيَّة عبر إقامة المؤسَّسات السياسيَّة.

وتسمح هذه المؤسَّسات، إلى حدّ ما، بتسهيل مشاركة المواطن في الجسم السياسي، والشرعيَّة بهذا المعنى، ممنوحة ليس للحاكم نفسه، بل للنظام السياسي ككلّ، ومن ثمّ يستمدّ صاحب السلطة المنتخب عبر مؤسَّسات هذا النظام الحكومي شرعيَّة من شرعيَّة النظام.

– إنَّ الشرعيَّة ليست فقط حقوقيَّة أو قانونيَّة، كما يبدو للوهلة الأولى، بل تتناول أسس المجتمع، تلك الأسس التي تشكّل المفاهيم والرؤى العامَّة لأفراد المجتمع.

ولكن ما هي الشرعيَّة التي سمَّاها ماكس فيبر ” بالعبقريَّة غير المرئية للمدنيَّة” ؟ إنَّها المفهوم الأساسي الذي يقوم عليه الإجتماع السياسي. وإذا كان ناظم الحكم الدكتاتوري يمثّل دائماً القساوة والعنف، مقارنة بأيّ نظام شرعي أو دستوري، فذلك لأنَّه محروم من هذه العبقريَّة، ولأنَّه يرتكز بالدرجة الأولى على القوَّة والعنف.( )

وإذا كانت لفظة الشرعيَّة تشير بمدلولها الدقيق إلى شرعيَّة السلطة القائمة، من حيث صلاحيتها كسلطة للأمر الذي يستوجب التكليف بالطاعة، فإنَّها لذلك تقع في جملتها في مجال الفلسفة السياسيةَّ، وهي تدور حول مدى صلاحية السند الذي يرتكز إليه النظام القانوني للدولة في جملته، ومن ثمَّ فليس من المتصوّر أن تكون قضاياها من شأن ذلك النظام القانوني، وإنَّما يُحتكم في شأن هذه القضايا إلى تلك الفلسفات التي سبقت النظام القانوني للدولة وهيَّأت لقيامه، فكانت هي منه بمثابة الإيديولوجيا.

– إنّ ما يمكن ملاحظته من التعريفات السابقة للشرعيَّة، هو أنّها تركّز على الشرعيَّة التي يجب اكتسابها من قبل النظام السياسي القائم، تاركةً جانباً مهماً آخر للشرعيَّة، هو شرعيَّة المعارضة أو الحركات المناوئة للنظام القائم، ومن ثمّ شرعيَّة ممارستها تجاه هذا النظام، إذ غالباً ما تحصل المعارضة أو الحركة على قدر من الشرعيَّة عن سياستها وبرامجها، وذلك من خلال ما يحصل من تطابق بين أهدافها وقيمها مع أهداف وقيم فئات وشرائح من المجتمع، ممّا يجعل المعارضة أو الحركة تعبر عن مصالح هذه الفئات والشرائح الإجتماعيَّة.( )

إنّ ما نريد قوله وتأكيده هو أنّ النظام السياسي ليس تنظيماً تقنياً للسلطة فحسب، وإنَّما هو أيضاً توافق بين المبادئ العامة أو النظريَّة أو الإيديولوجيا التي يتمسَّك بها من ناحية، وقناعات الأفراد والجماعات الذين يعيشون في كنفه من ناحية أخرى. والتوافق هذا هو الذي يضفي على النظام صفة الشرعيَّة، بحيث تبدو الجماعات المعارضة له وكأنَّها شاذة على الوضع العام، أي إنَّ النظام السياسي قائم على شرعيَّة نسبيَّة، فهو شرعي في نظر جزء من أفراد المجتمع وغير شرعي في نظر الباقين. وقد يسعى النظام إلى التوفيق بين الإيديولوجيات المتعارضة والسائدة في المجتمع لكي يبدو شرعيَّاً في نظر الجميع.( )

إنَّ الشرعيَّة صفة يجب أن تلازم أيّ نظام سياسي، من أجل ممارسة الحكم، وهي تقوم على جانبين: الأول جانب شكلي يتمثّل بدستوريَّة السلطة، أي إقامتها وممارستها وفق قواعد الدستور والثاني جانب موضوعي، يتمثَّل بقناعة ورضا أفراد المجتمع بهذه السلطة، وهو أنَّ الجانبان لا ينفصلان بعضهما عن بعض.

فشرعيَّة النظام السياسي هي ظاهرة نسبية، لأنّه لا يمكن أن يكون هناك إجماع على شرعيَّة النظام القائم، إلاّ أنَّ هذا لا يعني أنَّ السلطة تقوم على القوَّة بالنسبة إلى الجزء الذي ينكر عليها صفة الشرعيَّة، وإنّما يعني أنَّ النظام السياسي يمكنه الحكم بمقدار ما تكون قاعدته الشعبية من الإتِّساع، بحيث يكون عدد المعارضين له قليلاً ممّا يجعل تأثيرهم في النظام ضئيلاً بالقدر الذي يمكن تجاوزه.

فالنظام السياسي الشرعي هو الذي يمتلك القدرة على الحكم من دون استعمال وسائل القمع والقسر والإكراه. ومن ثمّ تصبح الشرعيَّة البديل الأكثر إنسانيَّة لقواعد الإكراه أو الإجبار المادي والمعنوي التي يتمّ استخدامها لتسيير عمليَّة الحكم، ولضبط الحركة العامَّة نحوها، ذلك أنَّ أيَّ سلطة أو حكومة لا بدَّ لها، كي تفرض وجودها واستمراريَّتها، من شيء من القوَّة أو الترهيب، إن كان ذلك بدرجات متفاوتة.

ولكن ذلك وحده لا يستقيم إلاّ في الديكتاتوريات والأنظِمة البوليسيَّة البحتة، إن لم تصبحه قناعة مجتمعيَّة بقبول هذه السلطة، غير الإقتناع الإجتماعي بجدوى هذه السلطة وبوجود أسس فكريَّة لها تبرّر وجودها واستمراريَّتها. وهذا ما يمكن وصفه بالشرعيَّة التي كلَّما تزايدت نسبها على حساب القوة والإرغام والقسر كانت المجتمعات المعنيَّة أكثر استقراراً وجدوى وفعاليَّة.( )  فالشرعيَّة تقوم بالذات على قيام المواطن بأمور تتوقعها السلطة منه، من دون أن يجد في ذلك حرجاً، ومن دون أن يشعر بالاضطرار، ومن دون أن يكون محكوماً برهبة. فالشرعيَّة هي على الأرجح المسلك الطبيعي المتوافق مع وجود الدولة، ومع أسباب استمرارها وشروط بقائها، وهو مسلك طبيعي، بمعنى أنَّه قابل للتبرير في ذهن المواطن من دون تدخُّل الغير، فهي تعني التبرير الفكري أو الأخلاقي أو السياسي أو الإجتماعي للظاهرة محل البحث، بحيث تجد الظاهرة شرعيَّتها، باستنادها إلى مجموعة من الحقائق السياسيَّة أو الإجتماعيَّة أو الأخلاقيَّة المجازة إجتماعيَّاً أو أخلاقيَّاً. وهذا المعنى يُعبَّر عنه بالشرعيَّة، وهو يشير إلى الأساس والمبرّر، أو إلى السبب أو جواز الوجود المستمدّ من حقائق مسلّم بها، قانونية أكانت أم سياسيَّة أم إجتماعيَّة أم أخلاقيَّة.

وتأسيساً على ما تقدَّم، فإنَّ مصطلح الشرعيَّة يتحدَّد معناه بإيجاز في إنَّه يمثّل التعبير عن حالة الرِّضا والقبول التي قد يبديها المواطنون إزاء النظام وممارسة السلطة. فهي القاعدة النابعة من ضمير الناس وقناعاتهم وتأييدهم، ومن ثمّ فإنَّها تمثّل قاعدة أقوى وأمتن للسلطتين، أيّ قاعدة قانونيَّة، فالرّضا عامل نفسي، وقيمة معنويَّة لا تترتَّب إلاَّ بناءً على تفاعل إيجابي بين المواطنين والسلطة.

وتحقيق ذلك يفترض أمرين متكاملين هما( ):

-الوحدة الفعليَّة بين أهداف السلطة وأهداف المجتمع بغالبيته. أمَّا إذا كانت السلطة تمثّل تعبيراً عن مصالح ضيِّقة، فإنّ ذلك يترتَّب عليه إنشطار في قاعدة الشرعيَّة لتصبح قاعدة فئوية أو نخبويَّة.

-الممارسة الفعليَّة المعبِّرة عن هذه الوحدة في الأهداف، فالشرعيَّة قاعدتها الممارسة وليس مجرَّد الوعود أو الخطب الحماسيَّة، وأساسها وحكمتها ” أنَّه يمكن أن تضلّل بعض الناس بعض الوقت، ولكن لا يمكن أن تضلّل جميع الناس كلّ الوقت “… والحديث عن الممارسة الفعليَّة، هو ذلك الحديث الدائر في أوساط الرأي العام دائماً، سرَّاً أو علناً، وهو الذي يمثل الحركة الخفيَّة.

وبالفعل، فإنّ ربط فكرة الرضا بفكرة تساوي حق كلّ فرد في المشاركة في الممارسة السياسيَّة، ممارسة السلطة، هو الذي سمح بالخصوص باتخاذ النظرية الديمقراطية الحديثة، شكلاً واضحاً وشمولياً، مما كان لعدّة قرون أمراً بديهياً مقبولاً ولا خطر فيه، وهو أنَّ الناس متساوون من حيث المبدأ، وأنَّ الرّضا هو الطريقة الوحيدة المؤكّدة لإسباغ الشرعيَّة على النظام، والسلطة قد تحوّل إلى نظريَّة جديدة للقانون والدولة، بحيث صار الحكم المستند إلى الرضا هو الحكم الشرعي الوحيد، لأنّه وحده الذي يعترف بالحقوق الأساسيَّة للإنسان والمجتمع.( )

والذي تجدر الإشارة إليه هنا هو أنَّ القبول والرّضا بالنظام والسلطة يبقى مجرَّد نتيجة من نتائج الشرعيَّة أو الإعتراف بالشرعيَّة، وليست الشرعيَّة ذاتها هي ما يؤدِّي إلى هذا الإعتراف. فإذا لم يكن هناك أمر موضوعي لا ذاتي يميِّز السلطة أو تقوم عليه السلطة هو الذي يثير موقعاً إيجابياً لدى المواطنين تجاه السلطة والنظام، فتقرير الشرعيَّة للسلطة والنظام من قبل الشعب يعني الإقرار بموافقة هذه السلطة في شكلها وصورتها ونمط تداولها وطريقة ممارستها لما ينتظر منها أن تكون، فهو إقرار بحقّ، والحق يفترض التطابق بين الشكل والمضمون.

فالشرعيَّة ليست مفهوماً أو حركة شكليَّة اعتباطية تحصل لمجرّد التوافق بين إيديولوجية السلطة القائمة مع إيديولوجية الجماعة أو جزء منها. إنَّ المطابقة الفعليَّة التي توجب القبول بالسلطة كسلطة شرعيَّة، لا تتحقّق إلاّ من خلال الخبرة الإجتماعيَّة والتاريخيَّة والسياسيَّة الطويلة، لمجتمع ما، والتي تثبت أنَّ السلطة أو نموذجها، يؤمِّنان الحدّ الأدنى ممّا يبرّر وجود الجماعة كجماعة، ويضمنان بقاءها، فهي مرتبطة بتحقيق الحد الأدنى من :

-السيادة التي إذا زالت فقدت الجماعة مبرّر وجودها كوحدة مستقلة وشخصيَّة متميَّزة وذابت في غيرها أو اندمجت تحت لواء دولة أخرى.

-المساواة التي تخلق وتبعث الشعور بالمواطنة.

-العدالة الإجتماعيَّة لضمان استمرار مسألة الشرعيَّة.

فالشرعية، هي صفة السلطة التي تخضع أحكامها إلى اعتبارات مبدئية يقوم حولها إجماع عام (قبول ورضا عام)، ولا يمكن إذن أن تجد حلاًّ لها بالغش الإيديولوجي أو بالتغيير الشكلي لأنظمة الحكم، ولا تستطيع السلطة أن تكون شرعيَّة ولو غامرت وانفتحت ديمقراطيَّاً على الشعب.( )

إزاء ما تقدَّم، هل يمكن القول بأنَّ الشرعيَّة مقتصرة على نمط معيَّن من النظم السياسيَّة ؟ أم أنّها قد تتشكَّل تبعاً لطبيعة كلّ نظام ؟ وما هي المصادر الأساسيَّة لتحقيقها ؟ تفترض الإجابة على هذه الأسئلة ملاحظة أساسيَّة، مفادها أنّ الشرعيَّة بمعنى الرضا والقبول العام للسلطة وممارستها تُعدّ مطلباً تاريخياً مصاحباً لطموحات السلطات السياسيَّة المختلفة، بغضّ النظر عن طبيعة النظام السياسي. أمَّا الشرعيَّة بمعنى الجدلية الواعيَّة بين السلطة والمجتمع، فتُعد صورة حديثة أفرزتها اعتبارات العمل الشعبي الديمقراطي، وإن وجدت في بعض جوانب الفكر السياسي سابقاً.

2- مصادر الشرعيَّة:

تجسد سلطة اي دولة او نظام إرادة إنسانيَّة تسمو على الارادات الانسانيَّة الاخرى التي توجد في إقليم معين وفي مدة زمنية معيَّنة. فكيف يكون لها الحق في أن تصدر الاوامر ويكون من واجب الارادات الأخرى الطاعة لهذه الأوامر؟

هذه المشكلة شغلت الفكر الانساني منذ بدأ الاهتمام بالمسائل الاجتماعيَّة والسياسيَّة. ومع ذلك فهي غير قابلة لحل بشري، لأنه لا يمكن لأحد أن يفسِّر من الناحيَّة الانسانيَّة، كيف أنَّ إرادة إنسانيَّة يمكن ان تعلو او تسمو عل ارادة إنسانيَّة أخرى.

هذا السؤال هو الذي أجابت عنه، أو أدَّعت الاجابة عنه، النظريات الباحثة في أصل السلطة أو مصدرها. فنحن نعرف تاريخيَّاً أن هناك اختلافاً في المصادر التي يستمد منها الحكام أو القابضون على السلطة، في تمييز سلتطهم، ويلتمسون فيها تبريراً لقوَّتهم، فقد تكون قانون الطبيعة أو أوامر إلهيَّة او افكار مثاليَّة، أو عادات قديمة، و طقوساً او رموزاً من التقاليد، او حادثة عظيمة في الماضي. ومثل هذا التأسيس يقوم عيله النظام السياسي في جميع هذه الحالات، لأن الشرعيَّة تُستمد من أمور وأشياء خارج النظام السياسي في جميع هذه الحالات، لأن الشرعيَّة تستمد من أمور وأشياء خارج نطاق العمل البشري، أو على الأقل ليست من صنع هؤلاء والذين يتمتعون بالقوَّة ويمارسون السلطة في المجتمع.( )

إنَّ الشرعيَّة تكمن في المصدر، والمصدر يعدّ شرعيَّاً، وتغيّر المصدر المقبول للشرعيَّة في نظر افراد المجتمع يرتبط بعوامل وأسباب كثيرة، دينيَّة، واجتماعيَّة، واقتصاديَّة، وقيميَّة، وفلسفيَّة. فثقافة كل قطر أو مجتمع، أو التباين في ذلك بالنسبة للمجتمعات، يحتم تباعاً التباين في أسس ومصادر قيام السلطة وكيفيَّة فهم الجماعة لوظائفها. إذاً، أن الثقافة السياسيَّة، الاجتماعيَّة هي الاساس، لمفهوم السلطة وأساس لمصدرها.

ويعود المهتمون والباحثون في مسألة الشرعيَّة ومصادرها الى ماكس فيبير حيث ميَّز بين ثلاثة نمازج للسلطة، تعتمد على تصورات مختلفة للشرعيَّة ومصادرها، غير أن منهجيَّته التي سنحاول إيجازها وتوضيحها فيما بعد، سبقتها منهجيَّة لمفكر عربي، هو ابن خلدون، الذي تقوم منهجيَّته هي الأخرى على ثلاثيَّة معيَّنة، هي الطبيعة والتنظيم والشرع، كمصادر لشرعيَّة السلطة. ويميز ابن خلدون بين انواع الملك الثلاثة، من خلال التعريفات التي يعطيها لهذه الأنواع من   السياسات( ): سياسة تتم بمقتضى الغرض والشهوَة ويسميها بـ”الملك الطبيعي” ولا يرجع فيها الحاكم الى أي قانون في حمله الناس على طاعته، ويشكل هذا النوع من السياسات أدنى مراتب السياسة ، وهو الذي يمكن تسميته بالدولة الطبيعيَّة. ولعل هذا النوع يمثّل حالة نظريَّة أو فرضيَّة من الاجتماع، ذلك أنَّ الدول بحسب رأي ابن خلدون( ) لا يمكن ان تستتب في النهاية الا اذا رجع القائمون بها الى “قوانين سياسيَّة مفروضة” واستند أصحابها الى أحكام معيَّنة. فلا مناص للملك الطبيعي من أن يتحول في النهاية الى ملك سياسي، ويقصد بها ابن خلدون ” السياسة العقليَّة ” أو “الملك السياسي”، وهو النوع الثاني الذي يتدبر شؤون الناس وفق احكام يبغي من خلالها نوعاً من الرضا. وهذه السياسة تراعي مصلحة العموم، ولا تخلو من تحقيق قدر من العدالة.

واذا كان ابن خلدون قد اعترف بأن الملك خاصَّة طبيعيَّة، فإن هذه الخاصَّة لا تتم للانسان إلا بمقتضى الفكرة والسياسة، والدولة لا تستتب من دون قوانين سياسيَّة. وبهذا المعنى فإن كل ملك هو نوع من السياسة، وكل ملك ينطوي على قدر من التعقُّل والحكمة. والدولة لا بد من ان تتجاوز قوانين الطبع. وان تتضمَّن قيمة خُلقية ما، مهما كان نوعها. إنَّ ادراكه أنَّ الملك أمر ضروري للاجتماع البشري، وأن الملك يحتاج الى سياسة عقليَّة كانت أم دينيَّة، يدفع الى القول بأنه تجاوز نظريَّة الدولة الطبيعية نحو نظريَّة الدولة نفسها.

بيد أنَّ ابن خلدون يتحدَّث عن نوع ثالث من السياسات هو السياسة الدينيَّة “الخلافة” وهذه تبحث عن صلاح الآخرة، بينما تبحث السياسة العقليَّة عن مصالح الدنيا. لا شك في أن هذا التمييز يضع فجوة بين السياستين، العقليَّة والدينيَّة( ). غير أن صاحب المقدمة أكد بشكل عام أن الدولة العظيمة اصلها ومصدرها الدين، قد علَّل ذلك بأن الدعوة أقدر على جمع الأهواء وتأليف القلوب وتوحيد الكلمة، لأنها توحّد الوجهة نحو الحق، وتجعل المطلوب متساوياً عند الجميع.( )

إذن ثمة علاقة متبادلة بين الدعوة والملك، بحيث يمكن تأويل النص الطبيعي، بشكل يسمح بالقول: الدعوة ضروريَّة لسياسة الدنيا، بقدر ما يكون الملك ضروريَّاً لحراسة الدين وهذا يعني ان الخلافة ليست في النهاية طوبى، بل تتضمن قدراً من التطابق مع الواقع وملامسته.

إذن مصدر الشرعيَّة في النظرة الخلدونية ليس عقداً دستورياً في أصله الطبيعي، فالشرعيَّة لديه تقوم على حادث أوَّلي، هو قيام الرئاسة، ولكن الرئاسة لا تكون إلا بالغلب، والغلب انَّما يكون بالعصبيَّة التي يتبعها الإذعان والإتباع.

وتأتي الدعوة الدينيَّة بعدها لتوطيد التحام المجتمع حول الرئاسة الجديدة، أما سياسة المدنيَّة فهي عنده أقرب للاغلاق منها لما يسمى اليوم بالسياسة. أما الشرعيَّة، فهي ضروريَّة لتكوّن الدولة، دولة قانون، ولكنها غير كافية إن طُبِّقت لإسباغ الشرعيَّة على السلطة. فالحاجة هنا لوجود “يوتوبيا” تقف في مواجهة الدولة، ولكنها خارجة عليها، وهي لا تمثِّل بأي صورة عن الصور مرآة لما كانت عليه الدولة في الواقع التاريخي.( )

وإذا ما عدنا الى ماكس فيبر وتصوراته عن مصادر الشرعيَّة نحد أن الشرعيَّة بالنسبة إليه، يمكن أن تُستمد من واحد أو اكثر من مصادر ثلاثة هي( ) التراث والتقاليد والزعامة الملهِمة والعقلانيَّة القانونيَّة.

فالفلسفة التقليدية تقوم لديه وتستمد شرعيَّتها في المجتمعات التقليديَّة على أساس مميَّز من الاعتقاد في مبلغ قوَّة وقدسيَّة العادات والتقاليد والاعراف السائدة . ويرتبط هذا النمط من السلطة بالمجتمعات الشرقيَّة، وعرفته ايضاً أوروبا في العصور الوسطى. فالمعتقدات التي وجدت منذ زمن طويل، وشكلت قواعد سائدة هي التي تضفي الشرعيَّة على الحكَّام التقليديين وتؤكد هيمنتهم وتميِّز مكانتهم. ويكون للقائد أو للزعيم في ظل هذا النمط من السلطة شخصيَّة مطلقة تصل الى حد الاستبداد، ويدين له أعضاء المجتمع بالطاعة والولاء. كما تحدِّد أيضاً حقوق وحريات كل من الحكَّام والمحكومين، وتقرن الشرعيَّة بالمكانة التي يحتلُّها أولئك الذين يشغلون المراكز الاجتماعية الممثِّلة للسلطة التقليديَّة. ويعتمد في إصدار الأوامر على المكانة الوراثيَّة وغالباً ما تُعبِّر هذه الأوامر عن الرغبات الشخصيَّة للقائد أو الزعيم. ولذلك تتسم بالطابع التحكُّمي، وإن كان ذلك في حدود التقاليد والعادات المقبولة. أمَّا ولاء الأفراد وطاعتهم، فيرجع الى احترامهم للمكانة التقليديَّة أي قبولهم وقناعتهم بشرعيَّة اولئك الذين يمارسون السلطة التقليديَّة.( ) ويتدرج في إطار هذا النمط ثلاثة أنماط فرعيَّة هي( ):

-النمط الأبوي، ويسود في المجتمعات التقليديَّة البدائيَّة، حيث يصير أساس ومصدر تعامل صاحب السلطة مع أعضاء المجتمع هو المنطق الأبوي في التعامل مع الأبناء، أي السلطة المطلقة، وحق الأمر والنهي، والتوجيه من جانب الأب، والطاعة العمياء والالتزام، من دون مناقشة، من جانب الأبناء. وتكون العلاقة بين القائد والمجتمع علاقة شخصيَّة مباشرة لا تتخلّلها أي أجهزة بيروقراطيَّة أو تنفيذيَّة.

-النمط الرعوي القبلي العشائري، ويسود علاقة القائد أو الزعيم بأفراد المجتمع، في هذا النمط ،  طابع سلطة شيخ القبيلة أو زعيمها. وتنساب هذه العلاقة عبر شبكة معقدة من البيروقراطيين الموالين والخاضعين للقائد الذي يعتمد في تقديم حكمه على أسلوب توزيع الغنائم على الموالين، وذلك لاحتكاره وادارته الثورة في المجتمع.

-النمط الاقطاعي، وهو النمط التقليدي للسلطة الذي ساد في أوروبا.

أمَّا السلطة الملهِمة “الكاريزما”( )، فقد لاحظ ماكس فيبر أنَّ الكاريزما مصدر مهم للشرعيَّة في المجتمعات غير القائمة على أسس تامَّة من العقلانيَّة وتقوم هذه السلطة على الولاء المطلق لقدسيَّة معيَّنةاستثنائيَّة، وترتبط بزعيم بطل مهاب تاريخي وصاحب رسالة، له فضائل وخصال يعدّها أعضاء المجتمع خارقة، ويقرن وجوده أحياناً، أو هكذا يراد بمساندة قوَّة عليا (غيبيَّة او الهيَّة)، وأحيانا يوصف أنَّه مبعوث العناية الربانيَّة. وقد ارتبط هذا النمط في المجتمعات الحديثة ببعض القادة السياسيين أو الوطنيين، سواء من قادة الدول او زعماء الأحزاب السياسيَّة. وفي هذا النمط يصير أساس شرعيَّة السلطة هو اعتقاد الجماهير وإيمانها بالقائد، وإيمانه بنفسه، بما يتصف به من خصال وسمات فريدة. ومن هنا ترتبط السلطة ارتباطاً وثيقاً بشخص القائد الذي لا يتقيَّد بأي قواعد او ضوابط قانونيَّة أو عرقيَّة متوارثة، ويعتمد على التأثير العاطفي في الجماهير، يتصرف وكأنه الوحيد القادر على تقرير مصير المجتمع وتجسيد أهدافه.

وعليه تصبح شرعيَّة السلطة والنظام السياسي مرتبطة بالانجازات والاعمال الباهرة للزعيم، والاَّ فان إخفاقه يؤدي الى زعزعة ثقة المجتمع به وخلق حالة عدم الاستقرار السياسي، ومن ثم الصراع السياسي على صعيد النظام.

وتقوم السلطة العقلانيَّة – القانونيَّة( )، على أساس عقلي رشيد مصدره الاعتقاد في قواعد أو معايير موضوعيَّة غير شخصيَّة، أي أن هناك اعتقاداً رسميَّاً في تفوق بناء معيَّن في المعايير  القانونية، أيَّاً كان محتوى هذه القواعد. كما أنَّ مصدر هذه السلطة أيضاً هو إعطاء القابضين عليها الحق في إصدار الأوامر، بهدف اتِّباعها والمحافظة عليها . فطاعة افراد المجتمع هنا تقوم على إيمانهم بأن هناك بعض الاجراءات والقواعد الملائمة التي تحظى بقبول الحكام والمحكومين معاً. فالسلطة والنظام السياسي في هذا النمط من السلطة يستمدان شرعيَّتهما من القواعد الدستوريَّة والقانونيَّة، ومصدر السلطات قائم أساساً في طبيعة النظام الشرعي ذاته، وتجسد هنا البيروقراطيَّة السلطة الشرعيَّة العقلانيَّة والقانونيَّة.

يتبين من هذه النماذج الفيبرية أن التركيز في أشكال السلطة التقليديَّة والعقلانيَّة القانونيَّة يستهدف القواعد، أما في الشكل الكاريزمي، فيتركز الاهتمام حول الصفات الشخصيَّة، وهذا يعني أنَّ مصادر الشرعيَّة التي تقوم عليها السلطة الفيبرية تتحدَّد تبعاً لذلك. لكن السلطة السياسيَّة، اثناء الممارسة السياسيَّة العمليَّة ليست نمطاً واحداً خالصاً من هذه الأنماط الثلاثة، ولكنها في أغلب الأحيان تُشكل خليطاً من أنماط متعدِّدة، لأن أنساق السلطة الواقعيَّة غالباً ما تضم عناصر مختلفة من النماذج الثلاثة، كما أنَّ المجتمعات تتنقل من النمط التقليدي للسلطة الى النمط الكاريزمي أو النمط القانوني، وهذا الانتقال لا يشكل حتميَّة تاريخية بالمعنى الماركسي، ولكنه نتاج ملاحظة تطورات  التاريخ.

وبالنظر الى هذا التصنيف، فأن الواقع السياسي الفعلي قد تختلط فيه مصادر الشرعيَّة الثلاثة هذه بدرجات متفاوتة، ولكن يظل الوزن النسبي لأحد هذه المصادر هو العنصر المحدِّد للشرعيَّة السياسيَّة.

إن ثلاثيَّة ماكس فيبر هذه يمكن أن تربط بمنهج ابن خلدون والذي توصل هو الآخر الى ثلاثية الطبيعة التنظيم الشرع.( )

ولقد طوّر ديفيد إيستون نماذج ماكس فيبر الثلاثة وأعاد تركيبها فحدَّد ثلاثيَّة أخرى، كمصادر للشرعية، تقوم على الزعامة الشخصية، الايديولوجيا، الشرعية البنيويَّة. وتصنيف ديفيد إيستون بسبب طابعه الوظيفي، لا يلمس كثيراً بالأسس الفلسفية التي قام عليها منهج ابن خلدون، ولد بالنظريَّة الاجتماعيَّة لماكس فيبر. ففكرة الكاريزما تطوَّرت بعض الشيء لديه، لكي يدخلها في عمليَّة بناء الشرعيَّة، فليس بالضرورة تمتع الزعيم الملهم بوضع فذّ أو استثنائي أو قدسية معيَّنة، فهذا المصدر للشرعية يدخل بالضرورة في بناء شرعيَّة الحكم أيَّا كان إلهام ذلك القائد أو الحاكم.( )

ويطرح ديفيد ايستون الايديولوجيا كمكوِّن أو مصدر آخر للشرعيَّة. وهي تتراوح لديه بين مجموعة الأفكار والمعتقدات التي تظهر من سياسات النظام القائم، ومن المنظومة المؤلفة من أفكار وشعارات يدّعي النظام أنَّه أداتها، ويعتبر الايديولوجيا مصدراً مستقلاً، مثله مثل المصادر الثلاثة “التقاليد، الكاريزما، العقلانية القانونية”. فالنظام السياسي، قد يستمد شرعيَّته من ايديولجيا واعدة “دينيَّة، قوميَّة، وطنيَّة، اجتماعيَّة، ثوريَّة اشتراكيَّة ” يتوجه بها الى قطاعات أو طبقات مهمة في المجتمع، بل إنَّ النخب السياسيَّة البديلة، أو قوى المعارضة خارج السلطة، في كثير من مجتمعات العالم الثالث، قد تطرح وتروِّج لايديولوجية معيَّنة، تشكل في شرعيَّة النظام القائم من ناحية، وتعد بفاعلية أكبر وأوسع من ناحية ثانية.( )

أما المكوّن البنيوي، فيرى به ديفيد ايستون المؤسسة. فإذا ما تحولت المؤسسات من بنى بدائية الى بنى معقَّدة مستقلة بعض الشيئ، متماسكة في بنائها الداخلي، وقادرة على التأقلم مع التطورات المجتمعيَّة الكبيرة ، آنذاك تصبح المؤسسات قادرة على الاسهام في تحويل الثقافة السياسيَّة نحو تلك القاعدة الشرورية لأيَّة شرعيَّة دستوريَّة أو بنيويَّة مؤسسيَّة.( )

ولقد قدم مايكل هدسون بعد ديفيد ايستون ثلاث قواعد ممكنة لبناء الشرعيَّة، وهي تشكل في الوقت نفسه ثلاثة مصادر للشرعيَّة هي:( )

-القاعدة الشخصية، ويشير هدسون الى العنصر الشخصي في الشرعيَّة كمكوِّن أساسي في السلطات القبليَّة التقليديَّة وفي السياسة المعاصرة، من دون أن يرى مستقبلاً لهذه الشرعيَّة في مجتمع اكثر تطوراً ونمواً، هذه القاعدة شائعة في الأنظمة السياسيَّة العربيَّة الملكيَّة والجمهوريَّة.

-القاعدة الايديولوجيَّة، تتلخَّص في مجموعة من المثل والاهداف التي تساعد النظام على فهم الماضي وتفسير الحاضر، واستشراف المستقبل، ملمحاً الى أن الإستعمال الكثيف للايديولوجيا، قد يخبئ في الواقع هشاشة الشرعيَّة المؤسسيَّة في الدولة.

-القاعدة البنيويَّة، أي تلك التي تنبع من المؤسسات، وبقدر ما يكون الحكم ممأساً، يزداد الاعتقاد بشرعيَّة القوانين والنظم (وفي الوطن العربي، نظراً الى هشاشة القاعدة المؤسَّسية الشرعيَّة، يقع اللجوء بكثافة الى بناء الزعامات الفردية وبخاصة اللعب بالرموز وبالايديولوجة).

إن العنصر الجديد للشرعيَّة الذي يمكن استخراجه من الثلاثيات السابقة، هو المصدر الايديولوجي للشرعيَّة الذي يمكن أن يشكل المصدر الرابع من مصادر الشرعيَّة التي تمثلت بالتقاليد والزعامة والمؤسسة. هذا يعني، أنه قد جرى استقبال المفاهيم التقليديَّة شيئاً فشيئاً بمفاهيم تجريديَّة، أي جرى استبدالها بالايديولوجيا،  فالمفاهيم الموروثة، مثل: الأمَّة، الجماعة، الهوية، النفوذ، العدل، أصبحت موضوع درس جديد، وذلك بحكم متطلبات الوجود القومي الفعلي في العالم المعاصر. هذه المفاهيم يجب إعادة صياغتها، اذ في غالب الأحيان لا تلجأ الدول الجديدة بقصد تركيز شرعيَّتها، الى الثقافة المبنيَّة على العُرف، وإنما الى الصياغات الايديولوجية، والى عمليَّات التصرّف في الثقافة. فمهمة الايديولوجيا هي أن تكون دليلاً ومرشداً للعمل السياسي، وصورة لفهمه وتفسيره ومقياساً لتقويمه.( )

ومع هذا التأكيد على دور الايديولوجيا كمصدر مهم ودائم من مصادر الشرعية. فأن الايديولوجيا، من دون شك، هي أبعد من أن تُشكل العامل الوحيد، لاضفاء الشرعيَّة على الدولة والنظام والسلطة. فهي تشهد تراجعاً نسبياً ملحوظاً في تكوين الشرعيَّة السياسيَّة.

وقد يضيف البعض، الفاعليَّة، كمصدر مهم للسلطة، وإن كان للفاعليَّة التي يتمتع بها نظام سياسي ما دور مهم في بناء شرعيَّته.

ويرى ليبست أنَّ استقرار السلطة  كنظام وديمومتها ورسوخها، ولتجنب تقويض شرعيَّتها، لا بد من وجود عنصر آخر يصون السلطة ويضمن الاستقرار لها، وهو عنصر الفاعليَّة، كمصدر للشرعيَّة( )، أي أن الفاعليَّة عنصر مهم في كيان السلطة، وذلك لتحويل القوَّة من الكم الى النوع، ولتحويل القوَّة الى حق، والتبعية والطاعة الى واجب. لهذا يقول روسو: “إن الأقوى لا يبقى ابداً علىجانب من القوَّة، ليكون دائماً هو السيّد، إن لم يحوّل قوَّته الى حق والطاعة الى واجب.”( )

فبغياب الفاعليَّة، تتوجب الطاعة للسلطة بالقوة، وبحضورها تتوجب الطاعة للسلطة بالواجب والقناعة والقبول. ففي هذا التحوّل من الكم الى الكيف، تؤدي الفاعليَّة دورها الحاسم في رسوخ معتقدات شرعيَّة السلطة السياسية، وذلك لأنَّ قوة أو ضعف المعتقدات الشرعيَّة تعمل على استقرار او عدم استقرار النظام السياسي.

فالفاعليَّة تدخل كعنصر حاسم، إما لتكيِّف الوعي والمعتقدات مع المؤسسات السياسيَّة للنظام السياسي القائم، أو لتغيير هذه المؤسَّسات طبقاً لطبيعة تطور العلاقات الطبيعيَّة، من دون تعرُّض النظام السياسي وسلطته الى تقويض أو الى فشل في فرض الهيمنة باستمرار على المجتمع( ). لهذا ذكر ليبست أنَّ استقرار النظام السياسي سيكون في خطر إذا انهارت الفاعليَّة لمدة طويلة، أو تكرَّر انهيارها اكثر من مرَّة، وانَّه لمعرفة مدى استقرار المؤسسات السياسيَّة التي تواجه الأزمات، لا بد من معرفة نسبة شرعيَّتها، ومدى علاقتها بالفاعليَّة، لذلك، لا يمكن لأي نظام سياسي أن يبقى شرعيَّاً بغياب الفاعليَّة( ) فهذه الأخيرة هي المعيار الوظيفي لعمل وديمومة شرعيَّة النظام والسلطة السياسيَّة.

ويمكن أن نصف مصادر الشرعيَّة بحسب النظريَّات الباحثة في أصل السلطة، وهي نوعان من النظريات( ).

-النظريات الثيوقراطيّة

-النظريات الديموقراطيّة

إنَّ الخاصيَّة المشتركة لهذه النظريَّات تكمن في أنَّ سلطة الأمر في المجتمع السياسي ترجع في مصدرها الى الله نتيجة لهذه الطبيعة الإلهية، فإن السلطة تخوِّل صاحبها، ليس مجرد القوَّة العادية، ولكن تخوِّله حقَّاً في الأمر، يقابله واجب الطاعة عند الخاضعين لهذه السلطة. لكن اذا كانت السلطة ذات مصدر إلهي، أو بعبارة أخرى. اذا كانت السلطة تأتي من الله، فكيف يمكن تحديد صاحب الحق في مباشرتها؟ لقد توَّلى الاجابة عن هذا السؤال نوعان من النظريات الثيروقراطيَّة: نظرية الحق الالهي المباشر، نظرية الحق الالهي غير المباشر.

-نظرية الحق الإلهي المباشر تدَّعي أن الحاكم أو صاحب السلطة يستمد سلطته في الحكم من الله مباشرة، من دون تدخل أي ارادة أخرى، ومن ثم فهو يحكم بمقتضى الحق الالهي المباشر. وبناء عليه، فإن سلطة الحكَّام تكون شرعيَّة لأن الله هو الذي اختارهم لممارسة السلطة، وهذا الاختيار أسبغ الشرعيَّة على السلطة التي يمارسها الحكام، أي على النظام السياسي الذي يقيمونه.

-نظرية الحق الإلهي غير المباشر: تقوم على أنَّ الله لا يتدخل بإرادته المباشرة في تحديد شكل السلطة أو في طريقة ممارستها، وأنه لا يختار الحاكم نفسه، وإنما يوجِّه الحوادث بشكل معين يساعد المجتمع على اختيار الحاكم. فشرعيَّة الحاكم تأاتي من اختيار المحكومين لهم.

وعليه يمكن القول بأن هذا الاتجاه الجديد مع أي طريقة من طرق اختيار الحكَّام، ولذلك فهو يمكن أن يبرر الطريقة الديمقراطيَّة في اختيار الحكام “الانتخاب”، كما يمكن أن يبرّر أي طريقة لا ديمقراطيَّة في اختيار الحكام، اذا استطعنا أن نثبت أنَّ هذه الطريقة اللاديمقراطية في اختيار الحكام تتناسب مع الحالة السياسيَّة والاجتماعيَّة والانتخابيَّة التي ارادها الله لشعب ما.( )

لكن هذا الفكر السياسي بدوره لم يُكتب له الاستمرار والبقاء، لأن السلطة المطلقة للملوك قد طغت واستبدَّت وارتكبت الكثير من الآثام، فبدأ التفكير جديَّاً في أساس للسلطة يجعلها بعيدة عن الملوك، وهو ما ينقلنا الى النظريَّات الديمقراطيَّة.

تقوم النظريَّات الديمقراطيَّة( ) على أساس أنَّ السلطة مصدرها الشعب، وبذلك لا تكون شرعيَّة الا اذا كانت وليدة الارادة الحرَّة للجماعة التي تمسكها. وعليه، فكل حكومة لا تستمد سلطتها من الشعب هي حكومة غير شرعيَّة. هذا يعني أن سلطة الحكام لا تكون شرعيَّة الا اذا استُمِدت من الشعب. الا أن اختلافاً قد حدث حول تفسير معنى ” الجماعة ” أو ” الشعب ” مصدر السلطة، الأمر الذي أدى الى وجود ثلاثة مذاهب او تفسيرات للديموقراطيَّة، ومن ثمَّ ثلاثة مفاهيم للشرعيَّة الديمقراطيَّة.

فبالنسبة الى روسو وتلاميذه، فإن السلطة، السيادة الشعبية، لا تتجزأ بين افراد الشعب، بحيث يملك كل فرد جزءاً منها، وتعتبر كل حكومة لا تأتي عن طريق الانتخاب هي حكومة غير شرعيَّة.

والمفهوم الآخر يرى أنها صاحبة السلطة، وهي تمارسها بواسطة ممثليها الذين تعيِّنهم. أمَّا التفسير الثالث فقد حدَّد مفهوم “الجماعة” أو ” الشعب ” بـ ” ألبروليتاريا ” أي الطبقة الاجتماعية أو الافراد الذين يشكِّلون الأكثرية في المجتمع.

وهم في الوقت نفسه الأكثر استغلالاً. وعليه، فإن الشرعيَّة الديمقراطيَّة، تعني وفق هذا المفهوم، أنَّ السلطة تأتي من هذه الطبقة، وهي وحدها التي تختار من ينوب عنها في ممارستها للسلطة. وقد استوحى أصحاب هذا المفهوم عناصره من الفكر الماركسي.( )

وهكذا يتضح لنا أن تاريخ الفكر السياسي، والممارسة السياسيَّة، عَرِفا أكثر من مصدر للشرعيَّة، فهذا التنوع والاختلاف في مصادر شرعيَّة السلطة والنظام دليل على امكانيَّة انتقال السلطة وتحوّلها وفق تحوّل مصادر شرعيَّتها، ومن ثم وفق تحوّل أيديولوجيَّة النظام السياسي الذي تقوم عليه السلطة، سواء عن طريق العنف المسلَّح، أو عن طريق التطورين الاجتماعي أو الاقتصادي الطبقي.

3- أسباب ضعف الشرعيَّة:

هناك توافق واسع على القول بأن لا استقرار لأي نظام أو سلطة من دون توافر عنصر الشرعيَّة، فمن دون توافرها يبقى النظام وسلطته غير مطمئنين وغير قادرين على الانفتاح على المجتمع وعلى إشراكه في العمليَّة السياسيَّة، ناهيك من اقتراب النظام والسلطة من استخدام وسائل الاكراه الماديَّة والمعنويَّة تجاه مختلف القوى السياسيَّة والاجتماعيَّة، إذا لم يكن باتجاه المجتمع ككل، من أجل الحفاظ على الحكم وديمومته واستمراره بما يخدم مصالح وامتيازات القابضين على السلطة فيه.

لذلك، فالسلطة يُنتظر منها أن تقوم بوظيفة مزدوجة لكي تتجنب أزمة الشرعيَّة، وهي المحافظة على حد أدنى من النظام، ودفع المجتمع نحو التقدم. بعبارة أخرى، مهمة السلطة والنظام، في أي وقت وفي أي مجتمع، هي المحافظة على مؤسسات قائمة والدفاع عنها، وتطبيق قواعد القانون الذي يضمن للمواطنين والجماعات وضعاً ملائماً لممارسة نشاطاتهم المختلفة، وهذا الوضع هو الوسيط الاجتماعي السياسي الذي ينبغي أن يتوافر له القدر الكافي من الأمن والديمومة والاستقرار. وما لم تتحقَّق هذه الشروط عن طريق النظام الاجتماعي – السياسي، لن تكون هناك أي امكانيَّة للعمل، لن تكون هناك أي علاقات إيجابية بين السلطة والمجتمع. إذ تصبح سبل القوَّة والعنف هي وحدها السبل المشجِّعة على البقاء من دون أي أمل بالتقدم.

وبقدر ما يكون واجب سلطة النظام السياسي المحافظة على المجتمع وتطوُّره، تطرح السلطة في الوقت نفسه اهدافاً معيَّنة محتوية لآمال وتطلعات وتوقعات أبناء المجتمع، في سعيهم نحو حياة يستطيع الأفراد تحقيق أبعاد شخصيتهم ضمنها، والاطمئنان الى وضعهم المستقبلي. وبقدر ما تكون وظائف السلطة والاهداف التي تتوخاها مهمة في حياة المجتمع، فإن فشلها في اداء وممارسة وظائفها او في تجاوزها لحدودها، يضع شرعية النظام موضع التساؤل، ومن ثم يجعل السلطة والنظام عرضة للرفض من قبل المجتمع، أو من قبل جماعات وقوى سياسية معيَّنة من المجتمع، وذلك من خلال طرح نموذج جديد للمجتمع يأخذ بعين الاعتبار مصالحها وحاجاتها المشروعة.( )

ومن أجل تحديد الأسباب التي تؤدي الى ضعف او فقدان الشرعيَّة أو وضعها موضع الشك والتساؤل من قبل المجتمع، لا بد من تحديد مجمل العوامل والاسباب المؤدِّية الى ذلك وهي:

-قد تكون أزمة الشرعيَّة في أساسها مشكلة دستورية ومؤساتيَّة، ومن ثم يمكن لأزمة الشرعيَّة أن تلحق، إما بالمؤسسات السياسيَّة أو بشاغلي الأدوار في هذه المؤسسات أو السياسات التي يضعونها، غير أنها تبلغ ذروتها عندما يرفض الناس تقبُّل المؤسسات الرسميَّة. وليس الأمر كذلك بالنسبة الى سياسات أو شاغلي الأدوار السياسيَّة، لأن معظم السيسات يمكن تعديلها بسرعة، كما يمكن أيضاً تغيير الأشخاص الذين يشغلون الأدوار السياسيَّة. وبعبارة أوضح، ان ظهور اشكاليَّة الشرعيَّة يتمثَّل فيما يثار من تساؤلات حول الدور الصحيح للسلطة المركزيَّة وأهدافها، وطبيعة العلاقة بينها وبين السلطات والجماعات المحليَّة “قوميات أو اقليات”، والأدوار الصحيحة للجهاز البيروقراطي والمؤسسة العسكرية في الحياة السياسية، وكذلك دور السلطة في دفع عمليَّة التنمية بكل جوانبها.( )

إن هذا السبب المؤسسي، ربما يكون أكثر وضوحاً في دول العالم الثالث منه في البلدان الأخرى، هذا ما يوضِّحه لابالومبارا (J. Lapalombara) من أن المؤسسات السياسيَّة في دول العالم الثالث تفتقر الى الشرعيَّة عندما تكون امتداداً للمؤسسات التي كانت قائمة في عصر الاستعمار، كما أنَّ المؤسَّسات المقبولة التي تتمتع بالشرعيَّة أصلاً، تفقد هذه الشرعيَّة عندما تقع في أيدٍ فاسدة، أو عندما تواصل إصدار مخرجات سياسيَّة غير مقبولة شعبياً، أو عندما تكون غير قادرة على مواجهة المطاليب والتكيُّف مع الظروف المتغيِّرة.( )

كما تقاس شدَّة أزمة الشرعيَّة بإحصاء عدد المتغيرات الدستوريَّة، وكذلك عدد القرارات التي تواجه الحركات المناهضة للنظام السياسي ومؤسساتِه، الأمر الذي يعني أنَّ الشرعيَّة تتطلب تحقيق التوازن المؤسَّسي، وتغليب اعتبارات الكفاية في ممارسة المؤسَّسات لادوارها، وتطبيع هذه المؤسسات، كالبرلمانات والأحزاب والمنظمات السياسيَّة، بالطابع القومي وإقامة أجهزة بيرزقراطيَّة على درجة عالية من التنظيم والكفاية.( )

في الواقع لا يمكن لأي باحث في أسباب أزمة الشرعيَّة أن يحصر قيامها بهذا السبب أو العامل المؤسساتي فقط، فلا بد من البحث عمَّا وراء هذا الجانب المؤسَّساتي. فمشكلة الشرعيَّة، من العمق والسِعة، بحيث تتطلَّب متابعة عواملها وأسبابها الكامنة في البيئة الاجتماعيَّة والسياسيَّة والفكريَّة على حد سواء. وهذا يعني أن هناك الكثير من الأسباب المختلفة والمتعددة التي تقف وراء هذه الأزمة.

-إنَّ اشكاليَّة الشرعيَّة لدى البعض الآخر هي أزمة تغيير، والكشف عنها يتم في البحث عن طبيعة التغيير في المجتمع، فهي غالباً ما تحدث في فترات التحوّل في البنيان الاجتماعي برمَّته، وتعرُّض مكانة البنى التقليديَّة الرئيسية للتهديد إبان فترة التغيير.

وتجيء هذه الاشكالية التي هي حديثة العهد نسبيَّاً من الناحية التاريخيَّة، كما يرى ليبست، إثر ظهور انقسامات قويَّة بين الجماعات التي تمكنت نتيجة للاتصال بين الجماهير من أن تنتظم على أساس قيم جديدة، غير تلك التي كانت مقبولة في الماضي. فهي تعني لديه أزمة تغيير شهدتها المجتمعات الحديثة، ويجب أن يتم البحث عن جذورها في طبيعة هذا التغيير, وتُحدث هذه الأزمة فترة انتقال الى بنيان اجتماعي جديد في الحالات التالية:( )

-اذا تعرضت مكانة المؤسَّسات التقليديَّة الرئيسيَّة للتهديد إبان فترة التغيير.

-اذا لم يكن النظام السياسي، خلال التحوّل، مفتوحاً بالنسبة الى كل الجماعات الرئيسيَّة في المجتمع الساعيَّة الى الاسهام في ممارسة الحكم بصورة مباشرة أو الى تحقيق أهدافها العامَّة.

فعندما تحدث تحولات اجتماعيَّة عنيفة، تُطالب الجماعات الجديدة الصاعدة بالمشاركة في مسؤوليَّة الحكم، الا أن الفئة الحاكمة أو الجماعات التقليديَّة ترفض مشاركتها فتضطر الى اتخاذ مواقف عنيفة في مواجهة السلطة والنظام بهدف الاستيلاء على السلطة والاستحواذ عليها بكليَّتها، وطرح ايديولوجيا بديلة لايديولوجيا السلطة لتبرير شرعيَّتها الجديدة واكثر من ذلك، قد تظهر أزمة جديدة بعد اقامة تباين اجتماعي جديد اذ لم يكن هذا قادراً على تحقيق ما تطمح اليه الجماعات الرئيسية في المجتمع، ويعجز في الوقت نفسه، عن تنمية شرعيَّة على أسس جديدة وبقدر كافٍ. فغالباً ما تكون الآمال المعقودة على النظام السياسي الجديد أكبر من إمكاناته، ولذلك فالسلطة الجديدة، بعد وصولها الى الحكم، قد تواجه معارضة شديدة من الجماعات والقوى الموالية للنظام السياسي القديم من جهة، ومعارضة الجماعات التي ساهمت في التغيير ولم يُحقق النظام الجديد مطامحها من جهة أخرى.( )

والأزمة هنا تنجم، كما يحددها موريس ديفرجيه، عن التطور غير المتكافئ لمختلف العناصر التي يترَّكب منها المجتمع. فإذا لم يصاحب هذا التطوُّر تطوُّر مقابل في المؤسَّسات الاجتماعيَّة والنظام السياسي، فإن هوَّة ستتوَّلد وتنمو وتفصل النظام السياسي القائم عن المجتمع. ولا شك في انَّ هذه الفجوة ستتسع على درجات أو مراحل، وبخاصة إذا كان هذا التطور بفعل عوامل خارجيَّة في الأساس “كما يحصل في العالم الثالث والعالم العربي”، ولم يكن استجابة أو تعبيراً عن نمو التكوينات الاجتماعيَّة المحليَّة. فهو تطوُّر مشوَّه ومُعرقل للتطور السياسي الطبيعي والتدريجي. وهنا تتولَّد مطالب وحاجات عارمة تبغي إدخال تطورات وتغيرات جوهريَّة وجذريَّة عميقة ومفاجئة في بنية النظام القائم ومؤسَّساته، من شأنها تحريك ودفع النظام والمؤسسات لجعلها متوافقة ومنسجمة مع الوضع الاجتماعي الجديد.( )

من جانب آخر، فإن عمليَّات التحوّل قد لا تغيَّر بحكم الضرورة البنيان الاجتماعي القائم، وإنما يتوقف ذلك بالدرجة الأولى على مرونة وطبيعة النظام السياسي القائم وعلى بعد نظر المُمارسي للسلطة، حيث غالباً ما يتم تجنب التشجنات السياسيَّة الضيَّقة التي ربما تؤدي الى التغيّرات الجذرية في البنى السياسيَّة، والمحافظة على الشرعيَّة التقليديَّة في مؤسستها السياسيَّة، وضمان استقرارها السياسي.( ) وهذا يعني ان فقدان الشرعيَّة يرتبط بالطريقة التي تواجه بها المجتمعات المختلفة الأزمات، وذلك بالنسبة الى تلك المتعلَّقة بالمساهمة الشعبيَّة المتزايدة في السياسة. وكلما أًصبت الجماعات الجديدة ناشطة من الناحية السياسيَّة، فإن ولاءها للنظام يكتسب بوساطة تسهيل اشتراكها في المؤسَّسات السياسيَّة الشرعيَّة، حيث تسمح هي بدورها للجماعات المستقرة القديمة بالاحتفاظ بمراكزها المُكتسبة. وهكذا ستظل الشرعيَّة موضع شك على الرغم من فاعلية النظام السياسي، اذا ما حدث تهديد لمراكز الجماعات التقليديَّة الرئيسيَّة، وإذا ما حُرمت الجماعات الناشئة من دخول المعترك السياسي في الفترات الحاسمة.

-إنَّ استقرار النظام السياسي الشرعي سيكون في خطر، اذا ما انهارت فاعليته لمدة طويلة، أو تكرر انهيارها أكثر من مرة( )، كما هو الحال في البلدان المتخلَّفة، حيث كثيراً ما تأتي أزمة الشرعيَّة فيها، من عجز سلطاتها عن إثبات فعاليتها في إدارة الشؤون العامَّة للبلاد، وبصورة خاصة عجزها عن تحقيق الانجازات الكبرى في التنمية.

-انحسار مكانة السلطة وهيبتِها نتيجة لضعفها، اذ كثيراً ما يأتي فقدان أو ضعف شرعيَّة النظام والسلطة، في نظر افراد المجتمع، نتيجة لهذا السبب وغالباً ما يقرن وذلك بعدم قدرة السلطة ونظامها السياسي على ادارة وتحقيق وظائف النظام، وهذا الفشل من شأنه أن يُفقد ثقة المواطن بالسلطة، على اعتبار ان الشرعيَّة في بعض جوانبها تعبّر عن موقف مؤيد، وعن علاقة نفسيَّة رضائية يحملها الناس تجاه من يمارسون السلطة، وعن شعورهم بقدرة وفاعليَّة النظام في تحقيق اهداف المجتمع.

وعليه سيكون استقرار النظام السياسي الشرعي في خطر، وموضوع شك، اذا ما انهارت فاعليته لمدَّة طويلة، أو تكرَّر انهيارها أكثر من مرَّة، كما هو الحال في البلدان المتخلِّفة، حيث كثيراً ما تأتي أزمة الشرعيَّة فيها من عجز سلطاتها عن إثبات فعاليتها في ادارة الشؤون العامَّة للبلاد، وبصورة خاصة عجزها عن تحقيق الانجازات الكبرى في التنمية والبناء.

وهناك الكثير من العوامل الموضوعية والذاتية التي تفرض نفسها على السلطة او تدفعها نحو ذلك أو ليس لها القدرة على دفعها، ومن أمثله العوامل الموضوعيَّة دخول الحرب وخسارتها، ومهما تكن تبريرات ذلك، فالناس ينظرون الى أن حكومتهم قد هُزمت إما بسبب عدم وجوب ذهابها الى الحرب منذ البداية أو بسبب عدم قدرتها وفاعليتها في ادارة الحرب.( )  ومن ثم فإن حالها في الحالتين واضح ينم عن ضعف وعن عدم تقدير الامور. وفي هذا السياق، يمكن أن تضاف ايضاً الازمات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة المفاجئة التي قد تتأثر بها قطاعات واسعة من أفراد المجتمع الأمر الذي يكسر هيبة السلطات والنظام ويثير حالة من النفوذ وعدم التفاعل معهما.

أما العوامل الذاتيَّة، فتأتي بسبب عدم كفاءة او قدرة السلطة والنظام، أو اجهزتها المختلفة، على مواجهة ما قد يعترضها من مشاكل ملِحَّة، سواء ما يتعلق منها ببعض المشاكل الاجتماعيَّة والسياسيَّة والانشقاقات العربيَّة أو اللغويَّة او الدينيَّة وهذه كثيراً ما تحصل في المجتمعات ذات التعدُّد القومي أو العرقي أو الطائفي، الأمر الذي يثير الشك والتساؤل حول السلطة والنظام وجدوى بقائهما.( )

-عدم تمثيل النظام السياسي لقيم ومصالح المجتمع، وهنا يكون  للتفاوت واللامساواة، اذا ما بلغ درجة من الشدَّة، السبب المباشر في حدوث أزمة الشرعيَّة للسلطة والنظام. فحيثما تمارس الأنظمة السياسية التمييز بين المواطنين أمكن القول بأن النظام تعوزه الشرعيَّة تجاه السلطة والنظام، مقابل التزام الحاكم بالعمل وفق كيفيَّة معيَّنة، فانَّ أي اخلال من قبل الحاكم، سوف يحل المحكوم من التزامه تجاهه، وبذلك فإن الشرعية تفقد أساسها الذي تقوم عليه، وهو رضا الناس تجاه حكَّامهم. ومن لا يعترف بشرعيَّة نظام ما، لا يجد في نفسه أي التزام تجاهه( ) الأمر الذي يؤدي الى حرمان السلطة من مقوِّمات شرعيَّتها، وهي الولاء للدولة والطاعة للقوانين والتأييد للأهداف.

كما يسهم في الوصول الى هذه النتيجة عدم مطابقة النظام القائم للصورة المتكوِّنة في وعي الناس عن النظام الأصلح للحكم. فمن أجل الحصول على رضا الناس وولائهم ومساندتهم له، تلجأ الأنظمة القائمة الى اقناع افراد المجتمع بقبول التصورات الخاصَّة للحياة السياسيَّة والاجتماعيَّة التي يفرزها النظام وقيمه، والتي اتُّخِذت كموجّه لهم في نشاطهم الاجتماعي- السياسي، وذلك من خلال اساليب وعمليات عدة، كالتنشئة والتربية الاجتماعيَّة والقوانين وقواعد الالزام المختلفة. وهذا الوضع، أو هذه التصورات، من شأنها ان تفسح في المجال امام شكل من اشكال التطور والنمو في مستوى حياة الناس، بجوابنها المختلفة، الأمر الذي يدعو الناس الى تبني هذه الصورة للنظام بوصفه النظام الاصلح للحكم، وبخاصة اذا استطاع أن يكفل لنفسه البقاء والاستمرار لمدة طويلة، من خلال المحافظة على الاستقرار واحترامه للقيم والابقاء عليها سليمة. كما من شأنها أن تكون محل توارث من قبل الناس جيلاً بعد جيل، لما يجب أن يكون عليه النظام الصالح، أو قد تستند هذه الصورة الصالحة للحكم الى أفكار أو عقيدة دينيَّة أو غير دينيَّة علمانيَّة.( )

لذلك، فإن كل نظام قائم لا يأتي متَّفِقاً وهذه التصورات التي يتبناها الناس عنه أو لا تكون توجهاته متطابقة مع الصورة التي شكَّلتها الأفكار والايديولوجية التي طرحها، لا يمكن له أن يكتسب الشرعيَّة، كما هو الحال مع الأنظمة الكولونياليَّة التي جاءت على أنقاض الأنظمة السياسيَّة القديمة بعدما كانت هذه الاخيرة متمتِّعة بقدر من الموافقة عليها والرضا لعدَّة أجيال.

غير أن أخطر ما يمكن أن يواجه به نظام سياسي، التساؤل عمَّا هو وضع شرعيَّتة، من خلال طرح أو اعتماد بديل يُستخدم كأساس يجري توجبه النقد باسمه.( ) فالبديل يراد به المبدأ البديل الذي تقوم عليه الشرعيَّة الجديدة التي تطرحها جماعة أو قوى سياسيَّة او دينيَّة معارضة من خارج النظام السياسي القائم الذي يحظى بقبول ورضا قطاعات من المجتمع، لكونه يُوجَّه اليهم ويُمثل مصالحهم، كما يحصل عادة في الثورات والحركات الدينيَّة والسياسيَّة، فكثيراً ما تطرح هذه ايديولوجيات ومبادئ تستوحذ على رضا وموافقة قطاعات واسعة من افراد المجتمع الذين يبدأون بفقدان ثقفتهم وانقطاعهم عن الأفكار والمبادئ التي كانت مطروحة من قبل النظام السياسي القائم، الأمر الذي يهدم ويلغي الأسس التي كانت تقوم عليها الشرعيَّة.( )

إذن يأتي انهيار الشرعيَّة ليعني زوال كل المظاهر والدوافع الداخليَّة، من رضا وقبول وموافقة، والتي تعمل على حث الناس على العمل باتجاه دعم الاهداف والقيم كما يعكسها النظام السياسي القائم، وعليه، فإنه يمكن لانهيار الشرعيَّة ان يؤدي الى حدوث عدم الاستقرار والعنف، وذلك من خلال طريقين:

-ينبعث من حقيقة انهيار الشرعيَّة حين يؤدي الى زوال الدافع الداخلي للأفراد الذي يرتبط وجوده بالشرعيَّة، فإنه يحل بذلك علاقات تقوم في أساسها على الاكاه والقوة بدلاً من القناعة والرضا. فحيث يرفض الناس طاعة حكَّامهم، فلا مناص لأصحاب السلطة من ممارسة الاكراه والقسر، بغية العمل على الغاء افراد المجتمع ضمن حدود الوضع الراهن، بمعنى الامتناع عن كل ما هو غير مقبول والعمل وفق ما تمليه وما ترتضيه عناصر وقوى الوضع الراهن. وبهذا يقول ديفرجيه ” المواطنون في ظل الحكم الشرعي، يطيعون الحكومة طاعة طبيعية… أمَّا في حكم غير شرعي فالمواطنون محمولون بطبيعة الأمر على أن يرفضوا الطاعة وعلى أن لا يُذعِنوا إلا مكرهين مقهورين… فحين تكون الحكومة غير شرعيَّة، فإن ذلك يدفعها الى استبداد شديد وقسوة كبيرة.( )

وهذا وضع متوتر أو ثوري بقدر ما يمكن أن يؤدي اليه من طاعة مؤقتة تنفجر على المدى البعيد مستبدلة هذه الطاعة والاذعان القائمين على الاكراه بالمقاومة.

– ينبعث انهيار شرعية النظام القائم ما يؤدي الى الانشقاق بين الجماعات والقوى السياسيَّة والاجتماعيَّة. فقد تدَّعي كل منها الشرعيَّة لنفسها، وبوصف أنَّ الانشقاق يحدث كنتيجة للتعارض والاختلاف في السياسات وفي وجهات النظر والمواقف او أساليب الحياة. لذا، نجد أنَّ هناك جماعات من المجتمع سواء أكانت منظمة أم غير منظمة تحتشد وراء واحدة أو اكثر من وجهات النظر هذه.( )

الاَّ أنَّ مستوى وشدَّة الانشقاق يظل في أسفل درجاته متى ما كانت السلطة تتمتع بالشرعيَّة، الاَّ أنَّه، وحيث تضعف شرعيَّة الدولة، يبرز الانشقاق كنتيجة لضعف السلطة في ممارسة وظائفها في جعل الدولة تستمر ككيان موَّحد، الأمر الذي يؤدي الى التحوّل في الولاء من السلطة ونظامها السياسي، إلى التعارض والتقاطع معهما.

وفي محاولات هذه القوى والجماعات السياسية طرح وفرض شرعيتها كشرعيَّة بديلة لشرعية النظام القائم، ومن خلال الصراع ما بين الولاءات والانتماءات فيما بينها، أو فيها، بينها وبين النظام، تتصاعد ظاهرة العنف واساليبه بوصفه معياراً لقياس مدى قدرة مثل هذه القوى المضادة على البقاء أو بعبارة أخرى، العمل على اكتساب شرعيَّة وجودها الخاص، لتدخل من ثم مرحلة اختيار القوَّة الحاسمة بينها وبين النظام.( )

4- شرعية البنى السياسيَّة العربيَّة:

إن صور الأنظمة السياسيَّة العربيَّة تغطي كامل الواقع السياسي العربي، فمن مشيخة الى إمارة الى سلطنة الى مملكة الى جمهورية الى جماهيرية، فهي جميعاً عاشت واقع التجزئة، وخضعت لقدر معلوم من الاحتلال الأجنبي بكل أشكاله، واختلفت طبيعة أوضاعها وتباينت ظروفها، وتفاوتت في مراحل استقلالها السياسي. ولكنها على الرغم من هذا الاختلاف. من طبيعة واحدة، من حيث ممارستها للسلطة والحكم، ومن حيث الأساس الذي يستند اليه حكمها فهي بلا شك تعكس أزمة الأنظمة العربيَّة ونظامها السياسي وما يتصل بها من محاذير. فلقد خرجت هذه الأنظمة السياسيَّة الى الوجود، بعد قرون من السيطرة الاستعماريَّة، والركود الاقتصادي والاجتماعي، بقيادات نخبوية ثائرة ومُقاومة ومُفاوضة، وكان عليها أن تواجه عدداً كبيراً من القضايا المختلفة التي لم تكن مؤهَّلة لمعالجتها.

فمن حيث المنشأ مثَّلت، وتُمثل هذه الأنظمة. حالة من التناقض بين موقعين كونها تزعم تمثيلها للهوية العربيَّة – الاسلاميَّة والطموحات المتصلة بها من جهة، ومن جهة ثانية، ضرورة معايشتها للحقائق السياسيَّة الواقعيَّة التي يذخر بها الواقع العربي من دون الافصاح من رغبتها في التنازل عن أحد هذين الموقفين لمصلحة الآخر. هذا عدا كونها تمثل خلطاً عشوائياً لمظاهر الحداثة مع الثقافة التقليدية العربيَّة – الاسلاميَّة. أمَّا عن شرعيَّة هذه الأنظمة، فهي كما يقول عنها هدسون في فرضيته ” إنَّ مسألة الحكم المركزيَّة في العالم العربي، هي مسألة الشرعيَّة السياسيَّة. إن النقص الحاصل في هذا العنصر السياسي لا غنى عنه، هو السبب الأكبر للطبيعة المتقلّبة للسياسة العربيَّة وللسِمة الاستبداديَّة وغير المستقرة للحكومات العربيَّة القائمة.( ) فهي في واقع الحال تستند في معظم الأحوال الى مصادر الشرعيَّة كما حددها ماكس فيبر، كالتقاليد والزعامة الملهمة “الكاريزما” والعقلانيَّة، والكفائة والفعاليَّة، ولكنها تدَّعيها جميعاً. والحال أن الشرعيَّة يجب أن تقوم على نوع من الثقافة السياسيَّة والوعي الوطني الذي يدخل في قناعة الفرد، ليس فقط قبوله للسلطة العليا للحكم، ولا حتى رضاه عن سلوكه السياسي، وإنما يرى فيه تجسيداً لهويته ولمبادئه الخاصَّة. إن مثل هذه الشرعيَّة غير متوفرة لأغلبيَّة أنظمة الحكم العربيَّة، وان توافرت لبعضها فما هي الا شرعيَّة شكليَّة تأتي بها أجهزة الحكم ومؤسساتها الرسميَّة بالأساليب التعبويَّة التي عرفتها الممارسة السياسيَّة العربيَّة. لذلك تشعر هذه الأنظمة بالقلق والخوف الدائم، وتحاول التركيز على أنها قويَّة وراسخة، وتمارس الاستعمال القسري والتعسفي للقوَّة في مواجهة أي معارضة سياسيَّة أو اجتماعيَّة، مستخدمة في الوقت نفسه سبلاً متعددة لغرض خلق شرعيتها، وبأساليب الترهيب والترغيب. ومع أنَّ هذه الأنظمة كانت في فترة ما قادرة على استيعاب بعض صور المعارضة، إلا أنها ضاقت في السنوات الأخيرة، حتى بتقبُّل المعارضة الصوريَّة، وأضحت ظاهرة استمرارية النظام – الحاكم مصاحبة لواحديته في القيادة والفكر والايديولوجيا واكثر من ذلك تجسيد ظاهرة أبويَّة الحكام، وأصبحت التعابير التي تفيد ذلك من ركائز الخطاب السياسي العربي. أمَّا على مستوى الوضع الدستوري، فعلى الرغم من أنَّ كل الدساتير العربيَّة تظهر حالة من التوازن بين السلطة التنفيذيَّة والسلطة التشريعيَّة، الا ان واقع الحال ويضح سيطرة السلطة التنفيذيَّة التي هي في الأساس سلطة الحاكم أو رئيس الدولة وامتداداته على السلطة التشريعية، والمفروض بها أن تُمثّل سلطة الشعب. لا بد لمن يدرس الحياة السياسيَّة في الوطن العربي، من أن يميِّز بين مسألتين في ما يخص الشرعيَّة، شرعية الكيانات، الدول من ناحية، وشرعيَّة النظم السياسيَّة التي تهيمن على هذه الكيانات من ناحية أخرى.

4-1 شرعيَّة الكيانات وشرعيَّة النظم السياسية:

تتجسد شرعيَّة الكيان، أو تتمحور، حول قدرة الدولة على توفير الشعور بالانتماء الى الجماعة. أما شرعيَّة النظام السياسي فتدور حول قدرة المؤسَّسات الحكوميَّة على القيام بوظائف معيَّنة، كالدفاع عن أمن المجتمع وتوفير حد ملائم من وسائل العيش.( )

واذا كان التفريق ضروريَّاً بين النظام السياسي ومؤسَّسة الدولة ككل من الناحية النظريَّة، وفي الحالات الطبيعيَّة لأوضاع الدول العربيَّة، فإنَّ مسألة التفريق هذه ليست بمثل هذه البساطة، عندما يكون الجهاز الحاكم ذاته، واحياناً الفرد الحاكم نفسه، هو صمَّام الأمان بالنسبة الى بقاء الدولة، كما في حالات عربيَّة عديدة أوضح من أن يشار اليها، وفي عمليَّة النمو التاريخي للسلطة والدولة في المجتمعات العربيَّة المعاصرة، ليس من السهل الفصل بوضوح بين ما للسلطة وما للدولة. فالسلطة هي التي تبني الدولة ومؤسساتها وأجهزتها في هذه المرحلة من التاريخ العربي، حيث لا دولة من قبل. إن السلطة في الوضع العربي الراهن هي حاضنة الدولة، وليس العكس أو كما يجب أن يكون، لذلك فإن القضاء على الحاضنة يتضمن تهديد وليدها بالخطر وربما بالموت، ولعل الاحساس الغريزي أو العفوي لدى كافة المجتمعات العربيَّة لهذا الواقع الخطر، هو من ضمن الأسباب التي تساعد الأنظمة السياسيَّة العربيَّة الحالية على الاستمرار في مواقع السلطة والسلطة التي تتماهى مع الدولة مع الكيان العام للوطن ، بحيث إنها لو انهارت انهار معها هذا كيان الدولة.( )

وإذا كانت مقولة الدولة الحديثة ليست بجديدة على العرب، ونجدها في مركز الفكر العربي في العصر الذي سمي مجازاً بعصر النهضة، ولكن محتوى هذه المقولة كان وما زال غامضاً. ونجد هنا أيضاً أنَّ معادلة اللفظ – القوَّة أقوى بكثير مما هي عليه معادلة الفكرة – القوة.( )

فمفهوم الدولة، بمعناها المؤسَّسي الكياني الشامل، هو أكثر المفاهيم غموضاً واضطراباً والتباساً في الوعي العربي، بعكس مفهوم الكيان الثابت المترسّخ في المصطلح الغربي الاستاتيكي للدولة. ولم يعرف العرب هذا المفهوم المؤسسي الثابت، الاَّ من كونه مفهوماً أجنبياً خارجياً يتمثل من تمالك الامم الاخرى المحيطة بهم التي يملكها “ملوك جبارون” لا يليق بالعربي الحر أن يخضع لهم.( )

وإذا كان العرب قد مرّوا بمرحلة اللادولة، اي غياب السلطة المنظمَّة وغياب الكيان السياسي المؤسَّسي الشامل معاً، في عصور من تاريخهم، فإنهم عرفوا بشكل موازٍ الخضوع للسلطة الواحدة وللسلطة الامبراطورية “امبراطوريَّة الخلافة الاولى، والامبراطوريَّة العثمانيَّة” في عصور تالية.( ) غير أنَّ قيام السلطة: يختلف عن بناء كيان الدولة المؤسَّسة الشاملة، كما لاحظ جورج بوردو Georges Bordeau في بحثه عن الدولة ” ليس كل مجتمع سياسي منظم دولة، واذا كانت ظاهرة السلطة عالية، ثمة أشغال كثيرة منها لا تمت بصلة الى الدولة.( )

إن الفرد والجماعة العربيَّة لم يكونا قد خبِرا حياة “الدولة” بخصوعهم للسلطة العثمانيَّة خلال القرون الأربعة الأخيرة (1516-1916) التي صاغت ثكوينهم السياسي الموروث وأسلمتهم الى اختيارات السياسة في العصر الحديث. صحيح أنَّه كان ثمة “ولاء” للامبراطوريَّة العثمانيَّة، بدرجة أو بأخرى من حيث تمثيلها غالبية “دار الاسلام” كأمر واقع، ولكن هذا الولاء لم يتجسَّد في معايشة مباشرة للعلاقة المتنظمة المقنَّنة بين الفرد والدولة. وكأن الفرد العربي لا “يعايش” الدولة ألا في خضوعه لاحكامها عسكريَّاً وضريبيَّاً في مناسبات معينة.

بالاضافة الى ذلك، فإن تجربة العرب التاريخيَّة إجمالاً مع الدولة تداخلت فيها اعتبارات عدَّة زادت من حدَّة هذه الحالة ” الهلاميَّة ” في علاقة العربي بالدولة، أو بالاحرى تأرجحه بين وضعيَّة الدولة واللا دولة.( )

ومن الناحية النظرية – التاريخية، فإن الفكر السياسي العربي الاسلامي قد تمحور حول مفهوم “الجماعة”، اكثر مما عالج موضوع “الدولة” من حيث هي كيان مؤسَّسي وتنظيمي واداري قائم بذاته.

ويتضح أنَّ تجربة العرب في الدولة ومن أيِّ زاوية ينظر اليها كانت تجربة محدودة، متقطِّعة غامضة، وأنَّ علاقة الفرد بها عموماً، غلب عليها السلب الأكثر من الايجاب. من هنا يمكن فهم مقولة ابن خلدون “فبعدت طباع العرب … عن سياسة الملك”، اي سياسة الدولة.

واذا أخذنا في الاعتبار ان “الدولة مدرسة السياسة” في حياة الأمم، أمكننا القول بأن العرب بصفة عامَّة، لم تتح لهم هذه المدرسة الا بقيام الدولة الوطنيَّة التي تمثّل أول تجربة دولة مباشرة في حياة كل عربي وكل جماعة عربيَّة، وكل منطقة عربية، على نواقص هذه الدولة وعلى المآخذ التي رافقت ولادتها وتطورها، أي أنَّ العرب، بمقارنة تاريخية، لم تتح لهم الخبرة والمشاركة والمعايشة المستمرة للدولة، كما اتيح لغيرهم من الأمم.

وهكذا فان تجربة العرب في الدولة الوطنيَّة المعاصرة لا يمكن تقييمها بدقة الا اذا اعتبرت تجربتهم الأولى والأوليَّة في ادارة الدولة ومعاينتها واكمال بنائها.( )

من جانب آخر، فإنَّ تشخيص طبيعة الدولة العربيَّة الحديثة يقرر عدة إشكالات، فعلى الرغم من وجود سمات مشتركة بين بعض الاقطار، فإن الدولة العربيَّة تنفرد في كل قطر بخصوصيات لا تنبع فقط من التراث الثقافي والحضاري ومستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي، بل أيضاً من تفاوت كثافة الضغوط الخارجية وطبيعة التوازن الاجتماعي الداخليَّة، والعوامل الموروثة والطبيعية التي حكمت تشكيل المجتمع نفسه. ومن الصعوبة بمكان أخذ هذه السمة أو تلك لتعميمها على الجميع، وتصنيف الدول والأنظمة السياسيَّة العربيَّة على أساسها. فبعض الاقطار حصل على استقلاله بصعوبة في ظروف ما بعد الحرب الثانية وبعضها الآخر شهد عمليَّة تحوُّل بطيء، وكان الاستقلال يتجه الى نوع من المساومة مع السلطة الاستعماريَّة في محاولة من هذه الاخيرة للابقاء على بقايا النفوذ الاستعماري من جهة، وقطع الطريق على عمليَّة أطول وأعمق من تطور الحركة الوطنيَّة من جهة اخرى.( )

واذا ما تابعنا البحث في الدولة العربيَّة نجد أنَّ البعض يسند اليها أسساً قديمة وأصيلة، ويرى أنَّ تاريخ الدول العربيَّة القائمة يدل بوضوح على أنها دول قديمة، خلافاً لآراء طلاب التحديث وآراء العقائديين من القوميين العرب. فإن كل دولة من هذه الدول ترجع في كيانها كنظام سياسي الى القرن التاسع عشر أو ما قبله.( )

وقد ظهرت تاريخيَّاً حصيلة لعوامل داخليَّة واقليميَّة أصيلة، وبعضها سابق لظاهرة الاستعمار الأوروبي في المنطقة، الأمر الذي يدل على أنَّ هذا النمط القطري في الدولة كان يأخذ طريقه ويتبلور تاريخياً قبيل العصر الحديث ومع بدايته، وهو لم يظهر كلَّه فجأة مع مخططات الاستعمار بعد انهيار الامبراطوريَّة العثمانيَّة، كما افترض الفكر القومي، وما نشأ من كيانات بعد الانهيار العثماني يمثل اجمالاً استمراراً نمطيَّاً للظاهرة ذاتها، بشكل او بآخر مع اختلاف في الجزئيات لا في الأسس.

أنَّ معظم هذه الدول كانت تتمتع بشرعيَّة سياسيَّة نابعة من القيم الأساسية في المجتمع ومن حضارته الخاصَّة، كما أن الشرعيَّة التاريخية التي تمتعت بها هذه الدول لم تكن كفيلة بأن تحافظ على كيانها او استمرارها بحكم تلك القيم.( )

ووفق هذه الرؤية، كانت البلدان العربيَّة تختلف من حيث البنية السياسيَّة وقاعدة السلطة الشرعيَّة والتقاليد. ويمكن تفسير ظهور الدولة العربيَّة التقليديَّة هذه على أساس الايديولوجية والتقاليد والسلطة القهرية “الغلبة”. كما أنَّ هذه الدولة التقليديَّة تخلَّفت عن تحديد ذاتها عندما فشلت في أن تقيم ما يسميه ابن خلدون “علم العمران”، أو ما يسمى في عصرنا ” التنمية الشاملة ” ومن ثم فقد ظهرت هوّة بين الدولة كجهاز من جهة، والمجتمع من جهة أخرى، ولم تعد الدولة تجسّد مطالب وحاجات المجتمع، بل على العكس، أخذت في التضييق على مجتمعها، وأصبحت الدولة في نظر المواطن عنصراً سلبياً، تَجنُّبه أسلم من التعاون معه، كما اتجهت نحو تغذية ذاتها على حساب المجتمع، فأخذت ذلك خللاً أساسياً في علاقة المجتمع بالدولة.( )

أمَّا بعد مجيء الاستعمار واستغلاله لتلك التناقضات التي قوَّضت صرح الدولة فقد انتقل العقل المحرك من الأهالي الى الأجانب، وقد اتَّبع الاستعمار في معظم الحالات سياسة الحفاظ على الهيكل السياسي والرقعة الجغرافية، فهو قد قبل بنظام البلد – الدولة، وبهيكل الدولة كما وجدوه، ولم يجمعوا او يجزِّئوا البلدان التي خضعت لهم، غير أنَّ ذلك الحفاظ لم يُعفِ تلك البلدان والمستعمِر ذاته من مواجهة قوى معارضة تتمثل في النزعة الشموليَّة المطلقة، إن كان ذلك في شكل الايديولوجيا الدينيَّة أو القوميَّة العربيَّة. وأصبحت الدولة المحليَّة، اي ما يسمى بـ” البلد – الدولة ” في نظر الأصوليين والقوميين مرتبطة بالبنية السياسيَّة للاستعمار وكأنها صنيعته، وقد وجد  هؤلاء في هذه الرابطة حجة يقوضون فيها أسس نظام البلد – الدولة وشرعيَّته.( )

مع غياب القدرة على الحزم في هذا الطرح، هناك ارتياب دائم بأصول الدولة العربيَّة الحديثة القائمة، وبمدى تطابقها الفعلي مع واقع هذه المنطقة وواقع مجتمعاتها، وخلافاً للرأي السابق، هناك من يرى أنَّ العوامل الخارجية – المتمثلة بالظاهرة الاستعماريَّة – هي التي هيمنت على التحديد القطري – الاقليمي للدولة العربية ونظامها السياسي، فهذه الدولة في تكوينها ما هي الدولة هجنية تمر بمرحلة انتقالية في الوقت الحاضر. فقد نُقلت الى هذه الدولة مؤسَّسات من جنس تلك التي كانت قائمة في الدولة المستعمِرة وهي مؤسسات الديمقراطيَّة الليبرالية.

والظاهرة التي يجب لفت الانتباه اليها هنا، هي أنه بينما نشأت المؤسسات الديمقراطيَّة الليبرالية في الدول الأوروبية الحديثة بفعل تطور داخلي، وبموازاة مع نشوئ وتطور هذه الدولة نفسها، مما أدى في نهاية المطاف الى قيام مجتمع مدني مستقل عن المجتمع السياسي، أي مجتمع قوامه مؤسسات مختلفة، نجد أنَّ البنى السياسية للدولة العربية الحديثة، قد غرستها الدول المستعمِرة. وهكذا فالدولة – السلطة الحاكمة – هي التي أنشأت لنفسها المؤسَّسات التي تحتاج اليها، وهي التي تغذيها وتوجَّهها وتمنحها السلطة والنفوذ. هذه الدولة تبتلع المجتمع المدني، فلا تترك مجالاَ لقيام مؤسسات خارج الدولة، فكل المؤسسات هي امتداد للمؤسسة الأم – الدولة، أما المضمون الديمقراطي الليبرالي لهذه المؤسَّسات فقد امتصَّته الدولة امتصاصاً، فصارت الديمقراطيَّة لا تمارس إلا على مستوى رجالاتها، السلطة الاستعمارية والجاليات الاوروبيَّة.( )

إنَّ الدولة  العربيَّة أسَّست دولة مغروسة ومطبَّعة بشكل متزايد، انها ليست ظاهرة محليَّة، بل أنها ثمرة هجينة، ومع ان شكلها يمثل سياد الثقافة الاوروبية الحديثة، فإن محتواها يأخذ صيغة محليَّة بصورة متزايدة، وعلى الرغم من هذا التناقض الموجود بين الشكل والمحتوى لهذه الدولة، فإن القبول بها كأمر طبيعي يتنامى على الرغم من أن تكوّنها لم يأت وفق رغبات أبناء بعض المجتمع العربي. هذه الدولة التي كانت وما زالت صفتها القطرية موضع شك، تبتغي الحصول على مبرر وطني بتأكيد قدسيَّة المبدأ الاقليمي حتى في دساتيرها، أي تحاول باستمرار أن تؤكّد وجودها وأن تبرر شرعيتها الوطنية.( ) كما أن هذه الدولة ظَّلت باسم الوعي القومي قي موقع الباحث عن شرعيَّة، مفقودة بشكل كلي أو جزئي منذ الأصل. فقد نُظر الى تأسيسها في المشرق العربي على أنَّه مرحلة مؤقتة وخطوة انتقالية وتحضيرية، أو اي شيء لا بد منه بانتظار الدولة القوميَّة العربيَّة.( )

4-2 تدهور العلاقة بين البنى السياسية والبنى المجتمعية:

هناك ما يشبه الاجماع على أن الدولة العربيَّة الحالية تعيش أزمة لم تشهدها منذ الحرب العالميَّة الثانيَّة، وأنَّ هذه الأزمة تنذر في بعض الحالات، وبخاصَّة في دول  الأطراف ذات التنوع الإثني الكبير، بمزيد من التفكيك أو الضم أو الزوال من الخريطة السياسيَّة الاقليميَّة خلال العقود المقبلة فهي دول قامت أساساً مكان غيرها، وهي بدورها، إذا ما أخذ بمنطق ابن خلدون الى زوال.( )

فالدولة العربيَّة المعاصرة لا تجسد في سلطتها أو ممارستها الحاليَّة المصالح المشروعة للتكوينات الاجتماعية الرئيسية فيها، وإنَّ الفجوة في ازدياد بين المجتمع المدني من ناحية، والدولة من ناحية أخرى. فهي لم تكن محور تكوين العلاقات الاجتماعية، أي التعبير عن المجتمع المدني وتأسيسه في الوقت نفسه.

فالدولة الوطنية (المجتمع السياسي العام) في اغلب الاقطار العربية ليست الا شكلاً ظاهراً يخفي في داخله هذا التشرذم وذلك التشتت، أمّا الذي يحفظ هذا الشكل الظاهر من الكيان الواحد فهو السلطة المركزية وليست آليات المجتمع المدني كما يفترض ان تكون عليه الأمور. فإن كان هناك مجتمع مدني في أغلب الدول العربية، فهو ما يزال دون الحد الأدنى من الانصهار المجتمعي والوطني الشامل الذي على أساسه تقوم الهويَّة الواحدة المتجانسة القادرة على البقاء حتى من دون تدخل أو رعاية السلطة المركزيَّة.

والحديث عن مجتمع مدني يعني بطبيعة الحال الحديث عن ضرورة إلغاء الولاء الأصغر العصبوي، للإثينات القبليَّة والطائفيَّة … الخ والتأسيس لولاء مجتمعي عام يكون القاعدة الطبيعية والشرعيَّة للولاء السياسي الذي تقوم عليه الدولة الحديثة.( )

وهكذا، وإن اختلفت المنطلقات النظريَّة حول تكوّن وقيام الدولة العربية الحديثة، فيمكن أن نلمس شبه اجماع بين الباحثين حول ضعف الدولة في العالم العربي وهي كواجهة تعتمد على غيرها، ويجري تجاهلها في الغالب تجاهلاً كلياً، وهي تقع تحت رحمة التفاعلات السياسيَّة، عبر حدودها وما تسمح به تلك التفاعلات. وتترتَّب على هذا الضعف مخاطر على آفاق التقدم والنهوض بالمجتمعات العربيَّة في كنف الحريَّة والعقلانيَّة. ويُرجع الكثير من هؤلاء الباحثين ضعف الدولة الى ضآلة أو مشكلة الشرعيَّة.( )

فعلى الرغم من حداثتها وسلوكها، فإن الدولة العربيَّة ما زالت لا عقلانيَّة، واهنة، عنيفة، مرتكِزة على العصبيات والعلاقات القرابيَّة والعشائريَّة، وعلى بنية عتيقة للشخصيَّة على حد قول العروي.( )

وقد يكون لهذا الرأي السلبي، ولهذا الواقع الذي تعيشه الدولة العربيَّة ما يبرِّره، فالدولة العربية الحديثة في الأساس، جديدة نسبياً، مصطنعة، ومجسِّدة لحالة الانفصال، ولم تكن قادرة على تحديد غايتها. والغاية تتحدَّد وفق منظومة أيديولوجيَّة أصيلة قادرة على استيعاب مواطنيها كافة. مما يحفِّزهم على الولاء لها من خلال الاقتناع والرضا بأنها تُجسِّد مصالحهم الحقيقيَّة ورؤاهم، وهذا لم يتيسَّر لها لأن التقسيمات الأستعماريَّة استهدفت أساساً خلق حالة من عدم الولاء للدولة, ومن هذا المنطلق، أظهرت الدولة العربيَّة ضيقها من الديمقراطيَّة، ومن التعدديَّة السياسيَّة والحزبيَّة، الأمر الذي أدى الى تفاقم مشكلات الأقليات والقوميَّات ومشكلات جوهرية داخل مجتمع الدولة نفسه، ولاحقاً غياب فكرة دولة الاجماع التي تعبر عن مجتمع سياسي متطوّر.( )

وعلى هذا الأساس، وكما يشخص جيمس تيراس، هناك في الدول العربيَّة، دول توفيقية، تتميز بما أسماه “الدول التعدديَّة”، أي دول ثلاث في واحدة. وأولى هذا الثالوث هي “الدولة التاريخيَّة” حيث البيروقراطيَّة التقليديَّة التي تعمل كأداة للمحسوبيَّة السياسيَّة. وهذه الدولة التاريخيَّة تخضع للنُخب السياسيَّة ولأنصارها من الجماهير، كما أنها تستجيب لهم. وفي الدول الفقيرة نفطياً تعمل الدولة التاريخيَّة بطريقة مشابهة، غير أنها تكون خاضعة أيضاً لادعاءات الزعامة من قبل الحزب السياسي. ونظام المحسوبيَّة هذا، تصاحبه الدولة الثانية أو الدولة الحديثة التي تؤدي وظيفتين في المنطقة العربيَّة. إنها دولة التكنوقراط أوَّلاً، وثانياً دولة الرفاه، وهي تعمل على دمج المواطنين المحليين في الأمّة – الدولة، ولتأكيد شرعيَّة النظام، وشرعيَّة النخب الحاكمة على وجه الخصوص. وتعمل أيضاً من أجل تبديد عدم الرضا وتعبئة التضامن مع النخبة الحاكمة (مصر، انتهى برنامج الرفاه الساداتي، الى أن يعرف شعبياً بكونه معاش السادات).( )

ونقطة التداخل بين ” الدولة التاريخيَّة ” و ” الدولة الدينيَّة ” هي مواقع السلطة القائمة على المحسوبيَّة في وكالات ومؤسسات التنمية والرفاه المختلفة. وهذا الترابط يتوشج بكفاءة من أجل تأكيد شرعيَّة النظام ومن أجل حشد الدعم له.

أما الدولة الرئيسيَّة الثالثة، فهي ” دولة القمع “، وهي تحديد أجهزة القمع التي تملكها الدولة، والتي تحمي الطبقة الحاكمة… وهي دائماً فوق المجتمع وفوق القانون وكثيراً ما تضع هي قانونها الخاص. وتوفيقيَّة الدولة في ثلاث، هذه هي التي تشكل هيكل الدولة المعاصرة في العالم العربي، وعلى أي حال، فإن تفسير كل هذا كثيراً ما يؤدي الى انساق متناقضة ومتصارعة داخل الدولة وداخل المجتمع ككل.( )

إن ذلك يؤكد لنا أن الدولة العربيَّة قوية مقارنة بالمجتمع المدني أو بالحري بالبنى المجتمعية، وإذا اردنا تجديد نمط هذه الدولة، من دون أن ننسب هذا النمط الى انموذج مثالي غربي، وفي ضوء شكل علاقة الدولة بالمجتمع المدني، سنرى أن النمط الواحدي الذي يسعى الى توحيد المجتمع والدولة في كيان واحد لا يقبل المعارضة وتعدد المشاركة، ولا يقبل التسامح مع الحريات المدنية والسياسية الأساسية، وهو التصنيف الملائم لحالة العالم العربي.

ومن المصادر الأساسية لهذا النمط الواحدي هو القهر، حيث يصبح القهر هو الناظم الأساسي لعلاقة الدولة الواحدية ذات القدرة على استيعاب المجتمع في اطار التوجُّه الرسمي للأنظمة السياسيَّة. وبشكل عام، فإن الميول العميقة التي شكلت النمط الأساسي لهذه الدولة تتمثل في محاولة تحقيق سلطة شاملة لحزب واحد أو لعائلة حاكمة “الملكيات وبلدان الخليج”، ومع ذلك، فقد تفاوت وزن التنظيم أو الحزب السياسي الواحد من بلد الى آخر، وكذلك دور المؤسَّسة العسكريَّة “مصر، سوريا، العراق”.( )

فلم يُسمح لأي تيار سياسي بالتعبير المستقل عن ذاته في الحياة السياسيَّة، ولم يكن البرلمان الذي سمحت بعض التجارب بوجوده تعبيراً عن تعدديَّة سياسيَّة. ولم يكن البرلمان الذي سمحت بعض التجارب بوجوده تعبيراً عن تعدديَّة سياسيَّة، حزبيَّة حقيقيَّة، بقدر ما كان أقرب في تمثيله وتركيبه الى السلطة منه الى المجتمع. ولم يملك هذا البرلمان وغيره من البنى السياسيَّة الأخرى أي سلطات حقيقيَّة.وعادة ما يجيز الدستور حلّ هذا البرلمان من قبل رئيس الدولة أياًّ كانت صفتها. كما يمنح الدستور رئيس الدولة سلطات شبه مطلقة، ويضعه فعليَّاً فوق المساءلة الدستوريَّة والقانونيَّة ليصبح تجسيداً لروح الأمَّة ورمزاً لكل قواها مهما كانت متعارضة. لذلك من المُحتَّم أن يحتكر هذا نمط من الدولة المُسيطرة على وسائل الاعلام والمؤسسات الرسميَّة المختلفة، وتعبئتها وتوجيهها بما يفيد بقاء صاحب السلطة والنظام لأطول فترة حكم ممكنة.

ويترتَّب على ذلك أن يؤدي الخطاب السياسي للزعيم أو رئيس الدولة الدور الأساسي في صياغة توجُّهات الدولة واستيعاب الرأي العام.( )

كما أنَّ هذه الدولة، وبخاصة في بعض الأقطار العربية “بلدان الخليج والملكيات”، لم تتم بصياغة شكل واحد للسلوكين الاجتماعي والسياسي فقط، بل أعدت لأن تكون الرقابة على السلوك والحياة الشخصية للأفراد والجماعات، وظيفة سياسيَّة سامية مشتقَّة من التعاليم والشريعة الاسلاميَّة، على أن الثروة النفطية لدى بعضها قد فجَّرت التناقض بين الايديولوجية الأصولية القهريَّة التي هي قاعدة لشرعيَّة هذه الدولة، والاستيلاء العائلي الخاص على هذه الثروة التي من المفروض ان تكون للمجتمع كله.

لقد أفضت سيادة هذا النمط الجوهري للدولة “بلدان الخليج” الى تأخر التطور المؤسَّسي لهياكل الدولة والمجتمع مدَّة طويلة، وفي الوقت نفسه أدى ذلك الى الاعتماد على الخارج في توفير ضرورات الأمن القومي لها. وذلك في ارتباط وثيق مع المصالح الغربيَّة. كما ظلت تشكيلات الدولة في هذا النمط “بلدان الخليج” ضعيفة الى حد كبير، وكانت في أوقات كثيرة معرضة للتهافت تحت وطأة الضغوط الداخلية والخارجية.( )

4-2-1  تعدد الولاءات في بنية العلاقة:

لا شك أن تعدد الولاءات عامل سلبي يزيد من تدهور العلاقة بين البنى السياسية والبنى المجتمعية. يلاحظ أن العالم العربي يمتاز اليوم ليس بمحور واحد من الولاء، بل بثلاثة مستويات منه، تتصارع وتتنافس، وهي:

1-الولاء للدولة، وهذا المستوى من الولاء ذو بعد سياسي سلطوي واحياناً تسلطي نظراً لطبيعة البنى السياسية التسلطية الموجودة فمن يؤيدها هو شريكها.

2-الولاء للأمَّة العربية أو الأمَّة الاسلاميَّة، وهذا المستوى ذو بعد عقائدي.

3-الولاء أو الانتماء الى المجموعات المحليَّة، سواء اكانت هذه المجموعات قوميَّة أم دينيَّة.

إنَّ البعد الأول هو البعد السياسي للكيانات والسلطنات والامارات والدول القطرية حديثاً، وهذا البعد بالاختيار حيناً، وبالاكراه أحياناً كثيرة، ظلَّ يمثل الواقع السياسي القائم والممكن الذي لا يمكن أمام الفرد والمجتمع إلا القبول به والتعايش معه، من دون منحه ولائه الكامل، أو التطابق والتماهي معه بصفة نهائية نظراً الى قوَّة جذب البعدين الآخرين في الوقت ذاته، ولعدم التوصل حتى الآن الى صيغة متوازنة ثابتة، تقيم التصالح أو تحسم التعارض بين قوى الجذب الثلاث في بنيان الهويَّة الواحدة.( )

إن البعد السياسي هو الحلقة الأضعف والأكثر اشكالاً في هذه الثلاثية من الولاء، فهو يمثّل الاشكالية السياسيَّة العربيَّة، وينطوي على اشكالات عدَّة من هذه الإشكالات، مدى حضور الدولة وليس السلطة كوجود مؤسِّس دائم ومتواصل في الحياة العربيَّة، ومدى التمرُّس الحقيقي للمجتمع الأهلي العربي بالخبرات والمؤهلات والتقاليد السياسية التي يحتاجها، أي مجتمع مدعو الى حكم نفسه بنفسه. هذه الأمور تأتي كشروط مسبقة للديمقراطية، فلا معنى لهذين الهدفين من دون قاعدة دولة خاصة لهما، ومن دون تأهيل سياسي مترسخ ومتأهل في الخبرة الشعبية يمهد لهما ويرعاهما.( ) ولعل وراء هذا الازدواج المركَّب في الولاء بعداً تاريخياً، حيث الولاء للاسلام كان أكثر من الولاء للدولة.

إن الاسلام وليس الدولة أو السلطة هو مركز الثقل في تشكيل الوعي الجماعي، وهو مركز التوازن والاستقطاب في مجتمع مشدود بين روابط الجماعة المحليَّة من جهة، ومن جهة أخرى الولاء الشكلي لدولة رمزيَّة لا قوميَّة، وفي معظم الاحيان لا دينيَّة، اي لا تستمد سيادتها وشرعيتها من الجماعة الدينية وانما من “السيف”.( )

في ضوء ما تقدم أيضاً يثار التساؤل : هل يمثل وجود العروبة التي يتعلق بها الولاء وتتجسد الادارة العامَّة، العامل الرئيسي الذي ينزع الشرعيَّة عن الدولة الاقليمية أم أن تصرفات الحكام الاستبدادية بعيداً عن البعد العقائدي يشكل العامل السلبي ؟ ( )

بالنسبة للقوميين العرب، إن التساؤل عن الهوية ولا سيما بعد تكوين الدولة العربية الحديثة  أصبح مادة السياسة اليومية للسلطات العربية. لقد أصبح في معظم الأحيان وسيلة دعاية خارجيَّة، وعلاجاً منظماً لهاجس لا شرعيَّة الأنظمة السياسيَّة القائمة، كان بحثاً عن الذات، وصار في الاجمال بعضاً من اثبات ذات على حساب أخرى، من هيمنة وتسلُّط، وفي عدد متزايد من الحالات أصبح التساؤل عن هوية أو ابراز أخرى بعضاً من وقود الحرب.( )

والسبب في ذلك يعود في رأيهم أن هوية الدولة، أو بالتحديد هوية مجموعة الانتمائات السياسية تمثل لب الصراع حول الشرعيَّة متناسين العوامل الاخرى. ولقد أدى هذا الوضع المعقد، وبخاصة صدق التعامل معه، الى تنافس بين المؤسسات وتصادم في الهويَّات عطَّل عملية مأسسة الدولة.( )

وهكذا اصبح الشعور بالانتماء الى دولة عربيَّة يتفاوت، فقد لا يقيم السودانيون، وزناً كبيراً للدولة بعكس المصريين والمغاربة الذين ينزعون الى النظر الى الدولة وكأنَّها الأساس للانتماء. ومصدر هذا التباين يعود الى أن المجتمعات العربيَّة لم تعرف تطوراً واحداً، وهي لذلك تواجه مشكلة الشرعيَّة والهويَّة والحداثة بكيفيات مختلفة.( )

بعبارة أوضح: إن مكانة الدولة وعلاقة المجتمع بها تختلف بعض الشيئ من المغرب العربي عما هي عليه في المشرق، فعلى الرغم من أنَّ الازدواجية تجاه السلطة تمثّل القاسم المشترك هنا هناك، فقد أدى التطوّر المنعزل الى ابتكار ايديولوجية في المشرق تنظر الى الدولة الوطنية ككيانات اصطناعية خلقها الاستعمار لتكريس التجزئة السياسيَّة للأمَّة العربيَّة، ولكن تبقى الحاجة الى التأكيد أن اعتبار الكيانات السياسيَّة كوحدات قطريَّة عابرة وظرفيَّة لا تتطابق مع التجارب الموضوعية والذاتيِّة لغالبية المغاربة فالواقع يحتّم القول أنَّ إطار الدولة الوطنيَّة المغربيَّة مقبول تماماً، وإن كان الناس لا ينظرون إليه بمعزل عن العالم العربي، وهو إطار مقبول وإن وجدت الأنظمة صعوبات كبرى في إثبات شرعيَّتها.( )

لقد ساهمت عوامل عدَّة في هذه الخصوصيَّة التي جعلت الطابع العربي – الاسلامي أقوى من الأيديولوجية الفردية، حيث تكوَّنت تاريخياً كيانات سياسيَّة دائمة ومتميزة وقائمة على حس جاد بالهوية الجماعيَّة، جعل الناس يتوقعون من الدولة أن تكون مركز الاندماج والتنمية، وأن تنجز لحسابهم كل ما حرمهم منه الاستعمار، وقد قبلت الأنظمة هذا الرهان الخطير، مما جعلها تأخذ على عاتقها عمليات بناء الدولة وبعث التنمية الشاملة، اي دولة المجتمع.

لذلك حاولت الدولة المغربيَّة دائماً أن تحدد شرعيتها بطريقة إطلاقية كأن تتحدث عن أمَّة واحدة، غير قابلة للانقسام ومن دون تحديد ” أمَّة لغتها العربية ودينها الاسلام “، وهو وضع يقصي من حيث الأساس كل تعبير عن المصالح المتصارعة، سواء أكانت هذه المصالح طبقيَّة ام اثنية او دينيَّة. فعوض أن نقدّم جملة من القيم العامَّة تكون قابلة للتكيّف المعياري أو الظرفي، تنزع هذه الصيغة السياسيَّة السائدة نحو الركون الى الثبات والعجز أمام التكيّف مع الفروقات والتباينات المختلفة. وهذه الأطروحة تقوم على اقصاء أي احتمال لإضفاء الشرعيَّة على الدولة في المغرب العربي، وذلك بسبب وجود ” الطوبى الاسلاميَّة ” أو “الطوبى العربيَّة ” فوجود هذه الطوباوات المنافسة للنظام السياسي من شأنه أن يحرم الدولة من تحصيل أي شكل من أشكال الولاء، واللجوء من ثم الى العنف لكي تتحول الى قوَّة خالصة.( )

وهذا ما يؤكده عبد الله العروي حينما يقول: “بوجود الطوبى تنزع الشرعيَّة عن الدول الاقليميَّة، يوجد ولاء ولكن غير مرتبط بها، يوجد إجماع ولكن ليس حولها، في هذه الحال تنفصل السلطة عن الشرع، القوَّة عن النفوذ، إن أوامر الدولة تنفَّذ، إن انجازات تحقَّق وتجهّز الدولة الأقليمية البلاد، تعلّم، تشغل، تنظم، إلاَّ أنَّ كل هذه الانجازات لا تُكسبها ولاء ولا تنشئ إجماعاً حولها، خاصة إذا كانت دعايتها تعيد باستمرار الى الذاكرة أنها مرحلة فقط على طريق تحقيق الدولة العربية الكبرى.( ) بتعبير آخر، هناك تناقض أساسي بين وظائف الدولة التي تضطلع بها وطبيعة المناخ الايديولوجي العام، مما يدفع الفرد الى عدم أخذ مقرراتها مأخذ الجد.( )

ويبدو أنَّ معظم الباحثين العرب في ” الدولة العربيَّة ” يشعرون بجفوة أو عداء نحو مؤسَّسة الدولة القطرية، وبخاصّة في المشرق العربي، لأنّها نشأت في تقديرهم كجزء من الخطَّة الإستعماريَّة في تسويات ما بعد الحرب العالمية الأولى، وجاءت مضادّة لأحلام وآمال العرب في دولة عربية موحَّدة، وربّما شعروا أنَّ مجرَّد دراسة وتحليل هذه الدولة القطرية قد يضفي عليها ” شرعيَّة ” لا تستحقّها. ولكن هذا الموقف الإيديولوجي من الدولة القطرية لا يتناسب وضرورة دراستها موضوعياً كجزء من الواقع العربي القائم.

فأيّاً يكن أصل الدولة العربيَّة القائمة، وأيَّاً تكن قوّتها ووظيفتها، سواء لتحرير المواطن، أو نجد فيها مصدراً للإستلاب أو وسيلة للإدارة الفعّالة، هي تعنينا، لأنَّها قائمة بالفعل، فمنطقها يفرض على دعاتها والقيّمين عليها أن يبحثوا لها عن شرعية تاريخيّة، أيّاً كان التاريخ، وأعداؤها ومنافسوها يسعون على العكس إلى التشكيك بتلك الشرعيَّة وإلى التركيز على هشاشتها واصطناعها.( )

  يتبيَّن لنا، في ما تقدّم، أنَّ مشكلة الدولة العربيَّة الحديثة هي مشكلة بنيوية، ولها علاقة جوهريَّة بالمرحلة التاريخيّة المحدّدة التي شهدت نشأة هذه الكيانات. فمن الواضح اليوم أنّ هذا المنطق، وما يترتّب عليه من تخريجات نظرية، أو إيديولوجيّة، لم يعد ينطبق على واقع الحال. فالدول العربيَّة في الوقت الحاضر، تتمتَّع على الأقل، بمظهر الإستقرار والإستمراريّة، وإنّ ثباتها ينبغي ألاّ يكون أمراً مستغرباً، فهي عاشت قدراً واضحاً وظاهراً من الإستقرار السياسي، على الأقلّ الخارجي القائم في دول لم تعرف إستقراراً حقيقياً لفترة طويلة، الأمر الذي أكسبها قدراً من الشرعيَّة الشكليَّة.

4-2-2 الاستقرار الظاهري: 

إنَّ ظاهرة الإستقرار – الظاهري على الأقل – قد ميَّزت الوضع العربي منذ السبعينات، وهذا ما يتناقض مبدئياً مع التنبّؤ بالإضطراب المتزايد مستقبلاً . إنّ دراسة هذا الإستقرار، تمَّكن، في الوقت ذاته، من توضيح التوازنات التي يقوم عليها هذا الإستقرار، فهذه التوازنات تعكس في الوقت ذاته بعض صفات الدول العربية ونظامها السياسي القائم، وهي على الموقع الذي يشغله فيها رجل قوي المركز ومُنظم للنخبة التي يقودها، وهو قد يتخذ عدداً من أساليب وتكتيكات الزعامة المختلفة. وقد يتمتّع بموقع يتغلغل في عدد من شرائح المركزيَّة والسيطرة، ولكن الإستقرار في جميع حالاته يرتبط بزعيم واحد، أو بزعماء منفردين متعاقبين، يخلف أحدهم الآخر وهو محاط بالأتباع، ولكنه يبرز بينهم بوصفه القائد وصاحب القرار والمناور المنفرد، ولو أنّ عليه أن يظهر من بين صفوف مجموعة الحكم في السنين الأولى من زعامته.

كما أنّ من صفاتها هو أنّ جانباً من هيكلها يتمثّل بالتعديل والتغيير الدوري للمنظمة السياسيَّة أو إتجاهاتها، في حين يظلّ الزعيم في سدَّة الحكم للمنظمة، إلاَّ إنَّه يقوم بين حين وآخر بتغييرات جذرية في المجموعة المحيطة به.

والتساؤل المهم الذي يمكن طرحه هو: هل آمنت الدولة العربية بقائدها حتّى الآن لأنَّها كانت قادرة على اكتساب الشرعيَّة الشكليَّة لنظاميها السياسي والإجتماعي، أم أنّ هذا البقاء كان مجرّد عمل قوَّة وسيطرة مُغرقتين للدولة ؟

يتّضح من صفات الدولة العربيَّة الحديثة أنَّ استقرارها ينبغي تفسيره بنظريَّة ثنائيَّة تأخذ بالإعتبار الجوانب المستكنة والديناميَّة معاً.

في ضوء الجانب الأوَّل تمكَّنت الدولة العربيَّة من الحفاظ على نفسها منذ السبعينات لأنّها مارست بشكل فعّال أدوات السيطرة لكي تقلّل من إمكانية هجوم عنيف ضدّها، أو من توقع ظهور معارضة قويّة. وليس من التفكير الواقعي على حدّ قول وليام زارتمان التقليل من فعالية أجهزة المخابرات والأمن الداخلي في الدولة العربيَّة، سواء كأداة للسيطرة أو التحكّم في المعارضة الممكن ظهورها، أو كوسيلة لمكافحتها إذ أسفرت عن وجهها وكنتيجة لمثل هذا الإقتدار تحدّ الدولة من آمال

المعارضين المحتملين، ذلك أنّ موضوع المعارضة والسيطرة عليها ما هو إلاّ مسألة دورة من التدجين الإجتماعي والتغيير بالنسبة إلى الدولة.( )

وحتّى أكثر من ذلك، يمكن التطلُّع إلى ما وراء قوّة الدولة، إلى المؤسَّسات المختلفة والمعقدة، سواء أكانت تنظيميَّة “بيروقراطية أو عسكرية أو حزبيّة” أم ثقافية “دينيّة أو مجتمعية” والتي تشكّل صلة الوصل بين الرأي العام والنخب السياسيَّة، ليتَّضح أنّ هذه المؤسَّسات تمثّل أداة تفسيرية أكثر تطوّراً لفهم مرونة الدولة وبقائها.

كما أنَّ التقدُّم العلمي التكنولوجي، إلى جانب الإرتفاع الحاد في القوّة الشرائية للبلدان العربيَّة في أعقاب طفرة أسعار النفط عام 1974، عنى في الواقع أنه بات بإمكان سلطات الدولة استخدام وسائل جديدة للقمع والاكراه، تبدو معها وسائل التحكم السابقة بالمجتمع باهتة وغير مجدية وكأنَّها لا قيمة لها، فالدولة العربيَّة تنزع الى تخريب قدرة الناس أو رغبتهم في القيام بتحد فعال ضد الحكم. فهيمنتها الواسعة على وسائل الاعلام والأفكار، وبث المعلومات وتأطير عمل الصحافة، يُمكن الدولة ليس من التدخل بقوَّة في ما يعرفه الشعب فقط. بل كذلك لتكييف الاهتمامات والمطامع السياسيَّة و الاجتماعيَّة لهذا المجتمع.( )

أما الجانب الدينامي في الاستقرار كما يطرحه وليام زارتمان، فهو نتيجة لممارسة دينامية يعود فيها الحكَّام مرَّة بعد أخرى الى التجمع دوريَّاً حول قضايا معيَّنة، وذلك لتبني اتجاهات سياسيَّة جديدة، ويتم التغيير في اتجاه الدولة امَّا بتعاون ممثلي فئات جديدة وإما بأتباع اتجاهات سياسية جديدة لمواجهة التحديات أو بهما معاً، ومن ثم فإن الدولة لا تسيطر على المطالب التي تُطرح عليها فحسب، ولكنها كذلك تلبي بعض هذه المطالب وتعود بصلتها الى صلب المجتمع، إن لم نقل تقوم بتمثيله فعلاً.( )

اضافة الى ما تقدم، فأن الاستقرار السياسي يفسره ايضاً مسلك الأنظمة السياسيَّة منذ الستينات على الأقل، حيث اتخذت هذه الأنظمة – ذات الأصول الغريبة عن العاصمة وعن المدن الكبرى – خطاً شعبياً ناجحاً، أداته أساساً القدرة العسكرية في سبيل ضرب الفئة  التي كانت لها السيطرة التقليديَّة على السياسة المحليَّة، وعلى الاقتصاد .

لقد نجحت هذه السلطات بذلك الى حد بعيد لانها استطاعت التماهي مع مصالح الأكثرية الساحقة من السكان وهي أكثرية يحكمها حراكان، جغرافي واجتماعي. ومن الواضح أن وسائطه اصبحت معروفة : المدرسة والثكنة والحزب الواحد والتنشئة ووسائل الاعلام وتمكَّنت الأنظمة من إعطاء هذه الأكثرية تقديمات جديدة وامالاً جديدة، سواء كان ذلك بالمزيد منها حتى بدور سياسي ما.

كما ساعد على هذا الاستقرار انكسار موجة التغلغل المستمر في صلب القيادة السياسيَّة نتيجة عمليَّة التجاذب داخل النخب الجديدة منذ الستينيات، وضعت المعارضة اليساريَّة للأنظمة القائمة لأسباب عدَّة منها نجاح الأنظمة السياسيَّة العربيَّة في مجال التعبئة الشعبية القائمة على منحى اشتراكي، والريع النفطي الذي استقطب قطاعات واسعة من الشباب ومنها أيضاً تمكن الأنظمة الشعبية بعد استقرارها من ضرب هذه التيارات أو من تهشيمها وبفضل أجهزة قمع متطورة. يضاف الى ذلك اهتمام القادة الجدد باستمرار الافادة من العلاقات القديمة والعصبيات التقليديَّة والقبليَّة( )

وهكذا وجدت الأنظمة السياسيَّة العربية نفسها في موقع يناسب استمرارها الى حد بعيد فالنخب التقليديَّة قضي عليها في مرحلة سابقة “سوريا”، أو تآكل نفوذها بفعل نمو الرأسماليَّة التدريجي “لبنان”.

والتحدي اليساري سهُلت معالجته بفعل انقساماته، وتضاؤل صدى دعواه في مرحلة غلب عليها الريع النفطي، ونجاح أجهزة الاستخبارات الحديثة. وربما يكون أهم من كل ما سبق اندماج أيدولوجيا الدولة الشعبيَّة في صلب الثقافة السياسيَّة و كأنها أمر لم يعد قابلاً للجدل( ) وهكذا يتبين لنا أن كون الدولة العربيَّة بنظامها السياسي تتمتع بمثل هذا المدى من الاشراف والسلطة يجعل من السهل رؤية هذا المدى كسبب لقابلية التكيّف في البلدان العربيَّة ونظمها السياسيَّة، وسبرغور وجه معين لواقعها المعاصر، وقد يشكل هذا الأمر تفسيراً لأستقرارها وديمومتها.

ولكن ينبغي أن نفهم أنَّ استقرار وديمومة الدولة العربيَّة هذا لا ينطوي ضمناً على رأي في “حكم صالح “، كما ينبغي الاَّ يساوي الاستقرار بالشرعيَّة، فمن المتصور أن يُعد نظاماً ما غير شرعي من قبل ابناء الشعب ويكون مع ذلك مستقراً إذا كان هؤلاء غير قاديرن على زعزعته و غير مستعدين لذلك. فالبحث عن تفسيرات لديمومة الدولة العربيَّة و نظامها السياسي يمتد الى ما وراء هذه التعاريف و الفرضيات التي قدمت. وعليه فهناك من الأجوبة ما يقضي بنفي الاستقرار السياسي.( )

والرأي هنا يؤكد بعض الحقائق وهي:

-انَّ استمرار رئيس الدولة في منصبه ليس معياراً حقيقياً للاستقرار فالمجتمع السياسي العربي يشهد في الواقع صراعاً عنيفاً، وعلى الأنظمة السياسيَّة ان تتأقلم بأستمرار مع هذا الصراع. إن الانظمة تدير الأزمات فعلاً، ولكن من دون أن يؤثر في نتيجتها النهائية.

-ان ما نجحت  به الأنظمة هو إخفاء الغليان، وتأجيل الانفجار وذلك من خلال تحكمها بوسائل الاعلام الداخلية ورقابتها الصارمة على امكانيات الاعلام الخارجي في رصد الاحداث داخل هذه البلدان.

-إن التراكم الهائل في مجالات القمع والكبت والمراقبة والتفوق في الأجهزة العسكريَّة والامنيَّة والمخابراتيَّة القادرة على ضرب اشكال المعارضة الداخلية من دون ان تأبه لمبدأ او قانون أو عقد، إنَّما هي القدرة المتفوِّقة والمتميِّزة والمنظمَّة والمجهَّزة لممارسة “الاستبداد الشرقي ” القديم بوساطة الوسائل التكنلوجيَّة الحديثة.

-إن نشأة نظام اقليمي عربي سياسي جديد يحكمه منطق الاستقرار السياسي في داخل كل دولة بفضل عدد من العناصر المتكاملة مثل تحسين شرعيَّة بعض الدول التقدميَّة عام 1973 بعد هزيمتها عام 1976، واستمرارية الأنظمة المحافظة، واستعداد الدولة التقدميَّة للتأقلم مع هذا الواقع، والنمو الهائل في عائدات النفط “الريع النفطي” وتسرب العائدات الى الدول الغير منتجة.

-تقارب أغلب البلدان العربيَّة مع الولايات المتحدة، الأمر الذي حمل الأخيرة على دعم استمرار الأنظمة القائمة واستقراراها على الرغم من تنوع اتجاهاتها السياسيَّة .

-المجال الواسع لتحرك الايدولوجيات المحافظة التي كانت مكبوتة في مرحلة الاستقلال الوطني السابقة، نتيجة الظروف التي مرَّت بها الأيدولوجيَّة الوحدويَّة والاشتراكيَّة في مرحلة الستينات والسبعينات، ويمكن اضافة اجابات أخرى الى هذه الاجابات النافية لحالة الاستقرار وتتمثل في أنَّ البعض يدحض ظاهرة الاستقرار ويزعم أنَّ الدولة العربيَّة ” هشة ” وانَّ استقرارها صوري أكثر منه حقيقي، ذلك أنَّ الاقطار العربيَّة التي تعبّر عن تجزئة سياسيَّة اكتسبت ما يسمى بالشرعيَّة الدستوريَّة أو القانونيَّة من خلال عهود الاحتلال والاستعمار فجائت حكوماتها لترث وضعاً دولياً معروفاً قائماً على هذه التجزئة، بوصف أنَّ ذلك الوضع وتلك التجزئة يقيمان حالة نهائية، في حين كان القوميون بنظرون الى الدولة العربيَّة الحديثة كدولة مرحلة، لا كدولة مصير، أي لم تكن الأنظمة لتمتلك كامل الشرعيَّة القانونية التي تؤهل الاستقرار السياسي.

وهنا أصبحت القوميَّة في جوهرها نظريَّة للشرعيّة السياسيَّة، وهي تعتبر أنَّ الحكم ينبغي أن يقوم على تطابق الانتماء الثقافي بين الحاكمين و المحكومين، مما خلَّف ردود فعل الحكومات القطرية على هذا التوجُّه، بحيث بدأت تتمسك بالصيغة القطرية، وحمايتها بالقوانين الاستثنائية البعيدة عن سلطة القانون، وتفريغ المؤسسات الدستوريَّة و القانونيَّة من جوهرها.( )

واذا كانت التجزئة بتناقضاتها وردود الفعل عليها تمثّل حالة نفسيَّة مستمرة فيما بين الجماهير والحكومات المتمتَّعة بالشرعيَّة الدستوريَّة والشرعيَّة السياسيَّة، فإنها تفتقد هذه الشرعيَّة في ضمائر الناس، لذلك فإن الثقة المتبادلة على هذا الاساس، لابد من أن تمثّل تناقضاً جدليَّاً اكيداً وربما مُستمراً بين التجزئة والحريَّة، ومن ثم بين مؤسسات التجزئة والديمقراطيَّة، أي انه حيث لا يجد الانسان نفسه في اطار شرعيَّة سياسيَّة تمثل حقيقته، بل يجد نفسه في اطار آخر مناقض لحقيقته وطموحه، وحيث يجد الانسان نفسه يعاني فوق ذلك أزمة التنكر لحقوقه الاساسيَّة في الحريَّة والديمقراطيَّة، فأنه بالطبع معرض لواحد من موقفين أساسين: إما الانكفاء الذاتي على الذات، وإما الانكفاء على العنف، أيَّاً كان شكله ومعناه.( )

وعلى هذا الأساس فأن رؤية الدولة العربيَّة و نظامها السياسي في هذه الوجهة – وجهة الاستقرار الشكلي – غير كافية، أو غير دقيقة بمنحها صفة الوجود القومي الشرعي والممارسة الشرعيَّة للسياسة والاجتماع.

4-2-3 العنف السياسي والإحتكار الاقتصادي:

إذن ثمة خصائص معينة للبيئة السياسيَّة العربيَّة خلال الحقبة المعاصرة جعلت للعنف السياسي الرسمي، وغير الرسمي، موضعاً مهماً في الحياة السياسيَّة العربيَّة، الأمر الذي يطعن في شرعيَّة البنى السياسيَّة العربيَّة، وإن كان المقصود بالعنف السياسي الاستخدام الفعلي للقوة أو التهديد باستخدامها، لتحقيق  اهداف سياسيَّة أو اهداف اجتماعيَّة لها دلالات و أبعاد سياسيَّة بشكل يأخذ الأسلوب الفردي أو الجماعي، السري أو العلني، المنظَّم او غير المنظَّم.

أما الخصائص فهي( ):

مركزية السلطة السياسيَّة ، وقد تمتَّعت مركزيَّة السلطة المعاصرة بمظهرين متكاميلن: الأول تركيز السلطة عسكريَّاً وسياسيَّاً وأمنيَّاً في شخص رئيس الدولة، وقد اقتضى هذا الأمر على الاعتماد الكلِّي على ظبط المواقع الاستراتيجيَّة الحساسة سياسيَّاً وأمنيَّاً، من أجل دعم وحماية السلطة، مما ادى الى ازدياد أهمية العنف والقمع في الحفاظ على الاستقرار السياسي.  المظهر الثاني هو الدور المتضخم للجهاز الاداري في الاقتصاد بعد ان انتزعت الدولة لنفسها الدور الرئيسي في تسيير معظم المؤسسات الاقتصادية، فأصبحت الدولة ربَّة العمل، والهيئة المُوظِّفة الرئيسيَّة للقوى العاملة، وقد اكتسبت الدولة عن طريق احتكار السلطة الاقتصادية قوة اضافية مكَّنتها من احباط  أي مبادرة سياسية للخروج من هذا الشباك المحكم، والميزة الذي يأخذها مثل هذا النظام  هو حماية الحريَّة الاجتماعيَّة.( )

انَّ هذه الخاصية تكاد تكون شبه عامة في معظم الانظمة السياسية العربية، سواء أكانت ملكية أم جمهورية، غنية ام فقيرة، بغض النظر عن الايدولوجيا السياسية لهذا النظام السياسي أو ذاك. وهذه الخاصيَّة جعلت البعض يطلق على هذه الدولة ” الدولة الرعوية “.

هذه الدولة التي تتصف بالمركزية الشديدة والسلطوية تحتاج الى العنف أو التهديد بالعنف كي تقوم بوظائفها( )، وهذا أدى الى بروز الأسر الحاكمة كأنها مؤسسات سياسية تملك الدولة، وهو ما يعني تكييف أجهزة الدولة الحديثة لمتطلبات القبلية والطائفية، ومحاولة النخب الحاكمة المحافظة على العلاقات التقليدية، في ظل النظام السياسي الحديث والاوضاع الاقتصادية المستجدة، مما يدفع بها الى اعطاء أهمية استثنائية لأجهزة القمع والارهاب السياسي معتمدة في الوقت ذاته على الدول الكبرى في الدفاع عنها داخليَّاً وخارجيَّاً حينما تعجز عن تحقيق اي تقدم اقتصادي وسياسي، ويترتب على ذلك ان تقوم شرعية النظام فيها على استعمال العنف والقوة اكثر من اعتمادها على الشرعية التقليدية( ).

ومن جانب آخر، إن الاخفاق  الاقتصادي والسياسي للدولة الرعوية عمل على اضعاف ما كانت تتمتع به النخب الحاكمة من شرعية سياسية، وفي كثير من الاحيان أدى الى تقويض تلك الشرعية، بل أدى الى تسيب الشرعية السياسية في البلدان العربية، وان كان لم يأخذ شكل الثورة،  الأ أنه، من دون شك، قد أخذ شكل فقدان الثقة عند المواطن و تشكيكه في كل شئ.( )

-عدم امكانية التناوب الديمقراطي على السلطة السياسية في المجتمع العربي، وهذا يعود الى ان الانظمة السياسية العربية لا تملك قواعد واضحة للعمل السياسي الديمقراطي ولا توجد فيها ايدولوجية مستقرة، إنما تطغى عليها الاعتبارات الشخصية( ) فالصفة السائدة للأنظمة السياسية العربية في السبعينات والثمانينات، هي وجود جماعة سياسية واحدة وعدم وجود مجال للتناوب، والمعارضة لا تشتت ولا تصفى ولا تشترك في الحكم، بل انها تستخدم بما يفيد بقاء النظام، وهي تنحو الى القبول بهذا الاستخدام لسبب ما، وهو ليس أنها تتوقع أن تجد نفسها في السلطة في المستقبل، سواء عن طريق الانتخاب أو غيره. وهذا ما يُفقد الجماهير صدقية المعارضة الشرعية، وكذلك جدوى العمل العام. ومن هنا كان عزوف المواطنين عن المشاركة السياسية يتمثل في أبسط صورها.

-صراع الاتجاهات المتلازم بين ماهو مطلق وشامل، وماهو موضعي ومحدود، أو بين قوى تسعى نحو التوفيق والانسجام في الشكل والمضمون، وبين قوى متأصلة موضعية تحاول الحفاظ على ماهو خاص في هويتها.

إن هذه الحالة الصراعية هي الحالة السائدة بين مختلف القوى السياسية في المجتمع العربي وفي ظل غياب تقاليد الممارسة الديمقراطية، لابد من أن يكون العنف خياراً متاحاً لهذه القوى في نطاق صراعها السياسي، وبخاصة حينما تكون الدولة في حالة من الضعف، وعندما تكون الدولة قوية ومزدهرة، تسود حالة من التسامح.( )

-عدم قدرة الأنظمة السياسة العربية على استيعاب القوى الاجتماعية والسياسية الجديدة في المجتمع العربي (وبخاصة الشباب)، وعدم انشائها المؤسسات السياسية القادرة على استيعاب طاقاتهم و اشتراكهم في صنع السياسة المرتبطة بمستقبلهم، الأمر الذي أدى الى فقدان قطاعات كبيرة في المجتمع الثقة في جدوى ممارسة أي نشاط سياسي في اطار المؤسسات الشرعية القائمة، وقد انسحب هذا الامر ايضاً على التشكيك في شرعية الأنظمة العربية، وذلك لأن الشرعية، وبخاصة أثناء فترات التغيير والبناء، تكون في موضع شك اذا حدث فيها تهديد لمركز الجماعات التقليدية الرئيسية، أو اذا حرمت الجماعات الناشئة من دوخل المعترك السياسي، ولا سيما في الفترات الحاسمة، أو اذا انهارت فاعليته في تحقيق أهدافه.( ) ان جميع هذه الخصائص تشخص لنا الظاهرة التسلطية للدولة والنظام التي هي الشكل الحديث والمعاصر للدولة المستبدة. وهي ككل الاشكال التاريخية  للدولة المستبدة (كالأقطاعية والسلطانية والبيروقراطية…)( ) تسعى الى:

– تحقيق الاحتكار الفعال لمصادر القوة والسلطة في المجتمع لمصلحة النخبة الحاكمة، وتحاول بصورة مستمرة أن تحقق هذا الاحتكار عن طريق اختراق المجتمع المدني وتحويل مؤسساته الى تنظيمات تضامنية تعمل كامتداد لاجهزة الدولة.

– استعمال العنف او القوة والارهاب كمصدر للشرعية اكثر من اعتمادها على اي من مصادر الشرعية السياسية. لذلك يتسم نظامها السياسي بغياب اي مظهر من مظاهر الديمقراطية.( )

– اختراق النظام الاقتصادي والحاقه بالدولة. وهذا لا يقود الى الاشتراكيَّة أو تسييد دور القطاع العام بما يفيد هذا المنهج، بل على العكس يقود الى رأسمالية الدولة التابعة التي تدخل فيها الدولة في علاقات اقتصادية وسياسية غير متكافئة مع الدول الاخرى.( )

ان النتيجة المترتِّبة على ذلك كله أن بناء أنظمة الحكم في هكذا دولة يقوم على شرعية التسلط والارهاب بدلاً من الشرعية الدستورية او السياسية التي تحظى برهن افراد المجتمع، وضمن السلطة الرقابية للشعب، وهو أمر لابد من أن يقود الى مزيد من الاحتكاك والعنف السياسي( ) وتدهور العلاقة بين البنى السياسية والبنى المجتمعية.

4-3 شرعيَّة النخب الثوريَّة الحاكمة:

لقد ترتب على ما تقدم أن الذي حصل انما هو تركيز شديد في عناصر القوة السياسية عند قمة الهرم السياسي، وقد قبلت ” الجماهير” هذا الوضع لفترة من الزمن على اساس ان الانظمة السياسية العربية، وبالأخص الراديكالية، تسعى الى تحقيق بعض الاهداف القومية، والعدالة الاجتماعية، والتنمية الشاملة التي خاضت في سبيلها هذه الانظمة معارك شتى داخلية مع القوى السياسية المنافسة. وانتهت بتصفيتها والقضاء عليها، أو مع القوى الخارجية و انتهت بهزائم ابرزها هزيمة عام 1967.

نجد هذه الانظمة منذ الثمانينات تواجه مشكلة تآكل شرعيتها السياسية كحصيلة لفشلها في الحفاظ على الاستقلال الوطني وفشلها في التنمية، كما تواجه تهديدات الامن من قبل القوى الاجنبية، وتعجز عن تحقيق قيم الديمقراطية والمشاركة السياسية. وكان رد فعل بعض هذه الانظمة لأنقاذ شرعيتها هو تطبيق استراتيجية( ).

-النزوع الى تعددية سياسية مقيدة لتخفيف الضغط عن النظام السياسي واتاحة الفرصة للأصوات المعارضة أن تعبر عن نفسها، وذلك في حدود الدائرة الضيقة التي رسمتها للمشاركة التي تتضمن امكانية تداول السلطة شكلياً.

-ممارسة القمع المباشر ضد الجماعات السياسية التي لم يُعترف بحقَّها في المشاركة السياسية، أو التي لم تقبل بفكرة التعددية السياسية المقيدة، وفق الصيغة الغربية، وتهدف الى الوصول الى السلطة، واهمها الجماعات الاسلامية الاحتجاجية.

أمَّا الأنظمة الملكية فبعضها أدرك تحول حركة التاريخ في اتجاه التعددية السياسية فسارع نحوها، كما هو الحال في الاردن الذي اجريت فيه انتخابات حرة، أدت الى حصول الاسلاميين على غالبية في مطلع التسعينات من القرن الماضي( ) سمحت لهم بالأشتراك المكثف في الوزارة لأول مرة، وبعضها مازال مغلقاً على ذاته مصَّراً على الاعتماد على شرعية التقاليد.

نجد اذاً المجتمع العربي أمام سيادة نمط الدولة التسلطية، بأنماطها الملكية والجمهورية على السواء، والتي تواجه ظاهرة تآكل شرعيتها في الوقت الراهن.( )

اذا ما عرفنا ان الشرعية دالة في عدد من المتغيرات السياسيةالاخرى: الهوية، المساواة، المشاركة، التوزيع، يمكن عدّها مفهوماً ملائماً لبناء المؤشرات على استقرار الانظمة السياسية، وكما يقول الجابري:” حيث أصبح الناس يشكون في قدرة الخطاب السياسي المنبثق عن الحركة التحريرية، هذا الخطاب الذي يطرح مشكلة الدولة والمجتمع والعلاقة بينهما من منظور يعالج بالأساس مسألة السلطة( ) فهناك عدد من العوامل التي ساهمت في تآكل شرعية النخب الحاكمة، حيث ارتبطت شرعية الحكم في جانب منها بالنضال من اجل تحقيق الوحدة العربية وتحرير فلسطين. كما أن ضعف هياكل الدولة الوطنية لدى بعضها، مثل السودان، فضلاً عن تعرض هذه الدولة لفترات  ليست قصيرة لحكم نخب تقليدية، قد حدَّ من اندفاع عملية التحديث. الى جانب ذلك، لم يعد بإمكان الجيل الجديد، في معظم الاقطار العربية،أن يحصل على نصيب من السلطة السياسية بعد ان أكتمل بناء هياكل الدولة الوطنية ، بحيث أصبح الالتحاق بها موضوعاً للمنافسة السياسية مع النخبة الحاكمة. وهكذا فأنه بينما كان التوسع في التعليم والتصنيع والمشاركة السياسية ورفع مستويات الحياة، شعارات تطلقها النخب التحديثية الحاكمة، عن برامجها من ناحية، وسعياً وراء الفوز بالتأييد الجماهيري من ناحية ثانية، فان المطالب نفسها قد أصبحت تمثّل ضغطاً على النخب الحاكمة، وتضيف أعباء على النظام السياسي في الوقت الذي تقل قدرته  بشكل ملحوظ على الاستجابة لها.

ولم يكن الحال محصوراً في هذه الاقطار فقط، فالصعوبات منذ عام 1967 قد واجهت الدولة والنظام السياسي في أغلب الاقطار العربية فالأنظمة السياسية العربية التي كانت تستقي شرعيتها من الايدولوجية الثورية، أو من زعامة كاريزمية أو من سلطات نابعة من الاعراف والتقاليد، فقدت الكثير من صدقيتها. فالإخفاف الذي واجه أغلب هذه الانظمة السياسية العربية، في المعالجة للهموم التاريخية الكبرى للجماهير العربية، قد أضعف كثيراً من شرعية تلك النظم، وهي شرعية كانت ضعيفة في الاساس.( ) ولهذا لم يكن بمقدور هذه الانظمة ان تتجنب ازمة الشرعية بتقديم تنازلات تأتي متأخرة، فهذه الأنظمة دخلت التاريخ بدرجات مختلفة، بحسب ظروفها الذاتية والموضوعية، أزمة الشرعية حادة تتسم بالفصام بين “بلد الدولة” و”المجتمع الفعلي”.ولعل الجانب الخطير لهذه الازمة هو وجود وضع متفكك اكثر مما هو وضع ثوري.إنه وضع يبقى فيه النظام قائماً، ولكن من دون سند جماهيري أو رغبة حقيقية في بقائه، ومع هذا فهو وضع من دون آفاق تطورية، مادامت القوى المعارضة غير قادرة على الوصول الى السلطة فهناك من الؤشرات ما يدل على أن بعض الانظمة السياسية العربية قد أصبحت تدرك انها في أزمة سياسية- شرعية – وأخذت تبحث عن امكانيات جديدة لنفسها عبر طروحات مثل التفتح السياسي ” واللامركزية ” ” وبناء المغرب العربي الكبير “.

وحتى في ظل الازمة لم تكن هناك بوادر حسنة من قبل الانظمة السياسية العربية لكي تعطي الفرصة أو قنوات لمعارضة أو قنوات للمعارضة السياسية تعمل من داخل النظام القائم من دون ان تتحدى القيم الجوهرية للبناء الاجتماعي والسياسي. وأدى هذا الوضع بأغلب القوى الاجتماعية والسياسية – التي لم تجد من القبول لها الاستمرار في تأييد النخب الحاكمة – الى الاندفاع للبحث عن بديل لهذه النخب الحاكمة من خارج النظام السياسي بأكمله.

إن ذلك يفسر لنا أن الانظمة السياسية العربية قد تعرضت وستتعرض مستقبلاً لضغوط من داخل التكوين الاجتماعي والسياسي للبلدان العربية، كما أن هذه الضغوط واتجاهاتها تتوزع توزيعاً غير متكافئ على الدول والانظمة العربية. فالدولة العربية لم تتعرض في الثمانينات للضغوط الخارجية وحدها، بل تعرضت لضغوط داخلية كثيفة( ).

وكانت الانظمة ذاتها محركاً سياسياً لها من خلال سياستها الاقتصادية غير الناضجة. والبعض الآخر تولَّد عن ظهور حركات المعارضة الفكرية والسياسية والدينية والطائفية والقومية نتيجة هيمنة الدولة على المجتمع وتصدع التوازنات والاجتماعية التي شكلت الدولة المهيمنة بأشكالها المختلفة في العالم العربي.( )

ان هذا النمط من الدول لايقبل التحدي “المعارضة” وتعدد المشاركة، ويترتب على ذلك عدم التسامح مع الحريات المدنية والسياسية الأساسية. وفي أغلب الاحوال يكون مصدر هذه الدولة هو القهر، فعندما تنعقد السيادة لمؤسسات القهر ويصبح القهر هو النظام الاساسي لعلاقة الدولة بالمجتمع، نكون أمام دولة سلطوية تفتقد الشرعية السياسية.

وعليه تبقى السلطوية، هي الصفة المشتركة لأغلب البلدان العربية ، حيث لم يسمح لأي تيار سياسي بالتعبير المستقل عن ذاته في الحياة السياسية. وبشكل عام، فقد عمدت الأنظمة السياسية في مختلف الاقطار العربية الى تبنّي نهج أمني الى حد كبير في مواجهة تحدي المنظمات والحركات الاجتماعية والسياسية والدينية. وفي حالات كثيرة  عجزت هذه المعالجة عن حصار الظاهرة السياسيَّة الدينيَّة لسبب رئيسي، وهو أنَّها في الجوهر ليست ظاهرة أمنية، وإنما ظاهرة اجتماعية سياسية لها جذورها الموضوعية في ازمات الهوية، والانتماء وأزمات الحرية والمشاركة والشرعية، والأزمات الاقتصادية التي تعانيها المجتمعات العربية في الوقت الحاضر. أما الطابع العنيف وشبه العسكري الذي وَسمَ هذه الحركات، فلم يكن فقط نتيجة لصعود تفسير محدد للاسلام، وإنما – بصورة اساسية – نتيجة لعدم وجود منافذ مشروعة وفعالة للتعبير الايجابي عن مناخ السخط وعن القيم الثقافية والايديولوجية التي تنطوي عليها تلك الحركات ، وهو ما يدفعها الى البديل العنفي. وعليه فلا تخلو من دلالة مسألة التنظيمات الدينية السياسية الجديدة التي تحمل أسماء عسكرية مثل ” الجهاد ” في مصر( ) وهكذا يحدث هذا الامر  في ظل غياب التقاليد الخاصة بالممارسة الديمقراطية التي تدور حول امكانية التغيير باستخدام الوسائل  السياسية غير العنيفة، أضافة الى ظروف المعارضة السياسية نتيجة لفترات القمع الطويلة، وعدم قدرتها على تقديم البدائل الممكنة لما هو قائم، فيصبح العنف هو البديل المتاح، سواء من جانب الجماهير الساعية لاحداث التغيير، أو من جانب الدولة والنظام السياسي، من أجل الحفاظ على الوضع القائم.

وأخيراً فمع كل ما يبدو من استشراء لظاهرة الدولة العربية الحديثة ونظامها السياسي، فأن فشل أو ضعف هذه الدولة على الرغم مما ترفعه من شعارات وما تحمله من رموز وطنيَّة، في تحقيق اهدافها الوطنية والقومية، او في تحقيق قدر كافٍ من المشاركة السياسية والديمقراطية للمواطن…، لايمكن أن يؤدي عاجلاً أو أجلاً الا الى تعزيز القناعة لدى المواطن العربي بفشل الدولة الوطنية الحديثة في تحقيق سياستها واهدافها الرئيسية( ) وبهذا تكون الدولة ونظامها السياسي قد عجزا ان يكسبا شرعيتهما السياسية الشعبية.