د. توفيق هندي: فرنسا تُبدل قواعد الإستراتيجية الخارجية.. لبنان نموذجاً

96

فرنسا تُبدل قواعد الإستراتيجية الخارجية.. لبنان نموذجاً!

د. توفيق هندي/جنوبية/07 كانون الأول/2021

زيارة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون لدول الخليج، لا تقرأ من منظار الإنتخابات الرئاسية الفرنسية، و/أو من منظار العقود الدسمة التي وقعها ماكرون مع دول الخليج فحسب، إنما تشكل إنعطافة إستراتيجية في سياسة فرنسا الدولية عامة، والشرق أوسطية خاصة.

لا مصلحة لفرنسا بسياسة الرئيس الأميركي جو بايدن، غير المبالية بحلفاء واشنطن، والمستعلية عليهم وباخطاء الرئيس الأميركي، التي باتت لا تحصى في السياسة الخارجية، وبضعفها نتيجة ضعفه داخلياً، وأولوياتها الصينية ومبادئها ومسلماتها غير الواقعية.

ولا مصلحة تجارية وإستراتيجية مع إيران، التي باتت تتجه شرقاً (الإتفاقية الإستراتيجية ال25 عاما” الإيرانية-الصينية، إتفاقية إستراتيجية إيرانية-روسية قيد الإعداد، منظمة شنغهاي للتعاون). كما تضع إيران شروطاُ تعجيزية على الغرب، في مفاوضات فيينا التي، ولو أنتجت إتفاقاً، لن يكون للغرب الكثير ليربحه. وفي وقت ترى السعودية نفسها “مهملة”، من حليف أميركي يلهو في آسيا-المحيط الهادي، ويتحضر لصفقة “دونية” مع الجمهورية الإسلامية في إيران قد لا تحصل، ويمهد لمغادرة “شرق أوسط مقلق ولا فائدة منه”، ويرفض التعاطي مع الرجل القوي في المملكة، بحجة حقوق الإنسان التي أعطى نموذجاً مسخاً عن تمسكه بها، عند خروجه المخزي من أفغانستان وتسليم شعبها لجلّاديه، تصبح الشراكة الفرنسية-الخليجية، المدخل الذي لا بد منه لعودة الغرب إلى رشده، وإلى مصالحه في توثيق العرى مع حلفائه التقليديين والمقتدرين، بدل المراهنة على من يشهر عداءه له، ويهمشه في تعاطيه الإقتصادي لحساب شرق يشبهه في ظلاميته، أعني نظام الملالي الإيراني.

هذا ما يفسر التغيير الجذري للتعاطي الفرنسي مع لبنان. فحتى هذه اللحظة، تعاطت فرنسا مع لبنان على أساس الأمر الواقع المفروض من حزب الله، والطبقة السياسية المارقة القاتلة الفاسدة الخاضعة له، بالرغم من إنتقادها لهذه الطبقة وممارسة الضغوط عليها، كي تجري إصلاحات من رابع المستحيلات أن تجريها.  وقامت هذه السياسة، على قاعدة إدخال لبنان في العناية الفائقة، كي لا تخرب أوضاعه إلى حد يهدد الأمن والإستقرار في المنطقة، فيشكل خطراً على المصالح الإقليمية والدولية في المنطقة.

هذه السياسة، حاولت أن تتفادى مواجهة حقيقة الإحتلال الإيراني، من خلال حزب الله، وصبت جام غضبها شكلاً على طبقة سياسية فاسدة، طالبتها بأن تنتحر تعويضاً عن غض الطرف عن مواجهتها للحزب. لماذا؟ لأنها كانت لا تريد أن تزعج إيران، مراهنة على نجاح مفاوضات فيينا، وجني الأرباح في السوق الإيراني الواسع. أما اليوم، وقد زالت الآمال في تحقيق أرباح إقتصادية ذات شأن، في حال فشل مفاوضات فيينا أو في حال التوصل إلى إتفاق نووي متـجدد، يراعي الشروط الإيرانية الجديدة ويحّول إيران إلى دولة على حافة المجال النووي، بادرت فرنسا في مجموعة الدول الغربية إلى الخروج تماماً من الرهان الإيراني. إن البيان الفرنسي-السعودي يظهر بما يكفي الإنعطافة الإستراتيجية لفرنسا.

وعليه، حدد البيان المشترك موقفه من لبنان بالنقاط التالية:
قيام الحكومة اللبنانية بتنفيذ إصلاحات شاملة، بشكل خاص في قطاع المالية والطاقة ومكافحة الفساد ومراقبة الحدود.
الإلتزام بتنفيذ إتفاق الطائف.
تعزيز دور الجيش اللبناني في المحافظة على أمن لبنان واستقراره.
إقتصار السلاح بشكل صارم على مؤسسات الدولة الشرعية.
ألا يكون لبنان مصدراً لأي عمل إرهابي يزعزع إستقرار المنطقة، أو في تصدير المخدرات.
إحترام سيادة لبنان ووحدته وفقاً لقرارات مجلس الأمن 1559 و1701 و1680.

والملفت في البيان أنه لم يتطرق لا من قريب ولا من بعيد إلى إجراء الإنتخابات، وكأنه يقول أنها لا تفيد في ظل الإحتلال الإيراني للبنان والطبقة السياسية الخاضعة له.

غني عن القول، أن الحكومة اللبنانية غير قادرة وغير راغبة في التعاطي الإيجابي مع هذه النقاط، وأنها سوف تحاول، دون أي نتيجة، أن تبيع كلاماً معسولاً وإتخاذ إجراءات شكلية بسيطة لا تفي بالمطلوب.

لا شك أن هذا البيان المشترك، له أهميته الإستراتيجية، ويشكل خطوة أولى على طريق تغيير المسارات في المنطقة، حيث وصلت التناقضات العدائية بين الكيانات والدول وداخلها، إلى درجات عالية من الخطورة وبات حسمها، السبيل الموضوعي الوحيد للخروج من المأزق.