الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري: مسيحيو لبنان نحو الإبادة، بعامل جَهلهم أم ضحيّة مؤامرة؟

310

مسيحيو لبنان نحو الإبادة، بعامل جَهلهم أم ضحيّة مؤامرة؟

الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري/02 كانون الأول/2021

اعتدنا منذ هبّة الشعب في 17 تشرين الأوّل 2019، على موضة جديدة تسري بين المجموعات الثائرة من وقت إلى آخر. هيلا هيلا هُو، ثورة سلميّة، انتخابات نيابيّة مبكرة، انتخاب ممثلين عن الثورة، إطلاق وثيقة للثورة، الانتقال من الثورة إلى المقاومة، التغيير بواسطة الانتخابات النيابيّة…الخ. شعارات ومُوضات لا تكاد تظهر إحداها حتى تختفي وتُنسى ولا يعود أحد يسأل عنها. باستطاعة أيّ مراقب يَقَنٍ أن يُدرك بسهولة أنّ هذه الموضات أدخلت إلى الثورة نوعًا من السجالات السخيفة العقيمة، فحوّلتها إلى شراذيم من المجموعات المتناحرة.

أخيرًا ظهرت موضة جديدة عنوانها “الهويّة اللبنانيّة”، وبدأت تُعقد الخلوات لمناقشتها، وتُنشر المقالات عنها، وتوزّع الدعوات للقاءات حولها. وككلّ المُوضات التي سبقت، بدأت المجموعات مرّة جديدة تنسخ عن بعضها البعض بشأن “الهويّة اللبنانيّة”، لكنّ الهويّة هي ليست موضة، ومن غير المسموح التداول بها بسطحيّة وسذاجة لنيل حُظوات، عند هذا أو ذاك، لأغراض انتخابيّة أو لمطامع ماليّة، خصوصًا أنّ أيّة دعسة ناقصة بموضوع الهويّة، ستُدخل اللبنانيين بمتاهات قد تصل إلى حدّ الإبادة جماعيًّا بحقّ مكوّن أو أكثر منهم. فمدّعو النخبويّة الحديثة العهد يقاربون هويّتنا اللبنانيّة من باب المصالح الاقتصادية مع الدول العربيّة لاسيّما الخليجيّة منها، كما يرون أنّ كثرة الادّعاء بالعروبة هو سلاح مضنٍ في وجه الهجمة الايرانيّة الفارسيّة على لبنان، غير أنّ هاتين المقاربتين هما بمثابة دعسات ناقصة ومتهوّرة، إذ لا الاستعراب المطليّ بالدّجَل سيُعيد العلاقة مع الخليجيين إلى سابق عهودها في ظلّ انكار اللبنانيين المتمادي للمشكلة الحقيقيّة مع أهل الخليج، ولا العرب سيقبلون بأن يتّخذهم اللبنانيون درعًا في وجه الفرس، بينما هم، أيّ اللبنانيون، يُجالسون ذراع الفرس المسلّح، حزب الله، في نفس البرلمان، ويتقاسمون معه المؤسسات الرسميّة اللبنانيّة، وما فتِئوا يصيغون البيانات الوزاريّة الحامية لسلاحه اللاشرعي، ناهيك عن أنّ نصف الشعب اللبناني، وبسبب “خونفوشاريّة” النخب الحديثة، لا يزال معتقدًا بضرورة احتضان هذا الحزب الإلهي لأنّه “يحمي لبنان” و “يردع العدو الصهيوني”.

بالنسبة لي، هذا التجديد في مفهوم الاستعراب لَهُوَ أخطر على لبنان وعلى المسيحيين، بالإجمال، من خطر الفرس ومشروع أمميّتهم الشيعيّة، لا بل يخدم الفرس ومشروعهم. فَمَن يتمسّك باتّفاق الطائف ويرفض مسّه مخافة أن تُطرح “المثالثة” على حساب المسيحيين، فهو بطرحه “الاستعرابي” الاستعراضي يأخذ المسيحيين إلى إبادتهم، وبإبادتهم سيُباد لبنان وتتحقّق الجمهوريّة الاسلاميّة الملالويّة.

كيف؟
يصف المفكّر ميشال شيحا التنوّع اللبناني بأنّه “تشكيلة متوسطيّة هي الأصعب لحلّ رموزها”، ويخلص إلى القول: “ببساطة سكّان لبنان هم لبنانيون”. لكن هذا التوصيف الواقعي والدقيق لم يجد طريقه إلى دستور لبنان عام 1943، واستُعيض عنه بميثاق غير مكتوب (عُرف)، وغير مُلزم إلّا أدبيًّا، بين المسلمين والمسيحيين، ومفاده انّ لبنان هو “ذو وجه عربي، يستسيغ الخير النافع من حضارة الغرب”، ما يعني أنّ لبنان لا ينتمي إلى الأمّة العربيّة وهذا يُرضي المسيحيين، وفي الوقت ذاته، لا يدين بالولاء لفرنسا ولا يطلب حمايتها وهذا يُرضي المُسلمين. الفيلسوف كمال الحاج يقول عن هذا الميثاق إنّه “ميثاق تناغم حضاري بين دينين كبيرين، الإسلام والنصرانيّة”.

انفرط مكوّنا الميثاق نهائيًّا في العام 1975 حين خرج المسلمون عن العُرف بموالاتهم القضيّة الفلسطينيّة وبعودتهم إلى الحضن العربي على حساب السيادة اللبنانيّة، ولم يتردّد المسيحيون في التحالف مع إسرائيل المعادية لكلّ العرب، فدخل لبنان في حرب الخمسة عشر عامًا التي أنهاها اتّفاق الطائف. صحيح أنّ اتّفاق الطائف أسكت المدفع، لكنّه أجحف بحقّ نصف اللبنانيين، لاسيّما المسيحيين، وتخلّى عن ميثاق الـ 43 الذي شكّل حجر الزاوية للتناغم بين المسيحيين والمسلمين، إذ ثبّت دستوريًّا أنّ “لبنان هو عربيّ الهويّة والانتماء” من دون أن يأخذ بالاعتبار مَن هم ليسوا عربًا. هل الأرمن عرب؟ هل الكلدان عرب؟ هل البيزنطيّون عرب؟ هل السريان عرب؟ هل الأشوريون عرب؟…الخ. لا مشكلة في اتّفاق الطائف تعلو على خطيئة مسح المسيحيين عن الهويّة اللبنانيّة، وهو الأمر الذي يدفع ثمنه المسلمون والمسيحيون معًا، إذ على قول صائب بيك سلام “لبنان ليس بمستطاعه التحليق بجناح واحد”، وبمحاولة الطائف التحليق بجناح واحد، هَوَت سريعًا أحلام السنّة العروبيين، ودُفنت إنجازات رفيق الحريري معه، وتسلّل الفرس مجدّدًا إلى لبنان بعد 2330 عامًا على طردهم من المنطقة على يد إسكندر المقدوني، فبات لبنان عربيًّا في دستوره وفارسيًّا في ممارساته وأساليب عيشه التي تتحوّل أكثر فأكثر يومًا بعد يوم.

هبّ أهل “النخوة” لاستعادة العروبة الضائعة، فما كان منهم إلّا أن أعموها عوض أن يكحّلوها.

خطيئة الميثاق الوطني ودستور 1943 هي أنّهما لم يحسما لبنانيّة سكّان لبنان.

خطيئة الطائف المميتة هي أنّه تخلى دستوريًّا عن نظرة المسيحيين للبنان ولم يغتنم الفرصة ليحسم لبنانيّة سكّان لبنان.

خطيئة أهل “النخوة” المستعربين الجُدد هي أنّهم لا يفكّرون بحسم لبنانيّة سكّان لبنان، وهم يضعون هويّة لبنان بين القوميّة العربيّة والقوميّة الفارسيّة، ولا مكان في حساباتهم لانتماء لبناني صرف، وهو الأمر الذي سيقضي على فكرة لبنان الأساسيّة “التناغم (في الحياد) بين دينين كبيرين، الإسلام والمسيحيّة”، لصالح التصارع في التناقضات بين قوميتين كبيرتين، العربيّة والفارسيّة، وعلى حساب المسيحيين.

حمى الله لبنان من جهل الجاهلين وغباء الأغبياء، وأبعد عنّا الحاقدين الذين لا يريدون الاعتراف بتنوّع سكّان الأرض اللبنانيّة، فلبنان لن يقوم إلّا متى تعزّزت الإرادة في أن تعترف تشكيلة المكوّنات اللبنانية بعضها ببعض، ومتى نزيّن مقدّمة دستورنا بعبارة “سكّان لبنان هم محايدون لبنانيون، عاصمتهم بيروت”. عندها فقط يحلّق طائر الفينيق من دون جناحين.