الأب سيمون عساف: سؤال مواطن ما هو الوطن؟ …. يا بني أمّي إذا حضرتْ ساعتي والطبُّ أَسلمني، إِجعلوا في الأرز مقبرتي، وخُذوا من ثلجه كفني

134

سؤال مواطن ما هو الوطن؟ …. يا بني أمّي إذا حضرتْ ساعتي والطبُّ أَسلمني  إِجعلوا في الأرز مقبرتي وخُذوا من ثلجه كفني

الأب سيمون عساف/11 تشرين الثاني/2021

أنا مهاجر الى بلاد الياقوت والزمرُّد! سئمتُ من الوطن فما رأَيك؟ أَجبت!
إِذا تخلَّت الشجره عن جذورها تيبس وتموت. ونحن متجذرون في أَرضنا رغم الاضطهادات والفِتن والحدثان مهما جرى. إِذا مرضت أُمُّ إِنسان، هل يذهب للبحث عن غيرها أَم يقف جنبها، يعالجها ويعتني بها؟ وطالما الأم وطن فكيف لا نقف بجانبه ليشفى؟

هل يجوز أَن أَبحث عن وطن آخر؟
تقول الأديبة غادة سمَّان:” لا تحاول أَن تأخذ شجرتك معك الى الغربه كي تحظى بظلها، لأن الأَشجار لا تعاشِر. إِذا كان وطني غلطانا فأَنا معه، إِذا كان بردانا فأَنا ثيابه، إِذا كان مريضا فأَنا طبيبه، اذا كان عجوزاً فأَنا عكازه، وإذّا كان حفيانا فأَنا نعل حذائه، لأَنه في النهاية هو ترابُ أُمي وأَبي وجدودي وأَرفِتة الشهداء. ومن لا يحس بوطنه ويشعر به، تنقصه إِنسانية الإِنسان. ليس الوطن حفنة من الدولارات، بل حفنة من التذكارات والأشواق والأهل والأحبة والأَنسباء والخلاَّن…

سرير الذهب لا يبعد عنا الأَحلام السمجة.
لِذا فالوطن هو كناية عن علاقة بين الدم والتراب، والأصالة والحنين، والعراقة والتاريخ، والتراث والتقاليد، والهوية والانتماء. نعم إنه أَمكنة الراقدين في المدافن وهم قِطَعٌ منا تنام في سكينتها، طيب ترابهم يدل على مراقدهم.

وما عند مجتمعه يختلف عما عند سِواه.
إِن مفهوم الفضائل والقيم، والشمائل والشيم، والشرف والشؤمة، والعز والفخار، والترصُّن والتربية، والعيب والاحتشام، والعَرض والعار، والنبل والنفاق، والأمانة والخيانة، والثقة والوفاء، وإِلى ما هنالك من بقية مرادفات للآداب الراقية والأخلاق الحميدة… هذه مكوِّنات بل مسلَّمات ينشأ عليها الفتى ويترعرع فتنغرس في الصميم وفي اللحم والشحم، ولا تقوى على انتزاعها من العظام سوى مجاعة الموت.

هذا هو الوطن!
هو أَنا بكليتي، بتركيبتي الجينية والمادية والروحية. وفائي له وتعلقي به أَينما كنت وحيثما حللت، لا يفصلني عنه أَبدا. ولم أَنسَ طفولتي التي درجت على أَديمه وتظللت سديمه، واختزنت حتى الاكتناز من هوائه البليل، وتقلبات الفصول في مساحاته المخضلَّة. وماذا أَقول عن وطني العظيم الذي أَنتج رجالا عظماء، قديسين وشعراء، فلاسفة وأدباء، وفوارس وشهداء أَعطوا الأرض كذلك أَعطوا السماء.

في كل أَشواط الحياة له بطولات، هي موضوع شموخ وسؤدد وإِكبار وعنفوان.
من هذا المنظار لا يطاوعني لا الحنين ولا الضمير أَن أَخلع عني أَلبِسَتي وأَتزيَّا بأَزياء غريبة فأَنسىى الأصل والفصل وكأَن شيئا لم يكن.
هذه خواطر مرَّت ببال دوَّنتها لكل كريم محتد ومنبت ومشرب، عساه يُخلِصُ للعتاقِ من الآباء والأجداد وحكاياتهم والمعاناة التي قاسَوا عربون تقدير للإِرث واحترام للتركة. وفاءً لأَنكد التضحيات وولاءً مني لك يا وطني، أَحيَّك مردداً مع الشاعر اللبناني داود عمّون:
يا بني أمّي إذا حضرتْ ساعتي والطبُّ أَسلمني  إِجعلوا في الأرز مقبرتي وخُذوا من ثلجه كفني