الكولونيل شربل بركات/القرداحي وأزمة الحكم في لبنان

438

القرداحي وأزمة الحكم في لبنان

الكولونيل شربل بركات/30 تشرين الأول/2021

عادة ما يكون إبداء الرأي بالأحداث من حقوق الأشخاص في الدول المتطورة، ولكن كلما تقدم موقع الشخص الذي يصرّح وأصبح عاما كلما تطلب منه حساب كلماته وتصاريحه لكي لا يتسبب بأزمة تعود لتسرعه بإعلان آرائه الشخصية وفهمه للأمور، والتي قد تكون أحيانا مخطئة بسبب قلة المعلومات أو منحازة بسبب ولاء معين. ومن هنا كان مصطلح الديبلوماسية التي ترافق كل صاحب منصب عام حتى تصل أحيانا إلى نوع من المسايرة الممجوجة لكثرة الأصباغ والتملق وأحيانا التفخيم في غير محله.

في حالة وزير الإعلام اللبناني الجديد وتصاريحه هناك نقطتان مهمتان: الأولى كون الشخص معروف على مستوى العالم العربي وخاصة لأنه كان يعمل في الإعلام المرئي والذي يتابعه ملايين المشاهدين العرب من المحيط إلى الخليج. وقد كان تميّز خلال إدارته للألعاب الاجتماعية والتسلية التي تقدمها محطات التلفزة، بنوع من سرعة البديهة واحترام المشارك والمشاهد على السواء حتى اشتهر بسلاسته وقبوله في برامج شديدة الحساسية مثل “المسامح كريم” التي يحل فيها مشاكل خاصة شديدة الحساسية بلباقة وتفهم كبيرين أمام ملايين المشاهدين. والثانية هي مجاهرته بالانتماء إلى التيار الوطني الحر (تيار رئيس الجمهورية) الذي يتمسك، بالرغم من كل تصاريح العداء التي يطلقها السيد نصرالله، بتحالفه معه وتغطيته الدائمة لمشاريعه المفضوحة، والتي لا تعادي العرب فقط، بل تتدخل في شؤونهم شعوبهم وتحاول خلق الفتنة كما حدث ولا يزال في اليمن والبحرين ومنطقة القطيف السعودية، وذلك من أجل مساندة إيران.

يوم تلقى خبر تعينه وزيرا في حكومة الرئيس ميقاتي كان السيد قرداحي يحتفل بالعيد الثلاثين لمحطة ال أم بي سي السعودية. وربما كان اختياره لهذا المنصب من قبيل رؤية عند الرئيس ميقاتي لاستعادة العلاقات الودية مع دول الخليج بعد ما مر به لبنان ولا يزال من مشاكل ونفور كان سببه قلة احترام بعض من يدعون المسؤولية ويحاولون التقرب من المحتل الإيراني بالإساءة إلى الأصدقاء العرب. من هنا كان اسمه المعروف بسلاسته في التعامل مع الناس والمواضيع الحساسة في كافة البلاد العربية والتي سمح بها عمله مع الشركة السعودية في مجال الإعلام تلك المدة الطويلة، ممكن أن يشكل صورة محببة عند العرب للحكومة اللبنانية الجديدة، والتي قد تمكنها من استعادة العلاقات الطبيعية معهم ومحاولة تفهم موقفها من الإحداث. وقد قصد من نشر المقابلة، التي يقول القرداحي بأنها قديمة، الإساءة بالتأكيد ليس له فقط بل وأيضا لحكومة الرئيس الميقاتي وإمكانية إعادة العلاقات الطبيعية ولو بشكل بطيء مع الدول العربية عامة والخليجية بشكل خاص. وهنا يحضرنا تصرّف وزير الخارجية وهبي الذي بتعليقاته التي تبعد عن الديبلوماسية كثيرا (وهو المفترض أن يكون رئيس الديبلوماسية اللبنانية بتبوئه منصب وزير الخارجية) أساء، ليس فقط للعلاقات اللبنانية الخليجية، بل وأيضا لصورة اللبنانيين الذين اضطروا للزحف صوب السفارة السعودية لتمسيح “الوسخ” الذي سببه تصرفه الغير ديبلوماسي.

ولكن الوزير قرداحي بتعليقه على المقابلة لم يظهر تفهمه لخطورة الموقف، فلم يعتذر عن الإساءة التي قد تلحقها مثل هذه التصاريح الغير مبنية على الوقائع والتي تستند فقط على وجهة نظر محدودة يقول بها جماعة إيران، بل حاول ألا يغضب حزب الله وهو في أول تجربة له بالحكم، فأضاع دوره وأسقط حكومة الرئيس ميقاتي بدل أن يكون لها عونا.

نحن لسنا من دعاة الزحف عند أي باب من الأبواب لا بل نطالب الكل بالتمتع بالكرامة التي تمليها عليهم وطنيتهم، ولكننا نعترف بالفضل الذي تنتجه العلاقات المميزة مع الدول العربية عامة والخليجية بنوع خاص، وخاصة في هذه الظروف القاتلة. فقد تمكن حزب السلاح من السيطرة على الحكم ومنع الاستمرار باللعبة الديمقراطية منذ قيامه بحرب تموز وتمنعه عن إلقاء سلاحه تنفيذا للقرارات الدولية التي تعنيه بشكل مباشر وهي 1559 و1655 و1680 و1701 ومن ثم سمح لنفسه بالتدخل في شؤون الدول المحيطة، كونه وحدة أساسية من عناصر الحرس الثوري الإيراني، وإرسال وتدريب مقاتلين لخلق الاضطرابات في دول عربية صديقة، وفقط تنفيذا لقرارات الحرس الثوري ومن دون الأخذ بعين الاعتبار مصالح لبنان واللبنانيين في هذه الدول ولا التاريخ الطويل من العلاقات الحسنة وحتى الأخوية والمساعدات الكثيرة التي قدمتها وتقدمها هذه الدول.

اليوم وبعد قيام هذا الحزب بتفجير العصر في مرفأ بيروت وتهجير السوريين من بلادهم وتدخله بالعراق واليمن والبحرين وغيرها من الدول حول العالم ما أضاف عبئا على لبنان وعداوة بدون ثمن. وبعد تمنعه عن تمكين المحققين في الانفجار من إتمام مهمتهم لا بل تهديد زعيمه (الفوهرر الجديد) باحتلال المناطق وفرض سلطته المطلقة وأسياده على البلد. وبعد كل المآسي الإنسانية والاقتصادية التي يرزح تحتها لبنان واللبنانيين والذين لا يزالون يجدون متنفسا في دول الخليج الصديقة إن للعمل ومساعدة الأهل في لبنان أو لتصدير المنتجات اللبنانية، ها هو هذا الحزب وأعوانه ينقضون على آخر أمل ويتسببون بسحب السفراء ووقف كل العلاقات الحسنة مع الدول الصديقة لكي نصبح أذلاء نعتاش على ما يمكن أن ترسله إيران لحزبها وما يفضل عنه. فهل هذا هو طموح السيد القرداحي وأمثاله؟ وهل هكذا نربح المليون؟ وهل يستفيق العماد عون الذي يجلس على الكرسي المخلع في بعبدا ويعتبر مما يحصل فيسهم برفع يد الحزب الإيراني عن لبنان، ولو جزئيا، ويسمح للبنانيين بالتنفس والتأمل بمستقبل يعيد لهم دورهم على ساحة الشرق الأوسط؟ أم أنه دخل وجماعته في دائرة مغلقة يستمتعون فيها باجترار المواقف والسياسات العقيمة بدون أن يعوا ما يدور من حولهم وإلى أي درك وصلت إليه البلاد في ظل شراذم حكم الملالي وودائع بشار المنتهية الصلاحية؟

حكومة ميقاتي لا بد ذاهبة إلى غير رجعة والقرداحي هو من سيعلن سقوطها القريب. ولكن من سيعلن سقوط منظومة حزب السلاح وينهي احتلاله للبلاد والعباد؟ ليس فقط في بيروت الإدارية والمناطق التي لا سيطرة له فيها، بل في البيئة الشيعية التي تعاني ككل لبنان ويتميز فيها حملة السلاح، والذين لا عمل لهم سوى تلقف فضلات الحزب وعناصره، وهم يصارعون للبقاء ويعادون الكل بدون سبب سوى لقمة العيش تلك التي يحاول الحزب أن يحرمهم منها ليقبلوا أن يحملوا السلاح بفضل الجوع والعوز ويحاربوا من أجل أئمة الفرس لكي يطعموا أولادهم. فهل يستفيق اللبنانيون، والشيعة بنوع خاص، أم أن التخدير الذي يمارسه هؤلاء يفعل فعله، خاصة بغياب رأس الدولة ودخوله في ثباته العميق؟