الـيـاس الزغـبـي/لماذا لا يصلح عون للرئاسة؟

309

لماذا لا يصلح عون للرئاسة؟

 الـيـاس الزغـبـي/لبنان الآن

سؤال مزمن عمره ربع قرن، على الأقلّ.

طرحه ميشال عون نفسه، منذ الوعد الخادع الذي سرّبه حافظ الأسد سنة 1988، ثمّ باعه في “صفقة مورفي”. ولا يزال عون يطرحه اليوم، أو يكلّف مؤيّديه طرحه.

السؤال بسيط ومشروع، في حدّ ذاته، وفيه أحياناً الكثير من العفويّة والصدقيّة والبراءة، بما يوهم غالباً بأنّ الرجل مظلوم، وتطارده لعنة “لعبة الأمم”، أو “الحرب الكونيّة” وفق تعبيره المفضّل.

وقد بلغ الإحساس بالمظلوميّة لديه حدّ تشبّثه بالأحاديّة المطلقة تحت شعار “أنا أو لا أحد”. فتحوّل إلى متراس يتحصّن خلفه أصحاب المشروع الكبير الممتدّ من علي خامنئي إلى حسن نصرالله عبر بشّار الأسد، ومن يشبههم في العراق مثل نوري المالكي وما بعده.

ولا يدرك عون أنّ هذا المتراس الذي شكّله هو في الواقع العقبة الجديدة التي تجعله غير صالح للرئاسة اللبنانيّة، بعد العقبات السابقة التي حالت بينه وبين الكرسيّ الأولى.

ولم يكن يدرك أنّ لحظة توقيعه على صكّ “التفاهم” مع “حزب الله” قبل قرابة 9 سنوات، كانت لحظة القضاء على حلمه الرئاسي، فتلهّى بـ”تطويبه” زعيماً مشرقيّاً، وأسكره الاستقبال على سجّاد بشّار الأسد الأحمر ( اللون يصلح هنا للإثنين معاً!)، كما أتخمته حصّته في الحكومات، ومنها 10 وزراء دفعة واحدة.

في السابق، قاده حلمه الرئاسي إلى حربين، وأوقعه في ورطة سياسيّة ليس أقلّ وجوهها خطراً ارتباطه بالثنائي صدّام حسين وياسر عرفات، وكان الثمن تدميراً هائلاً للقوى المسيحيّة، وإنهاكاً سياسيّاً انتهى إلى الطائف.

واليوم، يُعيد الورطة بوجهها الآخر: إرتباطه بالثنائي خامنئي والأسد، بما أدّى إلى إنهاك جديد للبنان عموماً والمسيحيّين خصوصاً. وقد انكشفت بسرعة مناورته الفاشلة في تصوير نفسه وسطيّاً وفاقيّاً، والتقرّب من السنّة عبر سعد الحريري وتيّار “المستقبل”.

لقد راكم ميشال عون حول شخصه وأدائه وسياسته وارتباطاته، على مدى 30 عاماً (منذ تولّيه قيادة الجيش)، شكوكاً وحذراً وتخوّفاً من طبعه المتقلّب، وحساباته الشخصيّة المترجّحة، ما دفع الأميركيّين إلى وصفه، قبل ربع قرن، بالشخص الذي “لا يمكن التنبّؤ بما يفعله”.

 وهذه صفة لا تصلح للرجل السياسي الذي يتولّى مسؤوليّات عليا كالرئاسة مثلاً. فالعلاقات بين الأمم وإدارة الدول وواجبات المسؤوليّة تقوم على رؤية وحسابات وتحسّبات، وليس على مزاجيّات ونوبات شخصيّة.

وقد أكّد بنفسه، قبل بضعة أيّام، هذه الصفة، حين قال “إنّه يفاوض على الجمهوريّة” وليس على رئيسها. وهو كلام يطرح شكوكاً وظلالاً كبرى على ما يريد وينوي. فهو يفتح باب المجهول على النظام والجمهوريّة، ويخدم، مرّة أخرى، أصحاب المشروع الكبير.

وزاد في عدم صلاحيّته للرئاسة ما أثاره تعمُّد نصرالله تقديمه كمرشّحه الأوحد، ما أسبغ عليه بقوّة لوناً أصفر فاقعاً، إيرانيّاً سوريّاً، لا يستسيغه الآخرون من صنّاع الرئاسة وطبّاخيها.

ولا يتوقّف القائلون بعدم أهليّة عون للرئاسة عند هذه الممنوعات السياسيّة والوطنيّة، بل يذهبون إلى أبعد، فيرون أنّ من يكون عاجزاً عن إدارة عائلته، لا يستطيع إدارة وطن ودولة.

والمقصود هنا بالطبع ليس عائلته البيولوجيّة الصغرى وشؤون علاقاتها وشجونها، بل عائلته الكبرى الممثّلَة بتيّاره الشعبي والسياسي. ويسألون: هل من يتردّد أو يفشل، على مدى 10 سنوات، في تنظيم العلاقة داخل حزبه ووضع أسس ديمقراطيّة لإدارته، يستطيع إدارة علاقات بين مكوّنات الوطن وأحزابه وطوائفه؟

ويأتي الحوار المقترح بينه وبين سمير جعجع، كمرشّحَيْن بارزَيْن، دليلاً إضافيّاً على الموانع التي تشملهما معاً. ولكنّ الفارق العميق يكمن هنا: جعجع ينسحب لثالث يتّفقان عليه إنقاذاً للرئاسة، عون لا ينسحب إلاّ  لـ”جمهوريّة” إفتراضيّة.

الأوّل يسعى إلى بناء مؤسّسات واكتمال عقدها بدءاً برأسها، والثاني يقايض عزوفه بـ”جمهوريّة” مجهولة، لا يعرف شكلها إلاّ من وضعوه في فوهة المدفع، والمعلوم الوحيد فيها سيكون المزيد من إضعاف المسيحيّين، بمثالثة أو بما هو أسوأ.

ولذلك، لم يَعُدْ السؤال جائزاً عن السبب الذي منع الحريري من تأييده للرئاسة، وعن رفض مسيحيّي 14 آذار وتمنّع بكركي.

الحقائق هي نفسها، تتكرّر منذ 1988. فميشال عون لا يصلح للرئاسة للأسباب “التاريخيّة” أعلاه، ولأسباب عامّة سواها، وأخرى شخصيّة تتصل بتركيبه ومزاجه وكيميائه، وكلّها تسحق حجّة التمثيل الشعبي.

وبعد. هل يكفّ هو نفسه مع معاونيه ومخدوعيه، عن رفع عقيرة المظلوميّة؟

فالحقيقة أنّ المظلوم الوحيد، في حال حصول خطأ تاريخي بوصوله إلى سُدّة بعبدا، سيكون … لبنان.