مقطع من كتاب الكولونيل شربل بركات الجديد الذي يحمل عنوان: (لبنان الذي نهوى) الذي سينشره موقعنا على حلقات….. سيناريو افتراضي لما كان يمكن أن يقوم به الرئيس أمين الجميل سنة 1982 بما يتعلق بالانسحاب الإسرائيلي من لبنان، وماذا كان بمقدوره أن يحقق لو أنه تصرف على طريقة بشير؟

345

مقطع من كتاب الكولونيل شربل بركات الجديد الذي يحمل عنوان: (لبنان الذي نهوى) الذي سينشره موقعنا على حلقات….. سيناريو افتراضي لما كان يمكن أن يقوم به الرئيس أمين الجميل سنة 1982 بما يتعلق بالانسحاب الإسرائيلي من لبنان، وماذا كان بمقدوره أن يحقق لو أنه تصرف على طريقة بشير؟

23 آب/2021

نقاط مهمة من كتاب “لبنان الذي نهوى” للكولونيل شربل بركات: – مرحلة تضييع الفرص

كانت رؤية الرئيس أمين الجميل تختلف كثيرا عن رؤية بشير الذي أحب المواجهة والتحدي. وقد غاص أمين في خوف من ردة فعل السوريين، خاصة على صعيد الاستقرار في البلد ككل، انقلب إلى تردد جعلهم، وهم يعرفون نقاط ضعفه، يضغطون عليه أكثر فأكثر لعدم إبرام الاتفاق. وقد رأى بأن هؤلاء لم يهابوا الولايات المتحدة عندما فجروا سفارتها. وبدل أن يهرب إلى الأمام ويتمسك باتفاق علني مع الإسرائيليين يلزمهم بالمساعدة ولو مخابرتيا للتخلص من الضغوط السورية، أظهر الشيخ أمين عن ضعف كبير في اتخاذ القرارات، وعلى ما يبدو فإن الرئيس الأسد، والذي كان يعرفه جيدا، لعب على تردده مهددا أحيانا وملمحاً بثقته بأنه الشيخ أمين لن يقدم على إبرام الاتفاق.

ولكن هل من شك بأن إسرائيل قامت بال1982 بضرب سوريا بكل قوتها في لبنان، وأنهت سلاح طيرانها، وخسّرتها كامل أسلحتها التي كانت تنشرها في مناطق الشوف والجنوب، وهي التي تطالب بخروج سوريا من لبنان؟ من هنا كان التمسك باتفاق مع الإسرائيليين يمكن أن يعطي الرئيس الجميل ولبنان فرصة الوقوف بوجه الرئيس الأسد وفرض خلاص لبنان من قبضته بدل الخوف والتردد وعدم المبادرة؟ وقد كان الكنيست الإسرائيلي وقّع على الاتفاق بالإجماع وأبرمه الرئيس الإسرائيلي، ليبقي بكل أسف، في جارور مكتب الرئيس الجميل بدون أي قرار.

ماذا كان بمقدور الشيخ أمين أن يفعله لو أنه أتخذ توجها مخالفا؟ وكيف كان يمكن أن تسير الأمور لو أنه تصرف على طريقة بشير؟

كان من المفروض على الشيخ أمين أن يبادر إلى مهادنة الإسرائيليين وإقناعهم بأن لبنان يدين لهم بتخليصه من عبئ المنظمات الفلسطينية التي تسببت بكل المعاناة للبنانيين ومن ثم للإسرائيليين. ثم الاعتماد على طاقم من الوزراء يؤمن بضرورة الاتفاق على خروج الإسرائيليين بأسرع وقت ولكن بقناعة بأن لبنان شاكرا ومقدرا لمعاناتهم معه منذ 1969 من جراء اتفاق القاهرة. وبالتالي العمل على إلغاء هذا الاتفاق في مجلس النواب كخطوة أولى. ثم إجراء محادثات سريعة مع الإسرائيليين للبدء بتنفيذ انسحابهم، بالتنسيق مع الجيش وقوى الأمن اللبنانية لتتسلم الأرض وتشرف على الأمن فيها على مراحل تضمن خلالها سيطرتها، وبنفس الوقت ضبط القوى التي تتسلم الأمن والتأكد من ولائها للدولة والتزامها بالعمل الوطني لا الفئوي. والأهم من كل ذلك عدم اطلاع السوريين على أية تفاصيل حول الاتفاق لكي يبقى لديهم الاعتقاد بأن لبنان مسنودا من إسرائيل ومن القوى الغربية والأمم المتحدة وليس بلدا ضعيفا. ومن جهة أخرى مقاربة العرب خاصة السعوديين للعمل على ضبط السوريين ريثما ينتهي من الاتفاق حول انسحاب الإسرائيليين ومراحل تنفيذه.

وفور الانتهاء من توقيع الاتفاقيات مع الإسرائيليين وبدء الانسحابات وتسلم المناطق الواحدة تلو الأخرى، يبدأ العمل على إجراء مفاوضات مع السوريين، بمشاركة الولايات المتحدة وإشرافها، كما جرى أثناء التفاوض من الإسرائيليين. وهنا يمكن إشراك السعودية كمراقب عربي لكي تضمن مواصلة بعض الدعم المالي الذي سيحل محل أموال عرفات التي ستسحب بدون شك من المصارف اللبنانية بأقرب وقت كعملية رد على إلغاء اتفاق القاهرة وخروج عرفات وقواته من لبنان.

وفي أثناء التفاوض مع السوريين حول جدولة انسحابهم، يمكن استعمال العصا الإسرائيلية والتهديد الغير مباشر بعرقلة انسحابهم. المهم أن يشرف الجيش اللبناني في نهاية الأمر على الحدود بين لبنان وسوريا كما سيشرف على الحدود بين لبنان وإسرائيل.  وإذا كانت مخاوف الرئيس الجميل الطبيعية من تصرف السوريين في موضوع الترانزيت نحو الخليج الذي يفيد البلدين، ولكن السوريين يستعملونه للضغط في أي موضوع، فإن الاتفاق مع الإسرائيليين كان يمكن أن يتضمن اماكانية استعمال طريق داخل الجولان السوري من المجيدية نحو حدود الأردن في منطقة منابع اليرموك حيث تصبح هذه الطريق أقصر وأسهل على الشاحنات وتمر في الأراضي السورية المحتلة التي تشرف عليها قوات الأمم المتحدة دون أن تمر بالأراضي الإسرائيلية. وهنا يمكن أن نتذكر بأن النفط السعودي بقي يمر داخل الجولان هذا نحو لبنان حوالي عشر سنوات بعد احتلاله من قبل إسرائيل في 1967 وحتى توقيف الضخ في 1976..(هذا الممر نفسه كان يمكن استعماله من قبل حكومة السنيورة لاحقاً، وهو ما لمحت له السفيرة الأميركية مؤخراً في لبنان عندما تكلمت عن استجرار الكهرباء والغاز إلى لبنان من مصر عبر الأردن والأراضي السورية).

النقطة المهمة كانت أيضا في طاقم الرئيس الجميل الذي لم يتضمن أياً من مساعدي بشير. فلماذا مثلا استعين بإيلي سالم لوزارة الخارجية وليس بالفرد ماضي؟ ولماذا لم يتسلم فيصل ارسلان مثلا وزارة الدفاع فيسعى لمحو آثار الخلاف في الجبل، أو أحد الضباط السابقين الذين لهم الفضل بالدفاع عن لبنان؟ ولماذا لم يتسلم سجعان القزي مثلا وزارة الإعلام؟ وليعين رجالات من الشيعة الموالين للأسعد أو كاظم الخليل في وزارات مهمة لكي يشعروا بأن لهم يد في بناء الوطن وتحمّل المسؤولية. ومن ثم وبعد أن يستتب الأمن وتبدأ عمليات المصالحة بين اللبنانيين في كل المناطق يمكن البدء بإشراك الكل مثل جماعة جنبلاط أو بري وحتى بقية الأحزاب، لأن أساسات البناء يجب أن تكون صلبة وبعدها يمكن الاستعانة بالكل.