سنة سادسة على الجلجلة السورية
خالد غزال/الحياة/08 كانون الثاني/16
عشية دخول الأزمة السورية سنتها السادسة، لا يسع المرء إلا العودة الى البدايات في أوائل 2011، ليرى المفارقة بين الانطلاقة والمآل الذي وصلت اليه سورية، الشعب والكيان والنظام. خلافاً للانتفاضات العربية الأخرى التي زاوجت بين الحراك الشعبي الواسع وبين انخراط قوى من النظام في الانقضاض على رأس السلطة (نموذج تونس وليبيا ومصر)، فإن بدايات الحراك السوري كانت بحق انتفاضة شعبية صافية توحدت فيها القوى المناهضة لنظام استبدادي جثا على الشعب السوري لمدة نصف قرن من الزمن. لم يكن من قبيل المبالغة وصف تلك الانتفاضة بأنها أقرب الى ثورة حقيقية. اقترنت الانتفاضة بانبعاث أحلام حقيقية حول خلاص الشعب السوري من الديكتاتورية، لكن الحلم سرعان ما بدأ يتلاشى عندما نجح النظام في عسكرة الانتفاضة وإطلاق القوى الإرهابية وتوظيفها ضد قوى المعارضة. بعد أشهر قليلة حوّل النظام الانتفاضة الى حرب أهلية لم تترك بقعة من الأرض السورية الا واقتحمتها، وأدخلت سورية في أتون نار جهنم التي لم تخرج منها حتى الآن. لم يكن غريباً ان تنجرف قوى سياسية وشعبية لتسقط على الانتفاضة السورية حلمها وشوقها الى التغيير، لأن مقدار اليأس المتراكم من سلطات الاستبداد كان مولّداً لأي تعلق بخيط من الأمل في الخلاص. لم تكن تلك حالة الشعب السوري، بمقدار ما كانت ولا تزال أحلام الشعوب العربية كلها. لكن المتبصر في واقع سورية، بمقدار ما كانت تفرحه التظاهرات الشعبية السلمية الصاخبة والمتحدية لنار أجهزة القمع، كان يهجس بمصير مقلق وصعب ستقف أمامه سورية مستقبلاً، يضع مصير البلد في مهب الريح، كما هو حاصل اليوم. لم تكن الهواجس على مصير الانتفاضة السورية مجرد تخمينات، بل كانت تنطلق من رؤية طبيعة النظام السوري من جهة، ومن حال المعارضة السياسية من جهة أخرى. استطاع آل الأسد بناء دولة قمعية بأشد أنواع الاستبداد التي عرفها التاريخ، وظفوا أجهزة الدولة ومواردها في بناء مؤسسات مهمتها إدامة النظام القائم وحمايته. بنوا جيشاً وادعوا انه لمحاربة اسرائيل ليتبين ان وظيفته موجهة ضد الشعب، وجعلوا أجهزة الاستخبارات وصية على القلوب والنفوس، وأقاموا سلطة مركزية ترتكز على عصبية العائلة المستندة الى عصبية الطائفة، بحيث يتسبب أي مس في قمة النظام باندلاع حرب أهلية طائفية ومذهبية. هذه التركيبة للنظام في قمته وأجهزته كانت تنبئ باستحالة إقدامه على إصلاحات سياسية تعيد تركيب السلطة وتستجيب لأبسط الحقوق في الحريات السياسية والفكرية. مما يعنى ان جواب النظام سيكون رفض الاستجابة لمطالب الجماهير، وان الرد سيكون باستخدام القوة والسلاح ضد المنتفضين، وهو ما كان يشي بفتح ابواب الجحيم على الشعب السوري. الهاجس الثاني الذي كان يؤشر الى مسار الانتفاضة سلباً، هو واقع المعارضة السورية نفسها التي بدأت قواها تتبلور في سياق الانتفاضة. لعل أهم النجاحات التي حققها نظام البعث طيلة حكمه هو إبادته لقوى المعارضة السياسية والشعبية والعسكرية. أعمل سيف القتل في من استطاع الوصول اليه، وأودع السجن آلاف المعارضين الذين رحل قسم أساسي منهم الى القبور من جراء التعذيب، ومن لم تستطع أجهزته الوصول اليه في سورية، أجبره على إيواء المنافي وقطع كل صلة له بقوى داخلية يمكن ان تجرؤ على الاعتراض. هكذا استقبلت سورية انتفاضتها في غياب القوى المعارضة التي كان يمكن لها ان تشكل بديلاً. لذا جرى استحضار هذه القوى على عجل، وجرى تجميعها على رغم تنافر قواها والتشكيك في اعتراف بعضها بالآخر. على امتداد السنوات الخمس الماضية، نجح النظام السوري في تحويل الانتفاضة الى حرب أهلية دموية، واستجلب قوى خارجية من إرهابيين، واستعان بقوى إقليمية رأت في الحرب السورية منفذاً لنفوذها السياسي. وانفلتت المصالح الدولية والإقليمية من عقالها، فأميركا وإسرائيل وجدتا فرصة مناسبة للخلاص من دولة سورية تشكل خطراً على الكيان الإسرائيلي اذا ما تغير نظام آل الأسد الذي ضمن لإسرائيل أمنها على امتداد أربعين عاماً، لذا أدارت الولايات المتحدة حرباً لتدمير سورية كياناً ومجتمعاً. كما تحولت سورية الى ساحة حروب بديلة، فدخلت روسيا على خط الأزمة واستوطنت الساحل السوري ونصبت نفسها حامية للنظام، فيما هي تريد موقعاً ونفوذاً في الشرق الأوسط تراه اليوم عبر الحرب السورية. هكذا تواطأ الجميع من النظام الى دول إقليمة ودولية على استحضار كل مكونات الإرهاب واستثمارها في هذه الحرب. كانت كرة الثلج تكبر سنة بعد سنة، والشعب السوري يتسول ملجأ في المنافي، ومن بقي منه في سورية يعاني وطأة الحديد والنار من جميع قواه. وكل عام كان الأمل في حل سياسي يبدو سراباً. وها هي السنة السادسة على الحرب الأهلية تطل وما زال الأمل بالنزول عن الجلجلة بعيداً. الى متى؟ الجواب في علم الغيب.
الإسلام السلطوي ليس سياسياً
ماجد الشيخ/الحياة/08 كانون الثاني/16
يذهب «التأسلم السلطوي» مذاهب شتى، ما عدا السياسي أو الاجتماعي أو الفكري أو الفلسفي، وهو لا يقرب سوى أيديولوجياه الخاصة التي لا تعرف أن تمتاز بغير العداء للآخر، كل آخر حتى الذي من طينته نفسها، وكذلك بامتيازه بالعنف والتطرف والإرهاب، وذلك على قاعدة من ادعاء وتوسم الـ «خلاصية» التي يتشارك فيها الفرد كما «الجماعة»، لا سيما وهي ترى في ذاتها كونها النمط الفريد والوحيد لـ «المخلص» أو «المهدي»، في تعاليها واستيهاماتها، الأمر الذي قادها ويقودها لأن تكون «سيدة السلطة» المُطاعة، وبالتالي لا ضير إن ارتكبت من الخطايا ما لا طاقة لبشر على تحمّله، بمزاعمها وتضليلها وادعاءاتها، من قبيل تلك الارتكابات «الداعشية» في تبريراتها التي تجعل من جرائمها «تطبيقاً للشرع» و/ أو معيناً لإقامة «حكم الله على الأرض». ما يمارس من ارتكابات لا يقرب «الداعشي» من «الشرع»، وبالطبع لا ولن يعينه لـ «الاقتراب من الله»، إلا في صورة وإطار الأيديولوجيا التي لا تفرق بين «أمر الله» و «أمر الخليفة الداعشي» وأضرابه من الأفراد، وحتى أولئك الذين يقدمون فروض الولاء والطاعة خفية وتقية ومن بعيد، لتبرير جرائم بحق الإنسانية، لا يحضّ عليها الدين، وإنما التدين، والنزوع المرضي إلى السلطة الشمولية والاستبداد وشهوة القتل، وبفتاوى لا تفقه من الفقه سوى فقه «التوحش»، ومن الفتاوى سوى فتاوى «الحلول» و «الإحلال»، وما هذا من الدين في شيء، بل هذا هو بالفعل ما يضاد الدين والإيمان به، في ما هو أقرب إلى الكفر والزندقة، تلك التي يستعملها «دواعش» عصرنا كمبرر لإبادة كل من لا يتماثل معهم، أو يعاندهم ولا يطاوعهم من البشر. هذه هي حال «التأسلم السلطوي» في بلادنا، كما هي حال أضرابه من الذين يجري تصديرهم إلى بلدان العالم المختلفة، أو إعادة توريدهم إلينا أكثر توحشاً، وأكثر «تديناً سلطوياً». فأين السياسة من هذا كله، بل وقبل ذلك أين الإسلام؟. بالطبع، لا يمكن أن تُبنى الدول والمجتمعات بنزوع سلطوي استبدادي وتسلّطي إجرامي كهذا، على ما هي حال التطرف والإرهاب والعنف الأيديولوجي لقوى «التدين الجديد»، وهو يأخذنا وبتقنيات الحداثة الراهنة، إلى أمكنة جديدة على قاعدة من التفنن في استنباط آليات جديدة من «فقه التوحش»، وما كل هذا العداء للطبيعة البشرية والمجتمعات الإنسانية، إلا لكونها لا تتماثل ولا يمكنها بالطبع أو التطبّع، أن تتماثل مع أي نموذج معياري لأي دين، فكيف يمكنها أن تتماثل مع تأويلات أو تقويلات «تدين سلطوي» لا يسعى بلطجيوه وشبيحته، إلا الى تثبيت سلطة لهم، في واقع يرفضهم، ويرفض تماثلهم معه كأبناء «نجباء»، لوحشية أيديولوجيا التطرف الديني، وتشريع الإرهاب وتسويغه، كجريمة منظمة تعادي الإنسانية؟.