بين الماضي والحاضر… مسلسل”المحافظة 15″ يشعل سجالًا على خط بيروت–دمشق وتعليق للمخرج يوسف الخوري
ليبانون ديبايت/22 شباط/2026
لم يمرّ مسلسل “المحافظة 15” مرورًا عاديًا في الفضاء العام اللبناني–السوري، إذ سرعان ما تحوّل من عمل درامي رمضاني إلى مادة سجال سياسي واجتماعي، أعادت فتح ملفات حسّاسة تتجاوز الشاشة إلى عمق العلاقة المأزومة بين الشعبين، ولا سيّما في ما يتّصل بالذاكرة السياسية، والرموز، ودلالات التسمية. فمنذ الإعلان عن العمل، لم يكن الجدل محصورًا بمضمونه أو بسرده الدرامي، بل تمركز بشكل أساسي حول اسمه، ولا سيّما بعد الشرح الذي قدّمته الكاتبة والممثلة كارين رزق الله، والذي ربطت فيه التسمية بسردية تعود إلى مرحلة الوصاية السورية على لبنان، حين كان يُطرح، وفق هذا التفسير، إدماج لبنان ضمن المحافظات السورية الأربع عشرة ليصبح ما يُسمّى “المحافظة 15”. هذا الطرح لم يتأخر في التحوّل إلى نقاش سياسي واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عبّر سوريون عن رفضهم القاطع لما اعتبروه إسقاطًا سياسيًا يُلصق بهم مسؤوليات لا علاقة لهم بها، وذهب بعضهم إلى اعتبار التسمية وصمة عار تُحمّل السوريين جماعيًا تبعات ممارسات النظام السابق، وتُسهم في تأجيج مشاعر عنصرية بين الشعبين، رغم تأكيدهم المتكرر أنهم ليسوا جزءًا من ذلك النظام ولا من سياساته. في المقابل، استحضر لبنانيون ذاكرة مرحلة الاحتلال السوري وما رافقها من انتهاكات ومعاناة.
وفي هذا السياق، قال المخرج يوسف خوري في حديث إلى “ليبانون ديبايت”، إنّ “الإشكالية الأساسية لا تكمن في مضمون العمل الجيد بحدّ ذاته، بل في رمزية التسمية وما تفتحه من أبواب تأويل سياسي”. وأوضح، أنّه شخصيًا لم يكن ليختار اسم “المحافظة 15″، لأنّه يلامس وجدان شريحة واسعة من الناس ويستدعي فورًا مفاهيم مرتبطة بـ”سوريا الكبرى”، وهي مفاهيم لا تزال مثار انقسام حاد في الوعي العام. وأكد خوري، أنّ التحفّظ على الاسم لا يعني رفض مقاربة القضايا المشتركة أو التعاون اللبناني–السوري، بل على العكس، معتبرًا أنّ التعاون الإنساني والثقافي بين الشعبين أمر طبيعي ومشروع، شرط ألّا يُحمّل رموزًا سياسية قابلة للاستثمار أو سوء الفهم، ولا سيّما في ظل واقع إقليمي هشّ وذاكرة مثقلة بالجراح. وأشار إلى أنّ “هذا السجال لا يمكن فصله عن ملف المفقودين اللبنانيين في السجون السورية، الذي يشكّل أحد أكثر الجراح المفتوحة في الذاكرة اللبنانية، في ظل أرقام تتحدث عن وجود نحو 17 ألف مفقود لم يُحسم مصيرهم حتى اليوم، وسط اتهامات تتعلّق بالاعتقال في السجون السورية أو بملفات الاتجار بالأعضاء، ما يجعل القضية شديدة الحساسية ولا يمكن فصلها عن أي نقاش سياسي أو رمزي مرتبط بالعلاقة بين البلدين”. وعليه، تجاوز الجدل حول “المحافظة 15” حدود عمل درامي، ليكشف مرة جديدة مدى تشابك الفن بالسياسة في المنطقة، وحساسية الرموز والتسميات في سياق لم تُحسم فيه بعد العلاقة بين الذاكرة الجماعية والسيادة والهوية.في الخلاصة، أظهر هذا السجال أنّ أي خطاب عام، مهما كان مصدره، يبقى عرضة للتسييس في بيئة منقسمة، وأنّ الرموز، حتى وإن جاءت من باب الدراما، قادرة على فتح نقاشات سياسية مؤجّلة، لا تزال تنتظر معالجة أعمق تتجاوز الشاشة إلى الواقع.