بري والولاية الثامنة التتمة يوسف ناصر/فايسبوك/15 شباط/2026
ترشّح نبيه بري لولاية ثامنة لا يمكن قراءته كخبر سياسي عادي، بل كإعلان صريح بأن الزمن السياسي في لبنان متوقف منذ عقود. في بلد تغيّرت فيه كل الأشياء بالقوة والانهيار، بقيت السلطة نفسها محصّنة ضد أي تبدّل، وكأن الديمقراطية اللبنانية تحوّلت إلى مسرح يعاد فيه عرض المشهد ذاته مهما تغيّر الجمهور.ثماني ولايات ليست خبرة سياسية، بل احتكار طويل للقرار التشريعي. أكثر من ثلاثين عامًا على رأس السلطة البرلمانية، فيما الدولة التي يُفترض أن تُدار عبر هذا المجلس انهارت اقتصاديًا وماليًا ومؤسساتيًا. السؤال هنا ليس ماذا قدّم بري ليستمر، بل كيف سمح النظام ببقاء شخص واحد في موقع مفصلي طوال هذا الزمن من دون مساءلة جدية أو محاسبة فعلية.
خلال سنوات رئاسته لـ مجلس النواب اللبناني، تحوّل البرلمان تدريجيًا من سلطة رقابية وتشريعية إلى مساحة تعطيل منظم. جلسات تُفتح حين تقتضي التسويات وتُقفل عندما تصبح المحاسبة خطرًا. قوانين إصلاحية بقيت في الأدراج، واستحقاقات دستورية عُلّقت بانتظار توافقات سياسية لا تأتي إلا عندما تضمن بقاء موازين القوى كما هي. لم يعد المجلس ساحة ديمقراطية، بل غرفة تحكم بإيقاع الجمود. أما حركة أمل، التي تشكّل الرافعة السياسية لبري، فقد تحولت مع الوقت من تنظيم سياسي إلى شبكة نفوذ مترابطة داخل الدولة. المشكلة ليست في وجود حزب قوي، بل في ذوبان الحدود بين الحزب والمؤسسات، حيث يصبح الموقع العام امتدادًا للنفوذ الحزبي، وتصبح الدولة نفسها جزءًا من منظومة حماية السلطة بدل أن تكون سلطة فوق الجميع.المدافعون عن بري يكررون العبارة نفسها: “رجل توازنات” و”صمام أمان”.
لكن أي أمان هذا الذي رافق أكبر انهيار مالي في تاريخ لبنان؟ وأي توازن ذاك الذي انتهى بدولة عاجزة عن انتخاب رئيس ضمن المهلة الدستورية، وعن محاسبة مسؤول واحد عن الانهيار؟ عندما يتحول الاستقرار إلى مرادف للجمود، يصبح الحفاظ عليه شكلًا من أشكال إدارة الانحدار لا منعه. الأخطر في الولاية الثامنة أنها ترسل رسالة واضحة: لا شيء يتغير مهما حصل. انفجار مرفأ، انهيار العملة، هجرة جماعية، فقر غير مسبوق، ومع ذلك تبقى الطبقة السياسية نفسها في مواقعها، وكأن الكارثة لم تكن كافية لإعادة النظر بأي معادلة. هنا يتحول الترشح من حق ديمقراطي إلى استفزاز سياسي مباشر لجمهور معارض يشعر أن صوته لا يبدّل شيئًا لأن بالرغم من الإنهيارات والمحاور مازالت الأغلبية تعبد الزعامة السياسية. المفارقة أن النظام اللبناني يقدّم نفسه ديمقراطيًا، بينما الواقع أقرب إلى تدوير دائم للسلطة داخل الحلقة نفسها.
الانتخابات تتحول إلى إجراء شكلي يضفي شرعية جديدة على واقع قديم، فيما المنافسة الحقيقية شبه غائبة بفعل القوانين والتحالفات وشبكات النفوذ. وهكذا، يصبح بقاء الزعيم نتيجة بنية مصممة أصلًا كي لا تسمح بسقوطه.الولاية الثامنة ليست فقط استمرارًا لشخص، بل تكريس لفكرة أن السياسة في لبنان مهنة أبدية لا وظيفة عامة مؤقتة. في الدول الطبيعية، الزمن السياسي يفرض التغيير. في لبنان، التغيير يحتاج معجزة. ومع كل دورة انتخابية، يزداد الشعور بأن النظام لا يعيد إنتاج الحلول بل يعيد إنتاج الأزمة نفسها بوجوه مألوفة. قد ينجح بري مرة أخرى، وقد يبقى المشهد كما كان دائمًا. لكن الحقيقة التي يصعب تجاهلها أن استمرار الوجوه نفسها لم يعد يُفسَّر كاستقرار، بل كدليل على عجز النظام عن تجديد نفسه. وعندما تصبح السلطة هدفًا بحد ذاته لا وسيلة لخدمة الدولة، تتحول السياسة إلى إدارة طويلة لعمر الأزمة.في النهاية، لا تكمن خطورة الولاية الثامنة في فوز محتمل، بل في الرسالة التي تحملها: أن الانهيار لم يكن كافيًا لإسقاط أي قاعدة قديمة، وأن السلطة في لبنان لا تتأثر بالفشل بقدر ما تتقن التعايش معه. هنا تحديدًا يبدأ السؤال الأخطر: هل المشكلة في السياسي الذي يترشح دائمًا، أم في الشعب الذي لم يتعلم يومًا كيف تقول إن الزمن إنتهى؟