web analytics
Home رسائل رأي عام/Public Opinion Letters نبيل يوسف/25 عامًا على رحيل الأباتي شربل قسيس… الراهب الذي قاوم بجبّته/عام...

نبيل يوسف/25 عامًا على رحيل الأباتي شربل قسيس… الراهب الذي قاوم بجبّته/عام 2001 غادر الأباتي بصمت وهو الراهب المتجذر في صخور جبلنا المقدس

5

25 عامًا على رحيل الأباتي شربل قسيس… الراهب الذي قاوم بجبّته/عام 2001 غادر الأباتي بصمت وهو الراهب المتجذر في صخور جبلنا المقدس
نبيل يوسف/نداء الوطن/13 شباط/2026

في 13 شباط 2001، غاب بِصَمْت الأباتي شربل قسيس الرئيس العام للرهبنة اللبنانية المارونية (1974 – 1980) ورئيس المؤتمر الدائم للرهبانيات، وعضو “الجبهة اللبنانية” جبهة العمالقة التي ضمّت إضافة إليه: الرئيس كميل شمعون والرئيس سليمان فرنجية والشيخ بيار الجميل، وأهمّ المفكّرين: النائب إدوار حنين، شارل مالك، جواد بولس، فؤاد افرام البستاني. هذه الجبهة التي استطاعت قيادة الشعب المسيحيّ في أحلك الظروف، وواجهت العالم وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية: هذا العالم الذي قيل إنه كان يرغب في تهجير المسيحيين من لبنان إلى أميركا وكندا وإحلال الفلسطينيين مكانهم فتحلّ مشكلة إسرائيل. والبعض الآخر يقول إنه كان يريد أن يقدّم لبنان لسوريا تعويضًا عن الجولان السوري. رحل الأباتي قسيس بصمت وهدوء الراهب المتجذر في صخور جبلنا المقدس: من المؤكّد أن قلّة قليلة لا تزال تتذكّره وهو الذي عاش عقدين من العمر بعد انتهاء رئاسته للرهبنة في ديره بعيدًا من الأضواء.
هائلة الأخبار عن الأباتي شربل قسيس، التي قد يؤلّف منها مجلّدات، ومن الظلم أن يضيع تراث هذا الراهب العظيم من دون أن يصدر عنه ولو كتاب واحد.

محطات كبيرة في مسيرة الأباتي قسيس
1 – لم تكن قد مرّت أيام على انتخابه رئيسًا عامًا للرهبنة اللبنانية، حتى بدأ جولة على الأديرة ووصل إلى دير سيدة النجاة بصا – كفور العربي في جرد البترون وصودف أن كانت مجموعة كتائبية تتدرّب، فلمّا شاهده قائد المخيم نعوم موسى صرخ بالمتدرّبين ليتوقفوا، لكن الأباتي قسيس طلب منه إكمال التدريب ثم وقف فيهم خطيبًا متحدثًا عن تاريخ لبنان والتضحيات التي قدّمت “لتبقى هذه البقعة موطنًا للحرية”. يقول أحد الشبان وكان من ضمن تلك المجموعة: رفع كلامه معنويّاتنا إلى درجة شعرنا أنه يمكننا احتلال العالم وليس فقط الدفاع عن أرضنا.
2 – عصر الجمعة 5 أيلول 1975 زار الأباتي قسيس أحد ضباط الشعبة الثانية (مخابرات الجيش) وأخبره أنه قبل ساعات تمّ اختطاف 3 رهبان هم الآباء: مرتينوس فهد وافرام سلامه وأنطوان شالوحي، من قبل مجموعة فلسطينية تتبع “منظمة الصاعقة” ونقلوا إلى مخيّم البداوي، وكانوا في طريقهم إلى جونيه عائدين من تركيا، ووضعهم خطر.باشر الأباتي قسيس اتصالاته مسابقًا الساعات، فتواصل مع البطريرك خريش طالبًا تدخله، وعن طريق الخوري (المطران) خليل أبي نادر جرى تواصل مع ياسر عرفات، الذي كلّف أبو حسن سلامة متابعة الموضوع، وبعد ساعات تمّ إبلاغ بكركي أن الرهبان ما زالوا على قيد الحياة في مركز الصاعقة في مخيّم البداوي، فكلّف البطريرك خريش جان عبيد التدخل لإطلاق سراحهم. ساعات وأيام عصيبة عاشها الأباتي قسيس والرهبان منتظرين أي خبر يصلهم، وبعد 11 يومًا تبلّغت بكركي بوجوب إرسال موفد لاستلامهم من منزل عبد اللّه الشهال في طرابلس، فكلّف البطريرك خريش النائب الياس الخازن اصطحابهم، فزال كابوس مرعب عن الأباتي قسيس والرهبنة.

3 – فيما كان الأباتي قسيس والرهبان يعيشون ساعات عصيبة منتظرين أي خبر عن الرهبان المختطفين، تلقوا الثلثاء 9 أيلول 1975 خبر اقتحام دير مار جرجس – عشاش على الحدود الفاصلة بين منطقتي زغرتا والضنية، من قبل مجموعات فلسطينية وقتل 3 رهبان هم: الأب بطرس ساسين من سرعل – زغرتا البالغ من العمر 96 عامًا، الذي كان فقد بصره منذ أعوام قليلة. الأب أنطونيوس تمينة من حوقا – بشري البالغ من العمر 84 عامًا، وكان تسلّم إدارة تنشئة الرهبان لسنوات عدّة. الأخ يوحنا مقصود من طورزا – بشري البالغ من العمر 67 عامًا، فيما تمكّن رئيس الدير الأب أنطوان سليمان من طورزا – بشري من النجاة، بحيث كان توجّه صباحًا إلى زغرتا ولم يتمكّن من العودة إلى الدير. هز الخبر الأباتي قسيس والرهبنة، فهذا الدير المشيّد سنة 1847 أدّى دورًا روحيًا وإنسانيًّا ووطنيًّا مهمًا، وكان يضمّ مدرسة تكميلية حتى شهادة البروفيه تضمّ قرابة 1000 طالب من مختلف الطوائف.
ظهر الخميس 11 أيلول، تمّ دفن الرهبان الشهداء في دير سيدة النجاة في بصرما – الكورة، وفي كلمته أعلن اضطرار الرهبنة لإقفال الدير والمدرسة بعد تدميرهما وسرقة كلّ ما فيهما.

4 – الجمعة 23 كانون الثاني 1976، عقد الأباتي قسيس مؤتمرًا صحافيًا إلى جانبه الأب يوسف الشلفون من شكا – البترون، نعى فيه شهداء بلدة دير جنين في عكار البالغ عددهم 12 شهيدًا، من ضمنهم الراهبان: الأب جرجس حرب من كفرزينا – زغرتا رئيس دير مار جرجس – دير جنين البالغ من العمر 51 سنة، والأب يوسف فرح من ممنع – عكار البالغ من العمر 71 سنة. وأعلن أن جميع منازل بلدة دير جنين ودير مار جرجس المبني سنة 1853 سرقت وأحرقت، وشرح ما كان يقدّمه الدير لأهالي البلدات المجاورة من كل الطوائف وعن الخيرات التي كانت تنتجها أراضيه.
خلال المؤتمر، شرح الأب يوسف الشلفون الناجي من مجزرة دير جنين ما حصل نهار الأحد 18 كانون الثاني، حيث إنه بعد تناول طعام الغداء مع الأبوين الشهيدين خرج إلى الحقل لإنجاز بعض الأعمال الضرورية، وكان الطقس عاصفًا، فشاهد “جيب” للجيش اللبناني يتوقف عند مدخل الدير وقبل أن يصل إلى قربه، شاهد الأبوين يسيران مع الجنود بطريقة اعتبرها غير لائقة، فأدرك أن شيئًا ما حصل فاختبأ، وبعد فترة بدأ نهب الدير وإحراقه: لقد تبيّن أن المسلّحين دخلوا دير جنين متنكرين بثياب الجيش اللبناني ويركبون سياراته.

بقي في مخبئه حتى قرابة منتصف الليل ولم يعد يستطيع البقاء في العراء فدخل الدير وتكوم في زاوية إحدى الغرف، وصباح اليوم التالي أبدل جبته الكهنوتية ولبس ثياب فلاح عربي ولف رأسه بكوفيه وتوجّه إلى دير جنين لاستطلاع ما حصل.
أضاف: عند ساحة البلدة كان المشهد المفجع: جثامين 10 شهداء، من بينهم الراهبان القديسان، مكومة جنبًا إلى جنب، ومنازل محروقة ما زال الدخان يتصاعد منها: يجب ألّا أنهار، طلبت من أحد المسلحين إيصالي إلى مختار قرية إسلامية مجاورة، فحضر معي وكان وصل شقيق مختار دير جنين ورجل عجوز و 3 سيدات عجائز، فقمنا بتحميل الجثامين في جرار ونقلناها إلى مقابر البلدة، وجثماني الراهبين إلى مقبرة الدير ودفناهما بسرعة، وغادرت مع من تبقى في القرية من عجائز في سيارتين يرافقنا مختار وشيخ مسلمان إلى دير سيدة القلعة في منجز، عبر قرية الدبابية ومن منجز عبرنا النهر إلى سوريا بمساعدة الأب نعمة اللّه طعمه رئيس دير منجز.

عند الجهة الثانية من النهر في سوريا، توجد بلدة حزير المارونية فاستضافونا وكان أهالي دير جنين المنكوبون يصلون تباعًا، فقرّرنا التوجّه إلى جونيه عبر دمشق وقبل انطلاقنا، قدّسنا ورفعنا البخور عن أنفس الشهداء وغادرنا إلى دمشق ومنها إلى جونيه.

سقط في مجزرة دير جنين 12 شهيدًا: راهبان و 8 من أبناء البلدة قتلوا جنبًا إلى جنب، الأحد 18 كانون الثاني وشابان كانا قتلا عند مدخل البلدة قبل يوم واحد، وعاد رُفع في مكان سقوط الشهداء نصب ومزار تخليدًا لهم، كرّسه البطريرك الراعي عند زيارة البلدة سنة 2013.

5 – فجر الإثنين 5 تموز 1976، تعرّضت بلدَتَا شكّا وحامات وساحل بلاد البترون الشمالي لهجوم فلسطيني ارتكبت خلاله مجازر يندى لها الجبين.
استنفرت “الجبهة اللبنانية” قواتها وهبّ المقاتلون بالآلاف للمشاركة في استرداد شكّا وحامات وشكّل شارع البترون الرئيسي ملتقى معظم الوحدات العسكرية قبل انطلاقها إلى الجبهة.

الأباتي في غرفة العمليات
لم تكن مرّت ساعات قليلة حتى وصل الأباتي شربل قسيس يرافقه الأب مرتينوس حرب رئيس أنطش البترون وعدد من الرهبان إلى مبنى سراي البترون الذي تحوّل إلى غرفة عمليات عسكرية بقيادة العقيد (العماد قائد الجيش لاحقًا) فيكتور خوري، وهو يدخل السراي تحلّق حوله الصحافيون فقال لهم: لا كلام قبل تحرير حامات وشكّا، وعن وضع الرهبان في دير شكّا قال: أصبح الدير مركز التجمّع الرئيسي لأبناء شكّا الهاربين من منازلهم، ومصير الرهبان مرتبط بمصير أهالي شكّا وقرارهم الاستشهاد مع أهالي شكّا، على أمل أن نتمكّن من الوصول إليهم قبل ذلك.

لم يمكث الأباتي قسيس طويلًا في السراي، معتبرًا أن وجوده بين الضبّاط والمسؤولين العسكريين لا يفيد، فانطلق مع الرهبان إلى مدخل البترون الشمالي، مباركًا الآليات العسكرية المحمّلة بالمقاومين، ووجهتها خطوط الجبهة، فكان يشدّ العزائم، مطالبًا بالنصر، وعشرات المقاتلين يلوّحون له محيّين.
ورغم الخطر، عاد وتوجّه إلى سلعاتا، حيث كان أعيد نصب المدفَعين لتأمين التغطية المدفعية، لما تبقى من أحياء صامدة في شكّا، فراح يساعد بنفسه بنقل القذائف وتأمين احتياجات المربض. وعصرًا، اعتذر عن المشاركة في اجتماع “الجبهة اللبنانية” في الكفور، معتبرًا أن وجوده بين المقاتلين الذين راح يجول عليهم في مواقعهم أهم، فيما توزع الرهبان على جميع المواقع والتجمّعات العسكرية يشدّون العزائم.

ما قام به الأباتي قسيس والرهبان كان تنبأ به الدكتور عبد اللّه سعاده رئيس الحزب “السوري القومي الاجتماعي” ابن أميون، عندما فوتح بخطة الهجوم على شكّا، فرفض بشدّة ما يخطّط له وممّا قاله: “أعرف الموارنة جيّدًا، لا تحرّكوهم، فمجرّد الدخول إلى قلب مناطقهم سيجعلهم يتركون منازلهم، ويلتحقون بالجبهات يتقدّمهم كهنتهم ورهبانهم. إن صمود الكورة في مواجهة 3 أقضية مارونية بشري والبترون وزغرتا يعتبر إنجازًا، ومحاولة دخول العمق الماروني يعدّ خطأ كارثيًا سيحوّل الموارنة إلى انتحاريين”، ولكن لم يسمعوا كلامه.

6 – السبت 26 آب 1978 بدأت القوات السورية الانتشار في قرى وبلدات منطقة البترون الوسطى وتوسّعت المواجهات العسكرية مع مقاتلي أحزاب “الجبهة اللبنانية” المتصدّين لهذا الانتشار، وراحت قوافل المهجرين تغادر قراها باتجاه جرد بلاد البترون وبلاد جبيل.
ما إن وصل للأباتي قسيس خبر ما يجري حتى أوعز بفتح جميع الأديرة في البترون وجبيل لاستقبال المهجرين وانطلق مسرعًا إلى جرد بلاد البترون وراح يتنقل بين أديرة: ميفوق ووطا حوب وكفور العربي وبشتودار ومعاد وعنايا وطورزيا وجعل من أنطش جبيل مقرًا لعمليات إغاثة المهجرين، ومكث فيه لأكثر من أسبوع لا يبارحه إلّا لتفقد أحوال المهجرين.

في لقاء مع الصحافيين في أنطش جبيل، شرح هول ما يحصل وحجم المأساة التي تتعرّض لها الأقضية المسيحية الشمالية ومنطقة دير الأحمر. وأعلن أن أبواب الأديرة مفتوحة للجميع، وهناك الآلاف لجأوا إلى أديرة الرهبان ودير راهبات جربتا، وحول ما تعرّض له الرهبان في منطقة البترون، أشار إلى أن المعلومات الواصلة من هناك قليلة، وتوجّه الأب توما مهنا لتفقد الأديرة في المناطق التي دخلتها القوات السورية، وعمّا حصل في دير كفيفان، رد أنه علم أن رئيس الدير الأب يوسف عجيل والرهبان منعوا القوات السورية من دخول الدير، وقرارهم الاستشهاد عند مدخل الدير، وفي ما خص ما حصل مع رئيس دير حوب الأب نعمة الله يونس، أوضح أنه لم يتمّ توقيفه من قبل القوات السورية، بل تمّ إنزاله عند حاجز جسر عين عيا ومنعه من إكمال طريقه إلى البترون وأرغم على العودة، فرفض من كانوا معه في سيارة الأجرة إكمال الطريق من دونه وعادوا معه.
هذا غيض من فيض تاريخ الأباتي شربل قسيس مع الشمال، هذا الراهب الذي رحل بصمت، وقد يكون من حسن حظه أنه غادرنا قبل أن يشاهد أحوال الموارنة واللبنانيين في هذه الأيام.

Share