حزب الله والإيديولوجيا القاتلة…عندما تتجمد الأيديولوجيا وتصبح سجناً
د. منى فياض/11 شباط/2026
يعلن أحد مناصري حزب الله: كلفة الاحتلال أهون من كلفة الاستسلام!! هذا في وقت سبق للحزب ان استسلم فيه لمصيره عسكرياً، وأعلن ان المستوطنات عليهم الأمان، تاركاً الاغتيال لكوادره، ولبيئته المزيد من القصف والتهجير.
فكيف يمكن تفسير هذا العماء المستشري؟
انه عماء الإيديولوجيا.
والايديولوجيا عموماً، نسق شامل من المعتقدات والأفكار التي تفسر العالم وتحدد مواقف الأفراد أو الجماعات تجاه هذا العالم، سواء سياسيا أو اجتماعيا أو ثقافيا.
وهي نظام يقدم لمعتنقيه إطارا منطقيا يجعل من الأفعال والسلوكيات المرتبطة بها تبدو “منطقية” أو “مشروعة”. لأنها تعطي معنى لعالم معقد وتضع قواعد لفهمه والعمل فيه. لكنها للأسف تتحول في كثير من الحالات من أداة تفسير، إلى قالب جامد يبرّر سلوكاً معيناً بغض النظر عن أضراره.
لا تنشأ الأيديولوجيا من فراغ، بل نتيجة ظروف معينة وأزمات وصراعات بين أطراف مختلفة، فتبرز كاستجابة لتلك الصراعات. فالقومية ظهرت في سياق بناء الدول الحديثة، والشيوعية في سياق الصراع الطبقي خلال الثورة الصناعية.
تقدّم الأيديولوجيا إجابات واضحة عن أسئلة وجودية ومعقدة (لماذا العالم بهذا الشكل؟ ما العدالة؟ ما الهدف؟) من هنا جاذبيتها.
تتجذر الأيديولوجيا في المجتمع باستغلال المؤسسات الاجتماعية: مدارس، إعلام، أحزاب، جماعات ضغط. جميعها تلعب دوراً في نشر وتكريس أيديولوجيا معيّنة، فتتحوّل من أفكار فرديّة إلى منظومة جماعية واسعة. وعندما يمتلك من يعتنقها القوة لنشرها، تتحول من “أداة تفسير” الى “أداة هيمنة”؛ فتتقاطع مع مكاسب وأدوار: في أجهزة الدولة، أو الجماعات المسلحة، أو الأنظمة السياسية. حينها تكتسب التبرير لاستخدام القوة (اقتصادية، سياسية، أو حتى سلاح حقيقي)، فيصعب الانفصال عنها لأنها ترتبط بالحماية والسلطة والبقاء. وتندمج مع الهوية الفردية أو الجماعية، فتصبح جزءاً من الذات: دينياً او انتماءً. هنا لا تعود مجرد فكرة؛ بل تصبح بُنية دفاعية نفسية وسياسية.
بحسب كارل مانهايم تتحول الأيديولوجيا من فكر حي إلى أيديولوجيا مغلقة عندما “تفقد قدرتها على نقد ذاتها، وتتحول من أداة فهم إلى أداة تبرير”؛ ومن سؤال مفتوح إلى جواب نهائي، ومن أداة لفهم الواقع الى معيار أخلاقي لإدانة الآخرين، ومن رؤية تاريخية الى حقيقة أزلية غير قابلة للنقاش.
كيف تشكلت إيديولوجيا حزب الله
إذا أردنا مراجعة تجربة حزب الله بعيدا عن الانفعال، فيجب ان نقرّ بأن الظروف ساعدت على نشأته ولم يبرز من فراغ. ففي الثمانينيات، وضمن سياق الاحتلال الإسرائيلي، وغياب الدولة اللبنانية، والتمييز التاريخي ضد الشيعة، تشكّلت بيئة حقيقية بلورت شعوراً بالحرمان والخطر الوجودي.
في هذه المرحلة: لم تكن فكرة المقاومة إيديولوجيا مغلقة، بل فكرة واقعية. وكان السلاح يُنظر إليه كوسيلة دفاع لا كهوية سياسية. وكان الانتماء للحزب أقرب إلى “خيار مقاوم” وليس إلى التزام عقائدي شامل.
بدأت لحظة التحوّل الجوهري من مقاومة إلى أيديولوجيا مكتملة، عندما انتقلت المقاومة من حالة استثناء تاريخي إلى نموذج دائم للحكم والشرعية. وبعد ان تم دمج البعد الديني (ولاية الفقيه) بالبعد العسكري والسياسي، فلم يعد السلاح وسيلة بل أصبح جوهر الهوية وشملته القداسة.
هنا بالضبط بدأت مرحلة ما يدعى “تجمّد الفكرة”. ما يعني ان الفكرة لم تعد قابلة للنقد من داخلها. وأن أي مساءلة تُفسَّر كتهديد وجودي.
فالشرعية لم تعد تُستمد من النتائج أو من المصلحة العامة، بل من “التاريخ”، و”الدم”، و”القداسة”، و”العقيدة”.
اختلط الولاء للحزب بالولاء لنص أيديولوجي مستورد. وتمّ تحنيط الإيديولوجيا بالسلاح. فمن يملك السلاح لا يحتاج إلى إقناع أحد.
وهنا تحدث المفارقة الكبرى:
الأيديولوجيا التي نشأت بزعم حماية المجتمع، تتحول إلى بنية تخيف المجتمع. فيمنع النقاش داخل البيئة نفسها، وتمتنع المراجعة الفكرية، وحتى الاعتراف بالأخطاء يوسم بالخيانة.
وهكذا تنتقل الأيديولوجيا من أداة مقاومة إلى نظام مغلق.
يصبح التراجع مستحيلاً، لأنه لا يعني فقط تغيير رأي، بل يعني: خسارة الهوية الجماعية، وفقدان الحماية، وكسر شبكة المصالح. ويعني الاعتراف بأن تضحيات طويلة بُنيت على سردية زائفة. وهذا أمر بالغ القسوة نفسياً وسياسياً. فالتراجع ليس “خياراً فكرياً”، بل انهيار معنى.
هل يمكن كسر هذا الجمود؟
ليس بالشعارات ولا بالضغط الأخلاقي. تقول التجربة التاريخية إن الانفراج يحصل عندما تتلاقى ثلاثة عناصر:
تغيّر في البيئة الإقليمية يقلّل من وظيفة السلاح.
انكشاف التناقض بين الخطاب والواقع المعيشي للناس.
ظهور بديل وطني مقنع لا يُشعر الجمهور بالخطر أو الإذلال.
بدون هذه العناصر، يبقى أي خطاب نقدي صوتاً أخلاقياً معزولاً.