
أوروبا تنخرط في المواجهة مع إيران
خطار أبو دياب/أساس ميديا/05 شباط2026
تستمرّ حالة الترقّب الحذر في الخليج والشرق الأوسط، وسط تداخل المسارين العسكريّ والدبلوماسيّ، مع تساؤل مصحوب بالغموض عمّا إذا كانت التحرّكات العسكريّة الأميركيّة تشكّل أداة ضغط تفاوضيّة على إيران أم تمهيداً للمواجهة. إبّان ذلك، دخل الاتّحاد الأوروبيّ على خطّ التصعيد مع اعتماده قراراً بتصنيف الحرس الثوريّ الايرانيّ منظّمةً إرهابيّة، وبفرض عقوبات على مسؤولين إيرانيّين متورّطين في قمع الاحتجاجات. هناك دلالات على تطوّر الموقف الأوروبيّ بعد طول تردّد إزاء منظّمة الحرس الثوريّ، مع ما يعنيه ذلك من تبعات اقتصاديّة وسياسيّة على النظام الإيرانيّ وتركيبته الأمنيّة والعقائديّة. تفسّر بعض الأوساط هذا الأمر بأنّه استلحاق أوروبيّ للسير في ركاب السياسة الأميركيّة، ويشي بشبه يقين بوجود قرار تمهيديّ لضربة أميركيّة على إيران، خصوصاً في حال عدم التوصّل إلى صفقة يعطيها سيّد البيت الأبيض الأولويّة. في هذا الإطار، كشف وزير الخارجيّة الفرنسيّ جان- نويل بارو، في تصريحات بتاريخ الأول من شباط أنّ الولايات المتّحدة “تستعدّ لشنّ عمليّة عسكريّة ضدّ إيران”، بينما تقترح في الوقت نفسه مساراً دبلوماسيّاً. أضاف: “على النظام أن يغتنم هذه الفرصة، وأن يقبل تنازلات كبيرة، وأن يغيّر موقفه جذريّاً”. أكّد أنّ على إيران أن تكفّ عن تهديد الاستقرار الإقليميّ والمصالح الأمنيّة الأوروبيّة. يشير تحذير الوزير الفرنسي إلى وجود مقاربة أوروبيّة تتقاطع مع المقاربة الأميركيّة بخصوص سلوك طهران المزعزع للاستقرار. الجديد فيها هو الكلام بوضوح عن تهديد مباشر للأمن الأوروبيّ، إذ ليس سرّاً أنّ أوروبا تقع بالكامل ضمن مدى الصواريخ الإيرانيّة الحاليّة. خلال فترة الاحتجاجات التي بدأت أواخر العام الماضي، أعربت أوساط المعارضة الإيرانيّة عن استغرابها لـ”الخمول” الأوروبيّ على الرغم من سجلّ النظام الإيرانيّ في “اغتيال معارضيه على أراضي القارّة القديمة”، و”دعم الإرهاب الدوليّ”، إضافة إلى “التهديدَين النوويّ والبالستيّ”.
حيثيّات قرار إدراج “الحرس الثّوريّ”
نظراً للهيمنة الأميركيّة في قضايا المنطقة، والرهانات الخاطئة، خسرت أوروبا أيّ دور فعّال في الملفّ الإيراني. حسمت من خلال قراراتها الأخيرة أمرها في توجيه رسالة قويّة إلى طهران علّ ذلك يعزّز من فرص الخيار الدبلوماسيّ وقبول اقتراح الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب وشروطه لإبرام الصفقة العتيدة. تجدر الإشارة إلى أنّ قرار تصنيف الحرس الثوريّ الذي تمّ اتّخاذه بإجماع الدول الأوروبيّة السبع والعشرين، لم يكن يسيراً قبل حملة القمع الأخيرة، إذ كان مطروحاً على جدول الأعمال، ودوماً ما كانت فرنسا ودول أخرى متردّدة خشية القطيعة مع طهران. اللافت أيضاً أنّ إسبانيا وإيطاليا رفضتا أوائل كانون الثاني الماضي إدراج الحرس الثوريّ (الجيش الأيديولوجيّ للنظام الإيرانيّ) على لائحة الإرهاب الأوروبيّة، بينما اختلف الأمر في اجتماع التاسع والعشرين من كانون الثاني الذي كانت فيه إيطاليا في طليعة المطالبين بذلك. حسب مصدر دبلوماسيّ، يعود التردّد الفرنسيّ إلى وجود رهينتين فرنسيّتين في طهران هما سيسيل باري وجاك كوهلير، وهما سائحان جرى اعتقالهما بشكل تعسّفيّ منذ سنتين. من دواعي التردّد الأخرى اعتقاد باريس بأنّ “سيناريو تغيير النظام من الداخل غير محتمل”. بيد أنّ الاندفاع والتحشيد العسكريّ الأميركيّ غير المسبوق من جهة، واتّضاح الحجم الكبير لضحايا الأحداث الأخيرة من جهة أخرى، دفعا بدول الاتّحاد الأوروبيّ لاتّخاذ القرار الحاسم. صدرت هذه المرّة إشارة التحوّل في الاتّحاد الأوروبيّ من البرلمان الأوروبيّ في الثاني والعشرين من كانون الثاني، وذلك على شكل توصية إلى مجلس الاتّحاد الأوروبيّ بوجوب إدراج الحرس الثوريّ، وخاصّة ميليشيا الباسيج وفيلق القدس، على اللائحة الإرهابيّة للاتّحاد، نظراً لتورّط هذه الأجسام المسلّحة بحملة القمع الدمويّة. هكذا أنهت أوروبا تمايزها الدبلوماسيّ ودورها الوسيط خلال حقبة “الانخراط البنّاء” و”الحوار النقديّ”، وكأنّها تستشرف حقبة جديدة في إيران. سيؤدّي تصنيف الحرس الثوريّ بشكل ملموس إلى تجميد أرصدة المنظّمة، ومنع سفر عناصره الذين يبلغ عددهم حوالي مئتي ألف شخص. لكنّ الأهمّ توجيه الدوائر الأوروبيّة رسالة واضحة إلى قيادات الحرس الثوريّ، وربّما يخفي ذلك رهاناً على انشقاقات تزعزع وحدة النظام. من غير المستبعد أن تقوم أيّ حملة عسكريّة أميركيّة باستهداف الحرس الثوريّ العمود الفقريّ للنظام، والرهان على دور معيّن لضبّاط الجيش النظاميّ الإيرانيّ في تغيير سلوك الجمهوريّة الإسلاميّة.
تداعيات الصّفقة أو المواجهة الوشيكة
تراقب الدوائر الأوروبيّة عن كثب التطوّرات المتسارعة، وتنقسم بين توقّع تسوية اللحظة الأخيرة أو المواجهة الوشيكة التي تعتبر الأكثر ترجيحاً. في حال تحقّق سيناريو الصفقة ستكون أوروبا على الهامش، خاصّة بعد ردّة فعل مجلس الشورى الإيرانيّ الذي قام بتصنيف “الجيوش الأوروبيّة إرهابيّة” ردّاً على القرارات الأوروبية الأخيرة. أمّا في حال اندلاع العمليّات العسكريّة، فهناك خشية من الانعكاسات على أمن أوروبا واقتصادها نظراً للجوار الاستراتيجيّ وأهميّة المنطقة في توفير ونقل مصادر الطاقة. بالإضافة إلى ذلك، يتركّز الاهتمام على إمكان توسّع الحرب إلى حرب إقليميّة كما هدّد المرشد علي خامنئي.
تولي باريس عناية لمتابعة الانعكاسات المحتملة على الساحة اللبنانيّة نظراً لما يمثّله لبنان بالنسبة لفرنسا، ولأنّ القوّات الأوروبيّة تشكّل عماد قوّات “اليونيفيل” التابعة للأمم المتّحدة. تعتبر الأوساط الأوروبيّة أنّ من الصعب قبول طهران بالشروط التي وضعها الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب لأنّ “الجمهوريّة الإسلاميّة من دون قدرات بالستيّة هجوميّة وبرنامج نوويّ غامض” ستفقد أبرز عناصر ما تعتقد أنّه سياسة الردع في الداخل والخارج. لهذا يبدو أنّ هناك استعصاء في تغيير النظام الإيرانيّ الأيديولوجيّ لأسلوب تفكيره الذي يراوده الحلم الإمبراطوريّ.