web analytics
Home Youssef El Khoury Page/صفحة المخرج يوسف ي. الخوري المخرج والكاتب يوسف ي. الخوري/موازنة الجباية… ومجلس العجز؛

المخرج والكاتب يوسف ي. الخوري/موازنة الجباية… ومجلس العجز؛

26

موازنة الجباية… ومجلس العجز؛
المخرج والكاتب يوسف ي. الخوري/30 كانون الثاني/2026

كيف مرّت موازنة 2026 على حساب شعبٍ في الحرب، وباسم سيادة بلا محاسبة؛
لم تكن موازنة 2026 مجرّد مشروع أرقام، بل كانت قرارًا سياسيًا فاضحًا: قرارًا بتحميل شعبٍ مسحوقٍ مزيدًا من الجبايات، في لحظة كان يفترض أن تكون فيها الموازنة موازنة حرب، لا موازنة جباية.
نحن بلد يعيش في حالة حرب فعلية، شاء من شاء وأبى من أبى. حرب مع إسرائيل فُرضت على اللبنانيين بسبب سلاح خارج عن الدولة، ما برح يهدّد، في آنٍ واحد، بحرب خارجية وحرب أهلية داخلية، فيما الدولة صامتة، والسلطة السياسية متواطئة، وآلية صنع القرار محتلّة.
وفي مفارقة أقرب إلى العبث، تُصرّ السلطة السياسيّة نفسها على مطالبة المجتمع الدولي بدعم لبنان وتحرير أرضه من إسرائيل، بينما يعرف العالم، وصرّح بذلك مرارًا، أن أيّ انسحاب إسرائيلي هو مشروط بتطبيق القرارات الدولية، وعلى رأسها نزع سلاح حزب الله. ومع ذلك، نوقشت الموازنة وأُقرّت وكأنّ البلد في عطلة سلام، لا في قلب إعصار إقليمي مفتوح.
خلال الجلسات، تعالت أصوات تتحدّث عن “حصر السلاح”، وكان لافتًا، لا بل فاضحًا، أنّ لا نائبًا واحدًا تجرّأ على استخدام عبارة “نزع السلاح” كما وردت صراحة في القرار 1701. لم يكن ذلك سهوًا لغويًا، بل حسابًا انتخابيًا باردًا.
التركيز على السلاح في هذه الجلسات لم يكن نافعًا بل ضارًا: ليس نافعًا لأنّه لن يغيّر شيئًا في قرار حزب الله، وضارًا لأنّه استُخدم كدخانٍ كثيف لحرف الأنظار عن موازنة ستنهك الشعب أكثر، وقد مُرّرت بهدوءٍ شبه تآمري.
تقريبًا، كلّ نائب انتقد الموازنة بطريقته. لكن في النهاية، الموازنة مرّت. هذه الحقيقة وحدها كافية لإدانة مجلس النواب: مجلس ينتقد ولا يُسقط، يتكلّم ولا يُحاسب، يصرخ ثم يرفع يده، أو لا يرفعها، ثمّ يمضي.
مجلس عاجز عن التأثير، عاجز عن التغيير، وعاجز عن المحاسبة. بل أدقّ: مجلس غير معني بالمحاسبة أصلًا.
المحاسبة لم تغب فقط عن الذين وضعوا الموازنة، بل غابت أيضًا عن “السياديين” الذين ملأوا القاعة خطبًا عن السيادة. اتّهموا حزب الله بانتهاك الدولة وتدمير لبنان، لكن أحدًا لم يطالب بمحاسبة هذا الحزب المجرم.
وهنا بيت القصيد: عدم المحاسبة ليس حيادًا، بل تعويم وإنقاذ. تعويم لحزب الله في لحظة بدا فيها مأزومًا ومكشوفًا، مع التغاضي عن أنّ كل تأجيل للمحاسبة سيورّط لبنان أكثر، وسيدفع ثمنه الشعب وحده.
إيقاف البث المباشر خلال جلسة التصويت ليس تفصيلًا تقنيًا، بل قرارًا سياسيًّا بقطع يد الشعب عن المحاسبة. فحين لا يعرف المواطن من صوّت مع ومن صوّت ضد، تصبح الديمقراطية ديكورًا، ويصبح المجلس كتلة واحدة متواطئة، مهما اختلفت خطابات أعضائه.
عدم المطالبة بالمحاسبة يعني أحد أمرين لا ثالث لهما:
إمّا تواطؤ مع حزب الله،
وإمّا غباء سياسي وقصر نظر استراتيجي.
هؤلاء النواب أنفسهم ساكنوا حزب الله لعقود، منحوه شرعية “شعب جيش مقاومة”، وتقاسموا معه السُلطة والسَلطة والجبنة!! حتى الأمس القريب، لم يكن أحد يريد نزع سلاحه. اليوم فقط، بعدما مالت الدفّة، علت أصواتهم… متأخرة، ومشبوهة، وانتخابية بامتياز.
لذا، وإن أردنا العدل، فلا تكفي محاسبة حزب الله وحده؛ يجب محاسبة هؤلاء النواب أيضًا: على سكوتهم، على إذعانهم، على تضليلهم الشعب، وعلى تدجينه لمصلحة محور معروف، إقليميًا وسياسيًا. هم كانوا الأداة التي ضُرب بها الشعب الذي أتى بهم إلى السلطة، فلا يحق لهم البقاء دقيقة واحدة بعدها.
ويكفي التوقف عند مشهد الجلسات لفهم عمق الأزمة؛ لم يتجرأ نائب واحد على الحديث عن السلام أو عن موقع لبنان في تركيبة المنطقة المقبلة.
كلّ من هاجم حزب الله، حرص في الوقت نفسه على طمأنته ودعوته “للعودة إلى الوطن”.
ولا نائب تجرّأ على كسر التابو: المحاسبة.
الجميع يغازل رئاسة المجلس، خوفًا من ردّة فعل الحزب.
نواب الحزب استقووا، قاطعوا، حضروا كامل الأيام الثلاثة، يراقبون ويديرون. الآخرون ألقوا خطاباتهم وغادروا، ثم عادوا للتصويت. الدلالة واضحة:
مشروع أيديولوجي واضح مقابل شعبوية تجّار.
وفي قلب كلّ ذلك، يبقى السؤال الأكثر إحراجًا: في ذروة التهديدات، ماذا كانت “عدوّتنا” إسرائيل لتفعل بموازنتها؟ سؤال مشروع، ومقارنة فاضحة. هناك، تُعدّ الموازنات على أساس الأمن، الجبهة الداخلية، الجهوزية. هنا تُعدّ على أساس الجباية، وكأنّ الخطر وهم، وكأنّ الحرب احتمال نظري.
في الانتخابات السابقة (2022)، دَعوتُ إلى مقاطعة الانتخابات، وفشلتُ نسبيًا.
اليوم، الامتحان أخطر، وعلى الشعب أن يحدّد موقعه:
هل هو غنميّ، مريَّف، مُساق؟
أم هو فعلًا مصدر السلطات؟
الحساب يجب أن يبدأ بالمنظومة التي خانت الشعب قبل أن يبدأ بحزب الله الذي يعمل مصلحته علنًا. جريمة المنظومة أكبر، لأنها لبست ولا تزال تلبس قناع الدولة.
ولا يمكن ختم هذا المشهد من دون التذكير بالخطيئة الدستورية الكبرى منذ اتّفاق الطائف 1989: نواب انتزعوا صلاحيات رئيس الجمهورية، ولم يعطوه في المقابل أي ضمانات توازن: لم يتركوا له حق حلّ المجلس النيابي، وحرموه الشراكة الفعلية في تسمية رئيس حكومته الذي معه يحقّق خدمة الناس، وحجبوا عنه صلاحيات طوارئ تحسم في لحظات الانهيار والجمود والهبل النيابي، كما هو حاصل اليوم ومنذ زمن ليس بوجيز.
هكذا صُنعت جمهورية لبنان العجز… وهكذا هي مستمرّة حتى يوم الانبعاث.

**لقراءة مقالات ومشاهدة مقابلات الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري المنشورة على موقعنا اضغط هنا

**To read articles and watch interviews by writer and director Youssef Y. El Khoury published on this website, click here.

Share