ثورة الوعي أو لا وطن… لبنان تحت حكم النهب المنظم
شبل الزغبي/26 كانون الثاني/2026
هذا هو حال الطبقة السياسية في لبنان: منظومة مغلقة أعادت تعريف الدولة على قياسها، فصار القانون يُفصَّل لحماية الفاسدين، والضرائب تُنتزع من أفواه المحتاجين، والمناصب تُوزَّع كغنائم حرب على الموالين. مشاريع وهمية تُعلَن بعناوين براقة لتكون ستارًا لشرعنة النهب، فيما تُحمى الأموال المنهوبة داخل المصارف في لبنان وفي الخارج، ويُترك الناس عراة أمام الجوع والقلق وانسداد الأفق. يفتعلون الأزمات واحدة تلو الأخرى، لا لإصلاحٍ ولا لإنقاذ، بل لبيع أصول الدولة بثمن التراب، أو لطمس فضائح النهب الفاحش، أو لتصفية حسابات بين حيتان المال والنفوذ، فيما يُدفَع الشعب إلى الهامش ليُلهى بالتفاصيل ويُحرَم من مواجهة الجوهر. ولم يكتفوا بما نهبوا من مدخرات الناس ومقدرات البلد، بل امتدّت أعينهم إلى آخر ما تبقى : ذهب لبنان. هذا الاحتياطي الاستراتيجي الذي كان يمثل آخر درع حماية للعملة الوطنية وآخر ضمانة للسيادة الاقتصادية، بات اليوم في دائرة الاستهداف المباشر.
في هذا المشهد العبثي، لم تعد الدولة سوى واجهة، ولم تعد السياسة سوى تجارة، ولم يعد المواطن سوى رقم يُستَخدم عند الحاجة ويُهمَل بعد ذلك. طبقة كاملة تعيش على تدوير الفشل، تتغذّى من الخوف والطائفية، وتستثمر في الانقسام لتبقى جاثمة على الصدور. هكذا أُفرِغت المؤسسات من معناها، وتحوّلت الرقابة إلى نكتة، والمحاسبة إلى شعار موسمي، والعدالة إلى وعد مؤجَّل لا يأتي. الحل ليس في ترقيع هذا الخراب ولا في استبدال وجوه بوجوه من المدرسة نفسها، بل في انتفاضة شعبية مسؤولة، واعية، لا تستهدف تغيير الوضع الراهن فقط، بل اقتلاع الطبقة السياسية التي نهبت البلد وشرّعت نهبها بقوانين مفصّلة على قياس مصالحها، من دون أي اعتبار لمصالح الناس. انتفاضة تُعيد السياسة إلى معناها الأخلاقي، وتُخضع السلطة للمساءلة، وتكسر الحلقة الجهنمية التي تجعل الفساد قدرًا.
لقد وصل لبنان إلى هذا الدرك بعدما كان جوهرة الشرق الأوسط، لا لأن موارده نضبت، بل لأن الضمير جفّ. سياسة تربّت عليها أجيال حتى صار الفساد طبيعيًا، وصارت سرقة جنى العمر تفصيلاً، وصار الانهيار نمط حياة. من هنا، فإن ثورة الوعي ليست ترفًا بل ضرورة وجودية إذا أردنا الخروج من هذه الأزمة المصيرية وبناء وطن جديد. وطن تكون ركائزه مؤسسات دستورية حقيقية، لا هياكل خاوية، ويكون فيه الإنسان هو الاستثمار الأول.
أهم بناء يجب أن نعمل عليه هو بناء الإنسان نفسه، إعادة تغذية الضمير ليعيش من جديد، لأن الفقر طريق إلى الجريمة، والجهل سلاح الخضوع، وحين يجتمعان تُغتال الحرية بصمت. وما نراه اليوم يؤكد أن الأحزاب في لبنان تحوّلت إلى مقابر للفكر السياسي، تقتل السؤال، وتخنق النقد، وتستبدل البرنامج بالشعار، والوطن بالزعيم. إما أن نستعيد وعينا ونفرض معادلة جديدة قوامها المحاسبة والعدالة والكرامة، أو نترك هذا الوطن يُستنزف حتى الرمق الأخير. الخيار واضح، والوقت يضيق، والتاريخ لا يرحم المتقاعسين.
لبنان لن يُبنى بمعجزة، بل بعمل دؤوب وإيمان بأن الشعوب لا تموت إلا حين تستسلم….ونحن لا نستسلم.