هل كان نصرالله قائداً أم مجرد أداة إيرانية؟ … دماء لبنانية على مذبح المشروع الإيراني
شبل الزغبي/23 كانون الثاني/2026
القائد الحقيقي يُقاس بقدرته على حماية شعبه، وتأمين مستقبلهم، وتوفير الاستقرار لهم، لا بقدرته على جرّهم إلى معارك عبثية لا مردود منها سوى المزيد من الدمار والمآسي. فالقائد الناجح لا يستخفّ بعدوه ولا يضع جيشه وشعبه في مواجهة مفتوحة غير محسوبة النتائج، بل يسعى إلى تجنّب الحرب ما أمكن، ويكسب المعركة دون أن يخوضها إذا استطاع، لأن الانتصار الأعظم هو الذي يحمي الأرض والناس دون إراقة دماء. في المقابل، ما الذي فعله حسن نصرالله؟
قاد جماعته إلى حروب لا علاقة للبنان بها، من سوريا إلى اليمن والعراق، وجعل من لبنان منصة لصراعات إقليمية لا تخدم سيادة البلد ولا مصالحه، بل فقط مصالح إيران ومشروعها التوسعي. أما الشعب اللبناني، فكان وقوداً لهذه المغامرات، يدفع أثمان العقوبات والعزلة والدمار الاقتصادي والسياسي.
الولاء الأعمى لقوى خارجية جعل من “المقاومة” مجرد أداة بيد غيرها، وأدخل لبنان في عزلة غير مسبوقة. إيران، التي زجّت بنصرالله وحزبه في مواجهة مفتوحة مع إسرائيل، لم تكن يوماً عابئة بالتضحيات. دماء شباب الحزب، أرواح المقاتلين، دمار البيوت والقرى، كل ذلك لم يكن له أي قيمة حقيقية في حسابات طهران الاستراتيجية. فإيران تقاتل حروبها بدماء غيرها، وتحقق أهدافها على حساب شعوب المنطقة. والدليل الأكبر على هذا الاستخفاف الإيراني بحلفائها هو أن طهران ضحّت بنصرالله نفسه دون أن يرف لها جفن. القائد الذي صوّروه رمزاً للمقاومة، وأيقونة لا تُمس، تُرك وحده يواجه مصيره، بينما كانت إيران تراقب من بعيد، تحسب مكاسبها وخسائرها السياسية، دون أن تحرّك ساكناً لحمايته. هذا هو حال من يضع ولاءه لقوى خارجية: يصبح مجرد جندي صغير في جيش ولاية الفقيه، يُستهلك حين تنتهي صلاحيته. فبدلاً من أن يكون السلاح في خدمة الدولة، أصبح السلاح في خدمة مشروع يعلو على الوطن، وبدلاً من أن يكون القائد حامياً لشعبه، صار حاكماً عليهم باسم شعارات لم تقنع إلا من غاب عنه العقل. الأدهى من ذلك أن عدم قراءة نصرالله الصحيحة لحرب الإسناد أدى إلى أخطاء استراتيجية جسيمة، جرّت على الحزب وبيئته خسارة فادحة في المعركة. فها هي بيئة حزب الله اليوم مهجّرة من بيوتها، تفترش الطرقات، تركت خلفها ديارها المدمرة ومستقبلاً مجهولاً. عشرات الآلاف من العائلات باتت بلا مأوى، تعاني البرد والجوع والإهمال، ثمناً لمغامرة لم تُحسب حساباتها، وقيادة لم تقرأ الواقع بوضوح.
هذا هو ثمن سوء التقدير الاستراتيجي: شعب بأكمله يدفع فاتورة قرارات متسرعة، وقائد تمسك بشعارات فارغة بينما أتباعه يعيشون الكارثة على الأرض. أين هو “الانتصار” حين يصبح المنتصرون مشردين؟ وأين هي “القيادة الحكيمة” حين يجد القائد نفسه عاجزاً عن حماية من يدّعي أنه يمثلهم؟
الأسوأ أن الخسارة تحوّلت إلى انتصار في قاموس الدعاية والأبواق ، فكلما خسر الحزب رجالاً وأرضاً وسمعة دولية، علت الهتافات تمجد “القائد”. أليس هذا قمة الغباء الجماعي؟ كيف يمكن لشعب أن يهلل لمن ضاعف مآسيه وقاده من كارثة إلى أخرى؟ وماذا استفاد جمهور “الممانعة” من الشهادة على طريق القدس؟
القائد الناجح هو الذي يترك لشعبه إرثاً من الاستقرار والازدهار، أما الذي يخلّف وراءه المقابر والفقر والخراب والتهجير، فهو ليس قائداً بل مغامراً. والتاريخ لا يرحم المغامرين الذين قدّموا مصالح الغرباء على مصلحة وطنهم، وضحّوا بشعوبهم على مذبح أوهامهم. ولعل المفارقة الأكبر أن نصرالله نفسه، الذي ظنّ أنه يقود مشروع “المقاومة”، اكتشف متأخراً أنه لم يكن سوى “جندي صغير” وأداة قابلة للاستبدال في يد من ادّعى حمايته. فإيران لا تحمي حلفاءها، بل تستهلكهم حتى آخر قطرة دم.