بين الخيانة والنجاة… لبنانيون عالقون في إسرائيل منذ ربع قرن يقيم داخل الأراضي الإسرائيلية نحو 3500 لبناني غالبيتهم في مناطق الشمال قرب الحدود
طوني بولس @TonyBouloss/انديبندت عربية/22 كانون الثاني/2026
اضغط هنا لقراءة التقرير المنشور على موقع جريدة انديبندت عربية وكذلك لمشاهدة فيديو مداخلتين الأولى للمحامي إيلي كريالوس والثانية للمخرج يوسف الخوري يتناولان معانات الأبطال اللاجئين في دولة إسرائيل ووضعهم القانوي لبنانياً وخلفيات ملف قضيتهم الحقيقية
ملخص
بعد 25 عاماً يعود ملف اللبنانيين الذين عبروا إلى إسرائيل عام 2000 للواجهة، بوصفه واحداً من أكثر ملفات ما بعد الصراعات تعقيداً في تاريخ لبنان الحديث، فبينما شهدت البلاد تسويات سياسية وأمنية بعد انتهاء الانتداب الفرنسي والنفوذ الفلسطيني المسلح والوصاية السورية، بقي ملف “جيش لبنان الجنوبي” استثناء بلا عفو أو مقاربة انتقالية.
لم تكن التدخلات الخارجية والاحتلالات استثناءً في تاريخ لبنان الحديث، بل واقعاً بنيوياً رافق نشوء الدولة وتطور أزماتها، ومع كل مرحلة تلت نيل البلاد استقلالها دخل جزء من اللبنانيين، طوعاً أو قسراً، في منظومات الحكم التي فرضها الخارج، سواء خلال الانتداب الفرنسي بين ثلاثينيات وخمسينيات القرن الماضي، أو في زمن النفوذ الفلسطيني المسلح بعد دخول الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات لبنان قادماً من الأردن، أو لاحقاً خلال مرحلة الوصاية السورية التي بدأت عسكرية مع انطلاق الحرب الأهلية اللبنانية (1975- 1990) وتطورت سياسية وأمنية وحتى اقتصادية، ولم تنته إلا منتصف عام 2005 مع خروج الجيش السوري من لبنان.وفي كل تلك التجارب، ومع تبدل موازين القوى لمصلحة مجموعة من الزعماء أو السياسيين ضد أخرى، جرى التعامل مع ما سبق بمنطق التسويات السياسية والأمنية، فأُعيد دمج كل اللبنانيين أياً كانت انتماءاتهم السياسية وربما الأمنية أيضاً ضمن الدولة كأفراد مقاتلين أو حتى مواطنين عاديين، من دون تحويلهم إلى متهمين دائمين أو منبوذين خارج الجماعة الوطنية.غير أن هذا المنطق سقط بالكامل عندما أتى الأمر إلى إسرائيل، فالتجربة المرتبطة بما عُرف بـ “جيش لبنان الجنوبي” تحولت إلى استثناء كامل في الذاكرة السياسية اللبنانية، وبقيت حتى اليوم جرحاً مفتوحاً بلا تسوية أو عفو أو مقاربة انتقالية، وتحول معه آلاف اللبنانيين إلى حال شاذة في تاريخ ما بعد الصراعات، وإلى ملف بالغ الحساسية والتعقيد.
ماذا يقول الدستور والقانون اللبناني؟
الدستور اللبناني لا ينص صراحة على أن إسرائيل عدوة للبنان لكن القوانين اللبنانية الأخرى تعتبر إسرائيل دولة عدوة وتبني على ذلك آثاراً قانونية واضحة لناحية الدستور، فهو لا يذكر إسرائيل بالاسم، ولا يوجد أي نص دستوري يصف هذه الدولة بأنها عدو، كما أن ما يرد في مقدم الدستور يؤكد عروبة لبنان والتزامه بمواثيق جامعة الدول العربية، والتزامه بقضية فلسطين ورفض التوطين.في المقابل وعلى رغم النص الدستوري، فإن الصفة القانونية للعداوة ثابتة في القوانين العادية وأبرزها قانون “مقاطعة إسرائيل” عام 1955 الذي يعرّف إسرائيل صراحة كـ “دولة عدوة” ويحرم التعامل والاتصال والتجارة أو السفر إليها، كما أن في “قانون العقوبات اللبناني” مواد متعلقة بـ “التعامل مع العدو” ومنها المادتان (278) و(285) اللتان تجرمان أي اتصال أو تعاون مع إسرائيل بوصفها دولة عدوة، وبالتالي فإسرائيل تُعتبر دولة عدوة بموجب القوانين اللبنانية النافذة والممارسة الرسمية.
اللبنانيون في إسرائيل… بين الخيانة والنجاة
العودة لـ “جيش لبنان الجنوبي”، وهو ميليشيات عسكرية تشكلت خلال الحرب الأهلية عام 1978 برئاسة الرائد سعد حداد الذي كان في صفوف الجيش اللبناني، وكانت نواته وحدات من الجيش بهدف مقاتلة وطرد الفدائيين الفلسطينيين من جنوب لبنان، وقد تلقى دعماً عسكرياً ومالياً مباشراً من إسرائيل، فيما قصة اللبنانيين الذين عبروا إلى إسرائيل عام 2000 ليست حكاية عملاء ولا رواية أبرياء وحسب، بل هي نتاج دولة لم تُحسن إدارة لحظة انتقال وانسحاب إسرائيلي لم يُدار بمسؤولية، وصعود سلاح فرض منطقه على حساب منطق المؤسسات.
في الـ 25 من مايو (أيار) 2000 انسحب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان منهياً احتلالاً دام أكثر من عقدين تاركاً وراءه عناصر “جيش لبنان الجنوبي” وعائلاتهم أمام خيارين أحلاهما مرّ، إما تسليم أنفسهم أو العبور إلى الأراضي الإسرائيلية، وغالبيتهم اختارت الانتقال إلى إسرائيل خوفاً من المصير المجهول في الداخل، بخاصة أن “حزب الله” هو من دخل الجنوب بعد خروج إسرائيل، ومنذ تلك اللحظة لم يُعامل هؤلاء كملف ضمن مرحلة انتقالية لا بد من التعامل معه وإيجاد حل، بل جرى تثبيتهم في الوعي العام كـ “ملف إدانة” دائم، على رغم أن الدول الخارجة من احتلال أو حرب أهلية تعتمد عادة أدوات واضحة لإدارة الانتقال، من عفو عام مدروس إلى مسارات تميز بين الجرائم الفردية والخيارات القسرية التي فرضها الخوف والاحتلال، لكن في لبنان لم يحصل شيء من ذلك وبقي الملف معلقاً عمداً حتى يومنا هذا.
انسحاب سريع
على مدى أكثر من عقدين شكّل “جيش لبنان الجنوبي” البنية الأمنية والإدارية للشريط الحدودي بدعم إسرائيلي مباشر بالسلاح والمال والإدارة، وقد بلغ عدد عناصره خلال ذروته نحو 7 آلاف عنصر، فيما تقول مراكز الأبحاث الاسرائيلية إن قرار تل أبيب سحب قواتها من جنوب لبنان لم يكن نتيجة تسوية سياسية أو واقعاً أمنياً لا يمكنها التعامل معه، بل قراراً داخلياً إسرائيلياً مرتبطاً بوعد انتخابي لرئيس الوزراء آنذاك إيهود باراك وبضغط داخلي لإنهاء نزاع مُكلف، ومع أن تل أبيب اعتمدت على “جيش لبنان الجنوبي” كذراع محلية لكنها حين قررت الانسحاب أبقت خطتها سرية إلى حد أن قادة هذا الجيش أُبلغوا بالقرار قبل ساعات قليلة فقط، والنتيجة كانت انهياراً فورياً بلا وقت لإعادة انتشار أو تفاوض أو ترتيب خروج آمن، وحتى داخل إسرائيل صدرت في العام نفسه دراسات ومقالات إسرائيلية ناقشت فكرة التخلي، معتبرة أن الانسحاب نُفذ ببرودة إستراتيجية لم تراع مصير من عاشوا عقوداً في ظل المنظومة الإسرائيلية، لكن هذا النقاش بقي حبيس التحليل فيما تُرك الواقع على الأرض ليحسمه الخوف بين مئات اللبنانيين.
خطاب السلاح وغياب الدولة
في الداخل اللبناني يرى فريق أن من عبر إلى إسرائيل عام 2000 وتعامل معها على مدى عقدين أمنياً وسياسياً واقتصادياً خائن ولا مبرر لما قام به، فيما يقول فريق أخر إن عبور الحدود نحو الأراضي الإسرائيلية لم يكن خياراً مخططاً أو هجرة مدروسة بل رد فعل فوري على سقوط مظلة الحماية من جهة، وتقدم خصم مسلح من جهة أخرى، في إشارة إلى “حزب الله”.ويذهب المدافعون عن عائلات “جيش لبنان الجنوبي” أبعد من ذلك قائلين إن الظروف الأمنية وموازين القوى في الجنوب بين الثمانينيات والتسعينيات اضطرتهم إلى التعامل مع إسرائيل، إذ كان الفلسطينيون ينتشرون بسلاحهم في بلداتهم والدولة اللبنانية غائبة تماماً.وبالعودة لعام 2000 فقد كان لبنان يعيش في ظل وصاية سورية نافذة تمسك بالأجهزة الأمنية وتؤثر مباشرة في القضاء، وأشارت تقارير حقوقية دولية رسمية خلال تلك المرحلة بوضوح إلى أن القضاء اللبناني، على رغم النصوص الدستورية، كان خاضعاً لضغوط سياسية في الممارسة، وهذا الواقع جعل فكرة “تسليم النفس” للقضاء العسكري خياراً مشكوكاً فيه لدى من اعتقدوا أن المحاكمة ستكون سياسية بقدر ما هي قانونية، وأن التهمة قد تتحول إلى أداة تصفية لا إلى مسار عدالة، وهنا تتشكل “رواية الضحية” التي حملها هؤلاء معهم إلى المنفى، فهم لم يهربوا فقط من “حزب الله” بل من دولة لا يثقون بحيادها في تلك اللحظة التاريخية، دولة لم تكن قادرة على ضمان عدالة هادئة في ملف بهذه الحساسية، فكان العبور إلى إسرائيل بنظرهم خيار النجاة الوحيد.
ليلة العبور إلى إسرائيل
لا أرقام رسمية أو نهائية لعدد اللبنانيين الذين عبروا الحدود نحو إسرائيل، لكن وفق بعض اللبنانيين الذين أدلوا بشهاداتهم فقد تحولت بوابات الحدود إلى مسرح فوضوي خلال تلك الليلة والساعات التي تلت، سيارات محمّلة بالعائلات، وأطفال ومسنون، وحقائب سريعة الجمع، وعناصر بلباسهم العسكري يعبرون في ساعات قليلة، أما التقديرات المتقاطعة فتشير إلى أن نحو 8 آلاف لبناني عبروا إلى داخل إسرائيل بعد الانسحاب الإسرائيلي، معظمهم من عناصر “جيش لبنان الجنوبي” وعائلاتهم، إضافة إلى موظفين مدنيين عملوا في الإدارة المحلية الرسمية للشريط الحدودي.خلال الأيام الأولى وُضع هؤلاء في فنادق ومراكز إيواء موقتة شمال إسرائيل، وتحديداً في نهاريا وطبريا وكريات شمونة، وقد قيل لهم إن الإقامة ستكون قصيرة، أسبوعين أو ثلاثة، لكن الموقت امتد أشهراً ثم تحول إلى أعوام ثم إلى واقع دائم، وإسرائيل التي فتحت الحدود لهم باعتبارها تتحمل “مسؤولية أخلاقية”، لم تكن قد أعدت خطة استيعاب حقيقية، فبقي كثر في حال ضياع اقتصادي واجتماعي دفع بعضهم منذ الأشهر الأولى إلى البحث عن مخرج ثالث.
من “ملف حدودي” إلى حال شتات
بعد مرور ربع قرن باتت الصورة أوضح بالأرقام، إذ تشير التقديرات الحديثة إلى أن نحو 3500 لبناني لا يزالون يقيمون في إسرائيل من أصل من عبروا عام 2000، وهؤلاء مسجلون رسمياً لدى وزارة الداخلية الإسرائيلية تحت تسمية خاصة، وحصلوا على الجنسية الإسرائيلية تباعاً خلال الأعوام التي تلت، وفي المقابل عاد مئات آخرون للبنان على دفعات وخضعوا لمحاكمات أمام القضاء العسكري بتهمة التعامل مع العدو، وجزء ثالث منهم لم يختر البقاء في إسرائيل ولا العودة للبنان، بل هاجر من إسرائيل إلى دول ثالثة أبرزها السويد وألمانيا وكندا، ولاحقاً فرنسا وأستراليا، وهذه الدول منحت كثيرين منهم حق اللجوء باعتبار أن عودتهم للبنان قد تعرضهم للخطر، وهكذا تفتت المجتمع الذي خرج دفعة واحدة إلى ثلاث وجهات، وتحول من “ملف حدودي” إلى حال شتات.
هوية معلقة بين دولتين وجيل جديد في صلب الأزمة
تكشف التقارير أن من اختار البقاء منهم داخل إسرائيل بقي في الشمال وتحديداً في نهاريا وكريات شمونة وطبريا وصفد ومعالوت وحيفا، والجغرافيا هنا ليست تفصيلاً عابراً، فهي تعني أن هؤلاء ظلوا على تماس مباشر مع الحدود اللبنانية، ومن حيث التركيبة الطائفية يؤكد متابعون لهذا الملف أن غالبية العابرين إلى إسرائيل كانوا مسيحيين موارنة ومسلمين شيعة، مع أقلية من السنّة والدروز، لكن هذا الملف يعود كل مرة للواجهة من البوابة المسيحية إن صح القول، وتحديداً مع طرح موضوع “قانون العفو العام” الذي يحتاج في التوازنات اللبنانية إلى توازن طائفي بين الجميع.وفي التفاصيل فإن السنّة في لبنان يريدون طي ملف الموقوفين الإسلاميين، والمسيحيون بدورهم يريدون معالجة ملف آلاف في إسرائيل منذ عام 2000، أما الشيعة فيريدون إنهاء ملف عشرات آلاف مذكرات التوقيف في البقاع، والمرتبطة في معظمها بالمخدرات والسلاح والتي تلاحق المئات من أبناء بيئتهم، وهنا تتقاطع السياسة بالديموغرافيا والطائفية، فعدم إصدار عفو عام شامل بعد انتهاء مرحلة الاحتلال، وعدم اعتماد عدالة انتقالية تميز بين المسؤوليات، جعلا خروج آلاف العائلات من قراها يتحول إلى أمر واقع طويل الأمد، فبيوت تُركت، وأراضٍ هُجرت، وقرى أعيد تشكيل نسيجها الاجتماعي على إيقاع موازين جديدة، وحتى لو لم تكن هناك خطة ديموغرافية مكتوبة فإن النتيجة الديموغرافية تحققت بفعل الإهمال السياسي والإصرار على إبقاء الملف بلا حل.الأكثر تعقيداً في هذا الملف هو ما أنتجه الزمن، فبعد 25 عاماً وُلد جيل كامل في إسرائيل أو وصل إليها طفلًا ثم كبر وتعلم في مدارسها وجامعاتها، وهؤلاء يحملون هوية مركبة إسرائيليون بحكم الجنسية والواقع، ولبنانيون بحكم الأصل والذاكرة العائلية، وكثير منهم لا يعرفون جنوب لبنان إلا من قصص الأهل لكنهم يشعرون بقلق دائم على أقارب لا يزالون يعيشون في القرى الحدودية، بعضهم اندمج كلياً في المجتمع الإسرائيلي وخدم في الجيش أو الشرطة وبنى مساراً مهنياً، فيما بقي آخرون يعيشون صراع الانتماء مرفوضين بالكامل هنا ومشكوكاً فيهم هناك.
قرار الدخول إلى اسرائيل
وفي هذا الإطار يقدم المخرج والكاتب السياسي اللبناني يوسف الخوري قراءة لما جرى تضع الأحداث في سياقها التاريخي والسياسي، مشيراً الى أنه في عام 1990 ومع صدور “قانون العفو العام” وإقرار “اتفاق الطائف” الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية، عاد اللبنانيون لبيوتهم وأُقفلت برأي كثيرين الصفحة السوداء من تاريخ لبنان، وشملت التسويات معظم القوى والمجموعات المسلحة، ووحدهم أبناء الجنوب الذين كانوا ضمن “جيش لبنان الجنوبي” بقوا خارج أية معالجة جدية ومن دون عفو ومن دون حماية، وكأنهم تُركوا خارج الدولة، مضيفاً أن ما لا يعرفه كثيرون هو أن الدولة لم تكن حاضرة أصلًا في مناطقهم، وهؤلاء لم يكونوا في كنف الدولة بل تُركوا في مواجهة مباشرة مع حزب لم يلتزم بدوره بـ “اتفاق الطائف”، وهو “حزب الله”، الذي استمر في تنفيذ عمليات عسكرية في الجنوب، فيما بقي أبناء تلك القرى بلا أي غطاء سياسي أو أمني، واستمر هذا الواقع إلى أن دخل العامل الإسرائيلي الداخلي على الخط مع الحملة الانتخابية في تل أبيب وصعود إيهود باراك الذي وعد بالانسحاب من لبنان.وتابع الخوري أنه “حين أصبح واضحاً أن إسرائيل تتجه إلى الانسحاب حاول قائد جيش لبنان الجنوبي أنطوان لحد القيام بمحاولة أخيرة، فتواصل مع رئيس الجمهورية اللبنانية حينها إميل لحود ووجه له رسالة علنية قبل الانسحاب الاسرائيلي عام 2000، دعاه فيها إلى صعود الجيش اللبناني إلى الجنوب وتسلمه رسمياً، باعتبار أن إسرائيل قررت الانسحاب”، لكن بحسب الخوري “تكرر المشهد نفسه والدولة اللبنانية لم تتحمل مسؤوليتها، فبقي أبناء الجنوب من دون دولة تحميهم أو تستوعبهم”.
عضو في حزب الله (الثاني من اليسار) يمسك بجندي من جيش جنوب لبنان يُدعى سامر عبد الله (الثالث من اليسار)، بينما كان يجادل ضباط استخبارات الجيش اللبناني حول الجهة التي ستتولى استلامه، وذلك بعد عودة عبد الله من إسرائيل إلى لبنان لتسليم نفسه للجيش في 26 مايو 2000 (ا ف ب)
يشدد الخوري على أن عائلات جيش لبنان الجنوبي كانت تريد البقاء في أرضها لكنها وضعت أمام خيارين قاسيين، الأول ضغط إسرائيلي يدفعهم إلى الرحيل، والثاني خطاب يهددهم بصورة أو بأخرى، وأمام هذا الواقع خرجوا جميعاً من الجنوب قسراً، لكنه يوضح أن دخولهم إلى إسرائيل لم يغير هويتهم، فهؤلاء لم يصبحوا إسرائيليين يوماً بل بقوا لبنانيين، فيما الدولة اللبنانية تجاهلتهم مرة جديدة، ويستشهد على ذلك بما حصل عند إصدار أوراق الإقامة الإسرائيلية التي كانت تتضمن خانتين، الجنسية والقومية، فالجنسية كانت إسرائيلية بحكم الإقامة، أما القومية فكانت تُصنف عادة كعربية أو يهودية أو درزية، والدروز من أبناء الجنوب اختاروا القومية الدرزية، لكن باقي أبناء القرى الجنوبية من مسلمين ومسيحيين رفضوا تصنيفهم كعرب، وأصروا على أن تُكتب قوميتهم لبنانية، وهكذا ثبتوا هويتهم اللبنانية حتى داخل إسرائيل.ويضيف المتحدث ذاته أن هؤلاء لم يكتفوا بالمواقف القانونية بل عبّروا سياسياً ورمزياً عن تمسكهم بلبنان، فقد نظموا تظاهرة في ساحة رابين في تل أبيب رفعوا خلالها الأعلام اللبنانية في رسالة مباشرة إلى الإسرائيليين بأنهم خُذلوا، ويذكر أن رئيس بلدية تل أبيب طلب منهم رفع علم إسرائيلي واحد في الأقل، باعتبار أنهم في إسرائيل، لكنهم رفضوا وأصروا على رفع العلم اللبناني فقط.ويختم يوسف الخوري بالقول إن أبناء الجنوب الذين اضطروا إلى الذهاب لإسرائيل لا يمكن تحميلهم مسؤولية ما جرى، وبرأيه لا يمكن حل أزمة لبنان
من دون عودتهم لأنهم لبنانيون بقدر، بل أكثر من كثيرين.
في أسفل فيديو مداخلة للمخرج يوسف الخوري تتناول وضعية أهلنا اللاجئين في إسرائيل وخلفيات ملف قضيتهم
.
تجربة شخصية عاشها ضابط في الجيش اللبناني
وانطلاقاً من عدم قانونية التواصل مع أي شخص في الأراضي الإسرائيلية بحثنا في تحقيقنا هذا عن لبنانيين غادروا بلدهم إلى إسرائيل عام 2000 ثم منها انتقلوا إلى بلد ثالث حيث استقروا وأكملوا حياتهم، فوصلنا إلى شخص عاش تلك التجربة بصورة مباشرة، هو شربل بركات.يكشف بركات أنه كان كولونيلاً في الجيش اللبناني وكُلف رسمياً من قبل الدولة بمهمة التنسيق مع الوحدات العسكرية اللبنانية المنتشرة في الجنوب خلال مرحلة كانت فيها الدولة عاجزة عن بسط سلطتها الكاملة على الحدود، قبل أن يُطلق لاحقاً على هذا الوجود العسكري المحلي اسم “جيش لبنان الجنوبي”، ويقول إن تلك المرحلة لم تكن نتاج خيار فردي أو مشروع انفصالي بل نتيجة فراغ سيادي طويل، امتنعت فيه الدولة من حماية حدودها الجنوبية في ظل صعود قوى مسلحة أخرى ووقائع إقليمية فرضت نفسها بالقوة، ووفق روايته فإن العناصر التي تولت هذه المهمة، وهو من ضمنهم، كانت في الأصل من مؤسسات الدولة اللبنانية وأُنيط بها دور حماية القرى ومنع تهجير سكانها، لا الخروج على الشرعية أو تقويضها، وبعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000 وجد بركات نفسه، كسائر أبناء تلك المرحلة، أمام واقع جديد لا مكان فيه لأية تسوية أو حماية، فغادر لبنان في أعقاب الانسحاب واستقر لاحقاً في كندا وفي مدينة تورونتو تحديداً، حيث يقيم حتى اليوم بعد أن تحول الخروج القسري إلى منفى طويل الأمد فرضته نتائج الانسحاب وغياب أية معالجة رسمية للملف.”إعادة قراءة تلك المرحلة تقتضي التمييز بين القرار الفردي والقرار المؤسساتي، وبين من تصرف بتكليف من الدولة ومن تُرك لاحقاً بلا دولة”، يقول الكولونيل السابق في الجيش اللبناني، معتبراً أن أي مقاربة جدية لمصالحة وطنية حقيقية لا يمكن أن تتجاهل هذا التفصيل الجوهري، ولا أن تستمر في التعامل مع الملف بمنطق الإدانة الجماعية بدل التفكيك والمسؤولية.
تمثال لسعد حداد يُسقَط أرضاً في جنوب لبنان عام 2000 (ا ف ب)
“هؤلاء مجرمون ولا بد من محاكمتهم”
وفي مقابل من يقول إن هؤلاء دفعوا ثمن مرحلة صعبة في لبنان يبرز رأي آخر يعتبر أنهم مجرمون قُتلوا وقاتلوا ضد اللبنانيين بصورة مباشرة وليس فقط الفلسطينيينن، وأكثر من ذلك فهم متهمون بأنهم تعاملوا مع عدو قتل وبطش بشريحة كبيرة من اللبنانيين، ولذلك فلا عفو عنهم مهما طال الزمن، كما يقولون، ويعد من أبرز داعمي هذا الرأي “حزب الله” وحلفاؤه.وفي السياق ترى الصحافية ميسم رزق أن الوجود في إسرائيل بعد الانسحاب لا يمكن فصله عن مفهوم “التعامل مع العدو”، رافضة أية محاولة لإعادة توصيف هؤلاء كضحايا، وفي مقاربتها ترى أن طرح العفو العام أو التسوية السياسية لا يُعد معالجة إنسانية بل يشكّل خطراً على مفهوم العدالة وذاكرة الصراع، وتعتبر أن أي عفو شامل يساوي بين من قاتل الاحتلال ومن تعاون معه أو عاش في كنفه، يعد انقلاباً على سردية “التحرير” وحقوق المتضررين من تلك المرحلة.وتذهب رزق أبعد من ذلك في نقدها معتبرة أن الحملات المطالبة بعودة هؤلاء لا تنفصل عن توظيف سياسي داخلي، ولا سيما من قوى تسعى، بحسب توصيفها، إلى إعادة تلميع مرحلة “جيش لبنان الجنوبي” أو تبييض دور من تصفهم بـ “عملاء إسرائيل”، وترى أن إدخال هذا الملف في خانة “المظلومية المسيحية” أو “الاستثناء الطائفي” يشكل تضليلاً متعمداً، لأن معيار المحاسبة، برأيها، يجب أن يبقى وطنياً وقانونياً لا طائفياً ولا سياسياً.وفي هذا الجانب ترفض رزق فكرة الفصل بين القيادات والأفراد في صفوف “جيش لبنان الجنوبي”، رداً على من يدعو إلى محاسبة القيادات التي أصدرت الأوامر وليس الأفراد الذين كانوا مؤتمرين، معتبرة أن العيش في إسرائيل والاستفادة من حمايتها وجنسيتها ومؤسساتها بعد عام 2000، هو فعل مستمر لا يمكن تبريره بظروف لحظة الانسحاب وحدها، ومن هنا تشدد على أن أية معالجة جدية يجب أن تمر عبر القضاء لا عبر قوانين عفو، وأن عودة هؤلاء، إذا حصلت، يجب أن تكون في إطار محاسبة كاملة لا تسوية سياسية، وهذا الموقف يعكس بصورة مباشرة الانقسام اللبناني حول الملف: انقسام بين من يرى فيه جرحاً إنسانياً وسيادياً لم يُعالج، ومن يعتبره ملفاً قانونياً مغلقاً لا يحتمل إعادة الفتح إلا من باب الإدانة.
وفي مقابل من يقول إن هؤلاء دفعوا ثمن مرحلة صعبة في لبنان يبرز رأي آخر يعتبر أنهم مجرمون قُتلوا وقاتلوا ضد اللبنانيين بصورة مباشرة وليس فقط الفلسطينيينن، وأكثر من ذلك فهم متهمون بأنهم تعاملوا مع عدو قتل وبطش بشريحة كبيرة من اللبنانيين، ولذلك فلا عفو عنهم مهما طال الزمن، كما يقولون، ويعد من أبرز داعمي هذا الرأي “حزب الله” وحلفاؤه.وفي السياق ترى الصحافية ميسم رزق أن الوجود في إسرائيل بعد الانسحاب لا يمكن فصله عن مفهوم “التعامل مع العدو”، رافضة أية محاولة لإعادة توصيف هؤلاء كضحايا، وفي مقاربتها ترى أن طرح العفو العام أو التسوية السياسية لا يُعد معالجة إنسانية بل يشكّل خطراً على مفهوم العدالة وذاكرة الصراع، وتعتبر أن أي عفو شامل يساوي بين من قاتل الاحتلال ومن تعاون معه أو عاش في كنفه، يعد انقلاباً على سردية “التحرير” وحقوق المتضررين من تلك المرحلة.وتذهب رزق أبعد من ذلك في نقدها معتبرة أن الحملات المطالبة بعودة هؤلاء لا تنفصل عن توظيف سياسي داخلي، ولا سيما من قوى تسعى، بحسب توصيفها، إلى إعادة تلميع مرحلة “جيش لبنان الجنوبي” أو تبييض دور من تصفهم بـ “عملاء إسرائيل”، وترى أن إدخال هذا الملف في خانة “المظلومية المسيحية” أو “الاستثناء الطائفي” يشكل تضليلاً متعمداً، لأن معيار المحاسبة، برأيها، يجب أن يبقى وطنياً وقانونياً لا طائفياً ولا سياسياً.وفي هذا الجانب ترفض رزق فكرة الفصل بين القيادات والأفراد في صفوف “جيش لبنان الجنوبي”، رداً على من يدعو إلى محاسبة القيادات التي أصدرت الأوامر وليس الأفراد الذين كانوا مؤتمرين، معتبرة أن العيش في إسرائيل والاستفادة من حمايتها وجنسيتها ومؤسساتها بعد عام 2000، هو فعل مستمر لا يمكن تبريره بظروف لحظة الانسحاب وحدها، ومن هنا تشدد على أن أية معالجة جدية يجب أن تمر عبر القضاء لا عبر قوانين عفو، وأن عودة هؤلاء، إذا حصلت، يجب أن تكون في إطار محاسبة كاملة لا تسوية سياسية، وهذا الموقف يعكس بصورة مباشرة الانقسام اللبناني حول الملف: انقسام بين من يرى فيه جرحاً إنسانياً وسيادياً لم يُعالج، ومن يعتبره ملفاً قانونياً مغلقاً لا يحتمل إعادة الفتح إلا من باب الإدانة.


















