الخوري طوني بو عسّاف/أعيدوني إلى قنوبين

20

أعيدوني إلى قنوبين
الخوري طوني بو عسّاف/13 كانون الثاني/2026

أعيدوني إلى قنوبين، إلى حيث لا يُقاس الزمن بالساعات بل بالركوع، ولا تُوزن الحياة بالضجيج بل بالعمق.

أعيدوني إلى هناك، حيث كان الحجر صلاة، والصمت لغة، والوادي إنجيلًا مفتوحًا على الله.

أعيدوني إلى مباخر الحبساء، حيث يصعد البخور لا كزينة طقسية بل كتنفّس الأرض نحو السماء، حيث تختلط رائحة الصخر بدموع التوبة، وحيث لا يُطلب من الإنسان أن يكون شيئًا إلا أن يكون حاضرًا أمام الله.

أعيدوني إلى أصوات الأجراس، لا تلك التي تُقرع للعرض أو المناسبة، بل التي كانت توقظ الروح قبل الجسد، وتذكّر الإنسان بأنه ليس سيّد وقته بل ضيف في أبدية الله. أجراس قنوبين كانت لا تدعو إلى اجتماع، بل إلى عودة… عودة إلى الذات، وإلى الحقيقة.

أعيدوني إلى تراتيل الرهبان، تلك الأصوات التي لم تبحث عن جمالها بل عن صدقها.أصوات خرجت من حناجر أفرغها الصوم وملأها الرجاء، تراتيل لم تُغنَّ لتُسمَع بل لتُرفَع، كجراح مفتوحة على النعمة.

أعيدوني إلى عبق البخور، ذلك العطر الذي لا يُغري الحواس بل يجرح القلب، يذكّرنا بأن القداسة ليست فكرة بل رائحة، ليست خطابًا بل حياة محترقة حبًّا.

اعيدوني إلى صوت الصمت، ذلك الصمت الذي كان يصرخ أكثر من كل كلام، صمت قنوبين لم يكن فراغًا بل امتلاء، لم يكن هروبًا من العالم بل مواجهة معه على ضوء الله. هناك، كان الصمت مرآة، ومن لم يحتمل رؤية نفسه لم يحتمل البقاء.

أعيدوني إلى العمق الروحي، إلى زمن كانت فيه القداسة طريقًا لا شعارًا.

أعيدوني إلى قنوبين، لا حنينًا إلى الماضي، بل بحثًا عن البوصلة. فحين نفقد الاتجاه، لا نحتاج إلى خرائط جديدة بل إلى ينابيع قديمة.

أعيدوني إلى قنوبين، لعلّنا نتعلّم من جديد أن الله لا يُسمَع في العاصفة، بل في همس الصمت، حيث يسكن السرّ، وحيث يبدأ الخلاص.
#لاهوت_الوجود

Share