وجيه قانصو/إيران ونهاية الإسلام السياسي الشيعي

13

إيران ونهاية الإسلام السياسي الشيعي
وجيه قانصو/جنوبية/13 كانون الثاني/2026
بات مشهد التظاهرات في إيران مألوفًا، يكرر نفسه باستمرار ونتوقّعه عند كل أزمة اقتصادية داخلية أو مشكلة اجتماعية أو خلل انتخابي أو انعدام كفاءة النظام في إدارة المجتمع أو تمادي السلطة في فرض تشريعات تعسفية. هو مشهد يدل تكراره منذ الثورة الخضراء في العام 2010 على اتساع الفجوة بين المجتمع والسلطة، وانتفاء قنوات التواصل الحواري أو التمثيلي بينهما، ما يشي بأن الأمور ذاهبة في مسار لا عودة تصاعدي يودي في نهايته إلى الانفجار الكبير. انفجار يصعب التكهن بزمان حصوله وكيفيته، ويمكن تأجيله وتأخيره، لكن لا يمكن دفعه أو إلغاؤه. هو حاصل حتمًا بحكم أن عناصره وشروطه باتت متوفّرة وحاضرة بقوة. النقطة المفصلية في مسار الواقع الإيراني هي سقوط شرعية النظام، التي تضمن له الاستقرار الدائم والتفاعل الإيجابي بين أفراد المجتمع والسلطة. الشرعية تعني أن تكون السلطة منبثقة في كل أحوالها من جميع أفراد المجتمع، وتكون تعبيرًا عمّا يسمى بالإرادة العامة، التي تحوِّل طاعة السلطة من أن تكون قسرية وقهرية إلى طوعية واختيارية، من طاعة لإرادة شخص إلى طاعة لإرادة ذاتية، من انصياع لقانون جاهز يُملى من جهة عليا إلى الالتزام بقانون تنتجه الإرادة الحرة، بحيث تكون طاعة الأمر السياسي أو القانوني عين طاعة المرء لنفسه في حال كونه حرًّا ومختارًا.

هذا يعني أن الشرعية تتقوّم بأمرين: أولهما أن الشعب مصدر السلطات، ويملك حق انتزاعها ممن يمارسها ساعة يشاء. وكل إمساك للسلطة من خارج إرادة الشعب وإقراره يُعد اغتصابًا لحقه. والشعب هنا ليست كتلة جامدة وصلبة لاغية للفرد أو مُغيِّبة له، بقدر ما هو ثمرة تعاقد الأفراد وتوافقهم الطوعي والحر على أي شأن عمومي. أي لا نتحدث عن فرد وشعب كوحدتين متباينتين ومنفصلتين، بل عن حقيقة سياسية واحدة. فالفرد يعبر عن إرادته داخل المجال العام الذي يكشف عن مراد الشعب، والشعب يتشكل بتفاعل إرادات الأفراد وتوافقهم. لهذا اعتبر جون لوك السلطة وديعة، يستودعها مجموع أفراد المجتمع لمن يمارس السلطة، ويملكون الحق في استرجاعها متى شاؤوا، بخاصة مع سوء استعمالها أو فقدان الكفاءة في ممارستها على أفضل وجه.

ثانيهما أن الشرعية السياسية (Political legitimacy) هي التي تجعل النظام السياسي صورة المجتمع نفسه في تنظيم أموره، بحكم التطابق بين مراد المجتمع أو الشعب وبين قرار ونشاط السلطة. ومع فقدان هذه المشروعية، فإن الشرخ بين المجتمع والسلطة يبدأ، ويأخذ بالاتساع حين تقصِّر السلطة في ردم هذه الفجوة وتمتنع عن الاحتكام إلى إرادة المجتمع العامة. وتبدأ الأمور تتخذ أشكال تذمّر وتململ، ثم ترتقي لتأخذ أشكال احتجاج سياسي، ثم تتحول إلى مواجهة مفتوحة لا تخمد ولا تنتهي إلا بنهاية النظام القائم وبداية انتظام سياسي جديد.

مشكلة النظام الإيراني أنه منذ بدايته سلب الشرعية السياسية عن المجتمع واعتبرها، من خلال أطروحة ولاية الفقيه، حقًا أو منحة إلهية لنخبة خاصة. المدار فيها ليس الإرادة العامة، بل هي تنصيب ديني بناءً على اجتهاد فقهي مخصوص يرى السلطة أمرًا إلهيًا لا يملك البشر ردّه أو الاعتراض عليه أو التصرف به. ما جعله نظامًا يحمل بداخله بذور فنائه وموته، كونه يضع إرادة الفقيه مقابل إرادة المجتمع، ويضع الفرد الشخص قبال مجموع أفراد المجتمع، والغيب مقابل التأسيس العقلي لحقيقة الدولة والسلطة، والأمر الإكراهي مقابل الالتزام الحر والطوعي.

رغم مسعى النظام قولبة ولاية الفقيه بقالب دستوري وآليات ديمقراطية، إلا أنها مساعٍ شكلية كون ولاية الفقيه المطلقة لا تقبل أن تُقيَّد بنص دستوري، وفق ما كان الخميني نفسه يصرّح، وتتناقض بالكامل مع قيم الديمقراطية التي تحصر مشروعية السلطة بإرادة الشعب العامة، ولا يمكنها التكيف أو التوافق مع سلطة الغيب أو التنصيب الإلهي. هذه الوضعية لم يكن بإمكان الإيرانيين تلمّسها في الداخل، بحكم أن تجربة ما يسمى بالحكم الإسلامي كانت جديدة وغير مسبوقة، وبحكم الثقة التي منحها الإيرانيون في البداية لطبقة رجال الدين الذين قدموا أنفسهم أهل زهد وآخرة لا أهل دنيا وسلطة، أهل رحمة ورأفة لا أهل عقاب وانتقام، وبحكم حرص النظام على صرف الأنظار إلى مؤامرات الخارج وتحدياته التي تستلزم تأجيل الاستحقاقات الداخلية والاستخفاف بها، لكونها ثانوية وتافهة أمام مستلزمات صراع الحق والباطل أو الخير والشر الذي يرفع رايته النظام الإيراني.

ما فعله النظام أنه حرص منذ اللحظة الأولى على تكوين أجهزة موازية لأجهزة الدولة، تكون هي بمثابة المرجعية الحقيقية لصناعة القرار وصنع السياسات. وهي أجهزة مغلقة لا تطالها النصوص الدستورية أو القانونية، ولا تمسها آليات الانتخاب، وتمسك بمفاصل الحياة العامة من سياسية واقتصادية وثقافية. ما أسهم بالتالي في عزل المجتمع عن النقاش العام والشراكة في صناعة القرار، إضافة إلى تعطيل دينامية المجتمع في توليد تضامن أو حراك أو تعبير حر أو إحداث تغيير. وهي وضعية سدّت مداخل التواصل بين المجتمع والسلطة، ومع فشل السلطة في إدارة القضايا التي تمس الأمن الوجودي للمجتمع، أخذت هذه الهوة تتسع وتتضخم، لتلغي فرص إصلاح فعلية، وتنذر بالوصول إلى حافة الانفجار الداخلي الكبير.

ما يحصل الآن في إيران ليس حدثًا سياسيًا تسببت به عوامل ظرفية آنية، بل هو جزء أصيل من مشهد تاريخي يتصل بالبدايات التأسيسية لنظام ولاية الفقيه ومراحله وحقبه المتلاحقة. هو ليس تحريكًا خبيثًا لأعداء الخارج بل ثمرة اختمار داخلي، عاقبة طبيعية لمسار طويل، نتيجة منطقية لتوليفة مصطنعة بين دوغما غيبية وواقع محكوم لشروط تاريخية وقوانين موضوعية، نهاية متوقعة لتناقضات بنيوية قام عليها النظام في تأسيسه لمعنى الحكم والشرعية السياسية. إنه حدث لا تقتصر تداعياته على إيران، بل يحمل بشائر سقوط شبه محتوم للإسلام السياسي بنسخته الشيعية.

Share