ولاية الفقيه: من الأهداف إلى الأحلام إلى الأوهام.. ثم الخرافات
د. حارث سليمان/ جنوبية/13 كانون الثاني/2026
لم تُولَد ولاية الفقيه بوصفها رؤية، بل بوصفها مشروعًا يبغي تحقيق العدالة. ولذلك جرى تسويقها والدعوة لها لتحويلها الى حلم. لكن مع مرور الوقت والدم والخراب خلال عقود مضت، بانت حقيقتها ك وهم مزعوم. وتتبدى اليوم، توازيا مع مجريات الاحداث والوقائع من الناقورة الى خراسان، ك “خرافة سياسية كبرى”، قد تكون الأخطر في تاريخ الإسلام السياسي الشيعي. بعد ستة وأربعين عامًا على قيام الجمهورية الإسلامية، تقف إيران اليوم أمام مشهد لم يعد يقبل التأويل: شوارع تغلي، شباب يهتفون ضد “المرشد”، نساء يحرقن رموز النظام، وطبقات فقيرة خرجت من الخوف إلى اليأس ثم الغضب.
ليست هذه احتجاجات مطلبية، بل ثورة على نظام سياسي جرت هندسة بنيانه ليكون “ثكنة في عباءة القداسة”. ما الذي انهار حقا وفجر الازمة؟ ليس سعر العملة وحده. ولا مفاعيل العقوبات بحد ذاتها. ولا تفاقم الفساد وافتضاحه فقط. بل الأسس العقائدية التي بُنيت عليها الجمهورية الخمينية، وهي فكرة أن فقيهًا، غير منتخبٍ وغير خاضع لأي مساءلة او محاسبة، هو نائب الله في الأرض!.الاحتجاجات في إيران ليست ضد حكومة، بل ضد النظام اللاهوتي نفسه. الشباب لا يهتفون ضد التضخم فقط، بل ضد فكرة أن فقيهًا غير منتخب يملك حق تقرير مصير 90 مليون إنسانٍ. الذي يجري اليوم في شوارع طهران وأصفهان ومشهد ليس احتجاجًا على الحجاب، بل على ولاية الفقيه نفسها. الناس لم يعودوا يسألون: لماذا نعيش فقراء؟ بل من أعطى هذا النظام الحق أن يحكم باسم الله؟
1) ولاية الفقيه انقلاب على الفقه الشيعي وليس تطويرا له.
،قام التشيّع التاريخي، ومنذ الغيبة الكبرى، على مبدأ جوهري هو ان لا دولة للإمام الغائب، ولا شرعية لسلطة تحكم باسمه. كانت وظيفة الفقيه الإفتاء، لا الحكم. وكانت علاقة الشيعي بالسلطة علاقة ريبة، لا تبعية. كان السؤال الشيعي القديم: كيف يُدار المجتمع في زمن غيبة الإمام المهدي؟ وكان الجواب التقليدي في الفقه الشيعي واضحًا: لا دولة دينية، ولا سلطة باسم الإمام، بل إدارة مصالح الناس تحت حكومات دنيوية مهما كانت فاسدة، لأن شرعية الحكم مؤجلة حتى ظهور المهدي. بهذا المعنى كان التشيّع، طوال ألف عام، مذهبًا نقديًا للسلطة، لا ذراعًا لها. جاء الخميني فقلب المعادلة: بدل التبرئ من مسؤولية السلطة في عصر غيبة الإمام المهدي اصبح الولي الفقيه نائب الامام، حاضرا في كل ملف يسد غيبته؛ قال إن الفقيه لا ينتظر الإمام، بل يحلّ مكانه، لا يراقب السلطة، بل يتجسد فيها، لا يحاسب الحاكم، بل هو الحاكم باسم الله. هنا وُلد أخطر انقلاب فقهي في تاريخ الإسلام الشيعي، فتمّ إلغاء الغيبة عمليًا، وتحويلها من فراغ سياسي إلى تفويض مطلق. وكانت الازمة الثقافية الأولى حيث جرى التحول من فقه الانتظار إلى فقه السيطرة. ولاية الفقيه لم تكن تطويرًا للفقه، بل انقلابًا عليه. فالمذهب الذي قام على فكرة أن السلطة في زمن الغيبة ناقصة ومشبوهة، تحوّل فجأة إلى مذهب يقول إن كل سلطة لا تصدر عن الفقيه باطلة، وانتقل التشيّع من أخلاق الاعتراض، إلى أيديولوجيا حكم يستند إلى جهاز أمني. لم يعد الفقيه مرشدًا روحيًا، بل قائد دولة ثكنة، تملك جيشًا، واستخبارات، وشبكات اغتيال، وميليشيات عابرة للحدود، وان تدثرت بعباءة القداسة. لقد حوّل الخميني “الغيبة” من فراغ سياسي إلى ذريعة للوصاية المطلقة. صار الفقيه ليس شاهدًا على السلطة، بل مالكها. ليس ناقدًا للحاكم، بل هو الحاكم باسم السماء. وهنا وقعت أول الكوارث الثقافية: تم تحويل الدين من منظومة أخلاق وفرائض وقيم إلى جهاز حكم، والفقه من اجتهاد إلى شرطة سياسية.
2) من التشيّع إلى المتراس المذهبي الطائفي
الكارثة الثانية كانت اجتماعية–تاريخية: حدثت هذه الكارثة عبر تحويل التاريخ إلى سلاح، بعد السيطرة على الفقه، جرى تسليح الذاكرة؛ فكربلاء لم تعد حدثًا أخلاقيًا، بل خريطة سياسية، والحسين لم يعد رمزًا للعدل، بل راية عسكرية. ويزيد لم يعد طاغية تاريخيًا زال زمانه، بل حيا راهنا يتمثل بكل طرف او خيار يرفضان مشروع طهران، ولذلك تم تجديد الفتنة السنية الشيعية وتأبيدها عبر قراءة الواقع وتوصيفه في معسكرين : معسكر ل “ابناء يزيد” وآخر ل “ابناء الحسين” . وقُسّم العالم الإسلامي: معسكر الحسين = أتباع الولي الفقيه، ومعسكر يزيد = كل من يعارضهم. وحين ترافق ذلك مع صعود قوي لحركات الاسلام السياسي السلفي بعد حروب افغانستان فتح المجال واسعا لحروب اهلية في دول المنطقة.. على قاعدة هذا المنطق، لم تعد السياسة نقاشًا، بل محكمة دينية دائمة، ولم تعد الخلافات قابلة للتفاوض، بل معارك وجودية بين الخير والشر. ومن هذه الرؤية انطلقت الحروب الأهلية في العراق وسورية، في اليمن ولبنان وفي فلسطين نفسها. وقُدمت الحروب كلها كـ«فصول من كربلاء»، لكنها في الواقع كانت حروب نفوذ باسم الله.
3) الكارثة السياسية: تدمير الدول الوطنية.
لاتعترف ولاية الفقيه بدولة وطنية، بل تعترف فقط بـ«ساحات». فكل بلد فيه شيعة هو ساحة نفوذ. وكل حزب مسلح هو وكيل للإمام وجندي في جيشه العابر للدول و الحدود، وكل مؤسسة رسمية هي عقبة يجب اختراقها. على هذا النحو تم تفريغ الدولة اللبنانية من سيادتها ووظائفها وتحويل وطن الارز الى متراس اقليمي، وجرى تفكيك الدولة العراقية ونهب مواردها والتلاعب باطرافها السياسية، وكسرت الدولة السورية و حصلت محاولة التغيير الديموغرافي لمجتمعاتها، و أنجز تحويل اليمن إلى محمية ميليشياوية وحُوِّلت فلسطين إلى ورقة تفاوض إيرانية بدل ان تكون قضية تحرر وطني. ولم يكن الهدف من كل ذلك دعم الجماعات الشيعية، بل تحويلهم إلى جيوش داخل أوطانهم، ينفذون استراتيجية المرشد في ارساء شبكة نفوذ وادارة هندسة تفكيك إقليمي. فنظام ولاية الفقيه ساهم بافشال قيام الدولة الوطنية العربية. فجمهوريته الاسلامية لم تعترف عمليا بحدود اوطان، ولا بسيادة دول، ولا بقانون دولي، ولا بحسن جوار.
4) اقتصاد الخراب والفقر.
أما الكارثة الاقتصادية فهي الأكثر وضوحًا فأينما وصلت ولاية الفقيه، خرجت التنمية وحل معها الفقر، انهيار العملة، اقتصاد التهريب، وشبكات الميليشيا. فإيران نفسها، كانت دولة غنية ؛ دولة نفط وغاز وعلوم، لكن شعبها يعيش على حافة المجاعة، بعد أن تحولت الى إمبراطورية خراب يعيش داخلها، على حافة الإفلاس، بينما حرسها الثوري يبني إمبراطورية مالية وشبكات سيطرة ونفوذ في الخارج الاقليمي. وهي حيث سيطرت لم تُبنَ دول،بل اقتصادات ظل تعيش على تهريب المخدرات، والسلاح، والعملات السوداء، والجريمة المنظمة.
5) نهاية الخرافة
حين يهتف الإيراني ضد المرشد، فهو يهدم آخر عمود في معبد الخرافة. ومع سقوط هيبة المرشد، تسقط معه آخر أسطورة في ولاية الفقيه، فولاية الفقيه لم تفشل لأنها أسيء تطبيقها، فشلت لأنها ناقضت التشيّع ذاته، وقوضت قواعد الدولة وبنيانها لصالح الميليشيا، وارادت العيش متمردة على قواعد القانون الدولي واعرافه، ،وتوهمت قدرة على مواجهة معظم من يعش على كوكب الارض، لانها احلت الغيب في منزلة رشاد العقل ومنطوقه، وتنكرت لحقوق الإنسان وحرياته الاساسية في التعبير والمعتقد والتجمع والتغيير السياسي. إيران تنتفض… لان الأمة تتمرد على الخرافة، الخرافة تقول إن الله فوّض “دولة ثكنة” لتقود اكثر من مليار مسلم، وإن الفقيه يملك مفاتيح السماء والأرض معًا.. اليوم، في شوارع إيران، يعلن الناس ما كان محرّمًا قوله: الولي ليس نائب المهدي ولا الله، بل آخر طغاة القرن الراهن.