عام على الوهم: رئيس بلا دولة وعهد بلا أثر
شبل الزغبي/11 كانون الثاني/2026
مرّت سنة كاملة على انتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية، سنة كان يُفترض أن تكون نقطة تحوّل، فإذا بها تتحوّل إلى شاهد إضافي على الانهيار. سنة مرّت وكأنّ الانتخاب لم يحصل، وكأنّ القصر الجمهوري فارغ، وكأنّ الدولة قررت أن تعلن إفلاسها السياسي والأخلاقي من دون بيان رسمي. اللبناني الذي علّق آمالاً، ولو محدودة، على هذا الاستحقاق، وجد نفسه بعد عام أمام الحقيقة القاسية: لا شيء تغيّر، ولا شيء تحرّك، ولا شيء يدلّ على أنّ هناك من يحكم أو حتى يحاول أن يحكم. سلاح حزب الله غير الشرعي ما زال فوق الدولة، بل فوق الدستور والقانون والمؤسسات. لا خطة، لا جدولاً زمنياً، ولا حتى جرأة على تسمية المشكلة باسمها. الأخطر أنّ الحكومة نفسها تراجعت تدريجياً وبصمت عن موقفها المعلن: من مقولة نزع السلاح، إلى حصر السلاح بيد الدولة، وصولاً اليوم إلى مصطلح أخطر وأكثر التباساً هو “احتواء السلاح”. هذا الانحدار اللغوي ليس تفصيلاً، بل اعترافاً سياسياً بالعجز، وتكريساً واقعياً لاستمرار السلاح خارج الشرعية تحت عناوين مموّهة. دولة تُفاوض على سيادتها بالمصطلحات لا يمكن أن تُسمّى دولة، ورئيس يعجز عن فرض سيادة الدولة أو إطلاق مسار استعادتها يبقى رئيساً باللقب فقط.
كيف يمكن الحديث عن إصلاح أو إنقاذ فيما قرار الحرب والسلم ما زال خارج الشرعية؟ وكيف يُطلب من اللبناني أن يصدّق أي خطاب فيما أصل الأزمة ما زال محرّماً على المعالجة؟ إن القبول باحتواء السلاح هو في جوهره قبول باحتواء الدولة نفسها داخل معادلة فُرضت عليها بالقوة. أما الإصلاح السياسي والقضائي، فحدّث ولا حرج. الوعود التي ملأت خطاب القسم تبخّرت عند أول اختبار فعلي. القضاء لا يزال مكبّلاً، خاضعاً للتدخلات والضغوط، عاجزاً عن محاسبة فاسد واحد من كبار منظومة النهب. وملف انفجار مرفأ بيروت، الجريمة الوطنية الكبرى التي هزّت ضمير العالم، ما زال شاهداً صارخاً على هذا العجز والارتهان. سنوات مرّت، مئات الضحايا، مدينة مدمّرة، فيما التحقيق يُعطَّل، القضاة يُحاصَرون، والعدالة تُغتال بدم بارد. ملفات الفساد تُفتح للإعلام وتُقفل في الأدراج، وكأنّ العدالة مجرّد ديكور يُستعمل عند الحاجة. لا استقلالية فعلية، لا محاسبة، لا استعادة أموال منهوبة، ولا حتى محاولة جديّة لإقناع الناس بأن زمن الإفلات من العقاب قد انتهى.
وفي حياة الناس اليومية، الصورة أكثر إذلالاً. كهرباء مقطوعة، إنترنت متخلّف في عصر السرعة، نفايات تعود لتغزو الشوارع عند أول أزمة، وخدمات أساسية لا تليق بدولة تدّعي أنها تريد النهوض. بعد عام، لم يشعر اللبناني أنّ هناك من يعمل لتحسين أبسط حقوقه، بل شعر أنّ الإهمال أصبح سياسة، والعجز تحوّل إلى قاعدة.الفساد ما زال مستشرياً، لا بل أكثر وقاحة. نفس الوجوه، نفس الأساليب، نفس الصفقات، ونفس الخطاب الخشبي عن “الظروف الصعبة” و“التوازنات”. كأنّ المطلوب من اللبناني أن يتعايش مع السرقة، وأن يشكر السلطة لأنها لا تسرقه أكثر. لا رؤية اقتصادية واضحة، لا إصلاحات جدّية، ولا مصارحة مع الشعب حول حجم الكارثة وكيفية الخروج منها.
السؤال الذي يفرض نفسه بعد سنة كاملة هو سؤال بسيط وقاسٍ: ماذا فعلتم؟ أين ذهب خطاب القسم؟ أين تبخّر البيان الوزاري؟ أين تلك الوعود التي قيل إنها ستكون بداية عهد وفجر جديد؟ المجتمع الدولي انتظر، اللبنانيون انتظروا، لكن الانتظار طال حتى أصبح إهانة. الطموح كان كبيراً، والصدمة كانت أكبر، لأن الخيبة هذه المرّة جاءت بعد قاع سحيق، لا من موقع رفاهية أو استقرار. كان لبنان يوماً منارة في هذا الشرق المتعب، مساحة حرية وفكر وحياة. اليوم، هذه المنارة تُطفأ ببطء، لا بحرب فقط، بل بالإهمال، بالعجز، وبالتواطؤ الصامت. عندما لا يرى الشباب مستقبلاً في وطنهم، وعندما تصبح الهجرة حلم الخلاص الوحيد، فاعلموا أن العهد فشل، مهما كثرت التبريرات.هذه ليست معارضة من أجل المعارضة، ولا هجوماً شخصياً، بل صرخة برسم دولة غائبة وشعب مخذول. لبنان لا يُحكم بالبيانات ولا بالشعارات، بل بالأفعال. وبعد عام كامل بلا أفعال، يبقى الحكم واضحاً: لا رئيس فعلياً، لا حكومة إنقاذ، ولا دولة. فقط وطن يُستنزف، وشعب يُترك وحيداً في مواجهة الانهيار…. لأنه وللأسف في وطن الأرز، القيم تنزف… والحقيقة تُغتال.
*شبل الزغبي/عضو مجلس القيادة المركزية في حزب حراس الأرز