شبل الزغبي/حين تصبح الحرب غطاءً للسرقة: كيف نُهب لبنان تحت دخان المواجهات

34

حين تصبح الحرب غطاءً للسرقة: كيف نُهب لبنان تحت دخان المواجهات
شبل الزغبي/02 كانون الثاني/2026
لم تكن المواجهة بين إسرائيل وحزب الله مجرّد حدثٍ أمني، بل تحوّلت إلى ستار كثيف أُسدل عمدًا فوق الجريمة الأخطر في تاريخ لبنان: سرقة أموال اللبنانيين. تحت دخان الحرب، اختفت الودائع من النقاش العام، تلاشت المحاسبة، وتحوّل الغضب الشعبي من سؤال المال المنهوب إلى قلقٍ على المصير والوجود. ربحت المنظومة وقتًا إضافيًا، فيما خسر الناس ما تبقّى من أعمارهم وأحلامهم ومستقبل أولادهم. السؤال الذي يُراد له ألّا يُطرح واضح وبسيط: لماذا لا يطالب اللبنانيون باسترداد أموالهم؟ لماذا يُطلب من الشعب أن يتقشّف ويجوع ويصبر، فيما زعماؤه يكدّسون الثروات في المصارف الأجنبية؟ أي منطق يقبل أن يبقى اللبناني فقيرًا، مشرّدًا، بلا ضمانات اجتماعية، فيما الطبقة الحاكمة تعيش في بحبوحة مطلقة؟ ما يجري ليس نتيجة أزمة عابرة، بل سياسة إفقار ممنهجة تُستخدم لإخضاع الناس ومنعهم من المحاسبة.

نحن لا نتحدث عن أرقام وهمية، بل عن أكثر من مئة مليار دولار من الودائع المحتجزة والأموال المهرّبة إلى الخارج، ثروة تكفي لإعادة بناء الدولة، إنعاش الاقتصاد، وإعادة الكرامة إلى مجتمع كامل. ومع ذلك، يُراد للبناني أن يقتنع بأن لا حلّ أمامه سوى الفقر أو الهجرة، وكأن المال تبخّر، فيما هو موجود ومعلوم المكان والجهات. الأكثر فداحة أن الدول التي ترفع شعارات الشفافية ومكافحة الفساد تعرف تمامًا أين هذه الأموال، ومن سرقها، وكيف خرجت من لبنان. المصارف العالمية، أجهزة الرقابة، والحكومات الكبرى تملك الأدلة والمسارات والأسماء، لكنها تلتزم الصمت لأن مصالحها مع المنظومة الحاكمة أقوى من حق شعبٍ منهوب. الصمت هنا ليس حيادًا، بل شراكة غير معلنة في الجريمة.

والأخطر أن السلطة نفسها التي نهبت أموال اللبنانيين تطالب اليوم بالاستدانة من المصارف العالمية والبنك الدولي. لماذا يُكبَّل المواطن بديون جديدة وضرائب إضافية وشروط مُذلّة، فيما مليارات الدولارات المنهوبة ما زالت مكدّسة في الخارج؟ من يريد تحميل الشعب أعباءً فوق طاقته هو نفسه من هرّب المال وترك الدولة خاوية. الاستدانة ليست حلًا، بل استكمال للسرقة بأسلوب مختلف وبغطاء “إصلاحي” زائف. وحين يُذكر اسم نبيه بري أو غيره من أركان المنظومة، لا يكون ذلك افتراءً أو تشهيرًا، بل سؤالًا مشروعًا باسم الناس: لماذا لا يُجبر من استنزف الخزينة لعقود على إعادة المال لإعمار الجنوب بدل المتاجرة الدائمة بدمائه؟ لماذا لا تُستعاد الأموال المخبّأة في الخارج وتُعاد ضخّها في الاقتصاد بدل ترك البلد ينزف؟ أليس من حق المواطنين أن يروا أموالهم تعود بدل الاكتفاء بالخطب والشعارات؟

صحيح أن مجموعات من المنظمات الاغترابية الناشطة والمجتمع المدني توثّق الجرائم وتخوض مواجهة فضح شاقة. لكن هذه الجهود ستبقى معزولة ما لم تتحوّل إلى جبهة شعبية واسعة تفرض استرداد المال المنهوب كأولوية وطنية لا يمكن تجاوزها أو تأجيلها. السكوت عن السرقة جريمة موازية لها. لا وطن بلا محاسبة، ولا اقتصاد بلا استرداد المال المنهوب. تحويل الغضب إلى فعل يبدأ بكسر حاجز الخوف، بتسمية السارق علنًا، بفضحه أمام الرأي العام، وبكسر قداسته أمام مناصريه. لبنان لن ينهض بقروض جديدة، بل باستعادة ما سُرق منه. والمحاسبة ليست انتقامًا، بل شرط البقاء. المعركة الحقيقية ليست على الحدود، بل مع من سرق لقمة الناس وجنى أعمارهم ثم طالبهم بالصبر. وحين يفهم اللبناني أن عدوه الأول هو الفاسد، لا الشعار، يبدأ طريق الخلاص الحقيقي.
*شبل الزغبي/عضو مجلس القيادة المركزية في حزب حراس الأرز

Share