العميد الركن المتقاعد طوني أبي سمرا: طفح الكيل…ما يعيشه المسيحيون في لبنان لم يعد مجرد نتيجة عرضية لانهيار عام، بل أصبح، في نظر شريحة واسعة منهم، مسارًا مدروسًا ومخططًا بعناية يمس ركائز وجودهم الأساسية
طفح الكيل العميد الركن المتقاعد طوني أبي سمرا/09 نيسان/2026
بصراحة مؤلمة، لم يعد السؤال اليوم: ما الذي يحدث؟ بل أصبح: ماذا ننتظر بعد؟ هل لا يزال هناك من يراهن على الدولة لإنتاج حلول، أو حتى احتواء الانهيار المتسارع؟ الواقع يشي بعكس ذلك تمامًا. نحن أمام نظام استنفد أدواته، ودولة تتآكل من الداخل، عاجزة عن حماية مواطنيها أو إدارة أزماتها المتراكمة.
لبنان اليوم صار ساحة مفتوحة، والقرار الأمني والتفاوضي بأيدي محور إيران “حزب الله”- “أمل”، الذي يسوق البلد إلى مواجهات عسكرية ومفاوضات دبلوماسية ونتائج لهذين المسارين، من دون أن يكون للبنان رأي فيها أو قدرة على التحكم بمسارها. إنها صورة انهيار شامل لوطن بكل ما يحمله من بشر وحجر ومؤسسات ومستقبل.
التحديات الأمنية، السياسية، والديموغرافية تتراكم، في حين يتلاشى دور الدولة وتضعف قدرتها على التدخل الفعّال. في هذا السياق، تصبح فكرة الفيدرالية أكثر من مجرد خيار سياسي؛ فهي تشكل إطارًا عمليًا لإعادة توزيع السلطات ومنح كل منطقة القدرة على إدارة شؤونها وحماية مجتمعها، بعيدًا من هيمنة محور واحد يفرض سياسات وأجندات تقصي الآخرين. إن إعادة صياغة النظام على أسس فيدرالية عادلة ليست رفاهية، بل ضرورة للحفاظ على التوازنات الطائفية والمناطقية وضمان العدالة، ولتمكين المجتمعات من الدفاع عن حقوقها وأرضها في مواجهة الانهيار المستمر.
المسيحيون في قلب المواجهة
ما يعيشه المسيحيون في لبنان لم يعد مجرد نتيجة عرضية لانهيار عام، بل أصبح، في نظر شريحة واسعة منهم، مسارًا مدروسًا ومخططًا بعناية يمس ركائز وجودهم الأساسية. سواء عبر المواجهات العسكرية أو المفاوضات الدبلوماسية، يدفعون الثمن في الأرض، والديموغرافيا، والدور، والثقافة. الواقع تجاوز حدود التهديد الأمني أو التفوق العسكري لطرف على آخر، ليصبح أكثر تعقيدًا وعمقًا، حيث تتراكم الضغوط بشكل منهجي وتفرض تحولات تدريجية تغيّر وجه المناطق وتوازناتها.
ضمن هذا السياق، تُطرح سياسات وقرارات وحملات تستهدف ملكية الأرض والتوازن الديموغرافي، كما يظهر في ملف أراضي المشاعات المسيحية الذي عمّمه وزير مالية حركة أمل والمحور. يزداد شعور المسيحيين بأن واقعهم يتغير تدريجيًا مع بقاء أعداد كبيرة من النازحين لفترات غير محددة في مناطقهم، في حين يتراجع حضورهم السياسي ويختفي تأثيرهم عن القرارات المصيرية، سواء في الملفات السيادية الحساسة كقضية السفير الإيراني أو في المبادرات الكبرى مثل التفاوض مع إسرائيل. هذا التهميش يعمّق شعورهم بعدم التوازن ويزيد القلق على المستقبل.
المحور والتحديات القائمة
في صلب هذا المسار، يدمّر المحور ويهجّر ويُفاوض ويتوعّد، فيما يُخبّئ إرهابيين خلف مدنيين أبرياء، ويضطر المجتمع الحاضن لدفع الثمن بالأرواح، والأمن، والممتلكات، وما تبقى من استقرار هشّ. في الوقت نفسه، يتسع النزوح الداخلي ويخلق واقعًا جديدًا على الأرض، فيما تتزايد الضغوط الاجتماعية، وتتعرض التوازنات الدقيقة التي قام عليها لبنان لاختبارات قاسية. ويزداد الشعور بأن البلاد تقترب من صراع داخلي عميق، قد يتحول قريبًا إلى واقع علني، في حين تستمر مؤسسات الدولة في حالة شلل، وتتصاعد الخلافات داخل السلطة في غياب أي رؤية جدية لإعادة الحد الأدنى من الثقة.
المشكلة لم تعد في حكومة هنا أو مسؤول هناك، بل في نظام فاشل أثبت على مدى عقود عجزه عن حماية شعبه وإدارة أزماته والتكيف مع التحولات الكبرى في محيطه. هذا النظام يبدو وكأنه استنفد كل إمكانياته ولم يعد قادرًا على إنتاج الاستقرار أو حتى الحد من الانهيار.
درس التاريخ: تجربة 13 نيسان
في هذا السياق، تعود إلى الأذهان الوقفة البطولية في 13 نيسان 1975، عندما اتحد المسيحيون وقرروا مواجهة مجرمي منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات الذين هددوا أمن مجتمعاتهم وأرضهم. في تلك اللحظة، لم يكن الاعتماد على الدولة المركزية خيارًا ممكنًا، فاختار المجتمع المسيحي المواجهة المباشرة لحماية الأرض، والسكان، وصون كرامة وجوده. تثبت هذه التجربة التاريخية أن الوحدة والمبادرة والشجاعة الذاتية تصنع الفارق، وأن الاعتماد على الذات في الدفاع عن الحقوق والمجتمعات هو أساس البقاء والحماية، تمامًا كما يواجه اليوم المسيحيون تهديدات المحور، التي تضع مستقبلهم على المحك.
اليوم، يشعر كثيرون بأن مناطقنا في المتن وكسروان وجبيل، وفي الشمال والبقاع والوسط والأطراف، ولا سيما في الجنوب، تُترك لمصيرها في ظل تخلّي الدولة عنها، ما يعيد طرح الأسئلة نفسها حول مسؤولية الحماية ودور السلطة. انتظار حلول من الخارج أو من مؤسسات عاجزة أصبح خيارًا غير منطقي.
المبادرة السياسية اليوم
في ضوء الانهيار المتسارع وفشل الدولة، أصبح من الضروري تجاوز المبادرات التقليدية والاعتماد على الذات. الوقت لم يعد يسمح بالتردد: على المسيحيين اليوم أن يتحدوا ويتحركوا سياسيًا لمواجهة نظام فاشل، تمامًا كما تحركوا عسكريًا في 13 نيسان 1975 للدفاع عن أرضهم ومجتمعاتهم.
إعادة صياغة النظام السياسي على أسس فيدرالية عادلة، تمنح كل منطقة الحق في إدارة شؤونها وتوازن القوى بين الطوائف والمناطق، هي خطوة أساسية لحماية الأرض والدور والمستقبل.
الوقت لم يعد يحتمل الانتظار. كل يوم نفقد فيه المبادرة نخسر مزيدًا من الأرض والدور والتأثير. علينا التحرك بحزم واستعادة زمام المبادرة قبل أن يتحول الانهيار إلى واقع نهائي. مستقبلنا في أيدينا، والقرار بيدنا: إما أن نكون صانعي مصيرنا، أو أن نستمر ضحايا لسياسات لم تُعدّ لنا شيئًا. المبادرة اليوم، كما في 13 نيسان، هي الطريق الوحيد للبقاء والحفاظ على الحقوق والمجتمعات، وبناء لبنان الجديد على أساس العدالة، الفيدرالية، والحماية الذاتية.