
الجنوب المسيحي المتروك: حين تصمت الكنيسة وتغيب الدولة
الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري/15 آذار/2026
على خطّ النار، بالكاد حضر أسقف ماروني لترؤس جنازة الأب بيار الراعي في القليعة الجنوبيّة، تلك البلدة الصامدة منذ عقود بين المنطق الإسرائيلي القائم على أمن الجليل، وسلاح حزب الله الذي انتهت صلاحيته وصار يسعى لجرّ المنطقة إلى حرب جديدة، وبينهما دولة في غيبوبة وجيش صامت… كي لا نقول أكثر من ذلك.
لكنّ ما حصل أمس كان أكثر فداحة؛
السفير البابوي زار القرى المسيحيّة في الجنوب… من دون أن يرافقه أيّ مسؤول كنسي لبناني.
أي رسالة أوضح من هذه!!؟
حين يصبح ممثّل الفاتيكان أكثر اهتمامًا بالجنوب من الكنيسة المحليّة نفسها، فهذه ليست زلّة بروتوكول.
هذه أزمة ضمير.
والأزمة الأفظع، لا بل الفضيحة، أنّ بعض المطارنة الذين لا يُرى لهم أثر في القرى المسيحية الواقعة على خط النار، وجدوا الوقت لزيارة مليتا، حيث متحف “المقاومة” الذي أقامه حزب الله. هناك جالوا بين منصّات السلاح والخنادق والأنفاق، وأُشبِع اللبنانيون يومها حديثًا عن هذا “المعلم” وعن بطولات الحزب وسرديّته للحرب.
لكن حين يتعلّق الأمر بقرى مسيحية حقيقية تعيش تحت القصف والتهديد اليومي على الحدود، يغيب هذا الحماس فجأة، ويختفي الضجيج الإعلامي. كأنّ زيارة متحف دعائي أسهل بكثير من الوقوف إلى جانب شعبٍ حيّ يقف على حافة مصيره.
في المقابل، وفي الوقت الذي لا يتردّد فيه المركز الكاثوليكي للإعلام في خوض معارك غريبة عجيبة، لم يصدر عنه تعليق واحد حول سقوط الأب بيار الراعي؛
يدافع بحماسة عن الراهبة مي زيادة بعد الضجّة التي أثارتها دعوتها طلابها للصلاة لحزب الله وعناصره الذين حوّلوا الجنوب إلى مقبرة لأهله. وكأنّ الكنيسة لم يعد لديها ما تدافع عنه سوى تبرير الانزلاق إلى خطاب مسيّس خطير داخل مدارسها.
ثم حين وجّه البطريرك انتقادًا لبعض القيادات الشيعيّة، وانطلقت الحملات المسيئة ضدّه، لم تقف المؤسسات الكنسيّة صفًا واحدًا خلف بكركي دفاعًا عن موقعها. بل شهد اللبنانيون مشهدًا أكثر غرابة:
مدير المركز الكاثوليكي للإعلام عبدو بو كسم، وحارس بكركي فريد هـ. الخازن، يذهبان إلى الشيخ علي الخطيب، نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، في محاولة لاسترضائه.
ومع ذلك، لم تتوقّف الحملات على البطريرك. لكن شيئًا آخر انكسر: هيبة بكركي نفسها.
والمفارقة الفاضحة؛ الشيخ علي الخطيب نفسه صرّح بالأمس بأنّه غير مسؤول عن استقبال أو مساعدة نازحي الجنوب من أبناء ملّته، وأنّ هذه المسؤولية تقع على عاتق الدولة. بينما الكنيسة، تستضيف في مدارسها وأديّرتها النازحين الشيعة — وهو عمل إنساني طبيعي — لكنّ أحدًا لا يسمع الصوت نفسه دفاعًا عن القرى المسيحيّة المتروكة على الحدود.
من يسمع صرخة هذه القرى ومن يستضيف وجعها؟
إنه التاريخ نفسه يتكرّر.
في سبعينيات القرن الماضي، حين انهارت الدولة وملأ السلاح الفلسطيني الجنوب وتمدّدت الحرب الأهلية، تُركت هذه القرى وحدها. دافعت عن وجودها ودماؤها على كفّها، لتُكَافأ لاحقًا بالتخوين وتشويه السمعة.
اليوم، تعود القصة نفسها:
قرى على خط النار.
دولة غائبة.
وسلطة عاجزة عن قول الحقيقة.
الحقيقة البسيطة التي يهرب منها الجميع هي هذه:
الجنوب لا يحتاج شعارات. الجنوب يحتاج دولة وجيش. والقرى المسيحيّة فيه لا تحتاج تعزية خجولة، بل موقفًا حازمًا يضمن بقاء أهلها في أرضهم.
هذه القرى هي الأحقّ بالرعاية لا بتركها وحيدة ضمن بيئة تتبنّى فلسفة جهادية متحجّرة، تُشعل النيران ثم تهرول هاربة قبل انطلاق الشرارة.
إنّه اليوم المئة والثامن والخمسون بعد السنة السادسة لانبعاث طائر الفينيق.