web analytics
Home رسائل رأي عام/Public Opinion Letters العميد الركن طوني أبي سمرا/جبهة فدرالية لتوحيد القوى المؤمنة بالإصلاح

العميد الركن طوني أبي سمرا/جبهة فدرالية لتوحيد القوى المؤمنة بالإصلاح

27

جبهة فدرالية لتوحيد القوى المؤمنة بالإصلاح
العميد الركن طوني أبي سمرا/نداء الوطن/21 شباط/2026

يبقى جوهر الحل اللبناني في إعادة تصميم النظام السياسي
تنجح الدول أو تفشل، تصمد أو تنهار فتتداعى، تبعًا لقدرتها على إدارة أزماتها ضمن أطر دستورية واضحة. فطريقة الاستجابة للأزمات تُظهر مدى متانة الدولة وصلابة نظامها السياسي. والاستجابة الرشيدة لا تقتصر على سياسات موقتة أو حلول آنية، بل تقوم على تصميم مؤسساتي متين يوزع السلطات ويوازن بينها بما يمنع الاستبداد ويحمي الحرية. وفي أواخر القرن الثامن عشر، عاصر جيمس ماديسون اتحادًا أميركيًا هشًا، يكاد أن يتفكك، فاقترح رؤية بنيوية جريئة: الفدرالية. وفي “الأوراق الفدرالية” (The Federalist Papers)، جادل ماديسون وآخرون بأن التوزيع المدروس للسلطات وحده قادر على منع الهيمنة وإخضاع الأكثرية لسيطرة الأقلية. وحذّ من أن الحروب والجيوش والدين العام والضرائب قد تتحول إلى أدوات للسيطرة إذا تُركت السلطة بلا ضوابط، مؤكّدًا أن استقرار الأمة وبقاءها مرهونان بالتصميم المؤسساتي والحوكمة الرشيدة.

الفدرالية وكسر حلقة الاستبداد والخضوع
اليوم، فيما يواجه لبنان صراعات متكررة وانهيارًا اقتصاديًا وفسادًا ممنهجًا وتآكلًا في السيادة، تتجلى مخاوف ماديسون بوضوح. إن الأزمة اللبنانية ليست مجرد فشل قادة، بل هي فشل بنية سياسية مركزية تتركّز فيها السلطة من دون مساءلة. غير أنه، وعلى خلاف البيئة السياسية التي عمل فيها ماديسون، حيث كان الإصلاح المؤسسي ممكنًا من داخل النظام، فإن الإصلاح الحقيقي والدائم في لبنان لا يمكن أن ينبثق من النظام ذاته الذي يغذي الخلل. بل يتطلّب حركةً من القاعدة إلى القمة لإرساء إطار اتحادي قادر على استعادة المساءلة والسيادة وصياغة عقد اجتماعي جديد. هنا تكتسب كلمات فريدريك دوغلاس، الذي كان مُصلحًا اجتماعيًا أميركيًا، وكاتبًا، ورجلَ دولة، وناشطًا في مجال الحقوق المدنية للأميركيين من أصل أفريقي، معنى آخر للشعب اللبناني اليوم. فقد قال: “اكتَشِف مِقدار ما يقبل أيّ شعب أن يخضع له بصمت، وستعرف عندها تمامًا حجم الظلم والاعتداء الذي سيفرض عليهم؛ ولن يتوقف ذلك ما لم يُواجَه بالمقاومة”. يحمل هذا القول دلالة عميقة في السياق اللبناني، حيث يطرح سؤالًا جوهريًا حول حدود الصمت الشعبي أمام الفساد والهيمنة وسوء الإدارة. فالتاريخ يُظهر أن الظلم لا يتراجع من تلقاء نفسه، بل يتوسع بقدر ما يُقابل بالاستسلام، وأن كرامة الشعوب تُصان عندما تتحول المعاناة إلى وعي، والوعي إلى فعل منظم ومسؤول. بالفعل، وضعت الأوليغارشية اللبنانيين في دائرة مستمرة من الخوف والخضوع، حيث تُستخدم الزبائنية والحصص الطائفية للحفاظ على مالهم وسلطتهم دون مساءلة. إن كسر هذه الحلقة يتطلب إرادة جماعية قوية وحركة مجتمع مدني منظمة، تضغط من القاع نحو القمة، وتضع الشعب اللبناني في موقع القوة لإعادة صياغة قواعد اللعبة السياسية. كما شدد دوغلاس على أهمية التحالفات المبنية على المبادئ حيث قال، إنه “للاتحاد مع أي أحد لفعل الصواب، ومع لا أحد لفعل الخطأ”. لذلك، يجب على اللبنانيين التوحد، والمقاومة، وممارسة الضغط المستمر، وتحريك المجتمع المدني، لإعادة تصميم النظام السياسي بأنفسهم. فقط بالتحرك الفعلي، وبتنظيم الجهود المدنية، يمكن للشعب أن يفكك آليات الأوليغارشية، ويكسر الخضوع، ويحوّل لبنان من دولة فاشلة إلى دولة عادلة ومستقرة، تعمل لصالح المواطنين.

الجبهة الفدرالية والاستفتاء الشعبي
في هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تشكيل جبهة فدرالية كآلية عملية لتوحيد القوى المؤمنة بالإصلاح. يجب أن تكون هذه الجبهة متماسكة ومنظمة لممارسة ضغط مستمر من القاع نحو القمة، لأن التجارب التاريخية تشير إلى أن التغيير المنفذ من الأعلى، ولا سيما في لبنان، نادرًا ما ينجح في مواجهة مصالح النخب المترسخة. إن توحيد المدافعين عن الإصلاح يتيح توليد ضغط شعبي واستراتيجي مستدام، ويعزز القدرة على استقطاب دعم إقليمي ودولي، بما يهيئ الظروف لنقل لبنان من حالة الدولة الفاشلة إلى دولة فاعلة قادرة على ترسيخ الحكم الرشيد. وفي هذا الإطار، يمكن النظر في خيار استفتاء شعبي يُدار بإشراف دولي، بما في ذلك الأمم المتحدة، نظرًا لأن النظام الانتخابي الحالي لا يتيح إحداث إصلاح جوهري. يبقى جوهر الحل اللبناني في إعادة تصميم النظام السياسي من خلال تحرك مدني شعبي ومنظم، يستند إلى المبادئ والعدالة، لا إلى الولاءات الطائفية أو الزعامات الفردية. الفدرالية ليست مجرد خيار إداري، بل آلية لضمان المشاركة، وتوازن السلطات، واستعادة الاستقرار والهوية الوطنية، وتمكين الشعب اللبناني من أن يكون الفاعل الحقيقي في صياغة مستقبله. ومع ذلك، ينبغي أن يكون نهجنا في تغيير النظام براغماتيًا للغاية، وأن يسير خطوةً خطوة، لأن النظام وأوليغارشيته سيتحدون في مواجهة أي تغيير من هذا النوع، بغض النظر عن مواقفهم السياسية المعلنة. لقد عملوا معًا، متخفين خلف شعارات فارغة، ومدّعين الدفاع عن طوائفهم، فيما كانوا ولا يزالون يتعاونون للحفاظ على السلطة.

الوعي والتنظيم والعقد الاجتماعي الجديد
ولهذا السبب، ينبغي أن تنطلق هذه الخطوة، وهذه الدعوة إلى العمل، من داخل كل مجتمع على حدة. نحن مجموعة من الناشطين المسيحيين نعمل على تنظيم أنفسنا ضمن إطار فدرالي، بهدف الدفع بالمشروع الفيدرالي داخل مجتمعنا، على أمل أن يبادر إخوتنا في سائر مكوّنات الوطن إلى القيام بالمثل داخل مجتمعاتهم وتأسيس أطرهم التنظيمية الخاصة. ونحن على استعداد كامل للدعم والتعاون مع أي فرد أو مؤسسة من مختلف المكوّنات الأربعة، من أجل إطلاق هذه الديناميكية التي تقود إلى وحدة وطنية ومشروع وطني ينبعان من القاعدة الشعبية صعودًا إلى الأعلى. فعندما تلتقي القواعد الشعبية، يصغي القدر وتستجيب موازين القوة. وعندما تصبح المكوّنات الأربعة جاهزة، ينبغي أن نتوافق على عقد اجتماعي جديد، ثم نبحث في أفضل نظام سياسي قادر على تجسيد هذا العقد وترجمته إلى مؤسسات فاعلة. إننا نطرح مشروع الفدرالية للنقاش والحوار، ونحن منفتحون في الوقت نفسه على أي اقتراحات أو أفكار أخرى. للأسف، نحن ندرك أن هذا مسار طويل الأمد، لكن لا توجد طرق مختصرة لبناء نظام سياسي جديد بطريقة سلمية. فالثورة تنطوي على مخاطر جسيمة وغير محسوبة، والرهان على تغيير يأتي من الأعلى إلى الأسفل ليس واقعيًا ولن يحدث. الطريق الوحيد الممكن هو مسار تراكمي، منظم، ومتدرّج، يقوم على عمل مدني مستدام يفرض التغيير عبر الوعي والضغط المشروع، لا عبر الفوضى وخاصةً لا عبر الانتظار السلبي.

Share