web analytics
Home تعليقات ومقالات مميزة د. حارث سليمان/الـ«نبيه» نفسه يبتسم

د. حارث سليمان/الـ«نبيه» نفسه يبتسم

19

الـ«نبيه» نفسه يبتسم!
د. حارث سليمان/جنوبية/21 شباط/2026
يستحق الرئيس نبيه بري التهنئة، نعم التهنئة، على نجاحه المتجدد في الإمساك بلبنان وجرّه إلى حيث يشاء، وأنى يشاء. ليس في الأمر مبالغة ولا انفعال، الرجل يبرع، مرة بعد مرة، في استدراج الخصوم تارة، كما الحلفاء تارة اخرى إلى ملعبه، وتسجيل النقاط في مرماهم الواحد تلو الآخر، فيما يستحق دعاة الإصلاح والسيادة والتغيير والإنقاذ عاطفة من اثنتين : الشفقة إن أردنا الرحمة، والشماتة إن أردنا الصراحة. الجميع يعلم ؛ رؤساء أحزاب وقوى سياسية في لبنان، وسفراء دول إقليمية ودولية، أن صلاحيات رئيس مجلس النواب اللبناني لا تعطيه، نظرياً، قدرة حكم البلاد أو التحكم بمصير شعبها، ومع ذلك، وفي لحظة لبنانية تختلط فيها حدود الدولة بظلال دويلة حزب الله التي يدير مفاتيح سيطرتها الرئيس بري، يعود السؤال الدستوري إلى الواجهة بقوة فاضحة : من يحكم لبنان فعلاً، وبأي صلاحيات؟ إن لم يكن نبيه بري، فمن غيره؟

ليس النقاش هنا شخصياً بقدر ما هو بنيوي؛ الوقائع السياسية العنيدة تجعل اسم بري يتقدم الواجهة بوصفه لاعباً يتجاوز حدود رئاسة المجلس النيابي وصلاحياتها، إلى ممارسة نفوذ تنفيذي فعلي، كمشارك دائم في السلطة الإجرائية من خارج النص والاعراف الديموقراطية، هنا تكمن خطورة اللحظة حين يتحول تفسير النصوص او خرقها، والتنكر لموجبات المسؤولية إلى أداة قوة، ويتحوّل الدستور إلى مادة مطاطية تحمي الابتزاز والسلبطة. ولمن يحب البلاغة السياسية، ثمة توصيفات كثيرة للرجل، الهواية المُفضّلة للأستاذ – كما يتهامس خصومه- هي صناعة الخوازيق السياسية وتنعيم ملامسها وتدبيب رؤوسها، ثم تقديمها بلباقة تجعل الضحية تشكر من نَصَبَها.خرون، أكثر تهذيباً، يصفونه بالساحر الذي يخرج من أكمامه الحمائم والأرانب، فيُثيرُ الدهشة والذهول. وفريق ثالث يراه لاعب بلياردو بارعاً، يجيد هندسة تصادم الكرات بحيث تصلُ دائماً إلى الجيب الذي يريده. مهما اختلفت الاستعارات، ثمة شبه إجماع على نقطة واحدة : الرجل نجح في خداع الجميع مرة واثنتين وثلاثاً، في الداخل كما في الخارج وهذه ليست مذمَّة، بل توصيف لقدرة سياسية نادرة في بلد يَكثُرُ فيه الهواة ويَقِلُ فيه المحترفون.

وتتركز مهارة بري في قدرته على غواية أخصامه وحلفائه معا، على مشاركته صرف النفوذ والتربح من السلطة والزبائنية السياسية وكافة انواع الانحراف السياسي والمالي ، في منظومة سلطة تَندُر فيها شروط العفاف المالي والنزاهة السياسية والإلتزام بالقيم الديموقراطية. لكن مهارة بري وحدها لا تفسر المشهد، فالحكومة نفسها ورئاسة الجمهورية، بقصد أو من دونه، قامت بتعزيز أوراق بري التمويلية والسياسية، بإقرار قرض البنك الدولي بحوالي 250 مليون دولار$، مرفقاً بالمساعدات الأوروبية 75 مليون يورو € المخصصة لإعمار الجنوب، لم يكن ذلك مجرد إجراء مالي تقني أو واجب وطني، في بلد المؤسسات المنهكة والمستتبعة، بل أموال تتحول سريعاً إلى أدوات نفوذ، وتُعيدُ رَسمَ خرائط الولاء بدقة الجرّاح. النتيجة العملية كانت واضحة: ضخُ موارد في بيئة سياسية تمسك بها حركة أمل تنظيمياً وخدماتياً من خلال مجلس الجنوب، وهنا لا تعود المسألة تنموية بحتة، بل تصبح جزءاً من إعادة تثبيت ميزان القوة. المال دخل تحت عنوان الإعمار، لكنه خرج على شكل نفوذ إضافي في أرض يعرف بري تضاريسها حجراً حجراً.

الأخطر من التمويل هو ما تراكم عبر سنوات من إحكام القبضة على مفاصل الدولة؛ بداية ان السيطرة على تقديمات وزارة الشؤون الاجتماعية ليست تفصيلاً إدارياً؛ إنها بنك سياسي مفتوح، يُوزِّع في الساحة الشيعية، رواتب بالدولار على عناصر حركة أمل وكوادرها، بمعزل عن مستويات مداخيلهم او فقرهم وغِناهِم، ومرورا بالمحاصصة الزبائنية خلافا لقانون الموظفين والدستور، وفي مسارات التعيينات داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية والجمارك وبعض مفاصل القضاء، لا يمارس بري في كل هذه المواقع مجرد حضور بيروقراطي؛ بل يعيد تنشيط وبناء شبكة عميقة من النفوذ المتشابك والمستمر، وهذه الشبكة لا تُستخدم فقط لتعزيز الحضور السياسي، بل لتكريس ميزان قوى دائم داخل الدولة نفسها، بحيث يصبح أي تغيير حكومي أو نيابي، مجرد تبديل في الواجهة، فيما البنية الفعلية في الدولة العميقة تبقى على حالها؛ صلبة، عصية على الكسر. ولذلك هندس مجددا كمينا محكما للحكومة واجبرها على تمويل زيادات على اجور القطاع العام.

من هنا ينبع الاتهام الأخطر: ما يجري ليس إدارة سياسية تقليدية، بل ما يشبه انقلاباً ناعماً على منطق الدولة، ليس انقلاب الدبابات الذي يوقظ الناس على بيان عسكري، بل انقلاب الصلاحيات الذي يجري من خارج الدستور وخلافا لروحه أحياناً، وحين تتحول رئاسة المجلس إلى مركز تعطيل أو تمرير انتقائي، كما يحدث في قانون الانتخابات النيابية وتعقيداتها، يصبح السؤال مشروعاً ومقلقاً: هل ما زلنا داخل النظام نفسه، أم أمام “نظام ظلّ” موازٍ يعمل بكفاءة أعلى من النظام الرسمي؟

التجربة اللبنانية خلال العقدين الأخيرين تقدم إشارات لا يمكن تجاهلها؛ كل محاولة إصلاح اصطدمت بجدار المنظومة السياسية التي يديرها بري، من تعطيل قانون ال كابيتال كونترول، الى افشال خطة لازار للاصلاح المالي، الى تفخيخ قانون السلطة القضائية المستقلة، الى شل قوانين رفع السرية المصرفية واعادة هيكلة المصارف وقانون استرداد الودائع، الى تعطيل اية محاولة للاصلاح الاداري الخ… وكل خطاب عن السيادة تكسّر عند حدود مناورات بري وحمايته لمواقف حزب الله المرفوضة.

لذلك نصل إلى خلاصة قاسية: لا إصلاح بالشراكة مع الرئيس نبيه بري، ولا استعادة للسيادة بالتحالف معه، ولا تحرير فعلي لمؤسسات الدولة من سطوة الدويلة إلا بتفكيك شبكة النفوذ التي يقف على راسها زعيم عين التينة. الخلاصة هذه تعكس مأزقاً سياسياً حقيقياً. فالرجل الذي يراه حلفاؤه «صمام أمان» للمنظومة وحزب الله، يراه خصومه عرّاب منظومة الفساد وكاهنها الأقدم. وبين الصورتين يقف لبنان عالقاً في منطقة خطرة وقاتلة : نظام يحتاج إلى التوافق كي يبقى، لكنه يدفع ثمن هذا التوافق من فعاليته وشرعيته كل يوم. المفارقة الأشد مرارة أن المنظومة السياسية التي بدت منهكة بعد الانهيار المالي، بدأت تستعيد أنفاسها تدريجياً عبر إعادة تدوير أدواتها التقليدية: التمويل الخارجي، شبكات الزبائنية، والتحكم بالمفاصل الإدارية والقضائية والامنية. وفي هذا السياق، يصبح نفوذ بري، بما يملكه من خبرة طويلة في إدارة التوازنات، عاملاً مضاعفاً لقدرة هذه المنظومة على الصمود، بل وعلى شن هجوم مضاد أحياناً. الدستور اللبناني ينبغي ان لا يكافئ من يتقن لعبة الوقت، بل يكافئ من يحترم النص، لكن حين تغيب المحاسبة الفعلية، يتحول طول البقاء في السلطة إلى مصدر قوة بحد ذاته. هذا التشخيص لا يعفي أحداً من المسؤولية، ولا يمكن إقناع اللبنانيين بالإصلاح فيما مفاتيح اللعبة ما زالت في الجيوب نفسها.
لبنان اليوم أمام مفترق لا يحتمل المزيد من البلاغة، إما الاستمرار في إدارة التوازنات والخزعبلات ذاتها، مع ما يعنيه ذلك من شلل مزمن وانحدار بطيء، وإما الذهاب إلى مواجهة سياسية ودستورية مفتوحة تعيد تحديد حدود الصلاحيات فعلاً لا قولاً. الخيار الأول مريح للمنظومة المارقة، مكلف للدولة كيانا ومسارا، الخيار الثاني صاخب ومؤلم، لكنه ربما الطريق الوحيد لاستعادة معنى الجمهورية.

الطريق إلى السيادة لا يمر بالشعارات، بل بإعادة الاعتبار للدستور كمرجعية مُلزِمة للجميع، لا كنص قابل للتطويع وفق ميزان القوى، وحتى يحدث ذلك، سيبقى اللبنانيون يشاهدون اللعبة نفسها تتكرر… والنبيه نفسه يبتسم.

Share