web analytics
Home تعليقات ومقالات مميزة الكاتب الكويتي المميز أحمد الصراف/سمعان جعجع عام 1840 وقصة قرية برقا البقاعية

الكاتب الكويتي المميز أحمد الصراف/سمعان جعجع عام 1840 وقصة قرية برقا البقاعية

4

سمعان جعجع عام 1840 وقصة قرية برقا البقاعية
الكاتب الكويتي المميز أحمد الصراف/جريدة القبس/15 شباط/2026

قاد سمعان معازه الألف، عبر الجبال الوعرة، تاركا قريته «بشرّي»، التي تقع على ارتفاع 1550 مترا، ميمما وجهه شطر المقلب الآخر من الجبال المطلة على سهل البقاع، حيث السهول الخضراء، والكلأ والدفء النسبي، قبل موسم تساقط ثلوج الشتاء، وانقطاع بشرّي عن العالم لبضعة اشهر، كما اعتاد أن يفعل كل عام.

ما أن بدأت الثلوج بالانحسار وحان وقت العودة لقريته، وقع طارئ منعه من المسير لفترة، وعندما زال المانع فوجئ بتساقط الثلوج قبل موعدها، فأسقط بيده، بعد أن أغلقت أمامه طرق العودة لقريته، بشرّي، وقرر بالتالي البقاء إلى ربيع السنة التالية، بنى لنفسه وعائلته كوخا في منطقة شبه مهجورة تسمى «برقا»، مستخدما حجارة الجرد وأخشاب اللزاب الصلبة، وهي شجرة صمغية معمرة تنمو في لبنان على ارتفاعات من 1400م الى 2800 م فوق سطح البحر، على امتداد المقلب الشرقي من سلسلة الجبال الغربية، وتعطي بذورا تستعمل في صناعة «الجن»، وتبقى، كشجرة الأرز، دائمة الاخضرار، وكانت تغطى سفوح الجبال قبل أن يقضى الأتراك العثمانيون على غالبيتها، لاستخدام أخشابها لبناء طرق السكك الحديدية، لصلابتها ومقاومتها للتآكل.

انتبه ملاك المنطقة لوجود الراعي الغريب وأسرته ومعازه في منطقة نفوذهم، فأرسل زعيمهم من آل حرفوش، وهي العشيرة الشيعية الأبرز التي حكمت سهل البقاع في القرنين 17 و18، والتي يعود نسبها إلى خزاعة، الذين امتد نفوذهم ليشمل كل سهل البقاع، وليصل، في فترات معيّنة، لمناطق أخرى، أرسل جنوده لطردهم. علم الراعي سمعان باقتراب السرية، فهرب واختبأ في مغارة قريبة، قام الجنود بالطلب من الأم وأبنائها مغادرة المنطقة فورا، وقاموا بهدم كوخهم الصغير، وامهلوا بعض الوقت لتجميع قطيع معازهم، فطلبت منهم الأم «وردة»، البقاء قليلا، ومشاركتها الطعام، فليس بإمكانها أخذه معهم، ومن الأفضل تناوله بدلا من رميه. بسبب جوعهم، قبلوا دعوتها، فتشجعت وقررت أن تذبح لهم أحد معازها، وشياهها، فسعدوا كثيرا بضيافتها، وقبل ان يتركوا المنطقة تشاوروا في ما بينهم، بعد أن تأثروا بكرمها، فهي لم تترد في استضافتهم، بالرغم من معاملتهم السيئة لها، وهدم بيتها، وترويع أطفالها، فقرروا السماح لها بالبقاء إلى أن يعود زوجها، وربما لن يعودوا للمنطقة ثانية، وسيخبرون زعيمهم بالسماح لها بالبقاء!

عاد سمعان من مخبئه بعد أن غادر الجنود، وقرر البقاء في تلك المنطقة وعدم العودة لبشرّي، فالمنطقة جميلة، وثرية ومراعيها وأراضيها خصبة، كما أن طقسها أقل قسوة بكثير من قريته، بشرّي، وكان ذلك عام 1840. واليوم، بفضل ذكاء «وردة»، يبلغ عدد سكان بلدة برقا (أو برقه) في قضاء بعلبك الهرمل، حوالي 3000، تتجاوز نسبة الموارنة بينهم الـ85% وجميعهم من آل جعجع، وأصبحوا كبقية أهالي البقاع يعتبرون أنفسهم من «العشائر»، يحمل غالبيتهم أسماء عربية مثل هشام وحمدان وراكان.

تشتهر برقا اليوم بكونها منطقة سياحية، وخاصة لهواة المشي وتسلق الجبال، ولا تبعد أكثر من 11 كيلومترا عن بلدة «الدير الأحمر»، وتشتهر بمزارع التفاح والكرز واللوز، وكروم العنب التي يزرعها سكان المنطقة من المسلمين، ويبيعونها للموارنة لإنتاج نبيذ «برقا» العالي الجودة. كما توجد في برقا عدة كنائس مارونية شهيرة، ومدارس ومؤسسات انتاجية، وهذا يأخذنا لمقال يوم غد.

Share