ملوك “الغباء الواثق”: كيف حوّل زعماء لبنان ومساعدوهم ميكافيلي إلى لعنة وطنية؟
كيف خسر الفكر الوطني معركته في لبنان
شبل الزغبي/11 شباط/2026
لطالما تساءل اللبنانيون: كيف يمكن لمجموعة من البشر أن تدمر وطنًا كان يُلقّب بـ “سويسرا الشرق” بهذا الإتقان؟ الجواب لا يكمن فقط في “الشر” أو “الفساد” بمفهومه التقليدي، بل في ظاهرة أعمق شرحها الفيلسوف ميكافيلي ووضّحها العلم الحديث بـ “تأثير دانينغ–كروجر”: إنه الغباء الواثق الذي يتصدر المشهد بينما يتنحّى العقل خجلاً.
في لبنان، نرى الزعماء يطلّون عبر الشاشات بلغة جازمة وثقة مطلقة، وكأنهم يمتلكون مفاتيح الكون. هؤلاء ضحايا جهل لا يدرك حدوده؛ فالزعيم اللبناني لا يشكّ أبدًا في قراراته، لأنه ببساطة لا يملك الوعي الكافي لإدراك حجم الكارثة التي يصنعها. هذه الثقة الزائفة تحوّلت إلى مغناطيس جذب للأتباع الباحثين عن “قائد قوي”، حتى لو كان يقودهم مباشرةً نحو الهاوية.
الأزمة في لبنان ليست في “الرأس” وحده، بل في “البطانة”. فالزعيم اللبناني، بدافع شعور دفين بالنقص، يخشى توظيف المستشارين الأذكياء، لأنه لا يبحث عن الكفاءة بل عن الطاعة. هكذا أحاط كل زعيم نفسه بمساعدين أقل منه ذكاءً لضمان ولائهم، وهؤلاء بدورهم استنسخوا من هم أدنى منهم، إلى أن تشكّلت طبقة سياسية وإدارية تعاني من عقم فكري شامل. لقد طُبّق “شلال تدهور الكفاءة” بدقة مذهلة، فغرقت مؤسسات الدولة في وحل الجهل، لا بفعل الصدفة بل كنتيجة حتمية لهذا الاختيار الممنهج.
لم تكن القوى الخارجية بحاجة إلى خطط عبقرية لإخضاع لبنان؛ كان يكفيها فحص ذكاء سريع لهذه الطبقة الحاكمة. من الاحتلال السوري إلى التغلغل الإيراني، تُبيّن أن الزعيم اللبناني “رخيص الفكر”، يسهل شراؤه بمكسب طائفي ضيق أو وهم سلطة عابرة. في زمن الاحتلال المعاصر، كانت الإدارة منخفضة التكلفة لأن “الوكلاء المحليين” كانوا يتنافسون على تقديم أوراق الولاء عند أول إشارة من ضابط مخابرات. ومع المشروع الإيراني، كُشف الفراغ الاستراتيجي الكامل: بينما كان الزعيم التقليدي منشغلاً بتقاسم “جبنة” الصفقات، كانت طهران تبني دولة داخل الدولة فوق أنقاض عجزهم وقصر نظرهم. هكذا أصبح لبنان لقمة سائغة، لأن من اؤتمنوا عليه تحوّلوا إلى أدوات وظيفية تُخرب بيتها بيدها لإرضاء مشغّليها.
لماذا انهار الاقتصاد؟ لماذا غابت الخدمات الأساسية؟ لماذا لا كهرباء، ولا عملة، ولا أفق؟ بالمنطق الميكافيلي المشوَّه، هذه الفوضى ليست فشلًا بل استراتيجية حماية. القادة غير الأكفاء يعيشون على الأزمات؛ فحين ينشغل المواطن بلقمة عيشه، يغيب عنه تحليل غباء الحاكم، وتسقط المحاسبة. لقد حوّلوا لبنان إلى ساحة فوضى دائمة يتقاذفون فيها الأعذار والمسؤوليات، لأنهم يدركون أن أي دولة مستقرة ستفضح حقيقتهم: أشخاص بلا رؤية، بلا كفاءة، وبلا أي قيمة قيادية حقيقية.
لقد تفوّقوا في المظهر وفشلوا في الجوهر. راكموا الثروات والنفوذ اللحظي، وتجاهلوا أنهم بتدميرهم للبنان يدمّرون البيئة الوحيدة التي تحميهم هم أنفسهم. هذا هو قصر النظر القاتل؛ كمن يحرق سفينته في عرض البحر ليحصل على بعض الدفء لليلة واحدة.
إن مأساة لبنان الكبرى أن “المحتل” لم يواجه قادة يفهمون معنى الدولة، بل طبقة من السماسرة الذين توهّموا أن ذكاءهم في النهب هو ذكاء مطلق، بينما هم في الحقيقة أغبياء وظيفيون. سقط الوطن تحت وطأة تحالف الرداءة، حيث فُضّل الولاء للخارج على العقل الوطني، والثقة الزائفة على الحكمة، فدُمّر بلد جميل لم يستوعبوا يومًا عظمته.
لكن اكتمال هذه المأساة لا يقع على عاتق الزعماء وحدهم، بل على اللبناني الذي سمح للغباء الواثق أن يحكمه باسم الطائفة أو الخوف أو العادة. إن الخروج من هذا الانهيار لا يكون بانتفاضة غضب عابرة، بل بـ نهضة فكرية وثورة نوعية على المنظومة المتخلّفة التي أعادت إنتاج الجهل على أنه حكمة، والولاء على أنه وطنية. المطلوب كسر هذه الحلقة الجهنمية عبر رفض تقديس الزعيم، وفضح الرداءة مهما كان مصدرها، وربط أي سلطة بالكفاءة والمحاسبة والمعرفة. وحده عقل لبناني جديد، ناقد وجريء، قادر على إسقاط “تحالف الغباء الواثق” واستعادة الدولة من أيدي من دمّروها وهم يظنّون أنفسهم عباقرة.