ماذا يحمل الغد في طياته؟
الكولونيل شربل بركات/11 شباط/2026
يبدو بأن شمس الشرق الأوسط الجديد بدأت تتحضر للشروق فهل ينتهي التطرف السني بنفس الوقت مع انتهاء التطرف الشيعي ويحمل ابن سلمان مجددا راية السلام بدون خوف من بقايا الوهابية في عقر داره ويتنازل أردوغان عن الحلم العثماني ليتحجم دور قطر السياسي ويعود الأمل بالاستقرار والمستقبل الزاهر يدغدغ أحلامنا فنتأمل بالمشاريع الكبرى التي تتجاوز الحدود وتفتح المجالات للتقدم والتطور؟
ينتظر الشرق الأوسط والعالم نتائج مفاوضات عمان التي تعتبر محاولة أخرى لتجنيب نظام إيران ذل الاستسلام المهين وذلك باعطاء الملالي فرصتهم الأخيرة لتحمل نتائج التلاعب المتكرر والطويل وتلك العنجهية والتشاوف التي تميز بها حكمهم وهي قامت على مشروع تصدير الثورة إلى المحيط وتفعيل برنامج الفصائل الموالية في دول الجوار وتحريكها وفقا لمتطلبات السياسة الامبراطورية التي يدرها الولي الفقيه من معقله في طهران.
السياسة التي اعتمدها نظام الملالي هذا، منذ الامام الخميني وخليفته الخمنئي، تلخصت في فرض السيطرة من خلال التبعية الدينية التي نادى بها الأصوليون الشيعة، مقابل الاصولية السنية؛ من السلفية الوهابية التي أفرزت “القاعدة” في أفغانستان والاخونجية العثمانية الهوى والمصرية المنشأ التي ورثت القاعدة بتحالف بن لادن مع الظواهري وأنتجت “تنظيم القاعدة في العراق”، وهو الذي حل محل بقايا البعث والجيش العراقي وتحول بالتالي لداعش وأخواتها. وكان الإيرانيون شجعوا عمليات القاعدة في العراق لانهاك القوات الأميركية وتكبيدها الكثير من الخسائر لتتأمن لهم السيطرة على هذا البلد بواسطة المليشيات الشيعية التي جمعت فيما بعد تحت مسمى “الحشد الشعبي” وشرعت كجزء من القوات المسلحة.
هذه السياسة ومثيلاتها، التي انطلقت في لبنان منذ 1983 بعد عمليات تفجير السفارة الأميركية في بيروت ومن ثم مقر المارينز والمظليين الفرنسيين، وبالتالي الاعلان عن انشاء حزب الله الذي سيصبح العمود الفقري للارهاب الإيراني في المنطقة من حيث التدريب والتجهيز والتركيز على الولاء الكامل للولي الفقيه، والوجه الاعلامي الرئيسي على الساحة العربية والذي سيمثله السيد حسن نصر الله، تلخصت بمعاداة الغرب ومحاربة “الكيان الصهوني”، وكانت وسيلتها الرئيسية سيطرة النظام الإيراني على الفكر والقيادة والتنظيم ومحاولة تغيير الأنظمة في الجوار والهيمنة على الثروات وتجييرها لمشروع التسلح الواسع والمستقل، والذي سيتوج بالطاقة النووية العسكرية لكي يمتلك الولي الفقيه القدرة المطلقة لتأمين نجاح “الامام المغيب” بالسيطرة على العالم فور عودته.
لكن “الشيطان الأكبر” و”الشيطان الأصغر” كانا له بالمرصاد حيث قام الطيران الاسرائيلي بقصف مركّز خلال 12 يوم كاملة في حزيران الماضي لكثير من الاهداف القاتلة الحقه الطيران الأميركي بقصف ثلاث مفاعلات نووية هي الأكثر تطورا في إيران لمنعه من الاستمرار بالتخصيب كونه لم يقبل الالتزام بشروط الولايات المتحدة في محادثات عمان الأولى.
اليوم وبعد اعلان الرئيس ترامب نيته تخليص إيران من شروره سارع النظام لطلب تدخل تركيا والسعودية وغيرها من الدول لوقف العملية العسكرية والتفاوض لتجنيب المنطقة أضرار الحرب والردود العشوائية التي قد يقوم بها الحرس الثوري. ولكن ماذا عن عملياته في الداخل الإيراني وكيف تصرف مع المتظاهرين وبقية الشعب فور توقف التهديد بالعملية العسكرية؟
تقول المعارضة الإيرانية بأن أعداد القتلى الذين سرب بأنهم فاقوا 12 ألف أثناء قمع التظاهرات يرتفع كل يوم وقد تجاوز بحسب بعض المصادر الأربعين ألفا، لا بل ومع استمرار ملاحقة من يشك بأمرهم والدخول إلى المستشفيات لقتل كل من يعتقد بأنه أصيب خلال التظاهرات اضافة إلى من يعترض على العملية، قد يتجاوز الستين ألفا وهي أرقام لا يمكن السكوت عنها إذا ما تأكدت فور عودة عمل الاتصالات الخارجية والانترنت. فهل يتمكن النظام مرة أخرى من السيطرة على الشارع وضبط الأمور؟
لا شك بأن الولايات المتحدة ما زالت تقوم بتكديس الوسائل القتالية وتحضير كافة الخطط العسكرية وتجميع كل المعلومات الممكنة لما يدبره النظام لتبرير التخلص منه نهائيا وقد لا يتطلب ذلك أكثر من ضرب مقرات الحرس الثوري وقياداته إضافة إلى مراكز الباسيج لكي ينقلب الوضع ويبدأ الإيرانيون المقهورون أنفسهم بالتخلص من جلاديهم والانتقام لأعمالهم المشينة وسرقتهم لثروات البلاد وتهريبها إلى الخارج.
تقول المعارضة الإيرانية في الخارج، والتي يبدو بأنها تتنظم أكثر فأكثر وقد بدأت تنال بعض الثقة لدى المحافل الدولية التي يهمها مستقبل البلاد وعدم حصول مجازر وفوضى عند تغيير النظام، بأنها قد تتمكن من ضبط الأمور ولو أن التخلص من شرور هذا النظام لن يجري بعملية جراحية بسيطة ولا بد أن تحصل بعض عمليات الانتقام لأن هذا النظام لم يترك مجالا من القهر لم يستعمله ضد الشعب الإيراني ولكن الأمور لن تترك خاصة إذا ما أشرف عليها المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة وهو ما يبدو بأنه تجري مواكبته على قدم وساق وما زيارة رئيس وزراء اسرائيل السريعة إلى الولايات المتحدة اليوم إلا في هذا الخصوص.
ولكن ماذا عن بقية الأماكن التي تسيطر عليها الأذرع الإيرانية وهل يمكن أن نري فيها انتقامات وعمليات قتل وتخلص من رواسب حكم الملالي، خاصة في لبنان والعراق واليمن وربما غزة، وهي الدول التي لم تتخلص بعد من وجود تنظيمات مسلحة تنادي جهرا بالارتباط بهذا النظام وتنفيذ أوامره؟
إن توجه الدولة اللبنانية لجمع السلاح من حزب الله والسيطرة على الأمور بواسطة الجيش قد يمنع بعض التجاوزات ولو أن من يسمي نفسه بحزب الله لم يترك مجالا للظهور بمظهر التابع لهذا النظام ومنفذ لأوامره إلا وأعلن عنه، ولا هو قبل بأية حلول طرحت عليه للعودة إلى الوطن. ومن هنا على الحكومة أن تتأكد من تنظيف الجيش وبقية القوى المسلحة التابعة لها من بقايا رواسب هذا الحزب بسرعة وقبل أن يسقط النظام لكي لا تصبح المواجهة واضحة داخل المؤسسات فتدب الفوضى. ويعتقد بعض المحللين بأن دخول اسرائيل على الخط قد يكون لصالح الدولة لضبط الأمور ومنع الانزلاق إلى نوع من الانتقامات، وهي ربما تحت شعار السيطرة على مخازن الأسلحة التابعة للحزب، تقوم بعملية استباقية تنتشر خلالها وحدات من جيش الدفاع قد تسهم في ضبط الأمور ومنع حدوث انتقامات وانقسامات ضمن القوى التابعة للدولة.
أما في العراق فإن أياما قاسية تبدو في الأفق لأن التنظيمات التي ساهم النظام الإيراني بفرضها على الحكم لا يمكن استمرارها وقد يكون خروج القوات الأميركية له دلالات في هذا الاتجاه وعلى العراقيين استباق ايجاد حلول للحقد الدفين والعمل على ضبط الأمور قبل حدوثها بدل الاستعداد من قبل تنظيمات الملالي لنشر الفوضى لأنهم لن يجدوا من يعطيهم الأوامر كالمعتاد. ولن نتحدث عن الحوثيين الذين سوف يتركون لمصيرهم بعد غياب الأوامر الإيرانية ولن تفيدهم الطائرات بدون طيار ولا الصواريخ الطويلة المدى. وما يبقى أن على حماس استغلال طرح الرئيس ترامب والاسراع باجراءات تسليم سلاحها قبل سقوط النظام الإيراني لأنها عندها سوف تواجه الحلول المذلة التي لن يجرؤ أحد على التدخل لتخفيفها.
يبدو بأن شمس الشرق الأوسط الجديد بدأت تتحضر للشروق فهل ينتهي التطرف السني بنفس الوقت مع انتهاء التطرف الشيعي ويحمل ابن سلمان مجددا راية السلام بدون خوف من بقايا الوهابية في عقر داره ويتنازل أردوغان عن الحلم العثماني ليتحجم دور قطر السياسي ويعود الأمل بالاستقرار والمستقبل الزاهر يدغدغ أحلامنا فنتأمل بالمشاريع الكبرى التي تتجاوز الحدود وتفتح المجالات للتقدم والتطور؟