web analytics
Home أرض، تاريخ لبناني ومسيحي وعجائب/Land,Lebanese- Christian History & Miracles عيدة قزحيا حرفوش/القليعة تلك البلدة الجنوبيّة الّتي شاءت الجغرافيا أنْ لها تختار

عيدة قزحيا حرفوش/القليعة تلك البلدة الجنوبيّة الّتي شاءت الجغرافيا أنْ لها تختار

14

“القليعة” تلك البلدة الجنوبيّة الّتي شاءت الجغرافيا أنْ لها تختار
عيدة قزحيا حرفوش/فايسبوك/10 شباط/2026
الموقع والجوار..وتقصيها عن موقع القرار.
تللك البلدة الّتي رسمت حدودها أناملُ الزّيتون، ولوّن ترابها دمع العيون..
القليعة لم تكن تفصيلًا يُنسى، بل كانت جوهرَ الحكاية.
القليعة هي البلدة الّتي حين غابت عنها الدّولة حضرَتْ بقلوب أهلها.
وحين انطفأ الضّوءُ، أشعلَت بيوتَها بالصّبر.
وحين أُقفلتِ المستشفياتُ، فتحَ النّاسُ صدورَهم للوجعِ وسكتوا.
وحين خاف الجميع، بقيت القليعة…
لا لأنّّ الحياةَ كانت كريمةً، بل لأنَّ الكرامةَ كانت أغلى من الحياة.
أهلُ القليعة لم يطلبوا شيئًا، لم يطالبوا بوعود، لم يرفعوا أصواتَهم. بل اختاروا أصعب القرارات: أنْ يبقَوا، أنْ يُضحُّوا بمستقبلٍ كان ممكنًا،
بوظيفةٍ، بتعليم اختصاصٍ جامعيّ، براحةٍ، بأمان…
كي لا تنهزمَ الأرضُ، ولا يُقالُ يومًا إنّ الجنوبَ خُلِيَ من أهله.
القليعة وفّرت على الدّولة ما عجزتِ الدّولةُ عن تقديمه لها.
وفّرَتِ الإيواءَ لأنّها لم تَهجُر، وفّرَتِ الإعمار لأنّها لم تُهدَّم من الدّاخل، وفّرَتِ الكلفةَ لأنّ أهلَها دفعوا الثّمن من أعمارهم وأحلامهم.
لكنْ هنا وجعٌ آخر… وجعٌ لا تلتقطه الصُّوَر، ولا تُحصيه لجانُ الكشف، ولا يَظهرُ في تقارير الأضرار.
القليعة لم تُدمَّر بيوتها، لكن تدمَّر مستقبلُ أولادها.
تدمَّرتِ الأحلام على مهل: أحلام شبابٍ انتظَروا مدرسة كاملة، وظيفة قريبة، تدمَّر المستقبل حين اضطرّ بعض شبابها أنْ يختاروا بين البقاء بلا أفقٍ، أو الرّحيل بلا أرض.
وحين تخلّتْ صباياها عن أحلامهنّ لأنّ الصمود صار أولوية، ولأنّ البقاء كان أغلى من العمر نفسه. القليعة وقفت بوجه العواصف والرّيح، لا بجدرانٍ عالية، بل بصدورٍ عارية من الضّمانات، وبقلوبٍ تعرف أنّ الرّيح لا ترحم، لكنّ الأرض لا تُخوَّن.
صُلِبٕتِ القليعة لأنّها أحبَّت أرضَها أكثرَ ممّا ينبغي في وطنٍ لا يُكافئ العاشقين. صُلبت لأنّها لم تُساوم، لم تُساير، لم ترفع راية الرّحيل. صُلِبت لأنّها اختارت الثّبات، في زمنٍ يُكافَأ فيه من يهرب.
دفعت القليعة شبابها ثمنًا لغياب الدّولة: شبابًا استُهلِكت أعمارُهُم في الانتظار، في العمل الموقّت، في القلق الدّائم، وفي السّفرّ القسريّ الّذي يُشبه المنفى.
نزفٌ بطيء… صامت… لا تُسمَع له صفّارات إنذار، ولا تُرفَع له أعلام حداد.
وهٰذا هو الدّمار الأخطر:
أنْ يبقى البيت قائمًا
ويتهاوى الحلم داخله.
أنْ تبقى الجدران
ويغيب الأمان.
أن تبقى الأرض
ويُهدَّد المستقبل.
أليس هٰذا هو أسمى أشكال الوطنيّة؟
أليس هٰذا هو الصّمود الحقيقيّ، لا ذاك الّذي يُقال في الخُطَب، بل ذاك الّذي يُعاش بلا كاميرات؟
زيارة لا تمرّ على القليعة، زيارة تسمع الحجر ولا تسمع الإنسان، ترى الركام ولا ترى من منع الرّكام،
هي زيارة ناقصة…
مهما كثُرت ِالوعود،
ومهما علَتِ الكلمات.
القليعة لا تطلب تصفيقًا، لكنّها تستحقّ الوقوف احترامًا.
تستحقّ أنْ يُقال لأهلها:
“سامحونا… أنتم حملتم ما لم نحمله”.
القليعة ليست فقط بلدة صامدة، القليعة درس:
درس في الرجولة،
في العنفوان، في الكرامة، وفي وطنيّة لا تُباع ولا تُشترى.
القليعة لم تطلب بطولة، لكنّها دفعت ثمنها كاملًا. لم تطلب شهادة، لكنّها استحقّتها بدمع أمّهاتها، وصبر آبائها، وحكمة شبابها.
تحيّة لبلدةٍ نزفت بصمت، وبكت في السرّ، وثبتت حين كان السّقوط أسهل.
تحيّة للقليعة التي لم تُدمَّر بيوتها لكنّها حملت الدّمار عن وطنها، وحفظت معنى الأرض في زمنٍ كاد يفقده.
تحيّة إلى بلدةٍ عاشت الحُجّتَين وذاقت الأمرَّين…
حُجّة الصّبر حين طال الغياب، وحُجّة البقاء حين صار الرّحيل أسهل.
ذاقت مرَّ العوز بلا شكوى، ومرَّ الانتظار بلا وعد، ومُرَّ الثبات حين لا سند لها إلّا الأرض.
تحيّةٌ لبلدةٍ امتحنتها الأيّام مرّتين، فنجحت مرّتين، وخرجت من الوجعين أصلبَ قلبًا وأصدقَ انتماءً.
تحيّة لبلدةٍ لم تعش في قلب لبنان، بل عاش لبنان في قلبها.
حملته وجعًا وأملًا، وصانته حين تخلّى عن نفسه، وحفظَت اسمه في التّراب، حين ضاع من الخُطَب والخرائط.
تحيّةٌ لبلدةٍ صارت وطنًا مُصغّرًا، إذا سألنا عنها عرفنا معنى لبنان كما يجبُ أنْ يكون.
تحيّةٌ لبلدةٍ شاخ فيها العنفوان، واستأسد فيها الإيمان.
تحيّةٌ لبلدةٍ ألبسها الزّمانُ سوادَ الحداد، حين كانت كبشَ مُحرقةٍ
ليبقى لبنان.
حملت النارَ عنه، ومشت وحدها في الدّرب المُحترق، كي لا يحترق الاسمُ كلّه.
نزفت بصمتٍ، وقدّمت أبناءها قربانًا لا طلبًا للمجد، بل خوفًا على الوطن أن يضيع.
تحيّةٌ لها…لأنّها حين احترقت، أضاءت

Share