سقط النّظام الإيرانيّ… قبل أن يسقط
خيرالله خيرالله/أساس ميديا/05 شباط2026
ثمّة أنظمة تعتبر ساقطة قبل أن تسقط. يمكن رصد السقوط النهائيّ، الذي لا يمكن إلّا أن يأتي يوماً، من خلال إشارات محدّدة من داخل النظام المعنيّ ومن خارج حدود البلد. ينطبق ذلك، راهناً، على النظام الإيرانيّ القائم منذ العام 1979 إثر انتصار الثورة الشعبيّة على الشاه محمّد رضا بهلوي. غادر الشاه إيران من دون رجعة، إذ كان يعاني من مرض السرطان في السنوات الخمس الأخيرة من حياته من دون أن يعرف كثيرون بذلك في داخل القصر الإمبراطوري. كان ذلك خافياً حتّى على زوجته. جاء التغيير الإيرانيّ مقدّمة لتغيير كبير على صعيد المنطقة بعدما رفع النظام الجديد في طهران شعار “تصدير الثورة” من منطلق مذهبيّ أوّلاً. سهّل المرض المزمن للشاه انتصار آية الله الخميني الذي عاد إلى طهران في مثل هذه الأيّام، قبل 47 عاماً. إذا كان من كلمة حقّ يمكن قولها فإنّ الشاه الراحل رفض، كما تُظهر الوثائق التي نُشرت لاحقاً، رفضاً تامّاً إستخدام العنف في وجه خصومه، خصوصاً مجموعة رجال الدين التي كان على رأسها الخمينيّ الخصم الأكثر شراسة للنظام.
القبول بالتّفاوض تحت الضّغط
من بين أهمّ الإشارات إلى سقوط النظام الإيرانيّ القائم، القبول بالتفاوض المباشر مع الولايات المتّحدة التي وضعت شروطاً قاسية، بالتفاهم مع إسرائيل. لا يمكن وصف الشروط الأميركيّة إلّا بالتعجيزيّة والواقعية في الوقت ذاته. تعجيزيّة إذا أخذنا طبيعة النظام وموقفه التاريخي من أيّ قيود يمكن أن تفرض عليه، وواقعيّة متى نظرنا إلى هزيمة إيران في سوريا ولبنان وداخل البلد نفسه الذي تعرّض لحرب أميركيّة – إسرائيليّة مدمّرة في حزيران الماضي. تعرف واشنطن، قبل غيرها، أنّ المفاوضات التي قد تنعقد وقد لا تنعقد بين وزير الخارجية عبّاس عراقجي والمبعوثين الأميركييّن ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، تفرض عليها تقديم تنازلات كبيرة تشمل الصواريخ البالستيّة ومنصّات اطلاق هذه الصواريخ. يأتي ذلك في وقت يصعب وصف الوضع الداخليّ الإيرانيّ بأنّه مريح. يوجد، إلى جانب الملفّّ النوويّ، بندان آخران يمثّلان للولايات المتّحدة أهميّة كبيرة. الصواريخ البالستيّة ومنصاتّها وأدوات إيران في المنطقة من نوع “حزب الله” اللبناني وما شابه ذلك. ليس صدفة تحوّل ويتكوف وكوشنر إلى إسرائيل قبيل اللقاء المتوقّع بينهما وبين وزير الخارجيّة الإيرانيّ في إسطنبول أو مسقط. لا يخفى على أحد أنّ الدولة العبريّة هي الطرف المعنيّ الأساسي بالمفاوضات الأميركيّة – الإيرانيّة، خصوصاً بعدما خاضت مجموعة من الحروب المباشرة وغير المباشرة مع “الجمهوريّة الإسلاميّة”.خسرت إيران كلّ حروبها. أهمّ ما خسرته قدرتها على خوض هذه الحروب خارج أرضها. لا مفرّ من أن تدفع ثمناً لخسارة هذه الحروب. لا يمكن لأيّ بلد أو نظام خسارة حرب من دون دفع ثمنٍ ما للخسارة. الأهمّ من ذلك كلّه أن يعرف النظام، أيّ نظام، كيف يخسر. ليس معروفاً بعد هل أدرك النظام الإيرانيّ طبيعة هذه المعادلة وأنّ ذهابه إلى إسطنبول يعني قبوله دفع الثمن المطلوب أميركيّاً وإسرائيليّاً؟
سوابق في التّاريخ
هناك سوابق عدّة تؤكّد أنّ الأنظمة تسقط قبل سقوطها رسمياً. الإتحاد السوفياتيّ سقط مطلع عام 1986. في 13 كانون الثاني من تلك السنة، انفجر الوضع في عدن. تبيّن أنّ القوّة العظمى الثانية في العالم لم تعد قادرة على السيطرة على اليمن الجنوبيّ حيث حصل صدام دمويّ بين جناحين في السلطة. كان مفترضاً أن يكون الجناحان مضبوطين من الأجهزة السوفياتية. وقف جهاز الإستخبارات السوفياتيّ (كي. جي. بي) مع جناح فيما وقفت الإستخبارات العسكريّة مع جناح آخر. انتهى الأمر بتولّي يخت ملكة بريطانيا اليزابت الثانية، إخلاء المواطنين السوفيت الذين حاصرتهم العناصر المسلّحة التي تواجهت، وقتذاك، في عدن.
كشفت أحداث اليمن الجنوبيّ الاتّحاد السوفياتيّ. كشفه بعد ذلك، بأشهر، حريق المفاعل النوويّ في تشيرنوبيل، وصولاً إلى سقوط جدار برلين في تشرين الثاني 1989. لم تعلن الوفاة الرسميّة للاتحاد السوفياتيّ سوى في نهاية 1991 عندما أنزل علمه عن سطح الكرملين ورفع العلم الروسيّ مكانه. سقط النظام الإيرانيّ عمليّاً عندما خرج من دمشق مع نهاية النظام العلويّ في سوريا. قبله سقط النظام السوريّ لدى خروجه من بيروت في نيسان 2005، أي قبل عشرين عاماً تقريباً، من فرار بشّار الأسد إلى موسكو أواخر 2024. أمّا نظام صدّام حسين، فقد سقط في اليوم الذي اجتاح فيه الكويت في الثاني من آب 1990. بقي صدّام حسين في السلطة حتى دخول الأميركيّين إلى بغداد في نيسان 2003. لكنّ الذي حصل طوال 13 عاماً، أنّ النظام البعثيّ – العائليّ في العراق، لم يكن سوى جثّة ناطقة لا أكثر. لا يمكن للنظام الإيرانيّ أن يكون استثناء. لم يعد أمامه سوى الإستسلام للواقع بدل السعي إلى التحايل عليه. لم تعد القضيّة قضيّة ملفّ نوويّ ولا صواريخ ومنصّات، يصرّ الأميركيّون والإسرائيليون على تدميرها، ولا ميليشيات مذهبيّة كانت منتشرة في العراق وسوريا ولبنان واليمن. يوجد فشل ليس بعده فشل على كلّ صعيد، بما في ذلك على الصعيد الاقتصاديّ والسياسي والإيديولوجيّ. لم يكن لدى “الجمهوريّة الإسلاميّة” ما تصدّره منذ قيامها غير “تصدير الثورة”. كان ذلك مفيداً أميركيّاً وإسرائيلياً في مرحلة معيّنة وطوال سنوات. كلّ ما في الأمر أنّ بضاعة إيران ارتدّت عليها ولم تعد عملة صالحة للتداول، لا في إيران ولا في المنطقة ولا في العالم.