web analytics
Home مقالات سياسية وإيمانية عربية وانكليزية للياس بجاني إلياس بجّاني: في داخل كل إنسان وحش…الصراع الحقيقي في داخل الإنسان هو...

إلياس بجّاني: في داخل كل إنسان وحش…الصراع الحقيقي في داخل الإنسان هو صراع بين صورة الله فيه وبين تشويه هذه الصورة

16

في داخل كل إنسان وحش…الصراع الحقيقي في داخل الإنسان هو صراع بين صورة الله فيه وبين تشويه هذه الصورة
إلياس بجّاني/03 شباط/2026

Click Here To Read this Piece In English اضغط هنا لقراءة المقالة باللغة الإنكليزية

ينطلق الإيمان المسيحي من حقيقة لاهوتية أساسية مفادها أن الإنسان خُلق على صورة الله ومثاله (تكوين 1: 26)، ودُعي منذ البدء إلى شركة حبّ وحياة مع خالقه. غير أن هذا الإنسان عينه يحمل في داخله، نتيجة السقوط، قابلية الانحدار إلى ما دون دعوته الإلهية، حيث تسكن فيه قوى الغرائز غير المنضبطة، وما يمكن تسميته مجازًا «الوحش الداخلي». هذا الوحش ليس كيانًا مستقلاً عن الإنسان، بل هو تعبير عن الطبيعة الجريحة حين تنفصل عن نعمة الله.

في الرؤية الإنجيلية، لا يُلغى هذا الواقع الأخلاقي–الروحي بالإنكار أو بالكبت النفسي، بل بالتحول الداخلي الذي يتمّ بالنعمة. فالإنسان يبقى متماسكًا ومتكاملًا طالما يثبت في المحبة، لأن المحبة ليست مجرد فضيلة أخلاقية، بل هي اشتراك في حياة الله ذاته:
«الله محبة، ومن يثبت في المحبة يثبت في الله والله فيه» (1 يوحنا 4: 16).

إن الوحش الغرائزي يبقى في حالة خمود طالما عاش الإنسان في وعيٍ لهويته البنوية: ابن لله بالنعمة، مقدَّس بالدعوة، ومسؤول عن أفعاله أمام الله. هذا الوعي الإسخاتولوجي—أي استحضار الدينونة الآتية—يشكّل عنصرًا جوهريًا في الحياة المسيحية، لأن الإنسان ليس كائنًا مغلقًا على الزمن، بل موجّه نحو الأبدية:
«لأنه موضوع للناس أن يموتوا مرة، وبعد ذلك الدينونة» (عبرانيين 9: 27).

في محكمة الله، لا تُقاس قيمة الإنسان بما امتلكه، بل بما صار عليه. فكل ما هو مادي يبقى في دائرة الفساد، بينما وحدها أعمال المحبة والبرّ تدخل مع الإنسان إلى الأبدية. يقول الرسول بولس بوضوح لاهوتي حاسم:
«لأننا جميعًا سنظهر أمام كرسي المسيح، لينال كل واحد ما كان بالجسد، بحسب ما صنع، خيرًا كان أم شرًا» (2 كورنثوس 5: 10).

من هنا، تكتسب فكرة «الزوادة الإيمانية» معناها العميق: إنها ليست رصيدًا أخلاقيًا شكليًا، بل ثمرة حياة متجذّرة في النعمة، حياة تُترجم الإيمان أعمالًا، كما يعلّم يعقوب الرسول:
«الإيمان أيضًا إن لم يكن له أعمال، ميت في ذاته» (يعقوب 2: 17).

عندما يضعف الإيمان، ويبهت الرجاء، ويُستبدل الاتكال على الله بالاتكال على الذات والممتلكات، يبدأ الإنسان بالانحدار إلى «الإنسان العتيق». هنا لا يعود الشر حادثًا عرضيًا، بل مسارًا وجوديًا. لذلك يربط الكتاب المقدس بين الخطية والموت لا بوصفهما عقوبة خارجية فقط، بل كنتيجة داخلية للانفصال عن مصدر الحياة:
«أجرة الخطية هي موت» (رومية 6: 23).

في هذا السياق، يضعنا الرب يسوع أمام مثل الغني الغبي (لوقا 12: 16–21) كنصّ أنثروبولوجي–لاهوتي بالغ العمق. فالغني لم يُدان لأنه اغتنى، بل لأنه حصر معنى حياته في الامتلاك، وألغى البعد العلاقي مع الله. لقد تكلّم مع نفسه ولم يكلّم الله، وخزّن للسنين القادمة ناسياً هشاشة الوجود الإنساني. لذلك جاء الحكم الإلهي قاطعًا:
«يا غبي، هذه الليلة تُطلب نفسك منك».

هذا المثل يكشف أن الوحش الحقيقي في داخل الإنسان ليس الغريزة بحد ذاتها، بل وهم الاكتفاء الذاتي والاستغناء عن الله. فحين يُقصى الله من مركز الحياة، يتحوّل الإنسان تدريجيًا إلى كائن تحكمه شهوة السلطة والمال واللذة، ويغدو—كما يصفه الإنجيل—عبدًا لما يظن أنه يملكه:
«لأنه حيث يكون كنزك، هناك يكون قلبك أيضًا» (متى 6: 21).

من هنا، يصبح الكلام عن الواقع السياسي والاجتماعي، ولا سيما في لبنان، ليس خطابًا أخلاقيًا عامًا، بل تشخيصًا روحيًا. فالأزمة ليست فقط أزمة أنظمة، بل أزمة إنسان فقد مرجعيته الروحية، واستبدل غنى الله بغنى زائل. لذلك تبقى كلمة الرب معيارًا نهائيًا لكل سلطة:
«ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟» (مرقس 8: 36).

في الخلاصة، الصراع الحقيقي في داخل الإنسان هو صراع بين صورة الله فيه وبين تشويه هذه الصورة. والنجاة لا تتحقق بقمع الوحش، بل بإعادة الإنسان إلى مركزه الصحيح: شركة حياة مع الله، عبر التوبة، والنعمة، وحياة الأسرار، والسير الدائم نحو ملكوت الله، حيث: «ليس فساد ولا موت، بل حياة أبدية» (رومية 6: 22).

**الكاتب ناشط لبناني اغترابي
عنوان الكاتب الألكتروني
Phoenicia@hotmail.com
رابط موقع الكاتب الالكتروني على الإنترنت
https://eliasbejjaninews.com

Share