الياس بجاني/فيديو، نص وبالصوت: تأملات إيمانية وتاريخية في ذكرى عيد الغطاس.. دايم دايم وليكن سرورُكم واغتباطاً دائماً

532

بالصوت/فورمات MP3/الياس بجاني: تأملات إيمانية وتاريخية في ذكرى عيد الغطاس/06 كانون الثاني/2015 /اضغط  للإستماع للتأملات

الياس بجاني/فيديو، نص وبالصوت: تأملات إيمانية وتاريخية في ذكرى عيد “الغطاس”.. دايم دايم وليكن سرورُكم واغتباطاً دائماً
إلياس بجاني/06 كانون الثاني 2026

Click Here To Read this Piece In English اضغط هنا لقراءة المقالة باللغة الإنكليزية

يقع في السادس من كانون الثاني تذكار اعتماد السيد المسيح على يد يوحنا المعمدان في نهر الأردن. وقد جاء في إنجيل القدّيس لوقا (03/15-22): “وفيمَا كانَ الشَّعْبُ يَنتَظِر، والجَمِيعُ يَتَسَاءَلُونَ في قُلُوبِهِم عَنْ يُوحَنَّا لَعَلَّهُ هُوَ المَسِيح، أَجَابَ يُوحَنَّا قَائِلاً لَهُم أَجْمَعِين: «أَنَا أُعَمِّدُكُم بِالمَاء، ويَأْتي مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنِّي، مَنْ لَسْتُ أَهْلاً أَنْ أَحُلَّ رِبَاطَ حِذَائِهِ. هُوَ يُعَمِّدُكُم بِالرُّوحِ القُدُسِ والنَّار. في يَدِهِ المِذْرَى يُنَقِّي بِهَا بَيْدَرَهُ، فيَجْمَعُ القَمْحَ في أَهْرَائِهِ، وأَمَّا التِّبْنُ فَيُحْرِقُهُ بِنَارٍ لا تُطْفَأ». وبِأَقْوَالٍ أُخْرَى كَثيرَةٍ كانَ يُوحَنَّا يَعِظُ الشَّعْبَ ويُبَشِّرُهُم. لكِنَّ هِيرُودُسَ رئِيسَ الرُّبْع، وقَد كانَ يُوحَنَّا يُوَبِّخُهُ مِنْ أَجْلِ هِيرُودِيَّا ٱمْرَأَةِ أَخِيه، ومِنْ أَجْلِ كُلِّ الشُّرُورِ الَّتي صَنَعَها، زَادَ على تِلْكَ الشُّرُورِ كُلِّهَا أَنَّهُ أَلقَى يُوحَنَّا في السِّجْن. ولمَّا ٱعْتَمَدَ الشَّعْبُ كُلُّهُ، وٱعْتَمَدَ يَسُوعُ أَيْضًا، وكانَ يُصَلِّي، ٱنفَتَحَتِ السَّمَاء، ونَزَلَ عَلَيْهِ الرُّوحُ القُدُسُ في صُورَةٍ جَسَديَّةٍ مِثْلِ حَمَامَة، وجَاءَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ يَقُول: «أَنْتَ هُوَ ٱبْنِي الحَبِيب، بِكَ رَضِيت»”.

سر المعمودية.. موت عن الإنسان القديم وقيامة في المسيح
يُعتبر سِرُّ المعمودية في المفهوم الكنسي واللاهوتي بابَ الأسرار وجسر العبور من الظلمة إلى النور؛ فهو ليس مجرد طقسٍ للتطهير بالماء، بل هو فعلُ “انعتاقٍ” كليّ من سلطة الإنسان القديم—إنسان الخطيئة الجدّية (الأصلية) التي ورثتها البشرية وسقطت تحت ثقلها. فبالتغطيس في مياه المعمودية، يُدفَن الإنسان العتيق بكل شهواته وميوله الانفصالية عن الله، لِيُولد من رحم الماء والروح “إنسانٌ جديد” مُصالحٌ مع الخالق، ومُلبَسٌ ثوب البرّ والقداسة. إن معمودية السيد المسيح في نهر الأردن لم تكن لحاجةٍ فيه للتوبة، وهو القدوس المنزه عن الخطيئة، بل كانت تدشيناً لهذا الطريق الخلاصي؛ حيث نزولُه إلى الماء كان بمثابة غسلٍ لطبيعتنا البشرية، وصعودُه منه كان إعلاناً لانتصارنا على الموت الروحي، ليصبح كل مَن يعتمد باسمه شريكاً في بنوته الإلهية ووارثاً للحياة الأبدية.

موقع اعتماد المسيح
يضع التقليد المسيحي المتواتر منذ القرن الثالث محل اعتماد المسيح قرب المخاضة السفلى على بُعد خمسة أميال من البحر الميت، وعلى هذا بُني هناك دير يوحنا المعمدان للروم الأرثوذكس. سمّى السريان هذا العيد “دنحو” ومعناه بالعربية “الدنح” أي “الظهور”، وترجمته باليونانية “إبيفانيا” ثم بلغات أوروبية “إبيفاني”، وهو اسم هذا العيد فيها جميعاً. أما اسم “الغطاس” ففيه إشارة إلى تغطيس المسيح في نهر الأردن لاعتماده على يد يوحنا.

يوحنا المعمدان يعمد ويمهد الطريق للمسيح
إنجيل القديس مرقس (1/ 1-11): “هَذِهِ بِدَايَةُ البِشَارَةِ عَنْ يَسُوعَ المَسِيحِ ابْنِ اللهِ. فَكَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي كِتَابِ النَّبِيِّ إِشَعْيَاءَ: «هَا أَنَا أُرْسِلُ رَسُولِي قُدَّامَكَ لِيُعِدَّ الطَّرِيقَ.» «صَوْتُ إِنْسَانٍ يُنَادِي فِي البَرِّيَّةِ وَيَقُولُ: أَعِدُّوا الطَّرِيقَ لِلرَّبِّ، اجْعَلُوا السُّبُلَ مُسْتَقِيمَةً مِنْ أَجْلِهِ.» جَاءَ يُوحَنَّا المَعْمَدَانُ يُعَمِّدُ فِي البَرِّيَّةِ، وَيُطَالِبُ النَّاسَ بِأَنْ يَتَعَمَّدُوا كَدَلِيلٍ عَلَى تَوْبَتِهِمْ لِغُفْرَانِ الخَطَايَا. وَخَرَجَ إِلَيْهِ جَمِيعُ سُكَّانِ قُرَى إِقْلِيمِ اليَهُودِيَّةِ، وَمَدِينَةِ القُدْسِ. وَكَانَ يُعَمِّدُهُمْ فِي نَهْرِ الأُرْدُنِّ بَعْدَ أَنْ يَعْتَرِفُوا بِخَطَايَاهُمْ.كَانَتْ ثِيَابُهُ مِنْ وَبَرِ الجِمَالِ، وَعَلَى وَسَطِهِ حِزَامٌ مِنْ جِلْدٍ، وَيَأْكُلُ الجَرَادَ وَالعَسَلَ البَرِّيَّ. وَكَانَ يُعْلِنُ وَيَقُولُ: «سَيَأْتِي بَعْدِي رَجُلٌ أَعْظَمُ مِنِّي، وَأَنَا لَسْتُ مُسْتَحِقًّا أَنْ أَنْحَنِيَ وَأَحُلَّ رِبَاطَ حِذَائِهِ. أَنَا عَمَّدْتُكُمْ فِي المَاءِ، أَمَّا هُوَ فَسَيُعَمِّدُكُمْ فِي الرُّوحِ القُدُسِ.» وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ، جَاءَ يَسُوعُ مِنْ بَلْدَةِ النَّاصِرَةِ الَّتِي فِي إِقْلِيمِ الجَلِيلِ، وَتَعَمَّدَ عَلَى يَدِ يُوحَنَّا فِي نَهْرِ الأُرْدُنِّ. وَفِي لَحْظَةِ خُرُوجِهِ مِنَ المَاءِ، رَأَى السَّمَاءَ مَفْتُوحَةً، وَرَأَى الرُّوحَ القُدُسَ نَازِلاً عَلَيْهِ عَلَى هَيْئَةِ حَمَامَةٍ. وَجَاءَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ: «هَذَا هُوَ ابْنِي المَحْبُوبُ الَّذِي أَنَا رَاضٍ عَنْهُ كُلَّ الرِّضَا.»”

موقع المغطس
تم الكشف مؤخراً عن معلومات مهمة جداً عن منطقة “بيت عنيا عبر الأردن” حيث كان يوحنا المعمدان يبشر ويعمد في الفترة الأولى من بشارته. وقد تم الكشف عن هذه المعلومات على أثر الحفريات التي تمت على امتداد “وادي الخرار” منذ عام 1996. وقد أشارت الأدلة الواردة في النص الإنجيلي، وكتابات المؤرخين البيزنطيين ومؤرخي العصور الوسطى، وكذلك الحفريات الأثرية التي أجريت مؤخراً، إلى أن الموقع الذي كان يوحنا المعمدان يبشر ويعمد فيه، بما في ذلك اعتماد السيد المسيح، يقع شرقي نهر الأردن. يتحدث إنجيل يوحنا عن “بيت عنيا عبر الأردن”، ويشار هنا بعبارة “عبر الأردن” إلى الضفة الشرقية من النهر. وفي إشارة لاحقة إلى الموقع نفسه على الضفة الشرقية، يقول إنجيل يوحنا إن السيد قد ذهب أيضاً إلى عبر الأردن حيث كان يوحنا المعمدان يعمد في البداية، وأقام هناك. وخلال الحفريات التي جرت في الأردن عام 1997، تم العثور على سلسلة من المواقع القديمة المرتبطة بالمعمودية على امتداد وادي الخرار شرقي النهر. كذلك تم الكشف عن دير بيزنطي في موقع “تل الخرار” الذي أشير إليه باسم “بيت عنيا عبر الأردن”. يقع هذا الموقع على بعد حوالي كيلومترين شرقي النهر، وهناك عدد من الينابيع الطبيعية تشكل بركاً يتدفق منها الماء إلى الوادي وتصب في نهر الأردن.

تلة إيليا
وادي الخرار هو الاسم الحديث لـ “سافسافاس” (Saphsaphas) والذي يظهر على خريطة الفسيفساء في مادبا. يقع الموقع شرقي نهر الأردن، غربي قرية الكفرين، وليس بعيداً عن أريحا. وفي بداية وادي الخرار توجد تلة تُعرف بـ “جبل مار إلياس”، وهي التلة التي صعد منها النبي إيليا إلى السماء. تدفق الحجاج على هذا المكان منذ زمن طويل، وخاصة أيام الحملات الصليبية. وقد وصف الأب دانيال (حاج روسي عام 1106م) المكان قائلاً: “يوجد المكان الذي اختطف فيه النبي إيليا إلى السماء في عربة من نار، وهناك أيضاً الكهف الذي عاش فيه القديس يوحنا المعمدان”.

مغاطس المعمودية وكنيسة يوحنا المعمدان
توجد ثلاث برك في تل الخرار تعود للعهدين الروماني والبيزنطي، صُممت بحيث ينزل الحجاج إليها للتعمّد. واكتشف المنقبون بقايا دير بيزنطي يضم كنيسة بُنيت في عهد الإمبراطور أنسطاسيوس على مسافة 300 متر شرق النهر، وهي من أهم الكنائس المرتبطة بالموقع التقليدي للمعمودية. كما توجد بقايا “دير روتوريوس” (القرن 5-6 م) الذي يتبع اليوم الكنيسة الأرثوذكسية.

القديسة مريم المصرية
ترتبط بالمنطقة قصة القديسة مريم المصرية التي عاشت حياة الخطيئة في الإسكندرية ثم تابت في القدس، وعبرت نهر الأردن لتعيش 47 عاماً في الصحراء الأردنية مصلية وصائمة. عثر عليها الراهب “زوسيما” وناولها القربان قبل وفاتها، وتقول الأسطورة إن أسداً ساعده في حفر قبرها.

تقاليد عيد الغطاس في لبنان
للغطاس في عادات اللبنانيين وتقاليدهم وممارستهم الفولكلورية مركز مرموق، وذكر مستفيض (كتاب معاني الأيام لفؤاد افرام البستاني/الجزء الأول)
مرور المسيح: دايم دايم (أي ليكن سرورُكم واغتباطكم دائماً)
من أقدم الاعتقادات اللبنانية، في ما يتعلق بيوم الغطاس أن المسيح يمر في منتصف تلك الليلة فيبارك الأسر التي تكون في انتظاره أي ساهرة حتى منتصف الليل، في البهجة والسرور، فيقول: “دايم! دايم!” أي ليكن سرورُكم واغتباطكم دائماً. أما العيال التي تنام، وتُقفل أبوابها، وتطفيء مصابيحها، فلا تنال البركة. من هنا كان بعض اللبنانيين يسمُّن ليلة الغطاس “ليلة القَدَّر” ويوالون فيها الابتهالات والطلبات. ويقولون في أسمارهم وحكاياتهم أن جميع الأشجار تسجد للمسيح في مروره تلك الليلة ما عدا شجرة التوت. ولهذا فهم ينسبونها للكبرياء والعتوّ، وينتقمون منها بتكسير حطبها وإشعاله في تلك الليلة بنوع خاص. وتشمل بركة المسيح في مروره مُؤن العيلة ومدَّخراتها، فتجعل مخزوناتها مستفيضة “دايم دايم”. فلا يدنو منتصف الليل حتى تسرع أمهات العيال إلى “بيوت المونة”، فيُقبلن على كوادر الحنطة، وسائر الحبوب، وخوابي الزيت، والزيتون، ودِنان الخّمر أو مُشتقات العرق، وبلاليص السمن، وبراني القّوّرْمة، وسلال الزبيب، فيُحرّكن ما فيها مردّدات: “دايم دايم” فتفيض البركة، وتدوم المؤونة.

بعض الجوانب اللاهوتية والتاريخية لواقعة العّماد
لماذا تعمّد يسوع وهو بلا خطيئة؟
تؤكد الكنيسة أن يسوع لم يتعمد طلباً للتوبة (لأنه منزه عنها)، بل “ليكمل كل بر”. بمعموديته، قدّس يسوع مياه الأردن وجعلها قادرة على منح الولادة الجديدة للبشر. هو لم يتطهر بالماء، بل الماء هو الذي تطهر بلمسه.
ظهور “الثالوث الأقدس”
يُسمى العيد “عيد الظهور الإلهي” (Theophany) لأن الأقانيم الثلاثة ظهرت معاً لأول مرة بشكل علني: الابن في الماء، الروح القدس على هيئة حمامة، وصوت الآب من السماء.
الرمزية التاريخية لنهر الأردن
اختيار نهر الأردن ليس عشوائياً؛ فهو النهر الذي عبره يشوع (بديل موسى) ليدخل شعب إسرائيل أرض الموعد. يسوع (يشوع الجديد) يعبر النهر ليدخل بالبشرية إلى ملكوت السماوات (أرض الموعد الحقيقية).
تسمية “الدنح”
كلمة “دنحو” السريانية تعني “الإشراق” أو “البزوغ”. وهي تعبر عن بزوغ نور المسيح للعالم عند بدء رسالته العلنية التي انطلقت من المعمودية.

*ملاحظة/المعلومات الواردة في المقالة منقولة عن العديد من المراجع الكنسية والاهوتية والبحثية والإعلامية الموثقة/المقالة التي في أعلى هي من أرشيف عام 2015

*الكاتب ناشط لبناني اغترابي
*عنوان الكاتب الألكتروني
phoenicia@hotmail.com
عنوان موقع الكاتب الألكتروني
https://eliasbejjaninews.com

Share