web analytics
Home رسائل رأي عام/Public Opinion Letters شبل الزغبي: من اتفاق القاهرة إلى سلاح حزب الله: عندما يكرّر لبنان...

شبل الزغبي: من اتفاق القاهرة إلى سلاح حزب الله: عندما يكرّر لبنان انتحاره الوطني

3

من اتفاق القاهرة إلى سلاح حزب الله: عندما يكرّر لبنان انتحاره الوطني
شبل الزغبي/ 22 كانون الثاني/2026

حين سأل وزير خارجية لبنان نظيره الإيراني: “هل ترضى إيران بوجود تنظيم مسلّح غير شرعي على أراضيها؟” لم يكن السؤال دبلوماسياً بقدر ما كان مرآة فاضحة لتاريخٍ لبنانيٍّ مليءٍ بالأخطاء القاتلة. سؤال أعاد إلى الذاكرة فوراً تلك اللحظة السوداء في تاريخنا الحديث، حين قرّر لبنان، وحده بين دول الطوق، أن يفتح أرضه وسلطته وسيادته لمنظمة التحرير الفلسطينية، بعدما رفضتها مصر والأردن وسوريا. ما لم يُسمح به في عواصم كبرى، سُمح به في بيروت، وما مُنع عن دول قوية، فُرض على دولة هشة… فكان الثمن لبنان.

اتفاق القاهرة لم يكن تسوية، بل كان استسلاماً مقنّعاً. سلّمت الدولة اللبنانية الجنوب، لا لعدو خارجي، بل لتنظيم مسلّح يعمل خارج سلطتها، خارج جيشها، وخارج قرارها الوطني. تحت شعار “الكفاح المسلح” فُتح الباب أمام دولة داخل الدولة، وسلاح فوق الدولة، وقرار حرب وسلام لا يمرّ عبر المؤسسات.
لم يحرّر الجنوب، بل دمّره. لم يحمِ لبنان، بل استجلب عليه الاجتياحات والدمار والقتل والتهجير. من الجنوب بدأت الشرارة، وفي بيروت انفجرت الحرب، وعلى امتداد الوطن سال الدم اللبناني باسم قضايا لا يملك اللبناني حق تقريرها. كان المواطن اللبناني يدفع ثمن حروب لا يريدها، ويُقتل في معارك لم يخترها، ويُهجّر من أرضه بقرارات لم يشارك فيها.

التاريخ لا يرحم الغافلين، لكنه يعاقب المكرّرين. اليوم، بعد عقود، نعيش النسخة نفسها مع اختلاف الأسماء. خرج الفلسطيني المسلّح، ودخل “المقاوم” المدعوم من إيران. تغيّرت الشعارات، لكن النتيجة واحدة: سلاح غير شرعي، قرار خارج الدولة، حدود مفتوحة، وحروب تُخاض باسم لبنان من دون أن يقرّرها لبنان. كما بالأمس، لا دولة تحاسب، ولا سلطة تمنع، ولا شعب يُسأل إن كان يريد الحرب أم لا. والمفارقة المرّة أننا نشاهد الفيلم نفسه، بممثلين جدد، ونتظاهر بأننا لا نعرف النهاية.

يومها قيل إن الدولة اللبنانية كانت ضعيفة. نعم، كانت ضعيفة، لكنها كانت موجودة. كان هناك قرار سياسي ارتضى التنازل، ووقّع، وشرعن، وخضع للضغط الإقليمي. واليوم؟ الدولة أضعف، لكن الجريمة أكبر، لأن التجربة حصلت، والنتائج كانت كارثية، والدمار لا يزال شاهداً. ومع ذلك، نصرّ على الخطأ نفسه، ونمشي بعيون مفتوحة نحو الهاوية نفسها.
الفرق الوحيد أننا لم نعد نملك حتى عذر الجهل. كل الدروس أمامنا، وكل الشواهد حاضرة، وكل الشهداء والضحايا يصرخون من قبورهم: لا تكرّروا الخطأ. لكننا نصمّ آذاننا، ونغمض عيوننا، ونواصل المسيرة نحو الانتحار الوطني.

من الاحتلال السوري الذي صادر القرار السياسي، إلى الاحتلال الإيراني الذي صادر قرار الحرب والسلم، لبنان لم يعرف يوماً معنى السيادة الكاملة. كل مرة يُقنعوننا أن السلاح “مؤقت”، وأن القضية “أكبر من لبنان”، وأن التضحية “واجب وطني”. وفي كل مرة، تكون النتيجة واحدة: دولة منهارة، اقتصاد مدمّر، شباب مهاجر، ودم لبناني رخيص بلا ثمن. المأساة أن اللبناني تعلّم أن يقبل بدور الضحية، وأن يصدّق أن وطنه ساحة معركة طبيعية للآخرين، وأن سيادته رفاهية لا يستحقها. تعلّم أن يُبرّر احتلال وطنه باسم قضايا لا تخصه، وأن يدفع ثمن طموحات الآخرين بدمه وعمره ومستقبل أولاده.

لبنان لا يحتاج بطولات وهمية ولا خطابات خشبية. يحتاج شجاعة الاعتراف. الاعتراف بأن تسليم الجنوب لمنظمة التحرير كان جريمة وطنية، وبأن القبول بسلاح حزب الله خارج الدولة هو استمرار للجريمة نفسها. يحتاج قراراً واحداً بسيطاً وصعباً في آن: لا سلاح إلا سلاح الدولة، ولا قضية تعلو فوق قضية بقاء لبنان. وإلا، سنستيقظ بعد سنوات، كما استيقظنا بعد اتفاق القاهرة، نسأل السؤال نفسه: كيف وصلنا إلى هنا؟ والجواب سيكون أكثر إيلاماً… لأننا كنّا نعرف، وصمتنا، وكرّرنا الخطأ، ثم بكينا على وطنٍ اخترنا، مرة أخرى، أن نضيّعه بأيدينا.

السؤال الحقيقي اليوم ليس عمّا إذا كان لبنان قادراً على استعادة سيادته، بل عمّا إذا كان يريد ذلك فعلاً. لأن السيادة قرار قبل أن تكون قدرة، وإرادة قبل أن تكون إمكانية. وما لم يحسم اللبنانيون خيارهم بوضوح، فإن التاريخ سيكرّر نفسه، والضحايا سيتكاثرون، ولبنان سيبقى رهينة لمن يملك السلاح، لا لمن يملك الحق.

Share