web analytics
Home رسائل رأي عام/Public Opinion Letters شبل الزغبي/حين يتحوّل السلاح إلى عدوّ الوطن

شبل الزغبي/حين يتحوّل السلاح إلى عدوّ الوطن

10

حين يتحوّل السلاح إلى عدوّ الوطن
شبل الزغبي/19 كانون الثاني/2026

لم يعُد نعيم قاسم يدافع عن “مقاومة”، بل عن قوة مبتورة يبحث عن دور لها في الداخل، بعدما فقد عدوّه الحقيقي. لم يعُد سلاح حزب الله موجَّهًا نحو إسرائيل، بل موجَّهًا بوقاحة نحو اللبنانيين، يُشهَر في وجوههم كلما طالبوا بدولة، وكلما تجرّأ مسؤول على التذكير بأن لبنان ليس مزرعة ولا ساحة مفتوحة لمشاريع خارجية.

أيّ كذبة أكبر من تبرير سلاحٍ شمال الليطاني؟ وأين إسرائيل هناك؟ بل إن الحزب نفسه، وفي لحظات الحقيقة، طمأن المستوطنات الإسرائيلية الشمالية، بينما يُصعِّد خطابه ضد اللبنانيين، ويهدّدهم بالحرب الأهلية إن لم يصمتوا. هذا ليس ردعًا، بل إرهاب سياسي، وليس مقاومة بل وصاية مسلَّحة، تُبقي البلد رهينة الخوف والفوضى. ومن المفارقات المُرّة أن الشعب الذي يُفترَض أن “يحميه “هذا السلاح، صار يدفع ثمن وجوده: اقتصادًا منهارًا، وعزلة دولية، وحياة معلّقة بين قرارات تُتّخذ في طهران لا في بيروت. السلاح الذي يُرفَع شعارًا للكرامة، صار أداة لمصادرة كرامة شعب بأكمله، يُحرَم من حقّه في بناء دولة طبيعية تعيش بسلام وتتحكّم بمصيرها.

الهجوم الوقح لنعيم قاسم على وزير الخارجية ليس خلافًا سياسيًا، بل إعلان تمرُّد صريح على الدولة. رسالة واضحة تقول: لا حكومة تعلو على السلاح، ولا دستور يقيّدنا، ولا قرار وطني يُلزمنا. كلّ مَن يعترض يُخوَّن، وكلّ مَن يرفع صوته يُهدَّد، وكلّ مَن يطالب بحصر السلاح بيد الجيش يُتَّهم بالعمالة. هكذا تُدار الميليشيات… لا الدول. والأخطر من ذلك، أن هذا المنطق يقتل أيّ أمل بمستقبل. كيف لشباب لبناني أن يحلم ببناء مستقبل في بلد قد يُجرّ إلى حرب لم يقرّرها؟ كيف لمستثمر أن يثق في اقتصاد مرهون بتوازنات إقليمية لا يملك فيها لبنان قرارًا؟ السلاح غير الشرعي لا يحمي السيادة، بل يلغيها، ولا يبني دولة، بل يمنع قيامها. اللبنانيون لم يعودوا مخدوعين. “توازن الرعب” سقط، وورقة حماية لبنان احترقت. الحزب فشل في فرض دولة الفقيه، فاختار تدمير فكرة الدولة نفسها. لأن الدولة تعني محاسبة، والسلاح غير الشرعي لا يعيش في ظلّ المحاسبة. لذلك يُراد للبنان أن يبقى هشًّا، معطوبًا، بلا سيادة، بلا قضاء، وبلا قرار. لبنان محكوم بمنطق القوّة، لا بمنطق الحقّ، وهذا هو جوهر الأزمة: أن يُحكَم وطن بسلاح حزب، لا بمؤسسات دولة.

الخطر لم يعُد إسرائيليًا كما يُشاع، الخطر أصبح من الداخل، مفروض بقوّة السلاح، ومُغلَّف بخطاب ديني-أيديولوجي يبرّر القمع باسم “المقاومة”، بل ايضاً عندما يفرض على شعبه الاختيار بين الصمت أو الفوضى. في النهاية، لن يسقط لبنان دفعة واحدة، بل قطعة قطعة: قانون يُهان، وزير يُهدَّد، معارض يُخرَس، وشعب يُدفَع إلى اليأس. وحين يستفيق الجميع، سيكتشفون أن السلاح الذي قيل إنه لحمايتهم، كان السكّين المغروس في خاصرةِ وطنٍ أراد الحياة… فنُحرَ باسم المقاومة.

المقاومة الحقيقية اليوم، هي مقاومة هذا المنطق. هي أن يقف اللبنانيون، بكلّ طوائفهم ومناطقهم، ويقولوا: كفى. نريد دولة، لا ولاية سلاح. نريد قرارًا وطنيًا، لا أوامر خارجية. نريد جيشًا يحمينا جميعًا، لا ميليشيا تُخضعنا جميعًا. لأن الوطن الذي لا يملك قراره، ليس وطنًا… بل ساحة انتظار لحروب الآخرين.

Share