لم يكن خطاب الشيخ نعيم قاسم الأخير مجرّد زلّة لسان أو انفعال عابر، بل كان إعلاناً فاضحاً لحالة انفصال كامل عن لبنان الدولة، وتمرّداً وقحاً على اللبنانيين كشعب، وعلى مؤسساتهم وقراراتهم وكرامتهم الوطنية. هو خطاب خرج من قاموس الشارع، لا من موقع مسؤول سياسي، وتعمّد أن يكون صدامياً، فظّاً، ومشحوناً بلغة الاستعلاء والفرض بالقوة. حين يقول قاسم إن سلاح “حزب الله” باقٍ “غصباً عن رقاب اللبنانيين”، فهو لا يعبّر عن موقف سياسي، بل يوقّع عملياً على وثيقة احتلال داخلي. هذه العبارة وحدها تكفي لإسقاط كل أقنعة “المقاومة” و”الحماية” و”الدفاع عن الوطن”، وتكشف الحقيقة العارية: نحن أمام تنظيم مسلّح يرى اللبنانيين رعايا، لا مواطنين، ويرى الدولة عقبة يجب كسرها لا مرجعية يُحتكم إليها.
من خطاب سياسي إلى بلطجة كلامية
ما سُمّي خطاباً لم يكن سوى رزمة من الشتائم النابة والشوارعية وهروب إلى الأمام. قاسم لم يناقش، لم يجادل، لم يحاجج، بل شتم وهدّد ولوّح بالحرب الأهلية، وكأن لبنان مزرعة خاصة، وكأن الدم اللبناني مجرّد أداة تفاوض. استهدف رئيس الجمهورية، وهاجم وزير الخارجية، ونصّب نفسه وصياً على الحكومة، آمراً إياها إمّا بالإذعان، أو بالإسكات، أو بالتغيير. هذه ليست لغة قيادة، بل لغة ميليشيا مأزومة. وليست قوة، بل دليل ضعف وخوف. فكلما ضاق الخناق على راعي الحزب الإقليمي في طهران، ارتفعت نبرة الصراخ في الضاحية الجنوبية حيث مقر الحزب. وكلما اقترب الاستحقاق الجدي لحصر السلاح بيد الدولة، خرج علينا قاسم مهدداً بـ”لن يبقى حجر على حجر”.
السلاح عبء وتهديد
الأخطر في خطاب قاسم ليس وقاحته وغربته عن الواقع والقدرات، بل استخفافه العلني بكل ما هو لبناني وسلم أهلي وتبعية استعبادية للإملاءات الإيرانية:
هو استهان بالقرارات الدولية وقفز فوقها، داس على اتفاقية الهدنة التي تلزم لبنان وتمنع أي تنظيم مسلّح خارج الشرعية، سخر من الإجماع العربي والدولي، تجاهل القوة العسكرية الإسرائيلية، و أهان واستهزأ بإرادة غالبية اللبنانيين الذين يريدون دولة طبيعية بلا سلاح منفلت وبلا ميليشيات لا تعرف غير الغباء والحقد وتمجد وتقدس الموت الإنتحاري.. فحين يتحدّى قاسم الدولة ويعلن أن سلاحه خارج أي نقاش، فهو يعترف ضمناً أن هذا السلاح لم يعد له أي وظيفة وطنية، بل وظيفة واحدة: حماية منظومة الحزب ودويلته، ولو على أنقاض لبنان.
تخوين السيادة… لتغطية الهزيمة
عاد قاسم إلى أسهل الأسلحة: التخوين. كل من يطالب بسيادة الدولة هو “عميل”. كل من يعمل دبلوماسياً هو “أداة”. كل من يرفض سلاحه هو “محرّض على الحرب الأهلية”. لكن الحقيقة أوضح من أن تُغطّى بالشتائم: مشروع الحزب وصل إلى طريق مسدود، وأوهام “النصر” لم تعد تطعم شعباً جائعاً، ولا تعيد مدينة مدمّرة، ولا تنقذ اقتصاداً منهاراً.
ماذا بعد هذا التحدّي؟
بعد هذا الخطاب، لم يعد الصمت خياراً، ولا المواربة مقبولة. ما قاله نعيم قاسم يفرض على الحكومة اللبنانية خطوات حازمة وواضحة، لا بيانات رمادية:
طرد وزراء حزب الله وحركة أمل من الحكومة فوراً، لأن من يهدد الدولة لا يمكن أن يكون شريكاً في إدارتها. إعلان رسمي وصريح لانتهاء حالة الحرب مع إسرائيل، ووضع حد لاستخدامها ذريعة لبقاء السلاح. تصنيف حزب الله تنظيماً إرهابياً على المستوى الوطني، انسجاماً مع سلوكه التهديدي والانقلابي.
اعتقال قادة الحزب المتورطين في تهديد السلم الأهلي وإحالتهم إلى القضاء، لا مكافأتهم بالمناصب.
الخلاصة
خطاب نعيم قاسم لم يكن دفاعاً عن “مقاومة”، بل إعلان عداء صريح للبنان. لم يكن استعراض قوة، بل نوبة هلع سياسي. ولم يكن موجهاً لإسرائيل أو الخارج، بل إلى اللبنانيين أنفسهم، وكأنه يقول لهم: “الدولة انتهت، ونحن البديل”. وهنا بيت القصيد: إمّا دولة، وإمّا نعيم قاسم. إمّا قانون، وإمّا منطق “غصباً عن رقابكم”. والتاريخ لا يرحم المترددين. **الكاتب ناشط لبناني اغترابي عنوان الكاتب الألكتروني Phoenicia@hotmail.com رابط موقع الكاتب الالكتروني على الإنترنت https://eliasbejjaninews.com