من القطيع إلى الانهيار: درس لم نتعلّمه بعد … كيف دَمّر من يُشبهوننا لبنان
شبل الزغبي/17 كانون الثاني/2026
حين أراد الذئب تعليم صغيره دروساً في الحياة، أخذه إلى قطيع الأغنام. أراه اللحم السهل وقال له إن الشبع ممكن، ثم أشار إلى الراعي محذراً من عصاه المؤلمة. وحين لمح الكلب الواقف قرب القطيع، قال الصغير ببراءة: “هذا يشبهنا يا أبي”. فجاءه الجواب القاسي: “اهرب حين ترى هذا الكائن، فكل ما عانيناه في حياتنا كان سببه أولئك الذين يشبهوننا ولا ينتمون إلينا”.
هذه ليست حكاية عن الغابة، بل عن الغابة في وطن إسمه لبنان.
لم يُدمَّر هذا البلد على يد أعداء واضحين، ولا سُرق مستقبله فقط بعصا السلطة الغاشمة أو بفوهة السلاح غير الشرعي. الكارثة الحقيقية صُنعت على أيدي من وثقنا بهم لأنهم “منّا”، لأنهم يتكلمون لغتنا، ينتمون إلى طوائفنا، يزورون بيوتنا في المواسم الانتخابية، ويحلفون بأقدس ما لدينا أنهم صوتنا في الدولة. هؤلاء لم يكونوا ذئاباً ولا رعاة، بل كلاب حراسة لبسوا جلد الناس ليحرسوا القطيع… ضد القطيع.
انتخبناهم على أساس الشبه لا على أساس الكفاءة، على أساس الانتماء لا على أساس البرنامج، على أساس الخوف لا على أساس المصلحة الوطنية. فكانت النتيجة أن صار البرلمان نادياً مغلقاً لحماية المصارف، والحكومة مكتب خدمات لتبييض الفساد، والدولة هيكلاً فارغاً تُدار من خارجه. بيعت السيادة، سُرقت الودائع، انهارت العملة، تلاشى القضاء، وتحوّل المواطن إلى متسوّل حقوق في وطن كان يُفترض أن يكون دولة.
السياسي اللبناني الذي يشبهك في الاسم والطائفة والمنطقة هو غالباً أخطر عليك من خصمك المعلن. الخصم تعرفه فتتحصّن منه، أما هذا فيدخل بيتك، يجلس إلى مائدتك، يستعير صوتك، ثم يطعن مستقبلك بلا تردّد. يرفع شعار السيادة وهو يسلّم القرار، يتغنّى بالإصلاح وهو شريك في النهب، يبكي على الدولة وهو أول من عطّلها، يتحدث عن “المقاومة” أو الاستقرار أو العيش المشترك فيما هو يحمي ميليشيات مسلحة غير شرعية ومنظومة الخراب ذاتها.
لسنوات، أقنعونا أن المشكلة خارجية، أن الخطر دائماً من الآخر، أن الانهيار سببه عدو هنا أو مؤامرة هناك. والحقيقة أن الانهيار بدأ يوم سلّمنا مصيرنا لمن يشبهوننا شكلاً ولا ينتمون إلى وجعنا ولا إلى أحلام أولادنا. هؤلاء لم يكونوا خطأً عابراً في الاختيار، بل جريمة سياسية متكررة ارتكبناها بحق أنفسنا.
لبنان لا يحتاج إلى زعماء يشبهون جمهورهم، بل إلى ممثلين يخافون من الناس لا على انفسهم، لا يحتاج إلى خطباء طائفيين، بل إلى رجال دولة. لا يحتاج إلى من يحرس القطيع لمصلحة الراعي، بل إلى من يكسر العصا ويطرد الكلب معاً. كل استحقاق انتخابي لا يُبنى على هذا الوعي هو إعادة إنتاج للكارثة نفسها بأسماء جديدة ووجوه قديمة.
في الغابة، يتعلم الذئب الصغير أن يميّز الخطر الحقيقي، أما في لبنان، فما زال كثيرون يخطئون العدو. الخلاص يبدأ حين ندرك أن أسوأ من يسرقك هو من أقنعك أنه يشبهك، وأن أخطر خيانة ليست من الخصم، بل من المُمثل الكاذب. حينها فقط، يمكن لهذا البلد أن يخرج من القطيع ويستعيد حقه في أن يكون وطناً لا فريسة.