من عون الأول إلى عون الثاني: لبنان يُباع بالصفقات البحرية لحماية سلاح حزب الله
ديما حسين صلح/جنوبية/14 كانون الثاني/2026
حين تلتزم السلطة الصمت في لحظة يُفترض أنها سيادية، فذلك ليس عجزاً بل قراراً، وحين تتقدّم ملفات حسّاسة بالتوازي من دون تفسير منطقي، فذلك لا يعني تنسيقاً عشوائياً بل تنفيذاً دقيقاً لمسار واحد. ما يحدث في لبنان اليوم لا يُدار تحت الضوء، لأن الضوء يفضح. نحن أمام ترتيب محسوب، تُقطَّع فيه التنازلات، ويُعاد فيه توزيع الأدوار، بحيث يبقى السلاح حيث يجب أن يبقى، وتُدفَع الأكلاف في أماكن أقل ضجيجاً… كالبحر.
السلاح وخطوط الانفجار الداخلي
واليوم، تصريح محمود قماطي، الذي حذّر فيه من أن أي مسار لنزع سلاح الحزب قد يؤدي إلى حرب أهلية، يضع لبنان أمام حقيقة صارخة تقول إن أي خطوة غير محسوبة شمال الليطاني ليست مجرد قرار داخلي، بل شرارة محتملة. في لبنان، الرئاسة ليست موقع مواجهة، بل في كثير من المحطات كانت أداة إدارة للتوازنات المفروضة.
من ميشال عون إلى جوزاف عون: اختلاف الشكل وثبات الجوهر
من عونٍ إلى عون، تتبدّل الأساليب ولا يتبدّل الجوهر. ميشال عون افتتح هذا المسار بصفقة كاريش، حين جرى تسويق الاتفاق على أنه إنجاز وطني، فيما كانت حقيقة الأمر تثبيتاً لمعادلة قوة: الحزب يحتفظ بدوره، الخارج يحقق هدوءه، والرئاسة تحصل على “إنجاز” يُسوَّق إعلامياً.
اليوم، مع جوزاف عون، لا نشهد قطيعة مع هذا النهج، بل نسخة أكثر برودة وانضباطاً.
الليطاني: حدّ السلاح وحدّ الدولة
بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة، نُزع السلاح جنوب الليطاني، لكن التوقّف عند هذا الحد لم يكن تفصيلياً، فشمال الليطاني تحوّل إلى خط أحمر غير معلَن، حيث يبقى السلاح محميّاً، وتصبح أي محاولة لنقله أو نزع السيطرة على الحزب بمثابة قنبلة داخلية محتملة. هنا يأتي دور الرئيس نبيه بري المحوري، ضابط الإيقاع الداخلي، الذي يوازن بين الرئاسة والحزب والخارج، ويضمن أن أي خطوة نحو نزع السلاح لا تتجاوز حدود إدارة الأزمة.
البحر كبديل عن المواجهة
في هذا التوقيت بالذات، يخرج ملف ترسيم الحدود البحرية مع قبرص من خانة التأجيل ليصبح أولوية عاجلة. نحن لا نتحدث عن تفاهم قانوني عادي، بل عن مقاربة لينة لملف سيادي بالغ الحساسية، تتضمن استعداداً للتنازل عن مساحات بحرية واسعة في منطقة متداخلة المصالح، مرتبطة عضوياً بإسرائيل وشبكة الطاقة في شرق المتوسط. قبرص هنا ليست طرفاً جاراً فحسب، بل جزء من محور إقليمي يعرف كيف تُدار التسويات الصامتة، وكيف تُستثمر المفاوضات البحرية لحماية مصالح أطراف أخرى من دون أن تهتز قواعد التوازن الداخلي.
منطق التنازل المقنّع
الخطير ليس فقط حجم التنازلات البحرية، بل المنطق الذي يحكم القرار، فالدولة تتصرّف وكأن الحقوق البحرية بند قابل للتعديل، وكأن السيادة يمكن تجزئتها بحسب الحاجة. فلا دولة واثقة من قرارها العسكري تتنازل في البحر، ولا سلطة تستعيد سيادتها تبدأ بتقليص نفوذها البحري.
ما يجري هو نقل الأكلاف من ملف إلى آخر، لتجنب أي صدام مباشر، حيث يُحتفظ بسلاح الحزب شمال الليطاني، بينما يُقدَّم البحر كأداة تفاوضية على الطاولة.
مسار واحد بأدوات متعددة
الربط بين تثبيت السلاح شمال الليطاني، والليونة القصوى في ملف قبرص، وتصريح قماطي التحذيري، ليس افتراضاً، بل قراءة لمسار واحد. فحين يُحمى السلاح بالصمت، يُدفع ثمن هذا الصمت في مكان آخر، والبحر كان الخيار الأسهل لأنه بعيد عن الشارع، ويُقدَّم بواجهة تقنية لتغطية السياسة الفعلية.
المشهد الإقليمي يزيد وضوح هذا الترابط، فبعد التغيرات في سوريا، أصبح تثبيت السلاح داخل لبنان ضرورة استراتيجية لتعويض التراجع الخارجي، فيما تقبل السلطة اللبنانية، تحت ضغط الاستقرار، بلعبة توزيع الأكلاف: الحزب يحتفظ بسلاحه حيث يفيده، الخارج يُكافأ في البحر، والدولة تُقنِع نفسها بأنها جنّبت الأسوأ.
إدارة لا مواجهة
جوزاف عون لا يواجه الحزب، بل يدير العلاقة معه ضمن شبكة دقيقة من التوازنات الداخلية والخارجية، فالإدارة تعني القبول بالخطوط الحمراء، لا كسرها. عون الأول غطّى الصفقة بالكلام، عون الثاني يمرّرها بالصمت. النتيجة واحدة: رئاسة تُكيّف الدولة مع الواقع بدل أن تغيّر الواقع باسم الدولة، وتترك الشعب أمام حقائق غير قابلة للتفاوض لاحقاً.
السيادة المؤجّلة
من عون إلى عون، الجمهورية لا تُستعاد بل تُدار. السلاح باقٍ حيث تقرّر له أن يبقى، والبحر يوضع على طاولة التفاوض لأنه أقل ضجيجاً وأبعد عن المساءلة الشعبية. التصريحات الأخيرة تحذّر من انفجار داخلي محتمل، والواقع السياسي يثبت أن أي خطوة تجاه شمال الليطاني أو الحدود البحرية لن تمرّ من دون دفع ثمن باهظ. هذه ليست سياسة حكيمة، بل مسار تنازلي يُعاد تقديمه بلباس جديد كل مرة. السؤال لم يعد ماذا خسر لبنان، بل كم صفقة أخرى يمكن تمريرها قبل أن تصبح السيادة مجرد ذكرى في سجلات الدولة.