دمج الحزب بالجيش؟ عندما تتحوّل التجربة العراقية إلى إنذار لبناني
جاد الأخوي/جنوبية/14 كانون الثاني/2026
ليس أخطر على الدول الخارجة من الأزمات من الحلول السهلة التي تُسوَّق على أنها “تسويات واقعية”، فيما هي في الحقيقة وصفات مؤجَّلة للانهيار. من هذا الباب تحديدًا، يندرج الطرح المتداول حول “دمج حزب الله في الجيش اللبناني” كحل لمسألة السلاح غير الشرعي. فهذا الطرح، إن صحّ، لا يعبّر عن خروج من الأزمة، بل عن دخول الدولة في مأزق أخطر، يهدد ما تبقّى من بنيتها ومؤسساتها، وفي مقدّمها الجيش. الجيش اللبناني ليس تفصيلًا إداريًا ولا مؤسسة يمكن إعادة هندستها وفق موازين القوى السياسية. هو آخر ما تبقّى من فكرة الدولة الجامعة، وآخر مساحة مشتركة بين اللبنانيين خارج الاصطفافات الطائفية والمحاور الإقليمية. أي مساس بعقيدته، أو بوحدته، أو بحياده النسبي، يعني عمليًا ضرب العمود الفقري للدولة، لا “تحصينها” كما يُروَّج.
من نزع السلاح إلى شرعنة المشروع
يقدَّم دمج الحزب بالجيش بوصفه خطوة نحو “نزع السلاح” وإنهاء الازدواجية العسكرية. لكن التجارب الإقليمية تثبت عكس ذلك تمامًا. فدمج التنظيمات العقائدية المسلحة في الجيوش النظامية لا يؤدي إلى تفكيكها، بل إلى شرعنة نفوذها داخل الدولة، وتحويل المؤسسات الرسمية إلى امتداد لها، أو على الأقل إلى مؤسسات مشلولة وعاجزة عن مواجهتها. حزب الله ليس ميليشيا تقليدية نشأت في فراغ أمني ثم انتهى دورها. هو تنظيم عقائدي – عسكري – سياسي، مرتبط بمحور إقليمي، ويملك عقيدة قتالية عابرة للحدود، وقرارًا استراتيجيًا لا يخضع للدولة اللبنانية. السؤال البديهي هو: كيف يمكن لمؤسسة وطنية، يفترض أن تحتكر السلاح والقرار العسكري، أن تستوعب مشروعًا كهذا من دون أن تتآكل من الداخل؟
الحشد الشعبي: الدرس الذي لا يجب تجاهله
التجربة العراقية تقدّم المثال الأوضح والأكثر خطورة. فـ”الحشد الشعبي” تأسّس في ظروف استثنائية، تحت عنوان مواجهة تنظيم “داعش”، وحظي بغطاء ديني وشعبي ورسمي. لاحقًا، جرى إدماجه شكليًا ضمن المنظومة الأمنية العراقية، وأُدرج قانونيًا كجزء من القوات المسلحة.
لكن ماذا كانت النتيجة؟
بدل أن يُدمج الحشد في الدولة، اندمجت الدولة جزئيًا في الحشد. تحوّل هذا الكيان إلى قوة عسكرية – أمنية موازية، ذات ولاءات متعددة، وسلاح مستقل، وقرار سياسي خاص. بات ينافس الجيش العراقي، ويتفوّق عليه أحيانًا، ويشارك في الصراع السياسي، ويؤثر في تشكيل الحكومات، ويملك نفوذًا مباشرًا على الأرض، من المعابر إلى الاقتصاد إلى الأمن الداخلي. الأخطر من ذلك أن الجيش العراقي نفسه تضرّر: تراجعت هيبته، تشوّهت عقيدته، وتحوّل إلى طرف من بين أطراف، لا إلى مرجعية سيادية جامعة. وهذا بالضبط ما يُخشى تكراره في لبنان، حيث هشاشة الدولة أكبر، والانقسام الطائفي أعمق، والاقتصاد منهار، والجيش يعيش على دعم خارجي مشروط بثقة المجتمع الدولي بحياده واستقلاليته.
الجيش ليس أداة تسوية
الطرح القائل بدمج الحزب في الجيش يتعامل مع المؤسسة العسكرية كأنها أداة تقنية لحل أزمة سياسية، أو كـ”جائزة ترضية” في صفقة إقليمية – دولية. وهذا من أخطر ما يمكن أن يصيب أي دولة. فالجيش لا يُستخدم لتدوير الزوايا، ولا ليكون وعاءً لاستيعاب الاستثناء، بل ليكون مرجعية سيادية فوق الاستثناءات كلها.
إدخال مقاتلين حزبيين، بعقيدة وتنظيم وولاء سابق، إلى الجيش، مهما كانت الصيغة، يفتح الباب أمام:
• اختراق العقيدة العسكرية الوطنية.
• نقل الانقسام السياسي والطائفي إلى داخل المؤسسة.
• ضرب وحدة القيادة وسلسلة الأوامر.
• فقدان ثقة الداخل والخارج بالجيش.
• تهديد المساعدات الدولية التي تشكّل شريان حياة للمؤسسة.
السؤال الحقيقي
السؤال ليس: كيف ندمج الحزب بالجيش؟
بل: كيف نحمي الجيش من أن يتحوّل إلى نسخة شرعية عن ميليشيا؟
الدولة لا تُبنى بدمج السلاح غير الشرعي في مؤسساتها، بل بإنهاء هذا السلاح ضمن مسار سياسي واضح، تدريجي، وتحت سقف الدستور، وبضمانات وطنية ودولية. أي حل يتجاوز هذه القاعدة، ويقفز فوق مسألة القرار السيادي، لن ينتج دولة، بل كيانًا هجينًا، عاجزًا عن فرض سلطته أو حماية نفسه.
في النتيجة لبنان لا يحتمل تكرار التجربة العراقية، ولا يملك ترف ارتكاب خطأ استراتيجي من هذا الحجم. إذا كان المطلوب إنقاذ البلد، فالطريق لا يمر عبر تذويب الجيش في الأزمة، بل عبر تحصينه منها. الجيش يجب أن يبقى جيش الدولة… لا جيش التسويات، ولا ظلًّا شرعيًا لسلاح خارجها