من نزع السلاح إلى حصره وصولًا إلى البدعة الأخطر تحييد السلاح…تقاعس الداخل ووهم الخلاص من الخارج
ادمون الشدياق/10 كانون الثاني/2026
ما يجري في لبنان ليس نقاشًا سياديًا، بل عملية تمييع منظّمة لفكرة السيادة نفسها. بدأ الخطاب بشعار «نزع سلاح حزب الله»، وهو شعار سيادي واضح، ثم تراجع إلى «حصر السلاح بيد الدولة»، قبل أن ينتهي اليوم إلى بدعة سياسية خطيرة جديدة اسمها «تحييد السلاح». هذا التدرّج ليس تطورًا عقلانيًا ولا تسوية ذكية، بل انحدار مقصود هدفه الهروب من مواجهة أصل المشكلة: غياب الدولة وغياب القرار الوطني.
النزع سقط لأنّ أحدًا لم يمتلك الجرأة السياسية والحصر فشل لأنّ الدولة نفسها مُصادَرة. أما التحييد، فهو التحايل الأخير: لا نزع ولا حصر، بل تعليق السلاح في الفراغ، كأنّ لبنان يعيش خارج التاريخ وخارج الصراعات، وكأنّ السلاح المرتبط بمحور إقليمي يمكن فصله عن وظيفته السياسية والعقائدية بقرار لغوي.
هذه ليست سياسة، بل انسحاب جماعي من المسؤولية. الأحزاب اللبنانية، من دون استثناء فعلي، تتحمّل مسؤولية هذا الانهيار. بعضها سلّم قراره للمشروع الإيراني عبر حزب الله، وبعضها الآخر اختبأ خلف شعارات الدولة والسيادة بانتظار تدخل أميركي أو إسرائيلي أو تسوية دولية. لكن القاسم المشترك بينها جميعًا هو العجز عن الفعل، ورفض تحمّل كلفة التحرير الوطني، والاكتفاء بإدارة الأزمة بدل مواجهتها.
لنسمِّ الأشياء بأسمائها
السلاح في لبنان لم يكن ابداَ سلاح مقاومة وطنية، بل سلاح مرتبط مباشرة بالمشروع الإيراني. حزب الله ليس حالة لبنانية مستقلّة، بل تنظيم عقائدي عابر للدولة، جزء عضوي من منظومة «الحرس الثوري الإيراني»، يخضع في قراره العسكري والسياسي والاستراتيجي لولاية الفقيه. قرار الحرب والسلم في لبنان لا يُتخذ في بيروت، ولا في المؤسسات الدستورية، بل خارجها، وبما يخدم حسابات إقليمية ايرانية لا مصلحة وطنية لبنانية.
في المقابل، يخطئ من يظنّ أنّ الخلاص سيأتي من الجهة الأخرى. إسرائيل ليست جمعية خيرية، والولايات المتحدة ليست مؤسسة إنقاذ دول فاشلة. أي تدخل إسرائيلي أو أميركي في «تحضير» مستقبل لبنان لن يكون بدافع الحرص على سيادته، بل بهدف إعادة ترتيب النفوذ وضمان المصالح. ومن لا يحرّر نفسه بنفسه، يُحرَّر بشروط الآخرين. ومن لا يدفع ثمن سيادته، يدفع ثمن سيطرة وهيمنة جديدة.
اللبنانيون يعرفون هذا المسار جيدًا. حين ضعفت الدولة، ولم تتحرّك النخب، دخل ياسر عرفات (أبو عمار) فحوّل الأرض اللبنانية إلى ساحة صراع مفتوحة. وحين عجزت القيادات، جُرّ لبنان إلى معارك جمال عبد الناصر من خارج مؤسساته. وحين صمتت الأحزاب، فُرضت وصاية حافظ الأسد لعقود. واليوم، في ظل الشلل نفسه، يُصادَر القرار الوطني عبر فكر الغير مأسوف عليه حسن نصرالله ضمن مشروع إيراني معلن، فيما يجري في الوقت عينه التحضير لتسوية دولية قد تستبدل وصاية بأخرى.
الخطأ القاتل هو الاعتقاد بأنّ إسقاط وصاية عبر الخارج سيؤدّي تلقائيًا إلى دولة سيّدة. هذا وهم. الدولة التي لا تُنتج سيادتها بنفسها لا تحافظ عليها. وأي «تحرير» لا يقوم به اللبنانيون، بأيديهم، وبمشروع وطني واضح، سيكون مجرّد إعادة تموضع للهيمنة، لا خروجًا منها.
بدعة «تحييد السلاح» ليست حلًا، بل اعترافًا بالعجز. هي صيغة تُرضي الجميع إلا لبنان
تُرضي حزب الله لأنّها لا تمسّ جوهر سلاحه ولا ارتباطه. وتُرضي خصومه لأنّها تعفيهم من المواجهة. وتُرضي الخارج لأنّها تُبقي لبنان ساحة مُدارة لا دولة فاعلة.
لكن لبنان لا يحتاج إلى تحييد السلاح، بل إلى تحرير السياسة. لا يحتاج إلى تسويات لفظية، بل إلى فعل وطني جامع يعيد القرار إلى الدولة، لا عبر المحاور، ولا عبر الانتظار، بل عبر إرادة لبنانية تتحمّل الكلفة. لبنان اليوم مصلوب. مصلوب لأنّ زعاماته تقاعست عن تحريره، ولأنّ أحزابه لم تُرِد الدولة دولة فعلًا، بل إطارًا لإدارة مصالحها. وتحت أقدام هذا المصلوب، لا تقف القيادات، بل تهرب إلى البيانات، والمؤتمرات، والسفارات. لبنان لن يُنقَذ بالبيانات، ولا بالمناورات اللفظية، ولا ببدع وخدع «النزع» و«الحصر» و«التحييد». من يعتقد أنّ الخارج سيقوم بما عجز عنه الداخل إمّا واهم أو شريك في الجريمة. إسرائيل وأميركا لا تحرّران أوطانًا، بل تعيدان ترتيب النفوذ. ومن لا يحرّر نفسه بيده، يُوضَع تحت سيطرة وهيمنة جديدة، مهما تغيّرت الرايات والشعارات.
كل حزب لم يتحرّك لتحرير لبنان، لا يملك حق الادّعاء بالسيادة. كل زعامة انتظرت الخارج بدل أن تواجه، تتحمّل مسؤولية ما سيأتي. وكل من يراهن على ضربة أو صفقة أو تسوية، يوقّع مسبقًا على التخلّي عن القرار الوطني. التاريخ لا يرحم المتقاعسين، ولا يسجّل أعذار العاجزين. لبنان يُدفَع اليوم نحو لحظة حاسمة: إمّا أن يتحرّك اللبنانيون الآن، وبأيديهم، وبمشروع دولة واضح، أو يُفرَض عليهم «تحرير» من الخارج يكون في جوهره وصاية جديدة، أشدّ قسوة، وأطول عمرًا. عندها، لن ينفع الندم، ولا الخطابات، ولا الادّعاء بأنّ النوايا كانت حسنة.
تحت أقدام المصلوب، لم يبقَ وقت للبكاء. إمّا يقف يوحنا الحبيب ليؤازر أمّ المصلوب ويحفظ الحقيقة، وإمّا يُترك الوطن للذبح باسم الاستقرار.
القيامة لا تنتظر المتفرّجين. القيامة تُنتزع. ومن يفوّت هذه اللحظة، يفوّت انتصار قيامة اليوم الثالث وقيامة لبنان ويكون شريكاَ في الصلب.والسلام.