لبنان بين ثقافة الموت ومشروع الحياة لنتحرر من وهم الحرب الأبدية
شبل الزغبي/09 كانون الثاني/2026
لنتحرّر من فكرة الحرب الأبدية التي حُقنت في وعينا كأنها قدر لا فكاك منه. يريد بعض مستوردي الفكر الديني الأصولي المتحجّر، الغريب عن تاريخ لبنان وتعدديته وثقافته المنفتحة وطموح شعبه، إقناعنا بأنّ الحرب مع إسرائيل صراع ديني وجغرافي وحضاري لا نهاية له ولا حل. لكن هذه الفكرة ليست عقيدة ولا مقاومة شريفة، بل أداة سياسية محسوبة من قِبل تجار الموت لإبقائنا أسرى الخوف والجهل، وربط لبنان قسراً بمحور إقليمي دائم التوتر والصراع، وتحويله إلى ساحة صراع بالنيابة عن أجندات الآخرين.
السلام مع إسرائيل ليس خيانة، ولا تنازلاً عن الهوية، ولا سقوطاً أخلاقياً أو وطنياً. السلام شجاعة عقل وحكمة، وقرار سيادي، واختيار الحياة على الموت. الشعوب التي امتلكت الجرأة على الخروج من دوّامة الكراهية نهضت، والبلدان التي تقدّس الحروب باسم الشعارات الجوفاء سقطت أو تحوّلت إلى خرائب. فالحقوق الوطنية لا تُحمى بالفوضى ولا بالسلاح الخارج عن الشرعية ولا بالمغامرات الانتحارية الغير محسوبة، بل بدولة قوية وقانون عادل وبمؤسسات دستورية فاعلة ومحترمة.
لبنان لا يحتاج إلى مزيد من المقاتلين، بل إلى مزيد من المفكرين. يحتاج إلى مثقفين يحرّرون العقول بدل غسلها وتدجينها، وإلى خطاب يعيد الإنسان إلى مركز السياسة والقرار. التغيير الحقيقي لا يبدأ من الجبهات، بل من الداخل، من تحرّر المواطن من التبعية العمياء والخوف، من كسر ثقافة الموت التي صُدّرت إلينا كفضيلة. كفى ترداد شعارات الفناء، ولنرفع راية الحياة في وجه راية الموت. لنحوّل السلام إلى مشروع وطني جامع، يفتح أبواب الاقتصاد، يعيد الاعتبار للتعليم، يُنعش السياحة، ويمنح شبابنا سببًا للبقاء في وطنهم بدل الهجرة إلى المجهول. لا وطن يُبنى على المقابر، ولا كرامة تُحفظ بتدمير المستقبل.
لنتخيّل لبنان وهو يستعيد دوره الطبيعي بلا وصاية، بلا ميليشيات مسلحة وحروب عبثية: يجذب الاستثمارات بدل طردها، يصبح مركزًا إقليمياً رائداً للتكنولوجيا والابتكار، يطوّر موارده من النفط والغاز ضمن دولة شفافة، يعيد بناء سياحته كساحة لقاء لا ساحة صراع، يوقف نزيف هجرة العقول ويستثمر في التعليم والصحة والبحث العلمي بدل الإنفاق العبثي على السلاح وثقافة الموت.
هذا ليس حلمًا طوباوياً، بل واقع ممكن إذا امتلكنا الحكمة والشجاعة السياسية والأخلاقية. القوة الحقيقية ليست بعدد الصواريخ بل بعدد العقول، ليست بالقدرة على التدمير، بل بالقدرة على البناء، في اقتصاد منتج ومزدهر، بشعب مثقف، بمؤسسات تحاسب وبدولة سيادية تخدم مواطنيها لا مشاريع خارجية. السلام خيار استراتيجي لا ضعف، والبُناة الحقيقيون للأوطان هم من يختارون العيش والعمل والإبداع، لا من يجرّون أوطانهم إلى حروب لا تنتهي. لنحرّر عقولنا أولًا، فتتحرّر أوطاننا.
*شبل الزغبي/عضو مجلس القيادة المركزية في حزب حراس الأرز