شبل الزغبي/من اقتلاع إسرائيل إلى اغتيال القادة: الانهيار الكامل لوهم الردع

39

من “اقتلاع إسرائيل” إلى اغتيال القادة: الانهيار الكامل لوهم الردع
شبل الزغبي/06 كانون الثاني/2026

سلاح بلا نصر: حزب الله بين الهزيمة والإنكار
عندما أُغرِق اللبنانيون بسيلٍ من الوعود النارية والتهديدات الزلزالية، قيل لهم إن الجليل بات على مرمى وحدات الرضوان، وإن خزان الأمونيوم في حيفا سيُمحى، وإن أبراج تل أبيب ومباني رئاسة الحكومة ووزارة الدفاع الإسرائيلية لن تصمد أمام ساعة الصفر. شُحِنت العقول بخطاب “الردع” و”تغيير المعادلات”، وكأن الحرب المقبلة ستكون استعراض قوة لا اختبار بقاء. لكن ساعة الحقيقة جاءت معاكسة بالكامل: لا اقتحام، لا ضربات استراتيجية، ولا صور نصر، بل اغتيال ممنهج لقادة الصف الأول ثم الثاني فالثالث، وصولًا إلى أمينين عامين متتاليين، فيما الجنوب يُدمَّر، والضاحية تُستباح، وتتكشف واحدة من أفدح الضربات الاستخباراتية والعسكرية التي تلقّاها الحزب منذ تأسيسه.

كل ما قيل عن الجهوزية تبخّر، وكل ما رُوّج له عن بنك الأهداف تبيّن أنه مجرد خطاب للاستهلاك الداخلي وتخدير الجمهور. الحزب الذي ادّعى أنه يملك زمام المبادرة وخيوط اللعبة، انكشف عاجزًا حتى عن حماية قيادته وكوادره. قادة يُلاحقون، يُرصدون، ويُغتالون بدقة جراحية مذهلة، فيما التنظيم صامت أو يكتفي ببيانات إنشائية واهية لا تُغيّر شيئًا في ميزان القوة ولا تُعيد ذرة من الهيبة المفقودة. هذا ليس صمودًا ولا صبرًا استراتيجيًا، بل عجز فاضح يُغلَّف بشعارات جوفاء وأناشيد حماسية لا تُطعم جائعًا ولا تُعيد مهجّرًا.

الأخطر من الخسارة العسكرية هو الإنكار المَرَضي. إنكار الهزيمة، إنكار الاختراق الأمني الكارثي، إنكار الكلفة البشرية والعمرانية الفادحة، وكأن الحزب قرر الهروب إلى الأمام بدل مواجهة الحقيقة المُرّة والاعتراف بحجم الكارثة. الجنوب الذي قيل إنه خط الدفاع الأول والحصن المنيع تُرك وحيدًا تحت النار، والضاحية التي قيل إنها محصّنة ومحميّة تحوّلت إلى ساحة مكشوفة للقصف والتدمير، والبيئة الحاضنة التي دُفعت إلى الحرب باسم “النصر الإلهي” و”محور المقاومة” تُترك اليوم لتعدّ خسائرها الفادحة وتلملم جراحها بلا اعتراف حقيقي ولا مساءلة جدية ولا خطة واضحة للمستقبل.

ورغم كل ذلك، لا يزال حزب الله يرفض بعناد تسليم سلاحه، في وقت باتت فيه إسرائيل أقرب من أي وقت مضى إلى توجيه ضربة قاصمة قد لا تترك من بنيته العسكرية سوى الأشلاء . يرفض لأنه غير مستعد للاعتراف بالهزيمة والفشل، أو لأنه لا يريد التخلي عن السلاح الذي لم يعد أداة مقاومة ودفاع، بل صار أداة سلطة داخلية وابتزاز سياسي ومصدر نفوذ وهيمنة. سلاح لم يردع الحرب، ولم يمنع الاغتيالات المتتالية، ولم يحمِ الأرض ولا الناس ولا الكرامة، لكنه لا يزال يُستخدم بكفاءة لشلّ الدولة، ومصادرة قرارها السيادي، والتحكّم بمصير ملايين اللبنانيين دون استفتائهم أو استشارتهم.

الدولة اللبنانية، في المقابل، تبدو كأنها شاهد زور أو رهينة صامتة أو شريك مُكرَه. عاجزة عن نزع السلاح غير الشرعي، عاجزة عن فرض سيادتها على كامل أراضيها، عاجزة حتى عن حماية مواطنيها من نتائج مغامرات انتحارية وحسابات إقليمية لم يقرّروها ولم يُستشاروا فيها. تغيّر رئيس الجمهورية ولم يتغيّر الواقع المأساوي، تبدّلت الوجوه وتناوبت الحكومات وبقي البلد رهينة تنظيم مسلح يتصرّف كأنه فوق الدولة، وفوق الشعب، وفوق أي محاسبة أو قانون أو دستور. لا حرب تُقرّر في مجلس الوزراء، ولا سلم يُناقش في المؤسسات الدستورية، بل قرارات مصيرية تُتخذ في غرف مغلقة وأقبية سرية وتُفرض على ملايين اللبنانيين بالقوة الغاشمة والأمر الواقع.

هذا الحزب لم يسأل يومًا عن مصلحة لبنان الحقيقية، ولن يسأل. مشروعه عابر للحدود، وأولوياته إقليمية، وسلاحه ليس للدفاع عن الدولة اللبنانية بل لإبقائها ضعيفة، مكسورة، ومُذلّة، مفكّكة ومشلولة، تُستخدم عند الحاجة كساحة وعمق استراتيجي وتُعطَّل وتُهمّش عند الخطر. وعندما تنكشف الأكاذيب الفاضحة وتسقط الأساطير الواهية واحدة تلو الأخرى، يُطلب من الناس الصمت الأبدي والطاعة العمياء، ومن الضحايا الصبر اللامتناهي والتضحية المستمرة، ومن الدولة التواطؤ المشين والاستسلام الكامل لمنطق الأمر الواقع.

الحقيقة القاسية أن لبنان لا يُدمَّر لأنه ضعيف عسكريًا، بل لأنه مخطوف سياسيًا ومُستباح سياديًا. مخطوف بسلاح لا يخضع للمساءلة ولا للمحاسبة، وبخطاب أيديولوجي ديني يبرّر الفشل الذريع على أنه انتصار إلهي، وبطبقة سياسية عاجزة أو خائفة أو متواطئة أو مستفيدة. وما لم يُكسر هذا الواقع المُدمّر، وما لم يُستعاد القرار السيادي الحر والمستقل، وما لم تُبنى دولة حقيقية قادرة على حماية مواطنيها وفرض سلطتها، فإن كل ما سمعناه عن “الردع” و”الكرامة” و”القوة” سيبقى وهمًا فارغًا وسرابًا خادعًا، فيما البلد يُدفع مرة بعد مرة إلى حافة الانهيار والانتحار الجماعي باسم قضية لم تكن يومًا تشبه لبنان ولا تعبّر عن مصالح اللبنانيين الحقيقية ولا تحترم حقهم في العيش بأمان وكرامة على أرضهم.
لبنان يستحق دولة تحميه، لا ميليشيا تُدمّره.

*شبل الزغبي/عضو مجلس القيادة المركزية في حزب حراس الأرز

Share