نديم قطيش/من البيجرز إلى مادورو: لماذا يرتجف المرشد؟

32

من البيجرز إلى مادورو: لماذا يرتجف المرشد؟
نديم قطيش/أساس ميديا/05 كانون الثاني/2025
استيقظت طهران صباح السبت لتكتشف أنّ إمبراطوريّة “العمق الاستراتيجيّ” التي بناها الحرس الثوريّ عبر خمس مناطق زمنيّة، من المقرّات الخاصّة في بيروت إلى القصر الرئاسيّ في كراكاس، قد طوت صفحتها الأخيرة.
كأنّ المشهد، بين أيلول وكانون الأوّل 2024، الذي بدأ بتفجير أجهزة “البيجرز” في ضاحية بيروت والبقاع وبعلبك، واغتيال حسن نصرالله، ثمّ انهيار نظام بشّار الأسد وفراره إلى موسكو، استُكمل قبل ليلتين باعتقال القوّات الخاصّة الأميركيّة لرأس النظام الفنزويلّيّ نيكولاس مادورو، وشحنه إلى زنزانة في جزيرة مانهاتن، في نيويورك. يتزامن إفلاس المحفظة الاستراتيجيّة الإيرانيّة، مع مناطحة المرشد علي خامنئي، بسنواته الـ 86، اقتصاداً منهاراً وانتفاضة شعبيّة داخليّة موصولة تتجدّد كلّ سنتين أو ثلاث.
صرّاف آليّ عابر للقارّات
قدّمت فنزويلّا لإيران ثلاثة أشياء كانت في أمسّ الحاجة إليها:
شريك في التهرّب من العقوبات: غذّت حركة الناقلات الإيرانيّة الفنزويلّيّة المموّهة (أكثر من 1,400 ناقلة) والخام الفنزويلّيّ، نظامَي طهران وكراكاس بالسيولة الماليّة اللازمة، ومكّنتهما من مقاومة تبعات إغلاق النظام الماليّ الرسميّ في وجهَيهما. السفن التي طاردتها البوارج الأميركيّة في منطقة الكاريبي لشهور خلت لم تكن مجرّد أصول لتجّار المخدّرات، بل عُقدٌ استراتيجيّة في منظومة “اقتصاد ظلّ” ساعدت طهران على ترويض سياسة “الضغوط القصوى”. فقد كشف تحقيق لـ “فايننشيل تايمز” في شهر آب الفائت أنّ شبكة واحدة فقط، يديرها وسيط إيرانيّ، قامت بنقل ما لا يقلّ عن 130 مليون برميل من النفط الإيرانيّ والفنزويلّيّ إلى الصين خلال 6 سنوات، بقيمة تقريبيّة بلغت 9.6 مليارات دولار.
في هذا السياق، كشفت “عمليّة كاساندرا” (2008-2015) التي قادتها إدارة مكافحة المخدّرات الأميركيّة عن الوجه الأكثر خطورة لهذا التحالف، حيث تحوّلت فنزويلّا إلى ممرّ استراتيجيّ يربط بين حقول الكوكايين في جبال الأنديز وموانئ غرب إفريقيا، وصولاً إلى نظام الحوالات المصرفيّة في بيروت. كانت المنظومة تعمل بدقّة مذهلة: تُغسل أموال المخدّرات الفنزويلّيّة عبر شراء سيّارات مستعملة من الولايات المتّحدة وتصديرها إلى ميناء “كوتونو” في “بنين”، لتتحوّل الأرباح هناك إلى سيولة نقديّة تتدفّق عبر “نظام الحوالة” التقليديّ في كوناكري وشبكات الصرافة اللبنانيّة التابعة لـ”الحزب”. هذا المثلّث الجغرافيّ “كراكاس – كوناكري – بيروت” لم يكن مجرّد تجارة غير مشروعة، بل كان “ماكينة صرافة آليّة” عابرة للقارّات، مكّنت طهران من تمويل عمليّاتها الخارجيّة بعيداً عن الرقابة البنكيّة الدوليّة.
بُني هذا الهيكل الماليّ عبر دبلوماسيّة رئاسيّة دؤوبة جعلت كراكاس المحجّ الأوّل لزعماء طهران منذ ربع قرن. وضع الرئيس الأسبق محمّد خاتمي حجر الأساس للتحالف مطلع الألفيّة، لتشهد العلاقات حقبة العصر الذهبيّ في عهد الرئيس محمود أحمدي نجاد الذي اعتبر فنزويلّا البيت الثاني للثورة، وصولاً إلى زيارة الرئيس حسن روحاني ثمّ الزيارة التاريخيّة للرئيس الراحل إبراهيم رئيسي في حزيران 2023، والتي صُمّمت لتحمل رمزيّة كسر الطوق الأميركيّ على البلدين.
ففي عهد رئيسي تمأسس “نظام المقايضة” بين البلدين، حيث تحوّلت الرحلات الجوّيّة بين طهران وكراكاس إلى جسر جوّيّ لنقل الذهب، وثّقت التقارير من خلاله شحن نحو تسعة أطنان من السبائك الفنزويلّيّة مقابل قِطع الغيار والخبرات الفنّية. في المقابل كانت إيران المورد الوحيد لـ”المكثّفات النفطيّة” اللازمة لتسييل الخام الفنزويلّيّ الشديد الثقل، وبدون تلك الشحنات والخبرات الفنّيّة والموادّ الكيميائيّة الإيرانيّة، كانت ستتحوّل المصافي الفنزويلّيّة إلى ركام من الخردة. وبينما كان المهندسون الإيرانيّون يرمّمون تلك المنشآت المتهالكة، كانت الناقلات تغادر كراكاس محمّلة بالخام لتبييضه وبيعه في الأسواق الآسيويّة لصالح الخزينة الإيرانيّة، لتتحوّل معادلة “الذهب مقابل البنزين” إلى رئة ماليّة يتنفّس منها اقتصاد البلدين، وعُملة حقيقيّة أُضيفت إلى تلاعبهما بالعملات الرقميّة.
نية تحتيّة استخباريّة: لم تكن كراكاس مجرّد خزانة أموال، بل تحوّلت إلى منصّة عمليّات سوداء بعيداً عن الأعين الساهرة للموساد ومحطّات وكالة المخابرات المركزيّة في الشرق الأوسط. ففي مجمّعات سرّيّة بضواحي كراكاس، تعاون العملاء الكوبيّون والإيرانيّون على بناء بنية تحتيّة للتنصّت والحروب السيبرانيّة. قامت إيران بنقل تكنولوجيا طائرات “مهاجر-6″ و”أبابيل” إلى فنزويلّا، وتمّ تجميعها في مصانع تابعة للشركات العسكريّة الفنزويلّيّة. استخدمت الاستخبارات الفنزويلّيّة هذه الطائرات لمراقبة الحدود مع كولومبيا وتتبّع تحرّكات المجموعات المعارضة والمنظّمات المدعومة أميركيّاً، مع إرسال البيانات والنتائج مباشرة إلى المستشارين الإيرانيّين الموجودين في القواعد الجوّيّة الفنزويليّة. وتحت غطاء “دبلوماسيّة الهويّات”، مُنحت جوازات سفر فنزويلّيّة لعناصر من فيلق القدس و”الحزب”، ممّا أتاح لهم التحرّك كأشباح في القارّة اللاتينيّة.
من جزيرة مارغريتا التي تحوّلت إلى قاعدة لوجستيّة خلفيّة وأُطلق عليها اسم “ضاحية بيروت في الكاريبي”، إلى ممرّات جهاز المخابرات الوطنيّ الفنزويليّ، الذي أعادت طهران هيكلته، كانت فنزويلّا تمثّل “المنطقة العمياء” التي سمحت لضبّاط المخابرات الإيرانيّة بالتخطيط والتجنيد تحت أنف واشنطن، وفي مسرح عمليّات يوفّر لهم من حرّيّة الحركة ما لم يعُد متاحاً في دمشق أو بيروت. فقد رصدت تقارير استخباراتيّة اجتماعات في الجزيرة ضمّت ضبّاطاً من فيلق القدس وقادة من مجموعات “فارك (FARC)” الكولومبيّة برعاية المخابرات الفنزويليّة، هدفت إلى تبادل الخبرات في حرب العصابات المدنيّة وتأمين طرق تهريب الأسلحة الإيرانيّة عبر القارّة.
كانت كراكاس ملتقىً جغرافيّاً يسمح لضبّاط فيلق القدس بالعمل برقابة أقلّ ممّا يواجهونه في مسرح عمليّاتهم التقليديّ في سوريا ولبنان.
هدم ممنهَج للأعمدة الاستراتيجيّة
– مصداق على عالميّة مشروع المقاومة: قدّمت إيران فنزويلّا كدليلٍ على أنّ نموذج “المقاومة” يمكنه التمدّد خارج الشرق الأوسط، وأنّ المشروع الإيرانيّ مشروع عدالة وليس مشروعاً مذهبيّاً متخصّصاً في الحروب الأهليّة أو تفكيك الدول الوطنيّة. كان هذا الالتقاء بين الإسلامويّة الشيعيّة والاشتراكيّة البوليفاريّة على قضيّة مشتركة ضدّ “الشيطان الأكبر”، هو البعد التنظيريّ العقائديّ لمحور المقاومة ومنصّة تعبئة واستنهاض تقول “للمستضعَفين” إنّ لدى الإمبراطوريّة الأميركيّة نقاط ضعف في كلّ مكان، وأنّ يد إيران قادرة على الوصول إليها.
قدّم الرئيس الإيرانيّ الراحل إبراهيم رئيسي نفسه خلال زيارته لكاراكاس في حزيران 2023 وريثاً لِما أسماه “كيمياء الاستقلال” التي تربط الثورة الإسلاميّة في طهران بالحركات التحرّريّة في أميركا اللاتينيّة، حيث اعتبر أنّ هناك تناغماً فكريّاً وروحيّاً عميقاً يجمع الطرفين في سعيهما لرفض الهيمنة الغربيّة. وأكّد رئيسي أنّ هذه “الكيمياء” ليست مجرّد تحالف سياسيّ عابر، بل هي رابطة استراتيجيّة قائمة على قيَم مشتركة من المقاومة والصمود، مشيداً بنضالات شعوب المنطقة ضدّ الإمبرياليّة، ومقدّماً نموذج بلاده في الالتفاف على العقوبات كخارطة طريق مشتركة لتعزيز سيادة الدول المستقلّة بعيداً عن الوصاية الدوليّة.
تبخّر كلّ ذلك في ساعات قليلة صباح السبت الفائت. سرعة الانهيار هي ما يجب أن يرعب المراقبين في طهران. أربعة أشهر فقط، سقطت فيها أربعة أعمدة للاستراتيجية الإقليميّة والدوليّة الإيرانيّة. ما تعيشه إيران الآن يشبه عمليّة هدم ممنهجة، تماماً كما تُفجَّر المباني العملاقة عبر عبوات موزّعة بشكل مستقلّ، يُسقط تفجيرها المتتابع الكتل الإسمنتيّة أيّاً تكن ضخامتها.
لكلّ تطوّر قصّته الداخليّة ومنطقه المستقلّ. بيد أنّ النتيجة الكلّيّة لهذه التطوّرات هي سقوط العمق الاستراتيجيّ الإيرانيّ بسرعة تفوق قدرة طهران على التكيّف. فمع تداعي أحجار الدومينو من بيروت الى دمشق إلى كراكاس، وتدمير البرنامج النوويّ، تجد طهران نفسها محاصَرة في جغرافيا الضرورة، حيث لم يتبقَّ في جعبتها سوى الحوثيّين في اليمن، وهم الفصيل الأقلّ اندماجاً في النسيج الأيديولوجيّ للمحور، وتنحصر وظيفتهم في تقديم قدرة تخريبيّة للملاحة الدوليّة لا تصل لمرتبة الثقل الاستراتيجيّ الذي كان يوفّره نظام كراكاس أو “الحزب” أو الأسد. أمّا في العراق، فتواجه الميليشيات الموالية لطهران واقعاً سياسيّاً جديداً تحاول فيه بغداد جاهدةً النأي بنفسها عن مغامرات الوكلاء الأكثر عدوانيّة، خوفاً من الانزلاق نحو عزلة دوليّة. وبذلك، تتحوّل إيران من إمبراطوريّة عابرة للبحار والمناطق الزمنيّة إلى قوّة إقليميّة منكمشة، تراهن على أطراف متناثرة لا تملك القدرة على ترميم التصدّع الكبير في بنيان “العمق الاستراتيجيّ” الذي تهاوى قبل ليلتين.
الرهان الاستراتيجيّ الأخير لطهران هو البرنامج الصاروخيّ الباليستيّ، الموضوع في مرمى النيران الإسرائيليّة بانتظار التوقيت المناسب لقصّ أجنحة طهران العسكريّة المتبقّية.
بينما كانت طهران منشغلة بتفكيك رموز وإشارات اللقاء بين بنيامين نتنياهو والرئيس دونالد ترامب، الذي بدا كاجتماع غرفة عمليّات عسكريّة في قصر الأخير في مارا لاغو-فلوريدا، وصلت أخبار انهيار الحليف الفنزويلّيّ. تدرك طهران أنّ إسرائيل التي استثمرت سنوات في اختراق العمق الإيرانيّ أمنيّاً، ترى الآن في رئاسة ترامب والانهيار المتسلسل لحلفاء إيران فرصة تاريخيّة لتوجيه ضربة قاضية للنظام.
في مكان ما في طهران، يحاول شخص ما أن يشرح للمرشد الأعلى كيف تبخّر استثمار استراتيجيّ دام أكثر من أربعين عاماً في غضون أربعة أشهر فقط. لن تكون مهمّته سهلة.

Share